بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

الفنان السوري حسين عباس

 

زاهي وهبي: مساء الخير. لم يكن ضيفنا يحلم بالتمثيل والشهرة والنجومية، حتّى حين قادتهُ أقداره إلى خشبات العرض اختارَ نوعاً من المسرح لا ينفصِلُ عن الواقع، لا يقفِزُ فوق هموم الناس، الناس الذين ينتمي إليهم ويعيش بينهم. فالحالِمُ بحراسة المرمى والتصوير الفوتوغرافي حالت ظروفه الماديّة يوماً من دون دخوله معهد الفنون الجميلة، لكنّه بالموهِبةِ والثقافة لا بالمُصادفة أو بالحظّ صارَ نجماً تلفزيونياً ووجهاً محبوباً. من "ضيعة ضايعة" إلى "الواق واق" وقبلهما وبعدهما مسيرةُ فنّانٍ مسرحيٍّ مُتميِّز استطاعَ بهدوءٍ وصمتٍ وصبرٍ أن يُراكِمَ تجربةً تستحقّ التوقّف عندها وتسليط الضوء على أبرز مفاصلها. "بيتُ القصيد"، بيتُ المُبدعين العرب، يُرحِّبُ بالفنان السوري القدير الأُستاذ "حسين عبّاس"، أهلاً وسهلاً بك

حسين عبّاس: أهلاً بك وشكراً لك أُستاذ "زاهي"، شكراً لقناة "الميادين" على هذه الاستضافة، أنا أعتبر نفسي محظوظاً جداً لأنني موجود أولاً مع هذه القناة في هكذا برنامج مع هكذا شخص

زاهي وهبي: الله يخلّيك

حسين عبّاس: أنت محبوب كإعلامي في (سوريا) وأنا أريد أن أنقل لك تحيات أُناس كثيرين، ومحبوب كأديب وكشاعِر

زاهي وهبي: الله يخلّيك، نحن نعتزّ بوجودك وبتجربتك المُتميِّزة نعرف كم أيضاً عندك مُحبّون سواء في المسرح، يعني جمهور المسرح، أو جمهور التلفزيون لكن كما قلت أنا في المُقدِّمة، حضرتك كنت تحلم أن تكون حارس مرمى أو مُصوِّراً فوتوغرافياً ومارست التصوير لفترة في استديو "جميل شيبا" صحّ؟

حسين عبّاس: "جميل شيبان"

زاهي وهبي: "شيبان". أولاً ما سبب هذا الحلم ولماذا لم تُكمِل فيه؟

حسين عبّاس: أولاً كنتُ صغيراً جداً عندما اشتغلت في الاستديو وكان إسمه استديو "أوغاريت"، أخذني المرحوم الوالد لعند صديقه المُصوِّر ووضعني عنده لكي أتعلّم هذه المِهنة. كنت في الصفّ السادس والسابع، هاتان هما السنتان اللتان اشتغلت فيهما في الصيف لكي أُنتِج مصروفي. أحببت هذه المهنة كثيراً، وعلى صغَر عُمري أوكلَ لي المُصوِّر في بعض الأحيان نتيجة غدر، غدرته أنا لأنّ أحدهم جاء ليصوّر وكان غير موجود فصوّرته أنا، أيام الكاميرات القديمة الأسود والأبيض، فغامرت وصوّرته وحمّضت المُسودّة وكانت الصورة، فاعتمد عليّ في قصص كثيرة

زاهي وهبي: هذه المِهنة، ولو أنّكَ زاولتها سريعاً وليس لوقت طويل، خدمتكَ في مجال المسرح؟ في رسم كادر مُعيّن في إطار مُعيّن؟

حسين عبّاس: بالتأكيد، أي شيء يخدُم في المسرح إذا رغب الممثل في توظيفه في المسرح، منها التصوير الفوتوغرافي ومنها دراستي في الفيزياء والكيمياء

زاهي وهبي: في الجامعة

حسين عبّاس: أحياناً كانوا يقولون لي، وما علاقتها؟ لها علاقة كبيرة دراسة الفيزياء والكيمياء والرياضيات في موضوع الفنّ والتمثيل

زاهي وهبي: كنت ترغب أن تدخُل معهد الفنون الجميلة، صحّ؟

حسين عبّاس: معهد الفنون المسرحية نعم، لكن نتيجة ظروف ماديّة

زاهي وهبي: عفواً، معهد الفنون المسرحية أقصد

حسين عبّاس: أنا مُقيم في مدينة "اللاذقية" وظروفي الماديّة حالت دون ذلك بسبب عدم وجود إمكانية

زاهي وهبي: كي تنتقل إلى (دمشق). لكن لماذا اخترت دراسة الفيزياء والكيمياء مثلاً ولم تختَر شيئاً قريباً للأشياء التي تُحبُّها؟

حسين عبّاس: كنت أُحبّ دراسة الفيزياء والكيمياء في المدارس وكان عندي مجموعة خيارات، أيضاً من ضمن الخيارات كان دراسة الحقوق أيضاً في (دمشق). "جامعة تشرين" لم تكن قديمة كثيراً عندما درست فيها فدخلت هذا الفِرع

زاهي وهبي: بدأت حضرتك مشوارك التمثيلي يُمكننا أن نقول من على مقاعِد المدرسة، كنت تُقلِّد الأساتذة والطُلّاب والناس الذين تعرفهم ولكن قبل أن نحكي عن هذا المُشوار وأبرز مفاصله دعنا نُشاهدك معاً في "علامة فارِقة"

علامة فارِقة

حسين عبّاس:

- وُلِدت لأنني وُلِدت، ليس بإرادتي، لاحقاً أنا أختار الطريق، أوفّق أو لا أُوفّق هذا موضوع آخر

- اخترت مهنة شاقّة، التمثيل، الشاقة المُمتِعة. عدد المرّات التي أتيت فيها إلى (بيروت) قليلة جداً لكن في أوّل مرة فعلاً مشيت فيها وجدتها تشبه شيئين، تُشبِه (دمشق)، لا أدري ربما لأنها عاصِمة، وتشبه إلى حدٍّ ما بعض المناطق في مدينتي (اللاذقية). حكى عنها كثيراً مثلاً "نزار قبّاني"، تتشكل صورة ذهنية عند الإنسان فيراها إمّا أجمل أو أسوأ 

- يعنون لي الأماكن التي فيها مسارِح، هناك أسماء مسارِح في ذهني سمعت عنها منذ أن كنت صغيراً، مسارِح عريقة ومُهمّة. في الحقيقة زعلت عندما شاهدتها مُغلَقة، مثلما أزعل حينما أكون في (اللاذقية). عندما كنتُ صغيراً كان هناك كما أذكُر 11 سينما والآن لا يوجد ولا صالة سينما في مدينة (اللاذقية)

- عنى لي كثيراً وأنا أتحدّث الآن على خشبة المسرح لأنّ جزءاً كبيراً من حياتي أمضيته على خشبة المسرح. الإنسان يعيش ويفعل كلّ شيء في حياته، ممكن أن يكوِّن عائِلة، ممكن أن يؤسّس عملاً، ممكن أن ينتِج مالاً وممكن ألّا يُنتِج، ممكن أن يُربي أولاده بشكلٍ صح وممكن أن يُربّي أولاده بشكلٍ غلط، ممكن أن يفشل أو ينجح في مراحل، يفشل في العموم أو ينجح في العموم، ممكن أن يكون هذا الشخص طبيباً، مُزارِعاً، ضابطاً. الإنسان يعيش هذا العُمر حياة واحدة والممثل يعيش حيوات متعدّدة

- أي مكان ممكن للممثل أن يُمارس أداء شخصية مُعينة، فأيّ مكان هو مسرحه، دعونا نقول يقول والله هذا ملعبي وهذا مسرحي. المسارِح تشبه بعضها في مسألة حلوة، أنّ لها نفس الرائِحة

- أكيد أُحبّ "تشارلي تشابلن"، أحبّ "عبد الحليم حافظ". منذ أن كنتُ طفلاً أُختي الكبيرة "شادية" تعشق "عبد الحليم حافِظ"، فلم يكن فيلم يُعرض في السينما، أيام ما كانت هناك دور سينما في (اللاذقية)، إلّا وتأخذني معها. عشقت الأُنثى الموجودة في أغاني "عبد الحليم حافظ"، كنت أعيش فعلاً قصص حبّ عديدة وجميلة جداً في (مصر) غير موجودة، موجودة في خيالي فقط

- أُحبّ أن أشتغِل تجارب مع بعض المُخرجين في التلفزيون، الذين يكون عندهم روح تُشبه روح المسرح، التلفزيون لا أُحبّه

- ما يُخفِّف عنّي متاعِب هذه المهنة هو ردّة فعل الجمهور، في المسرح بشكلٍ مُباشَر وفي الفنون الأُخرى بشكلٍ غير مُباشَر

- في الظرف الذي نمرّ فيه الآن، في الحرب يعني، اكتشفنا في الأخير أنه ليس لنا سوى بعضنا البعض، وهذا الكلام ليس نظرياً. لكي يكون ليس لنا سوى بعضنا البعض من اللازم أن نُحبّ بعضنا البعض

