حوار خاص

برنامج مخصص للحوارات الخاصة مع شخصيات بارزة وفاعلة.

محمد جواد ظريف - وزير الخارجية الإيراني

 

ملحم ريا: أهلاً بكم مشاهدينا الكرام إلى حلقة جديدة من برنامج مقابلة مع معالي وزير الخارجية الإيراني الدكتور محمّد جواد ظريف. أهلاً بك معالي وزير الخارجية على شاشة الميادين.

إسمح لي أن أبدأ من موضوع الآليات المالية التي يجب أن توفّرها أوروبا للتعامل مع إيران، خاصة أن العام الميلادي ينتهي بعد أيام قليلة.

برأيكم متى ستطبّق أوروبا هذه الآليات المالية؟

 

محمّد جواد ظريف: بحسب الاتفاق النووي، فإنّ الجمهورية الإسلامية التزمت بتعهّداتها التي قطعتها من البداية، وفي المقابل على أميركا وأوروبا الالتزام بتعهداتهما أيضاً، لكنّ الأميركيين لم يلتزموا من البداية وانسحبوا من الاتفاق النووي.

الأوروبيون بعد انسحاب أميركا تعهدوا باتخاذ إجراءاتٍ معيّنة. الجمهورية الإسلامية منذ ذلك الحين وفّرت الأرضية للتواصل مع كل الدول وأولويتنا دول الجوار، فأكبر ميزان تجاري لنا هو مع الدول المجاورة.

أولويتنا الاقتصادية كذلك هي مع الصين وروسيا، وأمورنا تمضي قُدماً في كلّ المجالات. الأوروبيون تعهّدوا أيضاً بتعويض الخسارة من الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، وأحد هذه الالتزامات هو إيجاد آليات مالية ومصرفية، وللأسف هم بطيئون في تنفيذ التزاماتهم وحَذِرون أكثر من الحد الطبيعي.

فهم يدّعون في تصريحاتهم أنّ الاتفاق مهمّ أمنياً واستراتيجياً ويرغبون بالاستفادة من مزاياه، لكن كما يقول المثل لا يمكن السباحة من دون التبلّل، وهذا الأمر يشوّه حيثية أوروبا في العالم.

المسألة المهمّة أنّ الجمهورية الإسلامية لن تجلس بانتظار أوروبا، وهي ماضيةٌ قدّماً في القيام بما يترتّب عليها.

لذلك عندما فرضت أميركا المرحلة الثانية من العقوبات، لم نتأثّر إلا قليلاً، والصدمات التي واجهتنا هي على الأغلب نفسيّةٌ وتحمّلناها منذ عدّة أشهرٍ حتى نوفمبر الماضي، وبعد ذلك أصبحت الأمور طبيعية وسعينا إلى تقليل تأثير العقوبات على المواطن.

وللأوروبيين الاختيار بين أن يكونوا شركاء يمكن الوثوق بهم، أو يريدون الحذَر أكثر.

 

ملحم ريا: هذه النقطة التي طرحتموها مهمّة، لكن إلى متى ستنتظر إيران؟

 

محمّد جواد ظريف: نحن لم ننتظر أوروبا مُطلقاً، وقد عزّزنا علاقاتنا مع دول الجوار ومع الصين وروسيا، وتابعنا علاقاتنا مع كلّ دول العالم المهمّة. الأوروبيون هم الذين تخلّفوا، ونحن لدينا خياراتٌ عديدةٌ. وبحسب الاتفاق، فالمادتان 26 و36 تنصّان بشكل واضح على خيارات وحقوق الجمهورية الإسلامية وعدم الذهاب باتجاه هذه الخيارات بعد انسحاب أميركا من الاتفاق مباشرةً.

لا يعني أننا لا نمتلكها، وسوف نعتمدها بحسب ما تقتضي المصلحة الوطنية، ولن ننتظر الأوروبيين إلا إذا اتخذوا خطواتٍ عمليّة.