- اشتغلنا في محافظتي (اللاذقية) أنا ومجموعة من الأصدقاء على مجموعة كبيرة من الأطفال المُهجّرين من مُحافظات أُخرى وقاطنين في مدينة (اللاذقية). توقّعنا أنّ هذا الموضوع سيكون صعباً جداً بالإضافة إلى المسؤولية الكبيرة تجاه ما هو الممكن أن نقوله لهؤلاء الأطفال أو ما ممكن أن يقولوا هؤلاء الأطفال

- طبعي هكذا فعلاً وكلّ الناس تنتبه إلى هذه القصة، لماذا حزين؟ أحياناً لا أكون حزيناً لكن أكون هكذا. ليتنا نظلّ أطفالاً ونملك براءتهم وعفويتهم وصدقهم، الطفل لا يعرِف أن يكذب ونحن كلّما كبِرنا نتعلّم الأشياء غير الجيدة، يوماً بعد يوم نتعلّم أن نكذب، نتعلّم أن نبغُض، نتعلّم أن نلِفّ وندور

زاهي وهبي: يعني اليوم سنكون دغري، هكذا، لن نلِف ولن ندور. جولة حلوة على تياترو (فردان) ومسارِح شارِع (الحمرا). لحدّ اليوم لم تعرِض ولا عمل مسرحي أو شاركت في عمل مسرحي في (بيروت)

حسين عبّاس: لا، للأسف الشديد. كان هناك أكثر من فِكرة أو مشاريع منقوصة ولم نتمكّن من الوصول إلى هذه العروض منذ سنوات عديدة سواء في المسرح الجامعي أو المسارِح الأُخرى

زاهي وهبي: نتمنّى أن نُشاهِدك في عمل مسرحي في (بيروت)

حسين عبّاس: أنا الذي أتمنّى

زاهي وهبي: جدّ يعني، والحركة المسرحية في (بيروت) لا بأس فيها، نشِطة دائِماً. مثلما قلنا قبل "علامة فارِقة"، وسنرجع إلى بعض القضايا التي أثرتها حضرتك، كنت تُقلِّد، يعني موهبة التمثيل في المدرسة اكتُشِفت من خلال تقليدك لزملائك وأساتذتك؟

حسين عبّاس: كنت اُقلِّد بعض أقربائنا في البيت

زاهي وهبي: في البيت، يعني قبل المدرسة

حسين عبّاس: هكذا، ولا كان يخطُر في بالي أنّها ستقودني إلى هذا الطريق كما حكيت حضرتك. في المدرسة كنتُ أُقلِّد بعض المدرّسين، الذين أُكنّ لهم كل الاحترام، مع مجموعة من الأصدقاء مع بعضنا بشكلٍ داخلي، كنّا نخاف أن نصل إلى أنّ أستاذاً يسمع أنّ أحدنا يُقلِّده. كنت في الصف الحادي عشر وفي مناسبة عيد المُعلِم كنا نقيم احتفالاً تقليدياً كلاسيكياً، خطبة ولا أدري ماذا ويعزفون أغان ولا أدري ماذا، جاء

زاهي وهبي: قم للمُعلِّمِ وفّهِ التبجيلَ

حسين عبّاس: وفِّه التبجيلَ، فجاء أحد المُدرسين، وهو الموجِّه عندنا "بدر قبرصلي"، ونزِل إلى ساحة، المدرسة، مدرسة "جول جمّال" وهي مدرسة عريقة وقديمة فيها من السابع إلى البكالوريا والأعداد كبيرة، جمهور ضخم، ولأوّل مرّة باغتني وقال لي، عليك أن تعتلي المسرح وتُقلِّد الأساتذة. خفت أنا فقدّموني واعتليت المسرح وقدّمت، كان شيئاً جدياً يعني ولم يكن دارِجاً

زاهي وهبي: كان الأُستاذ له هيبة ووهرة أكثر من اليوم

حسين عبّاس: تماماً، حتّى سألت أنا قبل أن أُقدِّم، هل سيزعل أحد؟ فقال لي لا لن يزعل أحد، فسألته "ولن تزعل أنت؟ فقال لي "وهل ستقلّدني"؟ قلّدتهم بعفويتي التي كنت أُقلِّد فيها أمام الأساتذة، فللمرة الأولى أشعُر بإحساس المُمثِل والمُتلقّي لأنّ الطلاب كانوا حوالى ألف طالب وكانوا منصتين بشكلٍ جيد جداً، الضِحكة، نظرة الناس في اليوم التالي، نظرة المُدرّسين لي، أحسست بهذه

زاهي وهبي: النشوة

حسين عبّاس: بهذه النشوة، بهذه المُتعة، شعرت بها لأوّل مرّة. تابعت دراستي للبكالوريا وبعدها في المسرح الجامعي

زاهي وهبي: كم يُمكننا أن نقول إنّ المسرح الجامعي، تجربتك في المسرح الجامعي حينما كنتُ تدرُس فيزياء وكيمياء في "جامعة تشرين" هي التي بلورَت المُمثِل والمُخرِج الذي فيك؟

حسين عبّاس: تجارب المسرح الجامعي عموماً هي تجارُب، رغم أنّهم طلاب لكنها تجارُب ناضِجة. المسرح الجامعي مسرح عريق جداً في (سوريا) عموماً وفي جامعة "تشرين" خصوصاً

زاهي وهبي: ما الذي يُميِّز المسرح الجامعي؟

حسين عبّاس: الذي يُميِّزه الخيارات التي نختار فيها الأعمال، الذي يميِّزه الجديّة والأخلاق العالية في انتقاء الناس الذين يُمكن أن يشتغلوا في هكذا مسارح

زاهي وهبي: وربما لا توجد منافسة أو البُعد التجاري في الموضوع، أنّه في النهاية ضمن إطار أكاديمي وإطار جامعي فبالتالي التجريب فيه ممكن أن يكون أكثر، أو الحرص على سويّة العمل من ناحية فنية 

حسين عبّاس: لا يوجد هدف مادّي لأيّ مُشارك في أيّ عرض، وهذا سبب مهم جداً لكي يشتغِل المرء الذي يُحبّ أن يشتغِل في هذا المسرح. أنا بعدت أن تركت الجامعة اشتغلت في أكثر من عمل في المسرح الجامعي رغم أنني كنت أكبر منهم وأجرينا Workshop لكثير من الناس الموجودين في المسرح لكي نُحافِظ على كيان وقوام هذا المسرح العتيد

زاهي وهبي: أول مسرحية بشكلٍ فعلي كانت لحضرتك هي مسرحية " رأس المملوك جابر"، النصّ طبعاً للمسرحي الكبير "سعد الله ونّوس" والإخراج لـ "أيمن زيدان"، صحيح؟ أم تمثيل فقط كان "أيمن"؟

حسين عبّاس: لا، الأُستاذ "أيمن زيدان" كان مُخرِج هذا العمل، اشتغل هذا العمل مع "فرقة المسرح الجامعي" في عام 1986. أعتبر نفسي وضعت قدمي في مكان صحّ إنني بدأت بنصٍّ مهم ومع مُخرِج مثل الأُستاذ "أيمن زيدان"

زاهي وهبي: بعد كلّ هذه التجربة، بعد كلّ هذا المشوار، ماذا تقول للأُستاذ "أيمن زيدان" إذا كان يُشاهِدك؟

حسين عبّاس: أقول له، وأنا قلت له في وجهه بعد أن التقينا في آخر مرة

زاهي وهبي: على الملأ

حسين عبّاس: وعلى الملأ، أقول له، شكراً لك، شكراً لأنّكَ علّمتنا ألف باء أخلاق المسرح قبل الموهِبة قبل أيّ شيء، الالتزام بالوقت، الالتزام بالتحضير، الالتزام بالجديّة العالية. علّمنا فعلاً أصول كيفية دخول الممثل على المسرح بكامل لباقته وأناقته

زاهي وهبي: نعم. على كلّ حال أُستاذ "أيمن زيدان" النكهة التي أضافها سواء للمسرح أو للدراما في أشكالها المُختلِفة، الكوميدية والاجتماعية والتاريخية، نكهة لن تُنسى ونتمنّى أن يظلّ بهمّته ونشاطه. إبن المسرح حضرتك، وقلت كم يعني لك المسرح وخشبة المسرح ولكن التلفزيون هو الذي قدّمك للجمهور العريض. هذا الشيء يُفرِحك أو يحِزّ في نفسك؟ بمعني يعني يُفرِحك أنه وأخيراً هذه التجربة تخمّرت ووصلت للناس، أم لا، كنت تتمنّى لو فقط من خلال المسرح خصوصاً أنك قلت أنّك لا تُحبّ التلفزيون

حسين عبّاس: أجل، لا أُحبّ التلفزيون. الآن سواء زعلت أو حزنت في الحقيقة هو شعور متفاوت. زعلت لأنني أتمنّى، وحتّى هذه اللحظة أتمنّى لو أنّ هناك مردوداً مادّياً يُعيّشني بكرامة من المسرح

زاهي وهبي: من المسرح

حسين عبّاس: أنا من الأشخاص الذين لا يشتغلون للتلفزيون وأتوقّع أنّ هناك الكثير من الناس مثلي

زاهي وهبي: لماذا هذا الموقف الكلّي من التلفزيون، بمعنى أنّ هناك أعمالاً فعلاً مُدهشة ومُمتِعة وسويّتها الفنيّة والمهنيّة عالية، وهناك أعمال في التلفزيون كيفما كان

حسين عبّاس: لها علاقة ربما بترتيبي أنا شخصياً. إذا لم يكن هناك روح في الشُغل أنا في المسرح أشتغِل كثيراً بمزاج عالٍ وبروح عالية. في التلفزيون للأسف هناك شيء يعلق بالجماد، نتعامل مع آلة جامدة التي هي الكاميرا، وأحياناً تتحدّث إلى ممثل غير موجود وتتطلّع في الهواء

زاهي وهبي: صحيح

حسين عبّاس: وكأنّك تتحدّث مع أحد تُحبه أو تكرهه ولا ترى عيونه، فتشعر عيناك فارغين

زاهي وهبي: تُفضِّل أن يكون في مقابلك ممثل

حسين عبّاس: تماماً  

زاهي وهبي: حتّى لو لم يكن يحكي، لو يسمعك تؤدّي الحوار  

حسين عبّاس: هناك ممثلون كُثُر لا يقبلون إلّا أن يقفوا ويتحدّثوا

زاهي وهبي: في المشهد الواحد تحكي، عندما يكونون في حوار

حسين عبّاس: أنا قلتُ شيئاً، أنني أُحبّ التلفزيون في تجارب مع بعض المُخرجين الذين يحملون روح المسرح، يعني هناك مُخرجون أنا أشتغِل معهم وأتمنّى وأحلم أن أُعاود العمل معهم مرّة أُخرى. لن أُسمّي من أجل ألّا يزعل أحد وهم عديدون

زاهي وهبي: سأسألك عن المُخرجين

حسين عبّاس: هناك مُخرجون أؤدي تجربة معهم وأتمنّى

زاهي وهبي: ألّا تتكرّر

حسين عبّاس: ألاّ تتكرّر نعم، بصراحة

زاهي وهبي: نعم، سنعود إلى المُخرجين لكن المسرح، لماذا إلى هذا الحدّ حضرتك مُتمسِّك بهذه العلاقة الحميمة، ما الذي يعيطك إياه المسرح؟ ما السحر أو ما الإضافة المعنوية العالية والروحية التي يعطيك إياها؟

حسين عبّاس: نتيجة ظروف عديدة البني آدم تموت روحه رويداً رويداً، المسرح هو الذي يُحاكي روحي

زاهي وهبي: بمعنى الحيوات المتعدّدة التي ذكرتها؟

حسين عبّاس: تماماً

زاهي وهبي: أنه يقدر أن يعيش حيوات متعدّدة وعلى تماس مع المتفرّجين

حسين عبّاس: هذا بالتأكيد، ردّة الفِعل تكون مُباشرة، لذلك أقول أكثر من مرّة أنه لا يعني لي ما يكتبونه سلباً أو إيجاباً عن عمل مسرحي، يعني لي ردّة فِعل الجمهور المُباشِرة. روحي موجودة في المسرح وأنا أشعُر أنه إذا نقص شيء من روحي قد يصيبني مرض أو علّة فيزيولوجية

زاهي وهبي: مَن المُخرجين الذين تتمنّى دائِماً أن تتكرّر التجربة دائِماً معهم؟

حسين عبّاس: بالتأكيد "الليث حجّو"

زاهي وهبي: نعم، الذي اشتغلت معه "ضيعة ضايعة" و"الواق واق"   

حسين عبّاس: نعم، "ضيعة ضايعة" و" الواق واق" و"فنجان الدم" و "تقاطُع خطر" خماسية وخماسية صوّرناها هنا في (لبنان)، خماسية من خمسيات "أهل الغرام". اشتغلت مع الأُستاذ "ليث" أعمالاً عديدة وأتمنّى من كلّ قلبي أن أشتغِل معه. هناك مُخرجون كُثُر أتمنّى أن أشتغِل معهم، أحكي في التلفزيون، أحب الشُغل مع "فادي سليم" لأنّ روحه قريبة من روحي، وأيضاً إن شاء الله لا أنسى أن أذكُر أحداً من الذين أُحبّهم، وأتحدّث في التلفزيون

زاهي وهبي: الذين لا تُحبّهم لن نطلُب منك أن تذكرهم لأنك لن تذكرهم أتصوّر، صحّ؟

حسين عبّاس: أكيد

زاهي وهبي: أو عندك استعداد لأن تذكُرهم؟

حسين عبّاس: لا لا، ليس موضوع استعداد

زاهي وهبي: أقصد لا تُحب أن تشتغِل معهم

حسين عبّاس: لا أُحب شغلهم أكيد وأكنّ لهم كلّ الاحترام لكن لم أجد نفسي معهم، ممكن أنا السبب لا أدري لأنّ روحي لم تكُن حاضرة أو لا يوجد كيمياء بيني وبينهم، نرجع إلى الكيمياء، ولم أحب تكرار التجربة

زاهي وهبي: على كلّ حال سأُكمل علاقة المسرح بالتلفزيون وهِجرة الممثلين من المسرح إلى التلفزيون بعد أن شاهدنا ذلك سابقاً في السينما يعني نجوم السينما هجروا السينما إلى التلفزيون ولكن دعنا نُشاهِد مشهداً من "ضيعة ضايعة" ثمّ نتوقّف مع موجز إخباري سريع ثمّ نعود إلى استديو "بيت القصيد"

المحور الثاني

زاهي وهبي: مشهد من مُسلسل الندم مع المُمثلة "مرام علي"، المسلسل من إخراج "الليث حجّو". يبدو بينك و"الليث حجّو" هناك كيمياء قوية بينكما

حسين عبّاس: أكيد

زاهي وهبي: ما الذي يُميِّزه كمُخرِج، أو حضرتك ماذا تجِد فيه كمُخرِج؟

حسين عبّاس: أجد فيه قبل المُخرِج إنساناً، أجد فيه أخلاقاً عالية، التزام، أجد فيه جدّية، لاحقاً يأتي الموضوع الفنّي، إنسان يعرِف أن يقرأ النصّ صح، يعرف أن يختار النصّ صح، يعرِف أن يقرأ بين السطور، يعرِف اتجاهاته في عمله، يعرِف كيف يختار كادر الممثلين معه والفنيين، يُدافع عن الفنيين، يُدافع عن المُمثلين

زاهي وهبي: حلو

حسين عبّاس: "الليث حجّو" آخِر شخص يوقِّع مع الشرِكة بعد أن يوقِّع جميع الذين يريدهم

زاهي وهبي: هذا نادر في هذا العالم دعني أقول، عالم الصناعة الدرامية. الشُهرة تعني لك؟ يعني تُحب عندما يعرِفك الناس في الشارِع أو في المكان العام 

حسين عبّاس: بالتأكيد الشهرة أنا أراها في معنيين، أنا أقتل قتيلاً الآن وأنشر أفعالي على الـ "فيس بوك" فأصير مشهوراً مكروهاً، الأهم أن تكون معروفاً ومحبوباً. يعني لي الكثير عندما يكون أحد عاقِد الحاجبين في الشارع يمرّ ويشاهدني ويبتسم، هذا يُسبّب لي سعادة لا سعادة بعدها، أنني كنت سبب فرح لهكذا شخص، وتُصادفني كثيراً هذه القصّة

زاهي وهبي: سنسمع عدداً من الشهادات بتجربتك ضمن "كلام يوصل"، نبدأ مع الممثل والمُخرِج التونسي الأُستاذ "خالِد أبو زيد". نسمعه معاً

كلام يوصل

خالِد أبو زيد – ممثل ومُخرج: "حسن عبّاس" صديق عزيز عليّ وأفتخِر بصداقته. فنان من الفنانين القلائِل الذين يمتازون بتجربة مسرحية كبيرة ويمتاز بالتواضع في الجانب الإنساني. إنسان مُناضِل بأتمّ معنى الكلِمة لأنه ليس فناناً فقط وإنّما هو مؤطّر للشباب، له طرح عمق فكري، شرّف (سوريا) في العديد من المحافل. من المؤسِف أنّ الشعب يعرِفه في التجربة التلفازية مثل "ضيعة ضايعة" والعديد من الأعمال، لكن تجربته المسرحية والتي هي الأعمق تجربة كبيرة جداً. الفنان يتحرّك في مجال يتعارض مع الأفكار الظلامية وهو مجال الإبداع، هنا وعي "حسين عباس" في الإلمام بشباب (سوريا) وتأطيرهم. أعرِف فيه كممثل مسرحي إلى جانب نجاحه التلفازي أنه يتلّون كالحرباء، يؤمِن بأنّ المسرح يُغيِّر الواقع. ننتظر منه المزيد رغم أنّ التجربة طويلة جداً، أكثر من ثلاثين سنة، من "رأس مملوك جابر" حتّى الآن، مدّة طويل، إلّا أنه شباب فيزيولوجياً وشباب حتّى في الروح الفنيّة الإبداعية. لا أشكّ في وطنيتك خاصةً وأنّ نضالك الفِكري والإبداعي أقوى من رصاصة لدى الأفكار الظلامية، عميقة وبعيدة المدى. ليست من النحاس الرصاصة ولكنها وردٌ وشمعٌ يُنير. في هذه الحرب كيف يُمكن استغلالها إبداعياً خاصّةً وأنّ، كما يقول "المسعدي"، الفنُّ مأساة أو لا يكون