 

ملحم ريا: مهلة إيران هل هي حتى نهاية العام؟

 

محمّد جواد ظريف: نحن لم نحدّد مهلةً أبداً، لأننا لم نجعل أوروبا طرفاً لنا فقط، نحن نتعامل مع كلّ دول العالم، وعلى الأوروبيين أن يباشروا بتطبيق التزاماتهم للحفاظ على حيثيّتهم. أما ما سنفعله نحن، فعندما تقتضي مصلحة الوطن والشعب، سوف نقوم بإجراءاتنا اللازمة، وعلى الأوروبيين أن يدركوا أنّ التعامل مع إيران ينبغي أن يكون باحترام وفقاً للقرارات الدولية، وإلا سوف يشاهدون النتيجة.

 

ملحم ريا: جيّد. برأيكم، مع وجود الضغط الأميركي، هل تستطيع أوروبا فعلاً تطبيق الآليات المالية عملياً؟

 

محمّد جواد ظريف: هذا مرتبطٌ كما قلت بالسباحة والتبلّل. حتماً لا يمكن أن تحصل على شيءٍ من دون أن تدفع مقابله. هناك مثل أميركي معروف يقول "No Pay No Game"، إذا لم تتحمّلوا المصاعب لن تحصلوا على شيء.

والآية القرآنية الشريفة تقول "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبّون"، وإذا لم تتقبّلوا أنه لا بدّ من الإنفاق فلن تصلوا إلى نتيجة.

إذا أراد الأوروبيون الاستفادة من مزايا الاتفاق النووي من أجل أمنهم وأمن المنطقة، ولا يريدون الإنفاق من أجل ذلك بل تحميل الجمهورية الإسلامية النفقات فقط، فحتماً هم يقضون على حيثيّتهم، ولن يستطيعوا الاستفادة من مزايا الاتفاق.

 

ملحم ريا: دكتور ظريف، بالنسبة لتغريدات المسؤولين الأميركيين التي أصبحت كثيرة فعلاً هذه الأيام، خاصةً تغريدات ترامب وبومبيو، فنحن نرى التهديدات الأميركية في منحى نزولي، وهذا واضح خاصة حول تصفير صادرات النفط الإيرانية، فقد تراجعوا تدريجياً.

برأيكم، هل وصلت أميركا إلى هذه النتيجة أنه لا يمكن تطبيق تهديداتها ضدّ إيران عملياً؟

 

محمّد جواد ظريف: أعتقد أنّها لم تتوصّل بالكامل إلى هذه النتيجة، لكنّها ستتوصّل إليها حتماً.

كنّا نعرف من البداية أنّ الأمريكيين كانوا يهددون من دون أن يحسبوا حساباتهم. عندما كانوا يقولون إننا سنصفّر صادرات النفط الإيراني، كنّا نعرف أن هذا التهديد غير قابل للتطبيق، لكنّ الأميركيين توصّلوا إلى هذه النتيجة، وأدركوا الواقع الذي يسيطر على العالم والمنطقة بعد فترة من الزمن، وما نزال نعتقد أنّ أهمّ مشكلةٍ تعاني منها الحكومة الأميركية الراهنة، وعانت منها كل الحكومات الأميركية السابقة أيضاً هي مشكلة إدراك الواقع.

الأميركيون لا يفهمون ما الذي يحصل في منطقتنا، ولذلك فإنّ خياراتهم كانت خاطئةً في منطقتنا. الوجود الأميركيّ في منطقتنا كان وجوداً خطيراً، ليس للمنطقة فحسب، بل لأميركا نفسها أيضاً.

السيّد ترامب نفسه قال إننا أنفقنا سبعة تريليونات دولار في المنطقة ولم نحصل على شيءٍ مقابل ذلك. لماذا يحصل ذلك؟ لأن أميركا تُخطئ في حساباتها.

شخصياً لا أذكر يوماً أن الإدارة الأميركية اتخذت قراراً صائباً أو قراراً بمحلّه على مدى السنوات الأربعين الماضية على أقل تقدير، بحسب متابعتي عن قرب للسياسة الأميركية.

لقد اتّخذ الأميركيون بعض القرارات الصحيحة كالقبول بالبرنامج النووي الإيراني، لكن بعد أن جرّبوا كل القرارات الخاطئة.