زاهي وهبي: شكراً للأُستاذ "خالد أبو زيد" على الشهادة وعلى السؤال المهم، تفضّل

حسين عبّاس: شكراً له أولاً

زاهي وهبي: يعني النصّ الإبداعي اليوم السوري مسرحاً، تلفزيوناً، إلى آخره، إلى أيّ حدّ استلهم المأساة السورية وكيف انعكس أيضاً، أنا أُضيف، كيف انعكس الواقع على هذا النصّ الإبداعي؟

حسين عبّاس: من كثر ما رأيناه نحن والذي شافوه الناس سواء على أرض الواقع أو من أحاديث عانوا منها بعض الناس في مناطق قاسية، الذي نُشاهده على الـ "يوتيوب" والذي نسمعه من أقربائنا وأهالينا، من أناس قريبين منّا، يُحمِّل الفنان مسؤولية كبيرة سواء الكاتب أو المخرج أو الممثل، في أنه كيف يُمكن أنا أن أُقدِّم شيئاً يشبه هؤلاء. دائِماً ردّة فعل أمّ في لحظة مُعيّنة أو أبّ فقد عائِلته يُحمّلني مسؤولية كبيرة كممثل، وصارت معي أنا فعلاً في الفيلم الأخير، أنه كيف سأكون في مُستوى ردّة الفِعل هذه واللحظة التي أحدثها وأُقدِّم شخصية تعبِّر عن هؤلاء الناس

زاهي وهبي: الفيلم الأخير الذي تُصوِّره حالياً؟

حسين عبّاس: أنهينا تصويره

زاهي وهبي: "نجمة الصبح"؟

حسين عبّاس: "نجمة الصبح"

زاهي وهبي: مع الأُستاذ "جود سعيد"

حسين عبّاس: صحيح

زاهي وهبي: سنسمع رأي "جود" هذه الليلة، تفضل

حسين عبّاس: ما حدث في (سوريا) يُشتغل عنه عشرات المُسلسلات وعشرات الأفلام والأعمال

زاهي وهبي: حضرتك قدّمت وشاركت في أعمال تناولت هذا الواقع سواء في المسرح وفي التلفزيون وفي السينما. كيف انعكس هذا الواقع بشكلٍ جوهري وحقيقي على مضامين الدراما السورية والمسرح السوري والسينما السورية؟

حسين عبّاس: دعني أختصر بجملة، مسلسل "الندم" في بدايته يقول بطل المُسلسل الفنان "محود نصر"، يقول الكاتب طبعاً، ماذا فعلنا لنحصد كلّ هذا الخراب؟

زاهي وهبي: صحيح

حسين عبّاس: من يزرع الشعير لن يحصد القمح، حمّلنا مسؤولية في الأخير بالإضافة للمسؤوليات الأُخرى على الذي صار معنا. أختصر إجابتي بهذا الشيء وفي عمل واحد

زاهي وهبي: أنا أتذكّر أنني أثرت هذه النُقطة بالذات وهذه المقولة مع "محمود نصر" عندما كان ضيفاً في "بيت القصيد". هلّ يُمكننا أن نقول إنّ النصّ الدرامي أو المسرحي بأشكاله المُختلفة، تلفزيون، سينما، مسرح، إذاعة ربما صار أكثر اقتراباً وواقعية، لامسَ الجرح السوري؟

حسين عبّاس: قُدِّم في السنوات الأخيرة خلال الحرب بعض الأعمال المهمة كثيراً والتي كان لها فعلاً صدى كبيراً عند الناس، الذين شعروا أنها مرآة لشيء يعيشونه

زاهي وهبي: أهمها؟

حسين عبّاس: أهمّها "الندم"

زاهي وهبي: نعم، الذي حضرتك شاركت فيه؟

حسين عبّاس: أجل

زاهي وهبي: وشاهدنا مشهداً منه

حسين عبّاس: وهناك أعمال كثيرة، ليس لأني مُشارِك فيه لكنني مُقتنِع بهذا الكلام، وليس في ذهني الآن، في هذه اللحظة، لم يأتِ إلى ذهني إسم عمل. لكن إسمح لي، أُريد أن أقول شيئاً، أنّ هناك أُناساً

زاهي وهبي: مثلاً "نعود بعد قليل"، بُقعة ضوء"، "ضبّو الشناتي"

حسين عبّاس: تماماً

زاهي وهبي: "الولادة من الخاصرة"، "بانتظار الياسمين"

حسين عبّاس: تماماً، كلّ هذه الأعمال حكوا بشكلٍ جدّي كبير وأخلاقي عن الأزمة وعن هذه الحرب، لكن أُريد أن أُشير إلى مسألة إذا تسمح لي

زاهي وهبي: تفضل

حسين عبّاس: من المُعيب على بعض الناس أن تركب موجة وتصبح موضة وهي ليست موضة، هي رسالة وهي همّ ومسؤولية. هناك أُناس ركبت على أنها موضة للتحدّث عن الأزمة

زاهي وهبي: كما تعلم، المآسي الكُبرى تُلهِم المُبدعين لعقود من الزمن. ما زلنا اليوم نرى في السينما العالمية عن "حرب فيتنام". الأميركيون استغلّوها في السينما الهوليوودية وجعلت منها كما تعلم كيف بكون البطل الهوليوودية. عن الحرب العالمية شاهدنا عشرات الأفلام والأعمال والروايات، بمعنى أنه ليس غلط قراءة هذه التجربة إبداعياً، قراءة الحرب إبداعياً وقراءة ما أصاب (سوريا)

حسين عبّاس: هذا هو الصحّ وليس غلط لكن أنا أقول عن الناس الذين يمكن أن يأخذوا الموضوع إلى شيء آخر

زاهي وهبي: نعم، شيء تجاري

حسين عبّاس: شيء تجاري، هذا، آسف للكلمة، لكنه مُعيب. في السينما أنا اشتغلت مشاريع لها علاقة كثيراً بالأزمة خاصةً مع الأُستاذ "جود سعيد"

زاهي وهبي: نعم، في "مطر حمص" و"نجمة الصبح"

حسين عبّاس: "بانتظار الخريف" و"مطر حمص" اللذان عُرِضا، "درب السماء" و "مُسافرو الحرب" لم يعرضا بعد ومؤخراً أنهينا "نجمة الصبح"

زاهي وهبي: ماذا أضاف لك هذا الشيء روحياً؟ ماذا أصاب بك ربما الاشتغال إلى هذا الحدّ، ومسرحياً أيضاً اشتغلت على نفس الموضوع، موضوع الحرب السورية ماذا ترك فيك؟

حسين عبّاس: ترك بي أشياء قاسية جداً وحلوة جداً

زاهي وهبي: ما الحلا فيها؟ القسوة نعرِف

حسين عبّاس: الحلا فيها أنه عندما تُعرَض، مثلما عندما عُرِضَ "مطر حمص" في صالات السينما، هذا الإقبال الكبير، الناس الذين أتوا وخرجوا يتشكّروننا، والذين خرجوا يبكون ويضحكون في نفس الوقت، هذا شيء ترك أثراً إيجابياً كبيراً عندي، إنّ رسالتنا الفِكرية وصلت إلى هؤلاء الناس. الشيء غير الجيِّد، للأسف أُريد أن أقول شيئاً، أثناء التصوير الـ Location كان طبيعياً جداً، يعني صوّرنا في (حمص) القديمة في مناطِق مُدمَّرة، مجرّد أن دخلنا إلى هذا المكان ونبدأ التصوير نقول أحياناً إن الكلام يخرُج هكذا، لوحده. أحياناً مشاهِد أُضيفت إلى الفيلم نتيجة Location معيّن نصوّره. كان الديكور طبيعياً جداً للأسف، أقول للأسف يعني

زاهي وهبي: طبعاً. هذا حدث في الحرب اللبنانية على كلّ حال، كثير من الأفلام صوِّرَت منها أفلام "مارون بغدادي" و"برهان علوية" و"جان شمعون" وكان مشهد الخراب للأسف جزءاً من الصورة السينمائية. واقع الدراما العربية عموماً كيف تجده؟ يعني بمعنى، هذه الدراما قريبة من الواقع؟ تُعبِّر عنّا، عن واقعنا، عن قضايانا الجوهرية أم لا، تنأى بنفسها عن كلّ هذا؟ أنت ابتسمت ابتسامة خبيثة يمكننا أن نقول 

حسين عبّاس: قد تكون خبيثة. للأسف الشديد

زاهي وهبي: بين مزدوجين خبيثة يعني، ذات معنى أو مغزى 

حسين عبّاس: أكيد. للأسف الشديد، أريد أن آخذها كنسبة وتناسب، نسبة قليلة جداً التي تتحدّث عن الواقع. هناك أعمال كثيرة عربية وليست فقط سورية تأخذ الناس إلى مكان لا يشبهنا، حتّى اجتماعياً لا يشبهنا

زاهي وهبي: لماذا؟ ومن المسؤول؟

حسين عبّاس: المسؤول أكثر من شخص أنا في رأيي، المسؤول صحّ في الدرجة الأولى أُحمِل المسؤولية لصاحب المال

زاهي وهبي: المُنتِج

حسين عبّاس: المنتج، لأنّ المُنتِج في الأخير همّه الربح، هذا حقه وأنا لا ألومه لكن

زاهي وهبي: شكل الربح هو الذي نناقش فيه

حسين عبّاس: تماماً. من الغلط أن نقول " الجمهور عايز كده"، هذه بطِلَت من زمان. للأسف الشديد لها متابعة كبيرة وهذا يُشجِّع آخرين لأن يشتغلوا شيئاً لا يشبهنا. لا يُمكنني أن أذكُر أمثلة نهائياً وربما الناس يعرِفون، نسبة الذين يلتزمون الفنّ عموماً، بالمسرح والسينما والتلفزيون، قليلة جداً ليتحدّثوا عن شيء يشبهنا وشيء واقعي

زاهي وهبي: هنا في هذا المعنى هلّ توجد مسؤولية للدول؟ هلّ توجد مسؤولية للنقابات، وحضرتك نقابي ومسؤول عن فرع (اللاذقية) في نقابة الفنانين السوريين، نقابة الممثلين يعني. هلّ تستطيع، لا أدري من، الهيئة العامة للسينما والتلفزيون

حسين عبّاس: أنا قلت شيئاً، أحمِّل مسؤولية بالدرجة الأولى للمُنتِج، أُحمِّل المسؤولية لكادر الفنانين الذين يشتغلون

زاهي وهبي: الذين يرضون بهذه الأعمال

حسين عبّاس: ابتداءً بالمُخرِج الذي يقول، "الناس تُشاهد". هذا على التراكُم لسنوات في رأيي مؤذ. مؤذ لأجيال كثيرة مقبلة، أولادنا عموماً، في رأيي مؤذ هذا التراكُم. لا أُحمِّل مسؤولية للممثل لأنه أحياناً لا يكون يشتغل طوال العام، مهما حمل من مبادئ إلى آخره يقول إنني أشتغل

زاهي وهبي: هناك لُقمة عيش

حسين عبّاس: وأعوّض عنه في عمل آخر يقول شيئاً مهماً. فأُحمِّل المسؤولية الأكبر للمنتجين وللكُتّاب وللمُخرجين

زاهي وهبي: صنّاع هذه الأعمال

حسين عبّاس: الصنّاع الحقيقيون، في الآخر الممثل ليس من الصنّاع

زاهي وهبي: سأُتابِع مع حضرتك أُستاذ "حسين عباس" ولكن نتوقّف مع استراحة سريعة ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثالث

زاهي وهبي: مشهد من "الواق واق"، نصّ "ممدوح حمادة" وإخراج "الليث حجّو"، طبعاً مع النجم "باسم ياخور". هذه الشخصية التي أدّيتها، شخصية بحّار ومُساعِد القبطان، "عبدو غلاصم"

حسين عبّاس: "عبدو غلاصم" نعم

زاهي وهبي: "عبدو غلاصم". هلّ كونك إبن (اللاذقية)، إبن البحر وعلاقتك بالبحر جيّدة حسبما أعرِف، ساعدتك أكثر في إتقان الشخصية؟

حسين عبّاس: أجل بالتأكيد لأنّ "عبدو غلاصم" وإخوته أعرِفهم جيداً، أعرِفهم كجيراني في الحيّ. أعرِف كيف يُفكّرون، أعرِف كيف مسارهم، أعرف تحركّاتهم، أعرف حياتهم الداخلية من مأكل ومشرب وعندما يُسافرون ويعودون ماذا يقولون. ساعدتني هذه كثيراً وارتحت في أداء الشخصية لأنني أؤدّيها فعلاً

زاهي وهبي: عايشها

حسين عبّاس: أعيشها في داخلي

زاهي وهبي: خارِجة من القلب كما نقول. الكوميديا السورية من زمان إلى الآن قدّمت أعمالاً مهمة، يعني منذ الستينات والسبعينات، من "صحّ النوم" و"حمام الهنا" وهذه الأعمال المحفورة في ذاكِرة أجيال وصولاً لـ "ضيعة ضايعة" و"الواق واق" و "الخِربة" وغيرها. ما سرّ تميُز هذه الكوميديا السورية في وقت الأعمال الساخرة العربية، طبعاً تبقى هناك استثناءات، أقرب إلى التهريج في بعض المرّات

حسين عبّاس: في الدرجة الأولى هذا له علاقة بالمادة التي تُطرَح، النصّ. هناك جديّة في تناول الكوميديا أكثر من تناول أيّ عمل آخر ليس كوميديا، حتّى على صعيد الناس الذين يشتغلون في الكوميديا يتناولون الشخصية الكوميدية بمنتهى الجديّة لكي تكون تحصيل حاصل كوميدية لكن هذه الشخصية الكوميدية أنا لن أضحك عليها، أنا أُريد أن أُدافِع عنها وأُريد أن أُحبّها، منطقها هكذا يقول وهي تكون تحصيل حاصل كوميدية. لكن هناك مادة أساسية، بنية قوية

زاهي وهبي: المادة، النصّ

حسين عبّاس: تماماً، ناقدة، ساخرة فيها ابتسامة وفيها وجع في نفس الوقت. السخافة بينها وبين الضحكة شعرة وإذا ابتلى الممثل بأنه سخيف قد تلاحقه هذه الصفة طوال عُمره. تعلّمت شيئاً من "الليث حجّو" باسمه الكبير، كيف تشتغل على الشخصية الكوميدية، هذا الكلام الذي قلته أنه عليك أن تحبها وتُدافِع عنها وتؤدّيها بمنتهى الجدية لكي تكون كوميدية

زاهي وهبي: يعني شخصية الشرطي "حسّان" في "ضيعة ضايعة"، منذ متى عُرَض العمل؟

حسين عبّاس: منذ حوالى عشر سنوات أو 11 سنة

زاهي وهبي: إحدى عشر سنة وما زلت عندما تذكر إسم العمل، يعني "ضيعة ضايعة" أو تقول فلاناً أو الشخصية، الشرطي "حسن"، تجد أنه لا يزال التفاعل لحدّ اليوم مع الشخصية. ما سرّها؟

حسين عبّاس:   ومُتابع لحدّ اليوم، سرّها الأساسي أنها حكت عن وجع حقيقي عند الناس

زاهي وهبي: لها مُرادِف في الواقع؟

حسين عبّاس: كثيراً لها مُرادف في الواقع، والدكتور "ممدوح حمادي" عنده استشراف كبير للمُستقبل، يعني كان يُعرَض "ضيعة ضايعة" قبل الأزمة وكان تلقيه عند المُشاهِد أثناء الأزمة مختلِفاً عن قبل الأزمة لأنّه عندما شاهده أثناء الأزمة قال أنّ هذا المُسلسل تصوَّر الآن

زاهي وهبي: يعني التلميحات التي فيه أو الإشارات تصير مفهومة. لو سمحت قبل قليل شاهدنا مشهداً ن "ضيعة ضايعة"، حضرتك والممثل القدير الأُستاذ "جرجس جبارة"، هل نسمعه ونسمع إذا تريد في "كلام يوصل " ما يقوله عنك؟

حسين عبّاس: صديقي

كلام يوصل

جرجس جبارة – ممثل: أستطيع أن أقول إنّ "حسين عباس" إنسان حقيقي، إنسان غير مُزيّف، صادق بتعامله مع الناس كلّهم وأجمل ما فيه أنه صادق مع ذاته. فالإنسان الصادق مع ذاته ومتصالِح مع نفسه هو إنسان واضِح وغير غامِض أبداً. فـ "حسين عباس" هو إنسان مُخلِص حتّى في عمله، مُخلِص حتّى في علاقاته مع الناس كلّهم. دائِماً يرسُم الداخل، داخله دائِماً مرسوم على وجهه من خلال هذه العلاقة. "حسين عبّاس" بالنسبة لـ "جرجس" طبعاً هو الصديق الصدوق الذي دائِماً الفُسحة من فراغ وقتي أشعر أنّ "حسين عباس" يمليها لي، وهذا كلام أقوله بشكلٍ حقيقي وصادق لأنني مهما تحدّثت عن "حسين" أكون مُقِلّاً جداً، فـ "حسين" فنان وإنسان في آنٍ واحد. "حسين" شخص يدرُس الدور بشكلٍ جيِّد جداً، يُعطي خلفية أكثر للدور، يعني يُغْني الدور المكتوب على الورقة وأهمّ شيء أنّ "حسين" هو شخص يتعامل مع الشخصية بكلّ صُدق وأمانة ومحبّة. تمكّن من إحداث توازن جميل جداً  بين رسالته الفنيّة وما بين عائِلته، اليوم يُعطي العائِلة بقدَر ما يُعطي الفنّ وأكبر دليل أنّ أولاده، الله يخلّي له إياهم، متميّزين جداً في دراستهم ومتميّزين في المُجتمع. فـ "حسين" هو ربّ أُسرة ناجِح لأنه إنسان حقيقي وإنسان لا يعرِف التزييف نهائياً وتمكّن من إحداث حال التوازن هذه. فالمُختصر الذي أُريد أن أقوله إنّ "حسين" هو إنسان بكلّ معنى الكلمة، إنسان حقيقي وإنسان متوازن في الحياة، كما هو في الفنّ كما هو حياته الشخصية. ماذا يعني لك الدور الأوّل؟ الذي أقصده هو دور البطولة الأساس؟ وهلّ مساحة الدور لها علاقة بقُدرات الممثل؟ وبالنسبة لك أنت هل تعتبر مساحة الدور عامِلاً مهمّاً لك في الظهور بشكلٍ أكثر جودة في أيّ عمل درامي تشتغله؟

زاهي وهبي: شكراً للقدير "جرجس جبارة". شهادة مُحبّة وسؤال أيضاً في محلّه، تفضل

حسين عبّاس: أولاً أشكره جزيلاً، هو صديق وأخ حقيقي لي، علاقتنا مميّزة جداً. الآن سأُجيب باختصار، أُستاذ "بسام كوسا" قال من زمان جملة

زاهي وهبي: نمسّي "بسام" بالخير. ماذا قال!