أتصوّر أنهم يكرّرون الشيء نفسه الآن، ويختبرون كل القرارات الخاطئة، يرسلون قواتهم إلى سوريا ويهاجمونها، ومن ثمّ يقرّرون الانسحاب.

وجودهم لم يكن قانونياً من البداية وكان مُخرّباً. وجودهم من البداية روّج للعنف في المنطقة، وبالتالي أنا أتصوّر أنهم لم يخطئوا في حساباتهم بخصوص العقوبات على إيران فحسب، إنما في كلّ سياساتهم.

للأسف، فإنّ الأميركيين يستغرقون وقتاً طويلاً كي يفهموا أنهم أخطأوا في الحسابات.

لاحظوا الأدبيات المُستخدَمة داخل الولايات المتحدة بخصوص الانقلاب العسكري الذي نفّذوه في إيران عام 53. الجميع يقول إنّنا أخطأنا. تابعوا ملف الدعم الأميركي لصدّام. الجميع يقول إننا أخطأنا. تابعوا ملف الهجوم الأميركي على العراق، الجميع يقول أخطأنا.

لكنهم للأسف متخلّفون بعشرين أو ثلاثين عاماً. هم يحتاجون إلى عشرين أو ثلاثين سنة ليتقبّلوا الواقع.

 

ملحم ريا: صحيح، لكن أميركا تسعى حتى الآن إلى إبرام اتفاق نووي آخر يشمل المواضيع النووية، والصاروخية، وحضور إيران في المنطقة. نفهم لماذا لا تريد إيران التفاوض حول صواريخها، لكن لماذا لا تريد التفاوض حول قضايا المنطقة في إطار الاتفاق النووي؟

 

محمّد جواد ظريف: أولاً، لا شأن لقضايا المنطقة بالاتفاق النووي، ثانياً لا دخل لأميركا بمنطقتنا، هذه منطقتنا، ونحن مَن يجب أن نتفاهم مع باقي بلدان المنطقة، ونحن مستعدّون دائماً لتحقيق ذلك. نعتقد أن أميركا والغرب لم يفعلا شيئاً في المنطقة سوى إلحاق الضرر بها.

أنظروا إلى الماضي. من فترة الاستعمار وحتى يومنا هذا، ما العمل المفيد الذي قام به الغرب في المنطقة؟ جاؤوا وزرعوا الكيان الصهيوني في المنطقة، وسُكّان منطقتنا لم يروا سوى الضرر منه.

ما المفيد الذي جاؤوا به إلى المنطقة؟ ألم ينهبوا ثروات المنطقة؟ إذاً ما المفيد الذي قدّمته الدول الغربية لمنطقتنا لنتحدّث معها حول منطقتنا؟

علينا أن نتباحث مع بعض حول المنطقة. ما يربطنا ببعضٍ في المنطقة وما يربط إيران بجيرانها هو العديد من الأواصر التاريخية والمذهبية والجغرافيّة، لكن ما الذي يربطنا بالغرب لنتّكل على الدول الغربية حفاظاً على أمننا أو لنتفاوض معهم لتوفير هذا الأمن؟

إنها منطقتنا، وهؤلاء هم الغرباء هنا. هم الذين يتدخّلون في منطقتنا، هم مَن يجب أن يغيّروا سلوكهم في المنطقة، عليهم أن يقولوا ما المفيد الذي فعلوه في المنطقة ليتوقّعوا منّا التباحث معهم حول منطقتنا.

 

ملحم ريا: قبل أن ننتقل إلى فاصل، تحدّثتم عن قضيةٍ هامّة حول موقفكم من تواجد أميركا في المنطقة. هل الدول الأخرى في المنطقة تشاطركم الرأي؟

 

محمّد جواد ظريف: لاحظ. أتصوّر أننا أمام مشكلةٍ مستمرّةٍ في المنطقة عندما نتصوّر إمكان شراء الأمن، هذه هي المشكلة الأولى. المشكلة الثانية هي أنّ بعض دول المنطقة كانت تتصوّر أنّها ستصبح آمِنة بمقدار زعزعة أمن الآخرين، وهناك أمثلةٌ أخرى يمكن ذكرها. النظام السعودي نفسه يدّعي أنّه قدّم 75 مليار دولار لصدّام أثناء حربه ضد إيران.