حسين عبّاس: قال، ليس مهماً أن تلعب دور البطولة بقدر ما تلعب دورك ببطولة

زاهي وهبي: حلو. أن تكون بطلاً في أداء الدور الذي تؤدّيه. ما الذي أكثر شيء، خصوصاً في الدراما التلفزيونية، ممكن أن يجعلك تقبل بالدور؟ يعني بمعنى شخصية إيجابية، بطل إيجابي أو سلبي، شخصيّة مُركّبة أم شخصيّة سلِسة؟ ما هي معاييرك ومواصفات الأدوار التي تغريك كثيراً لتؤدّيها

حسين عبّاس: أُحبّ الأدوار التي فيها عنف أكثر، ربما اشتغلت هكذا شيء في "الندم" والآن عندي هذه الخماسية مع الأُستاذ "فادي سليم" وهو شخص جيّد جداً، في السينما اشتغلت هكذا دور لكن لغاية الآن في ذهني أن أشتغِل

زاهي وهبي: الخماسية صوّرتموها؟

حسين عبّاس: لا، الآن سنصوِّرها وفيها شخصية سلبية جداً، واشتغلت قبلاً في المسرح والتلفزيون وفي السينما مع الأُستاذ "جود سعيد" في "مسافر" والحرب" وأخذت فيه شخصية قذرة بكلّ معنى الكلمة، أميل لهذه الشخصيات أكثر

زاهي وهبي: لماذا؟

حسين عبّاس: تُشغّلني أكثر لأنّها لا تشبهني

زاهي وهبي: لأنّها النقيض

حسين عبّاس: لأنها النقيض. أنا عندما أخذت دوراً في مسلسل "الندم" مع الأُستاذ "ليث" أعطاني الدور فقلت له، لي هذا الدور؟ قال، نعم. قلت له، لا يوجد فيه شيء يشبهني! فقال لي، لأنه لا يوجد فيه شيء يُشبهك أريدك أن تؤدّي هذه الشخصية

زاهي وهبي: لأنها تستفزّك وتُحْدِث عندك تحدياً في معنى من المعاني

حسين عبّاس: أيضاً هناك مسألة ثانية، من كثرة ما أنت على نقيض من صفات هذه الشخصية ترى فيها الجوانب المتوحِّشة والسلبية، فتريد أن تُخرجها لتنتقم من الشخصية فيخرج الأداء معك بشكلٍ

زاهي وهبي: لتُكره الناس والمُشاهدين فيها فتُخرِج أسوأ ما في الشخصية. أشار الأُستاذ "جرجس" إلى التوازن الذي تُحدِثه حضرتك بين المسرح والأُسرة، أو بين الفنّ والأُسرة، وزوجتك السيّدة "سوسن عطّافي" مسرحيّة أيضاً، هلّ عندما يكون الشخصان الزوجان مسرحيين تحت سقفٍ واحد يُخلِق هذا حواراً أعمق، يجعل الحياة أسهل؟ أم يجعل الحياة أصعب لأنّ علينا أن نُفلسِف كلّ شيء ونُناقِش كلّ شيء؟

حسين عبّاس: لا أسهل، أكيد أسهل لأنه حين تحكي في موضوع مُعيّن تجد من يفهم هذا الكلام، وعندما هي تجي تجد من يفهم هذا الكلام سواء أنا أو هي. نشتغِل معاً أحياناً في أغلب الأعمال المسرحية ونكون معاً في نفس العمل، نغيب عن البيت معاً ونرجع إلى البيت معاً، فهناك علاقة رفقة بيننا أكثر مما هي علاقة زوجين. أنا تعرّفت عليها في المسرح وارتبطنا وأنشأنا هذه الأُسرة. لا أحد ينتظر أحداً

زاهي وهبي: لا أحد!

حسين عبّاس: لا أحد ينتظر أحداً، يعني لا أذهب أنا واشتغل وهي تنتظرني كلّ الوقت، عندما تذهب لتشتغل أنا أحياناً أنتظرها، نغادر المنزل معاً ونعود معاً وهذه مسألة مهمة جداً من أن ينتظر أحدهم أحداً طوال عُمره، تنتظره فترة أو فترتين

زاهي وهبي: الحلو أن يكون كلّ طرف من طرفي المُعادلة الزوجية عنده كيانه، يعني قد حقّق ذاته وليس أنه في ظلّ الآخر

حسين عبّاس: لا أبداً، هناك أعمال أشتغل فيها وعندما يقولون إنهم يريدون المدام أقول لهم احكوها، الموضوع الفنّي أنا فصلته تماماً عن الموضوع الاجتماعي، هذا شغلي

زاهي وهبي: لأنّ هناك كثيرين للأسف، خصوصاً في أوساط المُثقفين أحياناً والفنانين، يتحدّثون عن حرية المرأة، يتحدّثون عن حقوق المرأة ولكن عندما يأتي الدور على البيت تجد أنّ هذه الحرية تقف على عتبة الباب، يعني لا يتركون نساءهم يأخذون نصيبهم في الحياة وفي الطموحات

حسين عبّاس: أجل طبعاً. لا، هذا الموضوع أدّعي أنني لست فيه، ومثلما حكى الأُستاذ "جرجس" أنني أجريت توازناً مع أُسرتي، حتّى أبنائي اشتغلوا معي فترة في المسرح وبعد ذلك هم قرّروا أنهم لا يريدون المتابعة

زاهي وهبي: نعم، عندك شابان

حسين عبّاس: نعم شابين، "سعيد" و"زياد"

زاهي وهبي: وكلاهما تخرّجا من الجامعة

حسين عبّاس: هذه السنة "سعيد" يتخرّج من كليّة الآداب قسم اللغة الإنكليزية و"زياد" إن شاء الله في السنة المقبلة في الطبّ البشري

زاهي وهبي: نتمنّى لهما التوفيق طبعاً ولأمّهما أولاً. بما أننا ذكرنا الزواج والزوجة صورة المرأة في الدراما السورية، في النصّ التلفزيوني أو المسرحي والسينمائي قُدِّمَت بشكلٍ إيجابي؟ بشكلٍ يُعطي هذه المرأة السورية حقها ومكانتها؟

حسين عبّاس: أجل أكيد. الدراما السورية تقدّمت مع بعض الاستثناءات التي شوّهت المرأة، أنه ليس هكذا المرأة السورية. من اللازم عندما نُشاهِد عملاً فنياً، عمل تلفزيوني، عمل فنّي عموماً، ونرى فيه شخصيات نسائية نجدها تشبهنا، يعني أرى أُمّي وأرى زوجتي وأرى أُختي وأرى جارتي. أُريد أرى شيئاً يشبهنا نحن، أُريد أن أرى شيئاً ربما لا يشبهني ولا يتقاطع معي اجتماعياً لكن أنا أجده حقيقةً

زاهي وهبي: في الواقع، في المُجتمع 

حسين عبّاس: ألّا أرى شيئاً خيالياً وسريالياً وغير موجود. بعض الأعمال نعم، ساهمت في تصوير صورة المرأة لكن في الدراما السورية النسبة الأكبر تضع المرأة في مكانها

زاهي وهبي: مَن مِن المُمثلات السوريات تحب العمل معهنّ؟ يعني يُغريك وجود هذه الممثلة أو تلك في العمل فتزداد رغبتك في أن تكون فيه

حسين عبّاس: كثيرات جداً

زاهي وهبي: مثلاً، على سبيل المثال

حسين عبّاس: على سبيل المثال "شكران مُرتجى"

زاهي وهبي: نعم، صديقتنا "شُكران" ونعتزّ بصداقتها

حسين عبّاس: حلو جداً الشغل معها وهي محِبّة جداً، إنسانة تعطيك أكثر مما تأخُذ منك. هناك أُناس ربما اشتغلت معهم في شيء بسيط وأتمنّى فعلاً أن أشتغِل معهم

زاهي وهبي: مثل!

حسين عبّاس: مثل السيّدة "أمل عرفة" مثلاً، اشتغلت معها ربما في "بقعة ضوء" فقط لكن كثيراً    التعامل كان

زاهي وهبي: نجمة كبيرة وممثلة قديرة والشيء نفسه "شكران" طبعاً

حسين عبّاس: تماماً. هناك الكثيرات والله، من الرعيل الأول السيّدة "سمر سامي"، اشتغلت معها في مُسلسل "قرن الماعِز" ربما ولم نلتقِ كثيراً، لكن من هذا الجيل تتعلّم الانضباط وتخجل من نفسك كممثل جديد أن ترى ممثلاً في هذا الأمر

زاهي وهبي: وهي طبعاً من بين الأكثر تميّزاً بين بنات جيلها

حسين عبّاس: غير فنياً أحكي كالتزام بالوقت، كتواضُع، كحفظ، كتعليمات المُخرِج، فيخجل الممثل أحياناً من نفسه يأتي ربما بنفس معيّن ويقول لا، أريد أن أتعلّم الالتزام إذا حابب أن يتعلّم طبعاً

زاهي وهبي: سأسألك عن زملاءك الشباب، بعد الاستراحة الأخيرة نُتابع "بيت القصيد"

المحور الرابع                                            

زاهي وهبي: مشهد من فيلم "مطر حمص" لـ "جود سعيد"، المُخرِج "جود سعيد". حضرتك تؤدّي دور راهِب يُقتَل على بدّ جماعات مُسلّحة، هلّ هي قصة فعليّة؟ يعني هذا الراهب حقيقي؟

حسين عبّاس: ليس نفس الراهب لكن هناك راهِب قُتِل بطريقة بشِعة في بداية الأحداث في (حمص). الفيلم يتحدّث عن الأربعة أشهُر الأخيرة من حصار (حمص) قبل خروج المُسلّحين بموجب الاتفاقية. هناك أناس رفضوا أن يخرجوا من (حمص) القديمة وبقوا في منازلهم. الفيلم يتحدّث عن مجموعة

زاهي وهبي: عن الناس الذين بقوا

حسين عبّاس: عن الناس الذين بقوا والراهب أحدهم، فقبل خروج المُسلّحين في هذا المشهد يُطلَب إلى الراهب أن يُسلِّم فلاناً وفلاناً مقابل إنقاذ حياته ولم يقبل. الحقيقة، قصة الفيلم ليست واقعية مئة في المئة لأننا سمعنا قصصاً أثناء وجودنا هناك أقسى بكثير مما عرضناه في الفيلم، لا تُعرَض لشدّة قساوتها على المُشاهِد. قصّة درامية افتراضية حُفظت فيها مصداقية هؤلاء الناس ومُعاناتهم إلى حدٍّ ما وحُفِظ فيها الشكل الدرامي الذي كان سيظهر بشكلٍ فنّي

زاهي وهبي: هلّ السينما أكثر قُدرة على مُلامسة الواقع من أشكال فنية أُخرى؟ يعني أكثر من التلفزيون، أكثر من المسرح؟

حسين عبّاس: أكثر من التلفزيون أكيد، السينما تتميّز بمسألة في رأيي، الفيلم خالِد يعيش مئة سنة والمُسلسل تُشاهده وفي السنة اللاحقة تقول المسلسل كذا نسيت اسمه. هذا الفيلم ممكن أن يُعرَض لمئة سنة لاحقة، ممكن أن يوثِّق لفترة، ولا أتحدّث عن "مطر حمص"، عن أيّة قضية، يُمكن أن يوثّق لفترة تتحدّث عن قصّة اجتماعية مُعينة تشاهدها بعد خمسين سنة وتعرِف ما كانت العادات والتقاليد وبشكلٍ غير مُباشر تصِل. الفيلم يعيش                                                    

زاهي وهبي: يقال، عفواً، يقال التلفزيون بلا ذاكرة بينما السينما

حسين عبّاس: هي الذاكرة  

زاهي وهبي: هي الذاكرة

حسين عبّاس: تماماً. في السينما هامِش حريّة أكبر لتقول ما تريد أن تقوله، طبيعة الصنعة الموجودة في السينما تجعلك، عندما تُشارك في فيلم، تشعر بنفسك مسؤولاً عنه أو أحد صنّاعه، لا تشعر بهذا الإحساس في التلفزيون، آتي أنا وأؤدّي دوري وأمشي، أقبض وأمشي وأنا أحكي بصراحة. في السينما على العكس، تحسّ بمسؤولية كبيرة في أنك جزء من صناعة هذا الفيلم

ذكرت حضرتك أنّك شاركت في مُعظم الأفلام التي قدّمها الأُستاذ "جود سعيد"، دعنا نسمع رأيه في تجربته مع حضرتك ضمن "كلام يوصل"

كلام يوصل

جود سعيد – مُخرِج: أنا أجد دائِماً العلاقة مع الممثل التي تنجح بين المُخرِج والممثل يجب أن تستمر في مكانٍ ما لأنّك أنت تستكشِف في هذه المساحة لحظات دعني أقول ومساحات جديدة ومُختلفة عند الممثل. مع ممثل مثل "حسين عباس" أنت قادر أن تنوِّع وبالتالي تبني لأُفق جديد في العلاقة بين المُخرِج والممثل وكيف سيكون هذا الممثل وكيف تُقدّمه أنت في كلّ فيلم. هذا يُغني مسيرتي السينمائية بشكلٍ من الأشكال وفي نفس الوقت يُقدِّم لشراكة. أنا شخص أؤمِن بالشراكات، وليس أن تكون الكاميرا فقط خلفي بل أيضاً أن تكون أمامي، فنحن مثلاً لا يمكننا أبداً أن نُقارِن الدور الذي أداه أُستاذ "حسين" في "مسافرو الحرب" بدوره في "درب السماء" أو بدوره في "نجمة الصبح"، في كلّ مكان كان يُمكنه أن يُخرِج من مخزونه المعرفي شكلاً مختلِفاً للشخصية، مرّة نذهب في اتجاه الكوميديا، مرّة نذهب في اتجاه العُمق النفسي إلى آخره. ففي كلّ مرة كان "حسين" يتقدّم بطريقة مُختلِفة، طبعاً هذا مردّه الأول المساحة الواسعة التي يُمكنه أن يلعب فيها ممثل مثل "حسين عباس". بعدياً عن الجانب الشخصي وعن المحبّة الشخصية التي أكنّها لك وأنت أكيد تعرِفها، ما له علاقة بجانب ربما الناس لا يعرِفونه ألا وهو آلية الشغل التي نتّبعها عندما ندخل في الفيلم، علاقتنا بالنصّ، علاقتنا بالشخصية، كيف نُطوِّر هذا الشيء أثناء التصوير في البلاتو، يعني موقع التصوير، وطريقتنا الخاصة بألا نترك حدوداً بين النصّ والممثل والمُخرج. فأتمنّى أن تُضيء على هذا السؤال وأوجِّه تحية لك وتحيّة كبيرة أيضاً لأُستاذ "زاهي"، وشكراً جزيلاً

زاهي وهبي: شكراً لـ "جود سعيد" وله أجمل التحيات كما يُقال، تفضل

حسين عبّاس: وأنا أُوجِّه له أكيد تحية، "جود" صديق وأخّ غالٍ فعلاً. السؤال قد يطول الجواب عليه لكن أُحاوِل قدر الإمكان أن أختصره. حين أحكي مع "جود" هناك شيء بيننا إسمه كيمياء

زاهي وهبي: تواصل

حسين عبّاس: هناك تواصُل روحي بيني وبينه. أحياناً جود يريد أن يُعطيني مُلاحظة يقول لي، أُفكِّر هنا بأنه..، فأقول له "هكذا"؟ فننظر إلى بعض أحياناً أنه فعلاً نفس الطريقة لكيفية تقديمك لهذا المشهد وما تريد أن تقوله في هذا المشهد. "جود" عنده مسألة حلوة أنه يرسل لك النص وتعلم أنّه ليس هذا النصّ الذي سيُصوّر. صار هذا معي في الفيلم الأول، قرأت النصّ والأداء كان شيئاً آخر تماماً

زاهي وهبي: قابل يعني للنقاش، للأخذ والردّ

حسين عبّاس: كثيراً

زاهي وهبي: والارتجال أحياناً

حسين عبّاس: تماماً. تأخُذ أنت الحدّوثة أو الحكاية والشخصية التي أنت تؤدّيها وعلاقة الشخوص مع بعضهم البعض، الحوار ليس مهماً، الحوار نأخذه حتّى بعد البروفة أحياناً نؤدّي بروفة على حركة الكاميرا ولا يهم ماذا سنقول بقدر ما هو مهم يعني، لكن الشخصية تصير هي التي تحكي، أكثر من أن تقول لها ماذا تحكي. هذا الشيء موجود عند "جود"، وفي تراكُم الأعمال بيني وبينه تجربة ممتعة جداً من هذه الناحية. أحياناً المشهد يكون يتجه إلى مكان فتراه يتجه إلى مكان آخر مع الحفاظ على السياق العام الذي نريد أن نقوله. أحياناً يكتب "جود" مشهداً من صفحة مثلاً لكي نؤدّيه، وحدث هذا معنا في "نجمة الصبح"، فاختُصِر بجملة واحدة عبَّرت عن المشهد وأحياناً العكس أنه من اللازم أن نقول هكذا، فالمشهد يُبنى بلحظته. هذا يورِّط والفضل لي في المساحة التي يُمكن أن يؤدّي فيها الممثل فيقولون الفضل له لأنه يفسح مجال لك كممثل ويجعلك مُرتاحاً بنفسيّتك وشغلك وهو يؤمن بك وأنا أؤمن به لكي نُحدِث ما أسمتها أولاً، الكيمياء