النظام السعودي كان يتصوّر أنّه قادر على شراء أمنه بتقديم المال لصدّام، لكن ما الذي حلّ بهذه المليارات؟ بعد انتهاء الحرب وبعد فشل صدّام في تحقيق أهدافه فيها تجاه إيران، ذهب صدّام بالأسلحة التي كان قد اشتراها بتلك الأموال باتجاه السعودية والكويت، رغم أنّهما أكثر من قدّم الدعم لصدّام.

الأمر نفسه يحصل الآن. يتصوّرون أن دفع مئات المليارات من الدولارات لأميركا مقابل شراء الأسلحة سيوفّر لهم الأمن، ولذلك يتنافسون مع بعض لشراء أكبر كمية ممكنة من الأسلحة الأميركية، رغم أنّها أسلحةٌ لا يمكن استخدامها أبداً.

بهذا الكمّ من السلاح ما الذي استطاعوا فعله في اليمن؟ أرادوا مواجهة شعب يفتقر إلى أوليّات المعيشة وقمعه، وكانت معهم أسلحة بقيمة مئات المليارات، ولعلّهم أنفقوا عشرات المليارات أيضاً داخل اليمن، لكن إلى أين وصلوا؟

في ظلّ هذا الواقع أعتقد أن على جيراننا وأشقائنا المسلمين في المنطقة أن يُعيدوا التفكير من جديد. عليهم أن يفكّروا ما الذي يمكن أن يوفّر لهم الأمن.

نحن توصّلنا إلى هذه القناعة، فالسبيل الوحيد لتوفير أمننا هو الاهتمام بتوفير أمن باقي الجيران أيضاً.

يجب أن نكون على استعدادٍ لتوفير أمن الجميع، لا أن نسلب أمن الآخرين من أجل أمننا. لا يمكننا أبداً توفير الأمن من خلال زعزعة أمن الآخرين. في المقابل، يمكننا الحفاظ على الأمن الجماعي دوماً.

هذه الدعوة نطلقها دائماً، واليوم وبمناسبة العام الميلادي الجديد، أكرّرها لجيراننا. إيران تريد الأمن لكم. إيران تريد حياة أخويّة معكم. أولئك الذين جاؤوا من خارج المنطقة وقالوا لكم إنكم غير قادرين في البقاء على قيد الحياة لأسبوع من دوننا لا يريدون الاستقرار لكم.

هؤلاء يعتبرون كل منطقتنا بقرةً حلوباً للاستفادة منها، وفي الحقيقة لاستغلالها. نحن وبحُكم الجغرافيا، سنبقى إلى جانب بعض، ولا يمكننا العيش من دون الآخر أبداً. وليس هناك أيّ سببٍ كي نعيش من دون الآخر. لدينا دينٌ واحدٌ وتاريخٌ واحدٌ وثقافةٌ واحدةٌ، وهي عناوين تربطنا إلى درجةٍ بحيث يمكنكم مشاهدة حجم الصداقة التي تربط الشعبين الإيراني والعراقي رغم حرب الثماني سنواتٍ بين إيران والعراق.

لعلّكم ترون كيف يُستقبَل العراقيون الذين من الممكن أن يكونوا قد رفعوا السلاح بوجه إيران بضغط نظامهم آنذاك، كيف يستقبلون الإيرانيين في مراسم أربعينية الإمام الحسين عليه السلام في بيوتهم، ويتعاملون معهم بمحبّة وكرمٍ عظيميْن.

هذا هو واقع المنطقة. علينا ألا نخرّب هذه الأخوّة بين شعوب المنطقة من خلال إثارة عداواتٍ كاذبةٍ مُصطنعة. على دول المنطقة ألا تطبّع مع نتانياهو الذي تلطّخت يداه القذرتان بدماء آلاف الفلسطينيين، وألا تتعامل معه للوقوف بوجه دول المنطقة. هذه أمورٌ مؤسفة لنا.

 

ملحم ريا: معالي الوزير إسمح لي أن أتوقّف الآن مع فاصل قصير.

بعد الفاصل طبعاً المزيد ربما من علاقات إيران مع دول الجوار ومواضيع أخرى، لا سيما مواضيع تتعلّق بالمنطقة، تحديداً سوريا واليمن.

مشاهدينا الكرام فاصل قصير ونواصل. ابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

ملحم ريا: من جديد أهلاً بكم مشاهدينا الكرام.

دكتور ظريف، السيّد ترامب أعلن عبر تويتر كالعادة، عن سحب القوات الأميركيّة من سوريا. كيف تنظرون إلى هذا الأمر؟ ما هو موقفكم منه؟ وهل تأخذونه فعلاً على محمل الجدّ، أم هي خديعة برأيكم؟

 

محمّد جواد ظريف: حتى الآن، لا نمتلك المعلومات الكافية حول برنامج أميركا في سوريا حتى نتّخذ موقفاً، لكنّ حضور أميركا لم يكن قانونياً منذ البداية في سوريا، ولم يكن في مصلحة الشعب السوري، وحصل رغم معارضة الحكومة السورية، وخلق توتّراتٍ قوميّةً أيضاً، وقد ضحّت أميركا بإخواننا وبشعوب المنطقة وبالكرد بسبب سياساتها. وعلى عكس ادّعاءاتها، فهي غير حريصة على مصلحة الكرد، إنما أرادت استغلالهم من أجل تحقيق أهدافها السياسية، ونحن ندرك هذه الوقائع من البداية، وهي أصبحت الآن أكثر وضوحاً.

أما الحديث حول برنامج أميركا في المنطقة بشكلٍ دقيقٍ، وهل هناك توافقٌ في أميركا أو اختلافٌ في وجهات النظر، فأعتقد أنه من المبكر تقديم تحليلٍ مفصّل حول نوايا أميركا وما الذي سيحصل في الأيام والأسابيع المقبلة.

 

ملحم ريا: لكن السيّد ترامب يقول إنّ القوات الأميركية ستنسحب لأنهم لا يريدون تحمّل عبء مواجهة داعش عوضاً عن إيران وروسيا؟

 

محمّد جواد ظريف: أميركا لم تحارب داعش مطلقاً. الأميركيون ادّعوا أنهم حاربوا داعش وأنهم أبعدوا خطره عن المنطقة وعن الغرب. لقد ساعدت أميركا الشعبين العراقي والسوري لمحاربة داعش، ولكن متى حارب الأميركيون داعش؟ ماذا فعلوا لمحاربة داعش؟ ألم يدّعِ الأميركيون أن صواريخنا التي ضربنا بها داعش في سوريا سقطت على بعد 30 كيلومتراً منهم؟

السؤال هنا، ماذا تفعل داعش على بُعد 30 كيلومتراً من الأميركيين أو ماذا تفعل القوات الأميركية على بُعد 30 كيلومتراً من داعش في سوريا؟

إن أيّ شخص على دِرايةٍ بوضع منطقتنا يعلم أنّ ادّعاء أميركا بأنها تحارب داعش في سوريا هو ادّعاء مضحك.

 

ملحم ريا: هناك مسألة مهمّة تتعلّق بحلّ الأزمة السورية سياسياً، قد أنجزت في جنيف قبل أيام، وقد اتّفقتم مع وزيري خارجية تركيا وروسيا على حلّ هذه الأزمة، لا سيما على تشكيل اللجنة الدستورية، لكن للأسف كان لدى الأمم المتحدة تحفّظات ورأي آخر. لماذا لم تتعاون؟ هل بسبب الضغوط الأميركية برأيكم؟

 

محمّد جواد ظريف: هناك أربع دولٍ كتبت رسائل وأجرت مداخلة واتخذوا بعض القرارات. إنّها ثلاث دولٍ غربيّةٍ وأميركا ولا أريد ذكر أسمائها. لقد مارست هذه الدول إملاءاتها على الأمم المتحدة.

للأسف، منذ البداية لم يعجب مسير آستانة هذه الدول، ولكن المهم بالنسبة إلينا، وأنا أعتقد أن روسيا وتركيا وصلتا إلى قناعة بأن الشعب السوري هو من يقرّر مصيره في النهاية. يجب علينا ألا نتّفق على لائحة اللجنة الدستورية، بل على الشعب والحكومة السورية والمعارضة أن يتّفقوا على لائحة اللجنة الدستورية.

ما نعلمه هو أن الحكومة السورية عن طريق إيران وروسيا، والمعارضة عن طريق تركيا، اتّفقتا على لائحة بإمكانها أن تكون إعلاناً عن بدء عمل اللجنة الدستورية السورية، إلا أنّ المهمّ لدى بعض الدول الغربية هو أن تقرّر مصير الشعب السوري بدلاً من أن تسمح له بتقرير مصيره بنفسه.

منذ البداية كان الأمر هكذا. لو لم يتعنّتوا منذ البداية لما تعنّتوا اليوم على هذا. ما يتمّ اقتراحه اليوم هو الوصول إلى وقف لإطلاق النار وتشكيل لجنة دستورية. إنّه قسمٌ من الاقتراح ذي الأربع مواد الذي قدّمته أنا في شهر سبتمبر عام 2013، أي منذ نحو خمس سنوات وثلاثة أشهر.

لو تمّ تطبيق هذه الأمور في ذلك الوقت ماذا كان حدث؟ ما الذي كانوا يقولونه في ذلك الوقت، عندما قلنا لهم يجب وقف إطلاق النار وأن يتمّ تشكيل حكومة شاملة ويتمّ تعديل الدستور وإجراء انتخابات بناء على الدستور المُعدَّل؟

لقد كانوا يقولون لنا، وماذا عن مستقبل بشّار الأسد؟ لقد كنّا نقول لهم إن الشعب السوري هو الذي يقرّر مستقبل بشّار الأسد إلا أنهم تعنّتوا، وبسبب تعنّتهم الخاطئ فرضوا الحرب خمس سنوات على الشعب السوري.

على الغرب أن يقدّم جواباً عن هذا، وعلى أميركا والدول الأوروبية الذين يدّعون أنّهم يدافعون عن الشعب السوري أن يقدّموا جواباً، مع العِلم أنه عندما قدّمنا مُقترح المصالحة في سبتمبر عام 2013، حاربوا هذا المُقترح، وبذريعة مستقبل بشّار الأسد لم يسمحوا لهذا الاقتراح أن يتبلور.

واليوم، بعد خمس سنوات ومئات آلاف اللاجئين والقتلى والجرحى، يريدون تنفيذ هذا المُقترح. حتى اليوم لم يتعلّموا من التجارب، وهم ما زالوا مُصرّين على أنّهم هم مَن يحدّدون لائحة اللجنة الدستورية السورية.

 

ملحم ريا: دكتور ظريف، هل تأملون أن تصل هذه المفاوضات الثلاثية إلى نتيجةٍ واقعيّةٍ في سوريا؟

 

محمّد جواد ظريف: حتى الآن وصلت إلى نتيجةٍ، وهي أنّه منذ اليوم الأول لإعلاننا عن اجتماع آستانة حتى الآن لم يدعمنا أحد. بعد اجتماع آستانة سافرت إلى دافوس وكنت الوزير الوحيد من بين تلك الدول الثلاث. لقد كانت جميع الدول الغربية تعارضنا إما بالأفعال أو بالكلام، ولم يكن أحد يعتقد أن آستانة ستصل إلى نتيجة، إلى أن قلت لأصدقائي، بما أنكم لم تصلوا إلى نتيجة لإنهاء الحرب في سوريا هناك اقتراح على الطاولة، اسمحوا لهذا الاقتراح أن يأخذ حقّه ويتمّ العمل به.

اليوم نرى وبعد سنتين ونصف السنة باتت آستانة هي الطريق الوحيد الذي استطاع أن يقلّل من حجم الأضرار على الشعب السوري ويجد أملاً للوصول إلى الحل السياسي في سوريا.

إنني أعتقد أن آستانة ستستمر على الرغم من ضغط الدول الأوروبية، وبإمكاننا أن نعطي شكلاً للجنة الدستورية السورية، وبإمكاننا أن نصل إلى حل في سوريا، ولا بدّ للدول الأوروبية من أن تقبل بأن الشعب السوري هو مَن يقرّر مصيره وليس هذه الدول.

 

ملحم ريا: لكنّ تركيا ستبدأ بعملياتٍ عسكريةٍ في شمال سوريا.

هذا الأمر برأيكم ألن يؤثّر على سير المفاوضات الثلاثية؟

 

محمّد جواد ظريف: قلنا دوماً إننا نعتقد أنّ أيّة خطواتٍ كهذه يجب أن تكون من خلال الحكومة السورية، ونحن نتفهّم قلق تركيا من العمليات الإرهابية ضدّها، لكن قلنا دائماً لأصدقائنا الأتراك ونؤكّد ذلك الآن، أنّ العمليات العسكرية من دون موافقة الحكومة السورية لا تساهم في حلّ الأزمة، ويجب أن تكون بالتنسيق مع الحكومة السورية، ونحن جاهزون لمساعدتهم حتى يستطيعوا تبديد قلقهم من خلال التنسيق مع الحكومة السورية.

 

ملحم ريا: ما هو دور إيران في المباحثات اليمنية اليمنية التي جرت في ستوكهولم؟

 

محمّد جواد ظريف: لقد ساعدت إيران لتأخذ المُحادثات اليمنية شكلها، لقد كان هناك قلقٌ لدينا حول سفر الوفد اليمني إلى ستوكهولم، لقد ساعدنا في ذلك ولقد رحّب الاتحاد الأوروبي والسويد بالموقف والمساعدة الإيرانييْن. نحن نعتقد أن اليمن كسوريا، وقد اقترحنا منذ نحو أربع سنواتٍ مقترحاً للمصالحة، واليوم هذا ما يتمّ العمل به.

ثلاث سنواتٍ مرّت واليمنيون يُقتَلون، والسبب أنه في السعودية يوجد أربعة أشخاص يعتقدون أنه بإمكانهم أن يقمعوا الشعب اليمنيّ خلال أسبوعين أو ثلاثة أسابيع.

 

ملحم ريا: السؤال الأخير حول تطوّرات أزمة حرس الحدود الإيرانيين المُختطفين قبل فترة، والآن هم داخل الأراضي الباكستانية.

ما هي آخر تطوّرات القضية؟ هل تتعاون الحكومة الباكستانية بشكل جيّد للإفراج عنهم؟

 

محمّد جواد ظريف: نحن على اتصالٍ دائمٍ مع الحكومة الباكستانية، ونتوقّع منها أن تفعل أكثر ممّا قامت به سابقاً. الحكومة الباكستانية بحثت معنا ما تقوم به المجموعات الإرهابية في بعض المناطق، وعدم قدرتها بالسيطرة على هذه الجماعات. لقد أبدينا جاهزيّتنا للتعاون مع باكستان، ولقد رأينا في الأسابيع الماضية في باكستان، أنه عندما يختلّ الأمن في بلدٍ ما، فإنّه سيؤثر في البلدان الأخرى.

للأسف لقد شاهدنا أن هذه الجماعات الإرهابية وشبيهاتها نفّذت أفعالاً في باكستان، وقد أدّت إلى خسائر، وهو ما قمنا بإدانته. نحن مستعدّون للاستمرار في التعاون مع باكستان لكي نمنع تلك الأفعال على الحدود، وتصبح حدود إيران وباكستان حدود سلامٍ وصداقةٍ وتجارةٍ وعلاقة شعبية.

 

ملحم ريا: شكراً جزيلاً لكم معالي وزير الخارجية الإيراني الدكتور محمّد جواد ظريف على هذا اللقاء، وأتمنّى لكم عاماً جيّداً إن شاء الله.

والشكر موصول لكم مشاهدينا الكرام على طيب المتابعة. إلى اللقاء.