زاهي وهبي: حضرتك اشتغلت في السينما مع مُخرِج كبير هو "عبد اللطيف عبد الحميد"، اشتغلت مع "باسل الخطيب" الأُستاذ المُحتَرَم الذي أيضاً قدّمَ أعمالاً جميلة وناجحة في السينما وفي التلفزيون، اشتغلت مع "جود"، يبدو أنّ التناغُم أكثر مع "جود"

حسين عبّاس: نعم، لأنّ العلاقة أحياناً الفنية تذهب إلى علاقة شخصية لها علاقة بالمحبة، بالاحترام، بالشعور بالحاجة المُتبادلة لنكون مع بعضنا البعض في عمل فنّي، نشعر أننا معاً يُمكننا أن نقوم بشيء بالإضافة إلى الصديق الممثل "محمّد الأحمد" الذي اشتغلنا معاً في أكثر من تجربة وكنّا كوبل في "مطر حمص" وكوبل في "نجمة الصباح"، فهناك علاقة ثالوثية. اشتغلنا كثيراً على أشياء أتمنّى أن تصل كما نحلم أن تصل

زاهي وهبي: مَن مِن الممثلين، على سيرة الذين اشتغلت معهم، ذكرنا بعض الأسماء من العُنصر النسائي، مَن مِن الشباب، من وجوه الدراما السورية تُحب أن تشتغل معهم

حسين عبّاس: أحب أن أشتغِل مع كثيرين، أنا آسف من ذكر الأسماء لأن الذاكرة أحياناً تكون

زاهي وهبي: لا، نحن نعطي أمثلة، أنا أعتذر لأنه لن نعدّ عشرة أشخاص لكن يُمكننا أن نعدّ إسمين أو ثلاثة

حسين عبّاس: خارِج الأمثلة كأمثلة، وأريد أن أقول إسماً حقيقياً وهو "جرجس جبارة"، أُحبّ كثيراً أن أشتغل معه

زاهي وهبي: مَن!

حسين عبّاس: "جرجس جبارة"                       

زاهي وهبي: نعم، طبعاً، طبعاً سمعنا شهادته، فنان كبير 

حسين عبّاس: طبعاً ومُحِبّ. رحمه الله كنت كثيراً أستمتع في الشغل معه "نضال السيجري" لأنني اشتغلت معه

زاهي وهبي: خسارة حقيقية "نضال" ورحل باكراً

حسين عبّاس: اشتغلت معه في المسرح أيضاً بخلاف شغلي معه في التلفزيون وكنت أستمتِع كثيراً في الشغل معه. ومع الصديق "محمّد الأحمد" أيضاً هناك شغل حلو وأُحب الشغل معه كثيراً، "فادي صبيح". من الأساتذة الكبار الذين نتعلّم منهم والذين تُفاجئ بمحبتهم وتواضعهم وحرصهم عليك وكيف تظهر في اللقطة وفي المشهد، الأُستاذ "بسام كوسا" اشتغلت معه في "دومينو"

زاهي وهبي: على كلّ حال كلّ الذين تذكرهم، وطبعاً الأُستاذ "محمّد الأحمد" والكل، تذكُر أسماء لها نكهة خاصة دعني أقول

حسين عبّاس: أستمتِع كثيراً في الشغل معهم، الأُستاذ "أيمن زيدان"، الأُستاذ "باسم ياخور" أسماء كثيرة للحقيقة

زاهي وهبي: نعم، الشُغل مع نجم، بالمعنى الجماهيري الواسع أصعب أو أسهل؟ على سيرة "باسم"، "باسم" ممثل قدير ولكنّه نجم كبير في نفس الوقت

حسين عبّاس: أصعب وأسهل. كلّما كان نجماً كبيراً كلما كان أقلّ تواضعاً كلما كان يخدمك أكثر، يعني شراكته معك، أنا كنت شريكا للأُستاذ "باسم ياخور" في "الواق واق" في 70 إلى 80 في المئة من المشاهِد، يعني ثنائي، ويحمّلني مسؤولية وأنا أقف أمام موهبة كبيرة

زاهي وهبي: لكن كيف أقلّ تواضعاً

حسين عبّاس: كلّما كبر النجم كلّما صار أقل تواضعاً، هو يكون متواضعاً أكثر

زاهي وهبي: أكثر تواضعاً

حسين عبّاس: أكثر تواضعاً، أجل أكثر تواضعاً (يضحك)

زاهي وهبي: أنا لم أتركها، كان في إمكاني أن أورِّطك مع "باسم" وأترُكها، أقلّ

حسين عبّاس: أقلّ غروراً كنت سأقول، آسف للكلمة. لكن يُحمِّلك مسؤولية في أنك كيف ستقف إلى جانبه من دون أن يأكلك

زاهي وهبي: يستفزّ إمكانياتك وطاقاتك وموهبتك

حسين عبّاس: تماماً. أنا توفقت ربما مع النجوم الكبار الذين اشتغلت معهم وكانوا محبّين جداً وساعدوني كثيراً

زاهي وهبي: هلّ لديك إسم نجم أو نجمة أو ممثلة أو ممثل تتمنّى أن تشتغل معه ولم تشتغل بعد معه؟ أو مُخرِج أو كاتب في نصّ من نصوصه؟

حسين عبّاس: هناك مخرجون كثيرون أتمنّى أن أشتغل معهم ولن أذكرهم لكيلا يظهر وكأنه طلب

زاهي وهبي: أنك تطلب، حسناً ممثلين أو ممثلات؟

حسين عبّاس: من أحلم أن أشتغِل معهم منهم الأُستاذة "رشا شربتجي" ولو لم أشتغل معها في السنة الماضية في "شوق" كنت قلت الآن وما كنت ذكرت إسمها، لكن كان حلم أن أشتغِل مع أُستاذة مثلها

زاهي وهبي: وحصل

حسين عبّاس: وحصل مع الأُستاذة "رشا شربتجي" التي أوجِّه لها تحية. أُحب أن أشتغِل مع الأُستاذ، حلم وسأقول الإسم، الأُستاذ "دريد لحام". هذا حلم

زاهي وهبي: إن شاء الله نشاهدكما في عمل معاً، الوقت داهمنا لكن سؤال سريع فقط. من أبرز المسرحيين الذين أثّروا بك، الذين تركوا بصمة في مسيرتك المسرحية ولم تنساهم؟

حسين عبّاس: في الدرجة الأولى الأُستاذ "أيمن زيدان" لأنّ التجربة الأولى كانت يمكن أن تُطفِّش ممثلاً من المسرح أو تجعله يجب المسرح، فهو في الدرجة الأولى، والأُستاذ "نضال السيجري". اشتغلت أكثر من تجربة مسرحية معه

زاهي وهبي: أخرجت بعض المسرحيات حضرتك، ثلاث مسرحيات ربما إلى جانب التمثيل، لكن لا تُقدِّم نفسك كمُخرِج، لماذا؟ عندك تهيُّب للإخراج؟

حسين عبّاس: أجل، أحسّها مسؤولية أكبر كلمة مُخرِج مسرحي يعني. الأعمال التي اشتغلتها للحقيقة قرأت وشاهدت الشخوص كيف تتحرّك وشاهدت شكل المسرح والسينوغرافيا، شاهدتها كلها، وعرضت على أكثر من شخص أن يشتغلها ولم يشتغلها أحد لأنه صعبة فاشتغلتها، ثلاث تجارب أو حتّى لو صار عندي عشر تجارب لن أُطلِق على نفسي صفة مُخرِج مسرحي

زاهي وهبي: شرّفت "بيت القصيد" أُستاذ "حسين عباس، سُعِدت بالحوار معك، حوار عميق وممتع في نفس الوقت. أتمنّى لك كلّ التوفيق ومن خلالك لـ (سوريا) وشعب (سوريا)، نتمنّى الخلاص من كلّ هذه المِحنة

حسين عبّاس: شكراً لك أُستاذ "زاهي"، شكراً لـ "الميادين" واسمح لي أن أختُم بجملة لك، أسرقها منك، من إحدى قصائِدك وأنا مُتابِع لقصائِدك

زاهي وهبي: خيّْ

حسين عبّاس: في إحدى القصائِد تقول: غداً حين تكبرين سوف أُحبُّكِ أكثر". مَن تقصد فيها ولمَن غير مهم، أنا وجدتها عامة جداً وربما أن أحسستها على (سوريا) كلّها، شوف أُحبها أكثر

زاهي وهبي: كلّ الحب، إن شاء الله دائِماً يغمر حياتك وبيتك الحب ومن خلالك لمُشاهدينا ولبلادنا العربية كافةً، للإنسانية جمعاء. الشكر لفريق العمل، للمُخرِج "علي حيدر"، المُنتِجة "غادة صالِح" والشُكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم، نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله