كلمة حرة

برنامج حواري نصف شهري تفاعلي يتناول قضايا متنوعة من العالم والأحداث الآنية فيه، ويعرض لوجهات نظر عربية وأجنبية حول القضية موضوع النقاش في الحلقات، سياسية كانت أم اجتماعية. يقدّم البرنامج النائب البريطاني "جورج غالاوي" المعروف بآرائه الداعمة للقضية الفلسطينية خصوصاً والعرب عموماً. ويتمّ تصوير حلقاته بالكامل في العاصمة البريطانية لندن، وتتخلل حلقاته مداخلات من الشارع البريطاني.

حصاد العام 2018

 

جورج غالاواي: إسمي "جورج غالاواي" وأنا أُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية من هنا في (لندن). أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أم على التلفاز أو هنا في شوارع (لندن). "كلِمة حرّة" تعني حرية التعبير، وهذا ما أقوله. إذاً، "كلِمة حرّة" هي محادثة في اتجاهين، تابعونا على قناة "الميادين" التلفزيونية 

المحور الأول

جورج غالاواي: أهلاّ بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم به من (لندن) لكننا مستعدّون للسفر حول العالم لأننا سنستعرِض اليوم عام 2018، العام الذي اتّسَم بكثير من الأهمية. معظم السنوات في زمننا هذا مثيرة للاهتمام، وينطبق علينا القول الصيني في أنه محكوم علينا العيش في زمنٍ مثير للاهتمام كلّ سنة لكنّ عام 2018 تفرّد على نحوٍ سيئ ونحوٍ جيِّد وسنتناول اليوم الجوانب الجيدة والسيئة والقبيحة. أفترِض أننا لو كنّا في مجلة Time كنّا لنُعطي لقب رجل العام إلى رئيس الولايات المتحدة "دونالد ترامب"، ليس بدافع محبته ولا كراهيّته حتّى بل لأنّه هيمن على العام كنصَب هائِل وسنكتشف إذا ما كانت أفعاله للخير أو للشر خلال نقاشنا اليوم حيث لدينا كالمعتاد بعض الخبراء المميزين جداً وبعض الهواة المتحمّسين أمثالي. ربما "دونالد ترامب" لا يزال رئيساً في حلول تاريخ مُشاهدتكم لهذه الحلقة أو ربما لا، لكن كان في إمكانكم قول ذلك في السنة الماضية أو حتى قوله في السنة المقبلة لأنّ الملاحقة القضائية لـ "دونالد ترامب" وعائِلته ومحاميه وشركاته تكتسب زخماً بإجماع الجميع، وربما يغدو رئيساً يُطرد من منصبه على يد النظام القضائي في بلده أو قد يُكمِل ولايته وقد يفوز حتّى بولاية أُخرى، فـ "أي شيء ممكن" قد يكون شعار هذا العام وعنوانه. لم يعتقد كثيرون أنّه من الممكن فوز "دونالد ترامب"، كذلك لم يعتقد كثيرون أنّه من الممكن أن تُصوِّت (بريطانيا) للخروج من الاتحاد الأوروبي، ولم يعتقد كثيرون أنّه من المُمكن أن مجموعات التطرّف الإسلامي المُختلفة، التي فرضت حصاراً وصل إلى حتّى بوبات (دمشق) مثلاً، ستواجِه مع وصولنا نهاية هذا العام هزيمة مُطبقة حاسمة بعد دحرِها عن معقلها الحضري الأخير في (سوريا)، ولا يعني ذلك أنّ الحرب السوريّة انتهت، بالتأكيد لا، ولا يعني ذلك أنّ الحكاية السورية وصلت إلى نهايتها، لكن من المؤكّد أنّها حرب مغايرة وقصة مختلفة الآن. توقّعَ كثيرون من رجالات الدولة، كما يدعون أنفسهم، إطاحة الحكومة في (دمشق) واستبدالها بائتلاف غريب عجيب من القوى الأُصولية المؤيِّدة للولايات المتّحدة وللتيار الإسلامي، لكن من المؤكّد أن ذلك لن يحدُث. كذلك لم يمُرّ عام 2018 على الشعب الفلسطيني على نحوٍ جيِّد، فلم يستمرّوا في معاناة الأذى الذي تعرّضوا له كلّ عام لما يفوق نصف قرن بكثير، بل تعرّضوا لإهانة أنهم كادوا يُنسَوْن بالكامل. فكان الفلسطينيون في العام 2018 شعباً شبهَ منسي مع أنّهم كانوا يُقتلون على السياج حول (غزّة) بأعدادٍ كبيرة. لكن من وقتٍ لآخر، حين يُقتَل ممرِّض أو صحافي أو طفل صغير جداً عند البوابة على يد القنّاصين في الجانب الآخر من ذلك السياج، تحظى هذه الوفاة بشيءٍ من القيمة الإخبارية، والأمر سيّان بالنسبة إلى الأشخاص في (اليمن) الذين مرّوا بتجربة شبيهة بتلك التي وردت في "الإنجيل" وصلت إلى حد أن اجتاح وباء بلدهم فأصبحوا يُعانون من الكوليرا والمجاعة وكذلك يواجهون حصاراً فضلاً عن قصفٍ بلا هوادة من قِبَل القوات الجويّة السعودية التي تُحلِّق وترمي أسلِحة غريبة بيعَت للسعوديين. لكن ذلك لا يعني أنّ العام 2018 مرَّ على (السعودية) على نحوٍ جيِّد. في الواقع تختتم (السعودية) عام 2018 بإعطاء أسوأ انطباع عنها قط على صعيد العلاقات العامّة. تبيّن لمجلِس الشيوخ الأميركي للتوّ أنّ وليّ العهد السعودي مُذنِب بجريمة القتل الأبشع في حقّ الكاتب في صحيفة "واشنطن بوست" "جمال خاشقجي"، وستترتّب على ذلك عواقب قد بدأت تتوالى بالفعل. فقد طالب الأميركيون وقف الحرب على (اليمن) لكن ليس بالقوة الكافية لوضع حدٍّ لها بالفعل حتّى الآن، كما خسر اليمنيون آلاف الأرواح في أكثر البلدان العربية فقراً في عام 2018 وفي العام الذي سبقه أيضاً. أفترِض أنّ حدثاً آخر من أحداث العام الكُبرى هو المواجهة المُستمرة بين (روسيا) والغرب، فعلى جبهة (أوكرانيا) أو (القرم) أو (سوريا) أو شوارِع (إنكلترا) ألقت القوى الغربيّة اللوم في محاولة قتل مواطنين روسيين في (سالزبري)، على نحوٍ يُمكن تفهّمه، على الحكومة الروسية، أي الدولة الروسية وجهازها الاستخباري الـ G.R.U. "مديرية المخابرات الرئيسة في روسيا الاتحادية" ونجا الشخصان اللذان استهدفتهما محاولة القتل كما زُعِم، لكن المرأة البريطانية التي وجدت بعضاً من المواد التي أدخلها المُعتدون إلى البلاد على ما يبدو لقيت حتفها وشريكها مريض جداً، هذا ولّد موجة جديدة من العقوبات والإقصاء وتجميد عميق للعلاقات بين الغرب و(روسيا)، لاسيما هنا في (بريطانيا). لقد شهد العالم أحداثاً دولية كثيرة أُخرى بعضها قصص نجاح أمّا البعض الآخر فلا، وسنناقش جميعها قدر المُستطاع في هذا المساء. "مايك ياردلي"، أنت ضابط سابق في الجيش البريطاني وخبير على صعيد الاستخبارات وعلى معرِفة بالعالم، كيف ترى عام 2018؟

مارك ياردلي – مُختصّ في الشؤون العسكرية: فوضى ونزاع وظهور التطرُّف وغياب الوسطية. رأينا التجديد النصفي في الولايات المتحدة ورأينا نزاعاً سياسياً استثنائياً ينشأ في الولايات المتحدة، وشاهدنا الأمر نفسه في جميع أنحاء (أوروبا). كذلك رأينا في الآونة الأخيرة تبدُّد حلم "ماكرون" في تشكيل صورة جديدة إضافةً إلى كلّ ما يحدُث، كالأمور غير العادية التي جرت في ظلّ "البريكسيت" والاستفتاء والأشخاص ذوي السترات الصفراء. ما الذي يعنيه ذلك؟ أعتقد أنّ أمراً واحداً يتجلّى وهو أنّ النظام السياسي القديم غير ناجح، ونرى سواء على اليمين أو على اليسار أنّ الناس يشعرون أنهم غير مُمثّلين بالقدر الكافي. لكن لننظر إلى الأمر من منظورٍ شامل، إبني خبير اقتصادي في الواقع وكنت أتحدث معه عن هذه المسألة اليوم فقال إنّنا في فترة متقدّمة من الدورة الاقتصادية. الدورة الاقتصادية الحالية عمرها تسع أو عشر سنوات وعادةً ما تستمرّ الدورة الاقتصادية لنحو سبع سنوات وعادةً ما تقع أحداث سيئة في نهاية الدورات الاقتصادية. فلتنظر إلى دول (أوروبا) وانظُر إلى النزاع بين (إيطاليا) والاتحاد الأوروبي مثلاً، أُنظر إلى اقتصادنا وإلى الحال التي نعيشها بسبب "البريكسيت" بغضّ النظر عن الجانب الذي تأخذه في هذا الموضوع. تدور أحداث غريبة جداً حالياً ويشهد العالم تغييراً جوهرياً ومن الصعب جداً توقُّع الآتي. فلنتناول (السعودية) مثلاً التي هي بالطبع دولة تابعة للولايات المتحدة الأميركية، في شكلٍ أساسي ما قاله "ترامب" إلى النظام السعودي هو الآتي: "لا ترفعوا أسعار النفط فلا نُلاحقكم أكثر بما حدث في وفاة خاشقجي"، هذه حصيلة المسألة كما أراها. لكن في كلّ مُحيطنا نرى أحداثاً غير متوقعة ومُخيفة إلى حدٍّ ما، وأعتقد أنّ الناس ينتابهم قلق من ذلك، إذ أرى أنّه ينتابهم قلق شديد جداً إزاء مصيرنا، فنرى فوضى "البريكسيت"، وأكرِّر، بغض النظر عن الجانب الذي تؤازره لا يُمكن القول أنّه مثَّلَ نجاحاً باهراً حتّى الآن، وترى ما يحدث من انعدام الاستقرار في العالم والعودة إلى الحرب الباردة القديمة، وعليّ القول بصفتي جندي سابق أنني أعتقد أنّ (بريطانيا) أو (المملكة المتحدة) أو مهما تريد أن تدعوها اليوم، ضعيفة جداً، فلا نملِك ما يكفي من القوات، وانخفَض عديد الجيش نظرياً على الورق إلى نحوِ سبعين ألفاً وأُشكك في أنّه أقلّ من ذلك في الواقع. إذا نظرت إلى موارِدنا لا أعتقد أنّ (أوروبا) ستشهد معركة دبابات من جديد، ومن المُرجّح ألّا تفعل، لكننا نملك نحو 150 دبابة، وقيل لي أنّ خمسين فحسب منها تعمل بينما يملك الروس نخو خمس عشرة ألف دبابة، بالتالي الفارِق ضخم. كذلك كان أداء "بوتين" رائعاً، فانظر إلى الطريقة التي استغلّ فيها (سوريا) لمصلحته، أدّى لعبة شطرنج رائِعة لم تصبّ في مصلحتنا ربما لكنها يبدو خدمت مصلحته حتّى الآن ما يدفع المرء إلى التفكير: ما الذي سيؤول إليه كلّ ما يجري؟ هلّ سيؤول إلى حرب باردة جديدة؟ نعم إلى حدٍّ ما، فيبدو أنّ حرباً باردة تدور قليلاً اليوم ولنأمل أن نستطيع التهدِئة من روعنا على هذا الصعيد. أعتقد أنّ السبب الأساسي لشتّى المسائِل هو المال، ففيما يتعلّق بـ (روسيا)، فُرِضت عليها عقوبات أثَّرت فيها كثيراً ويرغب الروس في رفعها، ورأيت كيف اختبروا مجالنا الجوّي ومياهنا، كذلك اختبرونا في مسألة (سالزبري) لكن بقيت (أوروبا) موحّدة، وبالطبع تمتلِك (روسيا) هدفاً استراتيجياً وهو تفكيك الاتحاد الأوروبي ما يولِّد أفكاراً وتحالفات غريبة. فنرى مؤيدي "البريكسيت" اليمنيين، إن أردت تسميتهم بذلك، كذلك أمامنا أجهزة الاستخبارات الروسية على الأرجح التي ترغب في رؤية نزاع يندلِع في (أوروبا) لأنهم يرون أنّ ذلك يصبّ في مصلحتهم الاستراتيجية. لكن ربما بعد (سالزبري)، وإنصافاً لـ (روسيا)، قد تكون وحّدت كلّ (أوروبا) معاً وأدانت جميع البلدان الأوروبية الفعل الروسي في (سالزبري) ومثَّل ذلك نصراً سياسياً مُفاجِئاً وسط كلّ الفوضى. فلننتقل إلى (إيرلندا) الشمالية، أُمضي وقتاً كثيراً فيها ولديّ أصدقاء كُثُر هناك وتعرّضت لتهديد شخصي هناك منذ سنوات كثيرة وأعلم طبيعة الحال هناك. لدي أصدقاء على جانبيّ الانقسام السياسي والديني، لكن ما عاد فيها أطراف مُعتدِلة، فليس الحزب الاشتراكي العُمالي في الصورة بل حزب "شين فين" والحزب الوحدوي الديمقراطي. وعند النظر إلى الحدود، لا أعتقد أنّ حدود (إيرلندا) ستعود يوماً، فلا أحد يريد هذه الحدود، بالتالي من الذي سيفرِضها؟ أهي قوات الاتحاد الأوروبي؟ لن تقيم جمهورية (إيرلندا) حدوداً ولا نحن سنفعل، ولا يرغب مُعظم الناس علي جانبي الحدود الوهمية في إقامتها، بالتالي لا أظنّ أنها ستُقام. بالتالي، حين نسمع نقاشاً حول الأمر أعتقد أنّه ينطوي على الكثير من الهراء

جورج غالاواي: إسمح لي أن أسألك بما أنّك الشخصية العسكرية معنا. أعلن "ترامب" أن الولايات المتحدة ستنسحب من مُعاهدة الأسلِحة النووية المتوسّطة المدى لأنه يقول أنّ (روسيا) قد خرقتها، لكن (روسيا) تُنكِر ذلك. هلّ يعني ذلك أنّ الولايات المتحدة، كما حدث لفترة وجيزة في أوائِل الثمانينات قبل أن يذهب "ريغان" و"غورباتشوف" للمشي في الغابة، هلّ يعني ذلك عودة الأسلِحة النووية القصيرة والمتوسّطة المدى إلى الأراضي الأوروبية الرئيسة؟ وأيّ بلدان أوروبية ستسمح بذلك؟ كما أنّ (روسيا) صرّحت بأنها سترُد، وسيكون ذلك أسوأ من العام الذي مررنا به، أليس كذلك؟

مارك ياردلي: بالفعل، وأعتقد أنّ الرئيسين سيذهبان للمشي في الغابة مُستقبلاً، لكن في الوقت الراهن لا تبدأ الحروب دائِماً لأسباب منطقية، وفي ظلّ إعادة تسليح (روسيا) نفسها كما تفعل وازدياد التوترات إضافةً إلى "ترامب" وأُسلوبه الجمهوري للغاية وعدم تحريكه ساكناً لتهدِئة الوضع، الحال خطرة وهي أكثر خطورة مما كانت عليه. بالتالي هذا قلق حقيقي، نعم

جورج غالاواي: على صعيد آخر "آدم غاري"، أنت مؤرِّخ مرموق لكنّك مطّلع أيضاً على آخِر مُستجدات المسرح الجيو – سياسي، لو سجّلنا هذه الحلقة في عيد الميلاد الماضي كنّا لنقول إنّ الخطر الأكبر لمواجهة نووية هو بين الكوريّتين، لكن أينما كان الكوريون في العالم تجدهم يعيشون حالة حبّ مُفرِط فلا يكتفي بعضهم من تقبيل وعناق البعض الآخر، وحلّ السلام على شبه الجزيرة الكورية ومثَّلَ ذلك أحد أحداث العام الجيدة، أليس كذلك؟

آدم غاري – مدير عام أور-آسيا المستقبل: بالفعل، حين يوضع ميكروفون بالقرب من وجوه الناس يتحدّثون عن الصدمات والرُعب، فنتحوّل فوراً من خبراء موضوعيين إلى أبطال في فيلم رعب، لكنني سأسمّي 2018 عاماً ديكنزياً Dickensian، إذ كانت الفترة الأفضل بالنسبة إلى البعض لكنها كان الأسوأ بالنسبة إلى آخرين، وكانت الأحداث التي تكشّفت في (كوريا) أفضل ما تكون. فشهدت اللحظة التي ينتظرها الكوريّون ليس منذ 1953 فحسب ولا حتّى منذ أواخر الأربعينات فحسب بل في أوجه كثيرة منذ 1910 حين احتلّ اليابانيون شبه الجزيرة الكوريّة بأسرِها، وتُقدِم شبه الجزيرة الكوريّة اليوم تدريجياً، على مُستوى إنساني ولكن براغماتي في آنٍ معاً، على تكسير الحدود السياسية المُصطنعة التي فُرِضَت على الكوريين، ويفعلون ذلك بسمات كوريّة. أعتقد أنّ هذا من الرائِع أنّ بعدما هدّدت الولايات المتحدة بحربٍ نووية بالمعنى الحرفي بهدف تدمير (كوريا) الشمالية كما قال "دونالد ترامب" في قصر السلام، أي الجمعية العامّة للأُمم المتحدة، ترى اليوم أنّ الزعيمين "كيم جونغ أون" و"مون جاي إن" يستلمان الدفة بينما تجلس الولايات المتحدة جانباً في الغالب وتشاهد ما يحدُث. في الواقع أقرّ "ترامب" بذلك والحال كذلك منذ فترة طويلة، لكنّه غرّد في الآونة الأخيرة قائِلاً إنّها عمليّة تدريجية تسير على نحوٍ جيِّد وأنّه على ثقة كاملة بـ "كيم جونغ أون"، الرجُل الذي استهزأ به سابقاً

جورج غالاواي: فلنكن منصفين في الإشادة بـ "ترامب"، لا يبدو مُطلقاً أنّه لو تولّت "هيلاري كلينتون" الرئاسة لكانت تسمح للكوريين باختيار السلام، أليس كذلك؟

آدم غاري: كانت الرئيسة "هيلاري كلينتون" لتُحافِظ على الوضع الراهن على نحوٍ يفوق ما فعله "باراك أوباما" إذ أؤمن فعلاً على المُستوى النفسي أنّ لديها أسرار في الخفاء السياسي عكس "أوباما" الذي تولّى الرئاسة وهو يحمل أملاً وخرج منها من دونه، بينما "ترامب" بعيد كلّ البعد عن الوضع الراهن، وفي (كوريا) كان مُستعداً للمُخاطرة وحصد فوائِد شخصيّة وسياسية، لكن تُشير مُعظم الحسابات السياسية والجيو – سياسية إلى أنّ مُخاطرته تلك صبّت في مصلحة العالم. لكن في نهاية المطاف يقع حِمل العمل الأكبر على كاهليّ "كيم" و"مون"، وبصراحة لو كنتُ سأُمنح لقب رجُل العام كما تفعل مجلّة "تايم" لقدّمته إلى رجُلين هما "كيم" و"مون" لأنهما كانا الرجُلين المناسبين في المنصب المناسب والوقت المناسب، وحين خفّض "ترامب" الدفاعات الأميركية النووية إلى موقع حيادي بدآ العمل، وتماماً كما استحالت العودة إلى الوراء في (ألمانيا) وتوحّدت (أوروبا) ككلّ في عام 1989 أو في الفضاء السوفياتي الأوسع نطاقاً في عام 1991أو في (ألمانيا) أيضاً في عام 1945 لأسباب أُخرى، لنّ يتغيّر ما يحدُث، فلا يُمكن وصد أبواب السلام وستكون هناك صعاب وتحديات لكن هذه إحدى المسائِل القليلة جداً التي أشعُر حيالها بتفاؤل كلّي تقريباً. لا يتسنّى لي أن أقول ذلك كثيراً ويُسعدني أنني استطعت أن أفعل

جورج غالاواي: وأنا كذلك. من يودّ التحدّث؟ سيّدتي، أنتِ تعرِفين الكثير عن (سوريا) وقد عشتِ هناك. لا بدّ من القول أنّه في نهاية 2018 تحسّنت الأمور بالنسبة إلى (سوريا) مقارنةً بحالِها منذ نحو ثلاث أو أربع سنوات

تامي القباني – ناشطة سياسية: نعم. إسمي "تامي القباني" وعشتُ في (سوريا) من عام 2011 إلى 2013. من المؤكّد أنّ الأمور تحسّنت لكنني أودّ العودة إلى ما قلته في البداية، عن أنّ الفلسطينيين

جورج غالاواي: غابوا عن المشهد

تامي القباني: نعم. لا أعتقد أنّ أشخاصاً كثيرين يعلمون أنّ الفلسطينيين يملكون حريّة الدخول إلى (سوريا) والخروج منها، كذلك يحقّ لهم امتلاك أعمال إضافةً إلى حقّ التعلّم. في شكلٍ أساسي، يتمتعون بحقوق كأيّ مواطن آخر ولطالما منحتهم (سوريا) ذلك. لكن كان سكّان "مخيّم اليرموك" تحت انطباع أنّ الحكومة السورية كانت تقصفه، بينما "داعش" هو من سيطر على المنطقة، وقد زرت "مُخيّم اليرموك" تكراراً. أرى أنّه إذا امتنع العالم عن التدخّل في (سوريا) ورفعَ كلّ العقوبات، وفي العودة إلى ما قيل عن الحرب الباردة مع (روسيا)، في حال شهِدنا شتاءً قاسياً هذه السنة من المؤكّد أنّ (بريطانيا) ستشتري الغاز من (روسيا)، بالتالي يجري التغاضي عن العقوبات عندما نحتاج ذلك

جورج غالاواي: هذه إحدى المُفارقات الكثيرة أليس كذلك؟

تامي القباني: نعم، ثمة الكثير من المفارقات والكثير من النفاق

جورج غالاواي: يكره جميعهم (روسيا) لكنّ الجميع يشترون منها الغاز

تامي القباني: نعم، اشترينا ناقلتيّ غاز في العام الماضي أنقذتا (بريطانيا) من التجمُّد حتّى الموت المُحتَّم، وأنا على ثقة أنه بعدما أدفأت "تيريزا ماي" يديها فوق النار عادت إلى ما كانت تفعله. كذلك في العودة إلى مسألة (سالزبري) و(بورتن داون)، قيل أنّ (روسيا) هي الفاعِلة، وقد سمّمت مواطنين روس. لكن لغاية عام 1983 كانت وزارة الدفاع تُسمّم جنوداً بريطانيين في (بورتن داون) في غُرَفٍ احتوت "غاز السارين"

جورج غالاواي: فعلت ذلك لغايات تجريبية كما أشرتِ

تامي القباني: نعم، ولم يكونوا يعلمون أن تجارُب "غاز السارين" تُجرى عليهم بل قيل لهم أنّ التجارب كانت لعلاج الزكام، أعرِف ذلك لأنني تحدثت مع أحد الجنود الناجين، ولم يحصل هؤلاء على تعويض حتّى اليوم

جورج غالاواي: فقط للمُشاهدين الدوليين، (بورتن داون) مؤسّسة عسكرية علمية. أُطلِق عليها أسماء عدّة وما عادت تُدعى "بورتن داون" حتّى، لكن في شكلٍ أساسي هي المؤسّسة البريطانية للأبحاث حول الأسلِحة الكيميائية والبيولوجية. هذه معلومات للمُشاهدين الدوليين

تامي القباني: نعم، تُجري أبحاثاً عادةً ما تنطوي على تجارب على جنود سابقين لا يتم تقديرهم ولا تذكّرهم في يوم الذكرى الذي يُشارِك فيه الساسة، وبعد أشهُر نشرع في التفكير في حربٍ أُخرى يُمكن أن نشنّها. وفي الانتقال إلى (اليمن) حيثُ يُعاني الناس المجاعة وتنتشر الكوليرا، ولنتذكّر "هايتي" حيث وقعت كارِثة طبيعية فذهبت إليها قوّات حفظ السلام التابعة للأُمم المتحدة ونشرت الكوليرا هناك، وقد أُثبِتَ أنّهم سبب انتشار الكوليرا حينها، وترى اليوم الأمر نفسه يحدُث في (اليمن) ويسأل الناس، كيف يُعقَل أنّ (اليمن) يُعاني مجاعة؟ كلّ ما يحدُث متعمَّد وهو جزء من حملة الحرب، وتؤدّي (بريطانيا) دوراً كبيراً فيها بدعمها (السعودية). وفي العادة، حين تندلع أزمة في مكانٍ ما في العالم يكون لـ (بريطانيا) يد فيها إلى جانب (فرنسا) على الأرجح

جورج غالاواي: ماذا عن مُطالبة وزير الدفاع الأميركي الجنرال "ماتيس"، الملقّب بالكلب المسعور، بوقف إطلاق النار والشروع في حوار؟ حتّى أنّه حدّد المكان الذي يجب إجراء الحوار فيه، ووضع لذلك نطاقاً زمنياً مدّته أربعة أسابيع، لكن لم يجرِ الالتزام بذلك، لماذا؟

تامي القباني: هلّ نتحدث عن (سوريا)؟

جورج غالاواي: لا، عن (اليمن)

تامي القباني: (اليمن)، عذراً

جورج غالاواي: قال "ماتيس": "لا بدّ من وضع حدٍّ للأمر في غضون أربعة أسابيع وأُريد منهم القدوم إلى طاولة الحوار لإجراء مُحادثات سلام". قال ذلك منذ ما لا يقلّ عن ثمانية أو عشرة أسابيع

تامي القباني: أجد أنّه من الصعب تصديق بلد يُنسِّق الحرب ويُطالب بعد ذلك بمُحادثات سلام

جورج غالاواي: شهِدنا ذلك مرّات عدّة

تامي القباني: عندما عبَرَ "جون ماكين"، وهو قد توفّى الآن، الحدود السورية وتصوّرَ مع بلطجيي "داعش"، بعدها حاولوا إقناعنا أنّ الولايات المتحدة في (سوريا) لمُساعدة المدنيين هناك. وها هو "ماتيس" اليوم يُطالب بوقف إطلاق النار بينما الأميركيون ينسّقون حرب (اليمن) في حين يُعاني (اليمن) من مجاعة إضافةً إلى الصوَر المروّعة التي نراها لأطفال والأمر رهيب

جورج غالاواي: كنّا نصف صوَراً كتلك بالرُعب الأعظم

تامي القباني: نعم 

مارك ياردلي: أظنّ أنّ علينا أيضاً أن

جورج غالاواي: لا، عليّ التوقف مع فاصل الآن وسأعود إليكِ بعده                                          

المحور الثاني

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) باستعراضٍ لعام 2018 وبالتالي نظرة على العالم. "مايك ياردلي" بصفتك شخصيّة عسكرية، كان ينبغي أن أسألك التالي في مُداخلتك الأولى، ما هو هدف حرب (اليمن)؟ لقد اشترى السعوديون كمّيات هائِلة من الأسلِحة المتطوِّرة وسواها لكن يبدو أنّهم ليسوا ماهرين جداً على الأرض فلا يستطيعون احتلال (اليمن) فعلياً، فما المغزى من كلّ ما يفعلونه؟

مارك ياردلي – مُختصّ في الشؤون العسكرية: لستُ مختصّاً في هذا النزاع لكن من الواضح أنّ هدفهم الاستراتيجي هو تفادي سيطرة القوى المدعومة من (إيران) على (اليمن) على حساب نفوذهم فيه. إذا نظرت إلى سياستهم الأخيرة ترى أنّها تتمحور حولَ نشر رسالتهم السنّية في الشرق الأوسط والخارِج أيضاً، ولهذا السبب في رأيي نشهد إنشاء الكثير من المساجِد السلفيّة لتحقيق هذه السياسة. كأنّه إجراء استباقي لحين ينفُذ النفط أو حين لا يرغب أحد في شرائِه ومع ذلك تستمر قدرتهم على نشر تأثيرهم السياسي، هذا سبب بسط هيمنتهم على الأرض. كذلك، في العودة إلى أفكار قليلة ذكرتها وهي مُثيرة للاهتمام مثل موجة السلام التي غزت (كوريا)، هذا رائِع. لكن منذ فترة غير بعيدة أُطلِقَ صاروخ باليستي من (كوريا) الشمالية ليُحلِّق فوق (اليابان)، أعني يُمكن أن يحدث ذلك مرة أُخرى بكلّ بساطة، وكلّ العوامل كظهور

جورج غالاواي: أتعتقد أنّ عمليّة السلام هشّة؟

مارك ياردلي: نعم، هشّة تماماً، كذلك نشهد ظهور الرجال الأشدّاء سواء أكان "بوتين" أم كان شخص في (أوروبا) أو الولايات المتّحدة أو سواء أكان "ماكرون" حتّى، يولِّد ذلك شعوراً بأننا عُدنا إلى الثلاثينات، وهو شعور مُقلِق. مررت بـ (هونغ كونغ) في الآونة الأخيرة، وعندما ترى الزعيم الصيني في أحد مؤتمرات حزبه تلحظ أنّ الأمر مخيف جداً، فهو حدث كبير منسّق إلى حدٍّ بعيد فيه الكثير من الستالينية ما يجعل المرء يقلق من التساؤل: إلى أين ستصل (الصين) بذلك؟ وترى اليوم مشاهِد مُشابهة في جميع أنحاء العالم تقريباً حيثُ ترى ظهور دكتاتور منفرِد، وليس بالضرورة أن يشير ذلك إلى استقرار. كنّا نتحدث عن (سوريا)، وخُضت تجربتي الأساسية في (سوريا) في الثمانينات وكنت في (حماه) حين قرّر "الأسد" الأب أن يأخُذ إجراءات في حقّ "الإخوان المسلمين"، وأنا مهتمّ جداً بما يجري. وإحدى المسائِل التاريخية المثيرة للاهتمام التي اكتشفتها في الآونة الأخيرة، إذ أُجري بحث في الأمر، هي أنّني إن نظرت إلى ما حدث في نهاية الحرب العالمية الثانية، وما سأذكره آسر، أبرمت الاستخبارات الأميركية، أي وكالة الاستخبارات الأميركية كما باتت تُعرَف في أواخر الأربعينات، شتّى أنواع الصفقات الغربية مع النازيين، أي الاستخبارات النازيّة، فقد عرِف هؤلاء أنّهم يفشلون ولم يُريدوا أن ينتهي المطاف بهم فيما كان سيغدو سجن "نورن بيرغ" أو ما شابه، وأيضاً أبرمَت شتّى أنواع الصفقات القذِرة اقتضت إحداها أن تُسيطر الاستخبارات الأميركية، التي تحوّلت لاحقاً إلى الـ C.I.A.، على شبكة الاستخبارات النازيّة السوفياتية، وهذا مُثير للاهتمام. غير أنني لم أعلم أنّ وكالة الاستخبارات استولت أيضاً على جهات الاتصال والشبكة التي كان النازيون قد أنشأوها داخل "الإخوان المُسلمين". وعلى ما يبدو، كان النازيّون قد سلّحوا "الإخوان المُسلمين"، كسلاحٍ ممكن ضدّ البريطانيين في (مصر)، ومثّلَ ذلك مسألة جديّة، وتطوّرَ "الإخوان المسلمون" كثيراً لغاية تولّي "عبد الناصر" الرئاسة حيث طُرد أعضاءً كُثُر من "الإخوان المُسلمين" إلى خارِج "مصر" فتوجّهوا إلى (السعودية)، لكن كان من الصعب التعامل معهم فطردهم السعوديّون في النهاية وتحوّل هؤلاء إلى "القاعدة"، وهذا جانب تاريخي مثير للاهتمام لكنّه ليس معروفاً البتّة

جورج غالاواي: ممتاز. من يودّ المُشاركة في النقاش؟ تفضّل سيّدي، السيّد في الصفّ الأوسط

أحد الحضور اليمنيين: أودّ الإدلاء بفكرة فحسب. فقد سألني السيّد عن (اليمن)، وفي رأيي دائِماً ما دَمّرت الحكومة السعودية كلّ ما في شبه الجزيرة العربية سواء أكانت مقاومة أم كانوا أشخاصاً مثل "عبد الناصر" أو "الخميني"، وكان لدينا في (اليمن) رئيس يدعى "إبراهيم الحمدي" فنظّم السعوديون مؤامرة لقتله وقتلوه وهذا حدث فعلاً. فيهدف كلّ ما تفعله الحكومة السعودية إلى حماية نفسها وحماية العائِلة المالكة، وكلّ ما يقولونه عن أنهم سنّة وينشرون تعاليمهم ويفعلون كذا وكذا هو مُجرّد هراء

جورج غالاواي: هل ينجحون في ذلك؟ إذا كان ذلك ما يسعون إليه فأداؤهم ليس جيداً لأن (السعودية) تبدو لي اليوم أقلّ استقراراً مما بدت طوال حياتي

أحد الحضور اليمنيين: أعزو ذلك إلى أنّ وسائِل التواصل الاجتماعي جعلت الأمر واضحاً اليوم، أمّا في السابق فاستطاعوا أن يفعلوا شتّى الأمور من دون أن يستطيع أحد التفوّه بكلمة، وكانت وسائِل الإعلام الغربية تُعتِّم على كلّ ما يحدُث. لكن اليوم، بفضل وسائِل التواصل الاجتماعي بات الجميع يعرفون ما يحدُث، وما هو أسوأ في رأيي هو أنّ السعوديين يمضون على نحوٍ أعمى في سياساتهم القديمة ويعتقدون أنها ستنجح، لكن ذلك لن يحدُث، إذ سئِم العالم العربي بأسره مما يحدُث. أعني، على المستوى العام ولا أقصد الساسة ومن شابههم بل الشعوب التي ينتابها غضب شديد من الغرب، وهذا مُبرَّر بالنظر إلى ما يحدُث اليوم

جورج غالاواي: هذا مثير للاهتمام. سيّدي، هلّ تودّ المُشاركة؟

مارك ياردلي: أود ذِكر فكرة باقتضاب. الفكرة الأخرى هي أنّ الدولة السعودية الحديثة أُنشئت عبر تحالف آثم بين آل "سعود" والكهنوت الوهّابي وبدعمٍ من عائِدات شركات النفط الأميركية، فبدأ الأمر برمته هكذا ولهذا لا يزال مستمراً، هذا هو هدف إنشائها، وأعتقد أنك مُحقّ في شأن الشعوب. فعندما تُسافر الآن ترى أنّ الناس قفدوا ثقتهم بالغرب، لكن حتّى هنا، ما عاد الناس يعرِفون الخيِّر من السيّئ، وبالتالي هذا النوع من عدم الشعور بالأمان والقلق والحيرة هو أحد مميّزات العام المنصرِم في رأيي

جورج غالاواي: من يودّ الإدلاء بمشاركة؟ تفضّل "آدم"

آدم غاري – مدير عام أور-آسيا المستقبل: أعتقد أنّ العالم العربي يقف عند مفترق طُرق خطير جداً اليوم إذ لا يعيش حالة فراغ أفكار بل فيه أفكار كثيرة ويميل الناس لأن يشعروا بحماسة مُفرطة حين تُعرَض عليهم مائِدة الأفكار المفتوحة لكن من دون سيِّد اقتصادي ليُحافِظ على استدامة المائِدة. ما يحتاج إليه العالم العربي هو القيادة، وبصراحة أرى أنّه لا بدّ من "عبد الناصر" جديد، لكن المُشكلة هي: من أين سيأتي شخص كذلك؟ لكن ما يجدر بنا أن نذكره في سياق العالم العربي هو أنّه لو كان قوّة عُظمى على شكل اتحاد عربي موحّد لكان سيُمثِّل عندها قوّة عُظمى بعدد سكّان لا يفوقه إلّا عدد سكّان (الصين) و(الهند) ويملك نفطاً أكثر من (روسيا) ومن أيّ بلدٍ في العالم، كذلك سيُمثِّل قوّة هائِلة. ومع ذلك إحدى المسائِل التي تكسر قلبي حين أتحدّث مع عرب هي أنّه عندما يعرِض أحد عليهم هذه الفِكرة سواء أكان عربياً أو غير عربي مثلي، يتحدّث الناس عن اختلاف اللهجات وتاريخ المنطقة وحتّى عن اختلاف الأطباق واختلاف طريقة تناولها. لكن هذه العوامل لم تمنع (الصين) من أن تكون أُمّة متّحدة، ولم تمنع الكوريتين من التصافُح وهما شعبان متشابهان لكن تاريخهما السياسي الحديث مختلِف جداً، ولم تمنع نشأة الاتحاد الأوروبي على الرغم من شوائِب ذلك، ولم يمنع رابطة دول جنوب شرق (آسيا) "آسيان" من إقامة منطقة تجارة حرّة ومن تعزيز التعاون إلى ما لا نهاية. إذا لم يُدرِك العرب أنّه من دون الوِحدة يُمكن أن تغدو الحال السيئة أسوأ، فأخشى أنّه في نهاية هذا النطاق الديكنزي قد يكون العالم العربي على شفير وضعٍ يُعدّ، حتّى في المقارنة مع الحال اليوم، أسوأ الأوقات

جورج غالاواي: هذه إشارة جيدة للانتقال إلى استطلاع الرأي، فقد خرجنا مع كاميرا "كلِمة حرّة" إلى شوارِع (لندن) وطرحنا بعض الأسئِلة، فلنشاهِد

المُحاور: مع القضاء على "داعش" في (سوريا)، هلّ تعتقدين أنّ الوضع هناك سيتحسّن الآن؟

شابة 1: آمل ذلك، لكن ذلك منوط بتوقّفهم عن القتال في ما بينهم داخلياً، لا بدّ من أن يتحسّن الوضع حينذاك ولا بدّ من ذلك إذا تقلّص عدد الأعداء. بصراحة، أعتقد أنّ سائِر العالم ينبغي أن يأخذ إجراءات أكثر بكثير للمُساعدة في ما يحدث هناك سواء أكانت (أوروبا) أم كانت الولايات المتحدة أو سواهما بالطبع

شاب 1: لا يُمكن إلّا أن ينتج كلّ الخير إذا تفكّك "داعش" واجتُثّ من الوجود في رأيي

المُحاور: هلّ تعتقد أنّ نهاية حرب (اليمن) تلوح في الأُفق اليوم؟

شاب 1: لستُ على دراية على هذا الصعيد لكنني آمل ذلك

شابة 1: آمل ذلك، فلا بدّ من أن نكون متّحدين ولا أعتقد أنّ الحلّ يكمن في الامتناع عن مُساعدة هذه البلدان في وقف الحرب فهذا ليس جيداً، وآمل أن تنتهي الحرب عمّا قريب لما في ذلك من خير للجميع سواء للذين يعيشون هنا أو هناك، للجميع

شاب 2: آمل ذلك فالوضع هناك جنوني إذ يلقى الكثير من الأبرياء حتفهم، ولم يصل الأطفال إلى سنّ معيّنة وها هم قد ماتوا فالوضع جنوني جداً. لذا آمل أن تنتهي الحرب بعد فترة قصيرة جداً

المُحاور: هلّ تعتقد أنّ الوضع في (السعودية) قد يتغيّر بعد مقتل "جمال خاشقجي"؟

شاب 1: مرة أُخرى لا أعرِف الإجابة للأسف، لكن من المؤكّد أنّ الأمر سيُثير بعض الأسئِلة وسينتبه الناس الآن بعد حدوث مسألة من هذا القبيل، لكنني لا أعلم

جورج غالاواي: كانت الإجابة بـ "لا أعلم" الأكثر تواتراً في استطلاعات الرأي على الشارِع لكن هذا ليس مُفاجئاً ربما، فلستُ واثقاً من أنّ أحداً يعلم إلى أين يتّجه العالم، ولم أتطرّق إلى (أفريقيا) حتّى في مُقدّمتي لكنّها شهِدت سنة غاية في الأهمية هي الأُخرى. فقد استُبدِل "روبرت مغابي" برئيس جديد مع أنّه بدا أنه سيبقى في منصبه لقرون عدّة. ما تزال (أفريقيا) في نزاعات عدّة لكنّها تتحوّل إلى قصة نجاح على الصعيد الاقتصادي على الأقل بفضل الاستثمارات الصينية الكبيرة جداً ما يُحدِث تغييراً في المشهد هناك. غير أنّه يُطرَح سؤال حول ما الذي تريد (الصين) أن تجنيه من (أفريقيا) حقاً وإلى أيّ حدّ سيتولّى الأفريقيون إدارة النموّ الاقتصادي في بلدهم! كلّ هذه أسئِلة مهمة. فليرفع أيّ شخص يودّ المُشاركة يده، سيكون من الجيِّد الاستماع إلى أيّ شخص لم يتحدّث بعد. سنعود إليكِ سيّدتي

تامي القباني – ناشطة سياسية: أودّ العودة لتناول ما قيل عن أنّ بعض السوريين يُقاتلون البعض الآخر. أظنّ أننا رأينا في بعض الحوارات السابقة التي أجريناها إدراك الناس، غير أنّ عقوبات فُرِضت على (سوريا) خلال السنوات السبع أو الثماني الماضية، أُعطِيَت أموال دافعي الضرائِب بمبالغ تُناهِز ملايين الجنيهات الإسترلينية إلى أشخاص لم يخضعوا إلى أيّة عمليّة تدقيق ولم يتم فحص سجلّهم الجنائي. لم تُعطِ (بريطانيا) وحدها ملايين الجنيهات الإسترلينية إلى هؤلاء فحسب، بل كان "وليام هيغ" مع "أنجيلينا جولي" يُقدّمان على الحدود السورية خمسة ملايين جنيه إسترليني دفعة واحدة وخاف "هيغ" من أن يخطو خطوة واحدة إلى داخل (سوريا) لكنّه كان سعيداً في تقديم أموال دافعي الضرائِب. إلى حين وضع حدٍّ لذلك ولما يصحبه من قصف عشوائي وقصف لأهداف محدّدة، تتعرّض (سوريا) أيضاً لقصف إسرائيلي في أحيان كثيرة. أنا شخصياً نجوت من حملة قصف إسرائيلية حين كنت أمرّ في (دمشق)، والله أعلم لماذا تستمرّ (إسرائيل) في القصف! وهذا القصف لا يتمّ تغطيته أبداً في وسائِل الإعلام بينما يُسمّي الناس ما يحدُث على أنه حرب أهلية

مارك ياردلي – مُختصّ في الشؤون العسكرية: إسمحي لي أن أتوسع في فكرتكِ لأنها مثيرة للاهتمام بالفعل. عمليّة "شايدر" التي تدخّلت (بريطانيا) بموجبها في (سوريا) والحملة الجوية هما مسألة كُبرى، ولا يُدرِك الشعب البريطاني ذلك. فتزيد عدد مهمّات سلاح الجو الملكي التي انطلقت إلى (سوريا) عن المهمات التي انطلقت في (العراق) و(أفغانستان) معاً. أعتقد أنها تُناهِز 1,200 أو 1,300 عمليّة رئيسية وهذه مسألة كُبرى ومع ذلك لا نسمع بها، أي أنّها عموماً حرب مُخبّأة، وهذا أمر استثنائي

جورج غالاواي: أُريد أن أطرح عليك سؤالاً حول الموضوع نفسه: ما الذي سيحلّ بالأجانب الشرقيين والغربيين الذين يُسمّون جهاديين، مع أنني لا أُحبِّذ استخدام هذه الكلمة، لكن هذا ما يُسمّون أنفسهم به، لم يتعرّضوا جميعهم للقتل أليس كذلك؟ وعلى الأرجح أنّ بعضهم عاد للعيش بيننا

مارك ياردلي: إحساسك في محلّة، ما يحدُث عادةً هو الآتي: إذا بدا أنّ القوّات السورية والروسية تُحقق نصراً على الأرض في مواجهة المتطرّفين لن يختفي هؤلاء بكلّ بساطة ولن يُقتلوا جميعاً ولن تموت الفِكرة التي يحملونها فضلاً عن أنّ البعض منهم سيعود إلى موطنه، ومن المؤكّد أن يزيد ذلك من التهديد الإرهابي الذي نواجهه

جورج غالاواي: من المُحتّمل أن يحدُث ذلك، فكثير من الهجمات الإرهابية في (أوروبا) وهنا في (لندن) و(مانشستر) وأماكن أُخرى لم يُنفِّذها أشخاص كانوا في (سوريا) بل أشخاص يتمنّون أنّهم كانوا هناك أو أنّ قلوبهم كانت هناك، أو ربما كان أقارِبهم أو إخوانهم هناك. ماذا عن حين يعود أولئِك الذين في (سوريا) ليعزّزوا قوى من هنا؟

مارك ياردلي: تكمن المُشكلة في الإرهاب وفي أنّه أمر من السهل القيام به إذا امتلك المرء الإرادة والحافِز. لكنني أردت العودة إلى موضوع (أفريقيا) لأنّه مُذهل. سافرت منذ فترة طويلة عبر (تانزانيا) و(زامبيا) على خطّ سكة حديد (تزارا) وهي سكة حديد بناها الصينيون مع بداية تدخلات (الصين) في (أفريقيا)، وسافرت كثيراً في أنحاء (أفريقيا)، وكنت أذهب إلى مناطق نائِية لأجد هناك متجراً صينياً. كان في نهاية كلّ طريق تُرابي متجر صيني ما يدفع المرء للتفكير: ما هذا؟ ما الهدف من كلّ هذه المتاجِر؟ فلا يُعقَل أن يجني الصينيون أرباحاً من هذه الأعمال، لكن عند السفر خلال السنوات الخمس عشر أو العشرين الأخيرة تجد أنّ (الصين) تُجري في شتّى الأماكن عمليّات تعدين وقطع أخشاب أو سوى ذلك، فتستثمر (الصين) هناك على نحوٍ هائِل لا سيما في ما يعطي موارِد يُمكنها الاستفادة منها، وكانت تحرّكات الصينيين عبقرية، كذلك يتمتّعون بأفضلية رائِعة في (أفريقيا) فهُم ليسوا بيض البشرة ما جعلَ التفاوض معهم أسهل بكثير. وإذا رأيت (أفريقيا) اليوم التي شهِدت تحوّلاً لا سيّما من خلال الهاتِف النقّال ففي السابق تعذّر التواصل في (أفريقيا) أمّا اليوم فباتت إمكانية التواصل هناك أفضل من هنا. بالتالي، تتغيّر (أفريقيا) على نحوٍ سريع جداً وهذا مُذهِل

جورج غالاواي: وأعلن "جون بولتن" إنّ الولايات المتحدة تعتزم مُجابهة ما أسماه النفوذ الصيني الروسي في (أفريقيا)، وتكمن المُشكلة في أنّ (الصين) تأتي بالاستثمارات وفُرَص عمل فيغدو الجميع أكثر ثراءً، بينما تدخُّل الولايات المتحدة كثيراً في (أفريقيا) هو مثل تدخلنا هناك وسيكون على الأغلب تدخلاً سلبياً، ألا تعتقد ذلك؟

مارك ياردلي: بلى أعتقد ذلك وأرى أنّ الصينيين اعتمدوا أُسلوباً ذكياً جداً

جورج غالاواي: الصينيون شعب ذكي. سنعود في الحال                          

المحور الثالث

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين". عليّ القول أنّ السنة انتهت على نحوٍ غير متوقَّع مع اندلاع انتفاضة في (فرنسا) ما يدفع المرء إلى التساؤل إن كان الفرنسيّون سيقتحمون (الباستيل) الذي يرمُز إلى السُلطة كما فعلوا مرّة في السابق؟ وهلّ سيلقى "ماكرون"، الذي مثَّلَ أملاً عظيماً لليبراليين الجدد والليبراليين في كلّ مكان، المصير الذي لاقاه آل "بوربون" منذ عدّة قرون؟ نأمل ألّا يفعل، على الأقلّ في ما يتعلّق في مصير آل "بوبون". كذلك شهِدَ العام فرض عقوبات، فلم أسمع كلمة عقوبات تُستخدَم إلى هذه الدرجة قبل هذا العام، ورأيتُ شخصياً وعن كثب فرض عقوبات على (العراق) قبل الحرب عام 2003 وأعرِف رائحتها. فلا تُمثِّل العقوبات بديلاً نزيهاً للحرب، ومع ذلك تُنشر هنا وهناك كالأرزّ في الأعراس. من الأسهل تسمية البلدان التي لم تفرِض الولايات المتحدة عقوبات عليها اليوم من أن أُسمّي تلك التي تواجه عقوبات أميركية. فلنسمع رأي الناس في هذه المواضيع

المُحاور: هلّ تعتقدين أنّ الاضطراب المدني في (فرنسا) مُبرّر أو يُمكن تفهّمه؟

شابة 1: أعتقد أنّه يُمكن تفهّمه إلى حدٍّ ما، فلا يطلب الناس سوى حقوق ومسائِل يستحقّونها، فيستحقّ الناس مُعاملة كالتي يُحبِّذها الجميع

شابة 2: لا أُؤيِّد العُنف كثيراً عموماً حتّى لو كان القتال ناتجاً من أسباب مُحقّة. لكنّ العُنف ليس الحلّ. أتفهَّم سبب تحرّكهم لكنني لا أؤيّده البتّة

شاب 1: يُمكن تفهُّم الاضطراب المدني، أما العُنف فلا، ولا أعتقد أنّ علينا أن نجعل العُنف ملاذنا الأخير

شاب 2: يُقاتل الجميع من أجل الحصول على حقوقهم، والاعتصامات وسيلة يُحاول من خلالها الشعب إيصال وجهة نظره ورأيه، ولا أعلم الكثير لأنني هنا في (بريطانيا)

شاب 3: أعتقد أنّ لدى (فرنسا) تاريخ طويل من الاضطراب المدني، ويُعبِّر الفرنسيون بصراحة بالغة عندما يحتجّون، وأعتقد أنّ ما يحدُث هناك جزء من الصورة الأكبر إذا تغدو الهوّة بين الأغنياء والفقراء أعمق فأعمق. وينعكس ذلك في طُرق أخرى إحداها "البريكسيت"، وفي رأيي "دونالد ترامب" هو طريقة أُخرى وعلى الأرجح أنّ الاضطراب المدني في (فرنسا) أحدها أيضاً، وسيكون مثيراً أن نرى إلى ماذا ستؤول الأمور

المُحاور: هلّ تعتقدين أنّ ارتفاع تكاليف الطاقة إلى حدٍّ كبير بسبب العقوبات الأميركية سيُسبّب اضطرابات أكثر في بلدان أُخرى؟

شابة 1: نعم أعتقد ذلك، وأظنّ أنّ الاعتصامات في (فرنسا) ستكون مثالاً يُحتَذى لدفع الناس إلى التحرّك والخروج من منازلهم والقول: "كفى! لا نريد ما يحدُث فهو غير مناسب للشعب ولا نستحق أن نُعامَل هكذا. لا بدّ من أن تتوافر لنا موارِد الطاقة مقابل كلفة يُمكننا تحمّلها"

شاب 1: دائِماً ما ينزعج الناس من ارتفاع التكاليف، فدائِماً ما ينتبه الناس عند ارتفاع تكاليف المعيشة، ومن المؤكّد أن يؤدّي ذلك إلى اضطراب

جورج غالاواي: هذا غريب بعض الشيء، إذ أنّ مُعظم أعمال العُنف التي شاهدتها عبر التلفاز في (فرنسا) هي أعمال عُنفٍ مارستها قوى الدولة، فالشُرطة الفرنسيّة هي من يقوم بمُعظم أعمال العُنف. الاضطراب أُسلوب نافع يا "آدم غاري" كما أثبت الفرنسيّون، فـ "ماكرون" أمطر اليوروهات في أرجاء شارع (الشانزليزيه) وكسَرَ جميع القواعِد المالية التي يعتمدها الاتحاد الأوروبي وسبّب لـ (فرنسا) عجزاً في الميزانية بنسبة 3.5 في المئة لتغطية هبة ضخمة منحها للشعب في محاولة لتسكين الاضطراب. ربّما إذا حلّ في بلدان أُخرى اضطراب كالذي شهِدته (فرنسا) خلال الأسابيع الخمسة الماضية، ففي غضون خمسة أسابيع فحسب دفعوا حكومة "ماكرون" إلى التحرُّك، وبحلول عرض هذه الحلقة ربّما يكون قد دُفِعَ خارِج قصر(الإليزيه). ما قراءتك لذلك؟

آدم غاري – مدير عام أور-آسيا المستقبل: تتعلّق قراءتي للموضوع بـ الحوكمَة أكثر مما تتعلق بالشكاوى التي يُمكنها الانتقال إلى بلدان أُخرى كما أشرت على نحوٍ صحيح. عندما نتحدّث عن البلدان الديمقراطية، أعتقد أنّ النظام الرئاسي البالي أمرٌ يحول دون اتصال مُباشِر أكثر بالناس وشفافية أكثر أمام الناس مقارنةً بالنظام البرلماني، وفي (فرنسا) برلمان بالفِعل لكنّه ليس برلماناً قوياً

جورج غالاواي: لا، ليس كذلك ولا أحد يعرِف أعضاءه

آدم غاري: بالفعل، بل اعتُمِدَ هذا النظام حين تحوّلت الدولة إلى الجمهورية الفرنسيّة الخامسة كما تُعرَف اليوم، وربما لا يُعجبنا شكلها الحالي، وما عليك سوى أن تسأل الفرنسيين أنفسهم. في عام 1958 أُقِرّ النظام الرئاسي ويحتوي الدستور الفرنسي على مادّة رقمها 49 تنُصّ على أنّ البرلمان يستطيع أن يُصوِّت على قرار حجب الثقة، غير أنّه لا يؤثِّر في الرئيس، وفي الواقع لم يُجرَّب ذلك سوى مرّة واحدة عام 1962 حين تولّى الديغولي "بومبيدو" رئاسة مجلس الوزراء لكن أُعيدَ انتخاب فريقه الديغولي بعد حلّ البرلمان. بالتالي، أعتقد أنّ هذه المُشكلة سنسمع عنها الكثير، عن الفرق بين ما يستطيع المرء تحقيقه في ظلّ نظامٍ برلماني مُقارنةً مع نظامٍ رئاسي. أُجريَ استفتاء حول المسألة عينها في (تركيا) في العام الماضي، وهي إحدى البلدان التي، كما (الصين) و(روسيا)، وجدت نجاحاً في ظلّ نقيض النظام البرلماني. لكن في معظم الأحيان، النظام البرلماني أكثر فعالية في الحقيقة، ولهذا السبب سيُكمِل "ماكرون" باقي فترة ولايته إذ لا يُمكن عزل الرئيس الفرنسي إلّا إذا ارتكب جرائِم فادحة تجعل جُرم "بيل كلينتون" الذي أدّى إلى عزله يبدو تافهاً، وهو الكذب في ما يتعلّق بنشاطاته تحت الطاولة. وفي المُقابل قد تُعزَل "تيريزا ماي" بحلول

جورج غالاواي: عندما نخرُج من هنا بعد ظهر اليوم

آدم غاري: ربما نعم

جورج غالاواي: أُريد أن أستمع إلى رأي من الصفّ الخلفي. السيّد الوسيم هناك

جيمس راندولف – باحث في الشؤون السياسية: أودّ التعليق عمّا قيل عن (سوريا). عانت (سوريا) هذا العام، وآمل أن نرى رحيل المتعصّبين الذين دفعهم السعوديون والغرب نحوها. ما يحدُث شبيه بأن يرغب "بوتين" القويّ البصيرة في زعزعة استقرار (فرنسا)، وفي هذه الحال الولايات المتحدة التي ترغب في ذلك كان لتُسلِّح

جورج غالاواي: بالمناسبة، يُلقى اللوم عليه لما يحدُث في (فرنسا)

جيمس راندولف: حقاً؟  

جورج غالاواي: لم يملِك الفرنسيّون أدنى فكرة عن كيف يُشرِعون بثورة قبل أن يُخبرهم "بوتين" بالطريقة

جيمس راندولف: وراء كلّ ثورة ناجحة رجل روسي على ما أفترِض. لكن ما حلّ في (سوريا) بمثابة تسليح كنيسة (ويست بورو) المعمدانية في الولايات المتحدة. الأميركيون مثل "ماكين" و"هيلاري كلينتون" وسائِر إدارة "أوباما" منحوا (سوريا) ما يُشبه كنيسة (ويست بورو) المعمدانية وأعطوا أتباعها أسلِحة ومواد وغطاء دبلوماسياً وأيّدهم أشخاصٌ كُثُر مثل الرئيس الفرنسي "ساركوزي" و"كاميرون" و"هيغ"، لكن هؤلاء خرجوا من الصورة وما زالوا يخيّمون فوق (سوريا) اليوم لأنّهم لا يزالون يريدون إطاحة "الأسد". ما زالوا يريدون أن يُعاني الناس ويريدون تجاهل رغبات الشعب السوري وإملاء تعليماتهم عليه. أرى أنّ ما يحدُث في (فرنسا) يتكرّر في (بريطانيا) حيثُ يبدأ اليمين المُتطرِّف حراكاً تحت مُسمّى السترات الصُفر. فرأينا على جسر (لندن) منذ أيام بعض مجانين اليمين المُتطرِّف يُحاولون سلب روح القضيّة المُحقّة في (فرنسا) وجعلها قضيّة يمينية متطرّفة في (بريطانيا)

جورج غالاواي: نعم. لكن كما عبّرَ "مايك ياردلي" عن الأمر في بداية الحلقة، يواجه النظام السياسي أزمة فعلية ويُمكن القول إنّه على شفير الانهيار، أظنّ ذلك شخصياً، ويحلّ الخراب في العالم. بالنسبة إلى التطرّف، أمضيتُ نحو ثلاثين عاماً أجلِس في المقاعِد الخلفيّة في البرلمان البريطاني إلى جانب شخص يُدعى "جيرمي كوربين" وهو يساري أكثر منّي بكثير مع أنني أُعَدُّ يسارياً جداً، وقد يغدو رئيس مجلِس وزراء (بريطانيا) عمّا قريب. بالتالي، نشهد أحداثاً كهذه على نحوٍ متزايد في كلّ مكان، كذلك لدينا مسألة أنّ العوامل التقليدية التي ميّزت اليمين عن اليسار تغدو أقلّ وضوحاً. فمثلاً يُعارِض يمينيون كثُر الحروب الأجنبية، يُعارِضون حرب (العراق) والتدخّل في (سوريا) وسوى ذلك. كذلك أيّدَ يساريون كُثُر هذه الحروب، وبالتالي يطرأ تغيير على اليمين وعلى اليسار وتغدو حدودهما التقليدية أقلّ وضوحاً

جيمس راندولف: نعم، نشهد تحوّلاً في نظرة اليسار إلى الحروب المُعادية للإمبريالية التقليدية بسبب المصلحة القوميّة الضيّقة لليمين المُتطرّف. كذلك شهِدنا ظهور "تومي روبنسون" في (بريطانيا) واستُقبِلَ في أحضان حزب استقلال المملكة المتحدة

جورج غالاواي: أخشى أنّ الناس في (لبنان) لن يفهموا المسألة التي تتحدّث عنها. فلنستمع إلى السيّد هناك

جوليان مورو - صحافي: شكراً جزيلاً "جورج"، أتساءل إن كان "بشّار الأسد" سيُسلِّح السترات الصفراء، إذ سيكون ذلك مُنصفاً

جورج غالاواي: إذا فكّرت في الأمر تثير هذه الفِكرة ضحكنا، لكنّه المنطق نفسه، أنّ الدولة الفرنسية تقمع شعبها. كنت أنظُر إلى مقطع فيديو يُظهِر رجال الشرطة في جهاز أمن الدولة في (فرنسا) وهُم مُسلّحون بمطارِق حادّة، صُوّروا في مقطع فيديو وهُم يتجوّلون مدرّعين بالكامل ومُسلّحين بمطارِق حادّة، يبحثون عن مُتظاهِر ليسحقوه بها. بالتالي، ينتفض الشعب الفرنسي بينما تقمع الدولة الفرنسية التحرّك، إذا متى سنبدأ في قصف (فرنسا)؟ إذ أنّ هذا هو التفكير نفسه الذي أدّى إلى التدخّل الغربي في (سوريا)، أليس كذلك؟

جوليان مورو: تماماً، وقال أحدهم في السابق إننا في حاجة إلى "عبد الناصر" آخر، وكانت قد بدأت القومية العربية عندما اتّحدَ مسلمو الشرق الأوسط في ظلّ الخلافة وقال لهم "لورنس العرب": "أنتم عرب ويجب أن تنفصلوا عن الحُكم العُثماني" وبعدها، حين انتشرت القومية العربية في اتجاه الشرق الأوسط بدأ التحرُّك في الاتجاه المُعاكِس فأُطيح "صدّام حسين" وأطَاح الإسلاميون "القذّافي"، وهو زعيم قومي عربي يؤيِّد الوِحدة الأفريقية، وكاد الإسلاميون يُطيحون "بشّار الأسد" لكن يبدو أنّ العرب عاجزون عن الاتحاد لا تحت لواء العروبة ولا تحت لواء الإسلام، إذ دائِماً ما ستَستخدِم القوى الخارجية هويّة "الآخر"

جورج غالاواي: وهلّ هم أطفال؟ أعني، سمعت هذه الحُجّة عبر هذه القناة مرّات كثيرة في ما مضى، ما الذي سيفعله العرب؟ هل سيجلسون يدخّنون نارجيلتهم بينما يلقون اللوم على العُثمانيين والبريطانيين والفرنسيين وسواهم؟ لستم أطفالاً بل أنتم 350 مليون راشِد موزّعين بين المُحيط الأطلسي والخليج وإذا أردتم الاتحاد فيُمكنكم ذلك

جوليان مورو: تحت أيّ مُسمّى، بالفِعل

جورج غالاواي: لا تلقوا اللوم على "جوني" الغريب إذ ستبدون كالأطفال عندها   

مارك ياردلي – مُختصّ في الشؤون العسكرية: هذا السيّد مُحقّ تماماً، فكان الإنجاز الأعظم الذي حققه "لورنس" هو توحيد الجميع، كان يهدف إلى الجمع بينهم لكن تبيّن له أنّ ذلك غاية في الصعوبة. فالتوتّرات المتجذّرة

جورج غالاواي: اكتشفَ أنّ الحكومة البريطانيّة التي كان يعمل لمصلحتها كانت تكذب

مارك ياردلي: ثمّ ظهرَ في عمليّة السلام يرتدي زيّاً نصفه عربيّ الطراز والنصف الثاني بريطاني الطراز وبعدها خسِر نفسه

جورج غالاواي: كلّا، أعتقد أنّ السيّد أصاب حقيقة ما حدث، فقد أيَّد البريطانيون القومية العربية بهدف تفكيك المُسلمين، ويؤيّدون الإسلاميين بهدف تفكيك القوميين العرب، ولا يؤيِّد البريطانيّون أياً منهما في الحقيقة بل كلّ ما يريدونه هو التفكيك

مارك ياردلي: لكن أليس السؤال الذي كنّا جميعاً نتناوله، بغضّ النظر عن اختلافات الرأي السياسي، سؤال العام 2018 هو كمّ يُعَدّ النظام الديمقراطي ديمقراطياً بالفِعل؟ إذ يبدو أنّ نظامنا يواجه تحدّيات بالفِعل ولا ينهار بالضرورة لكنّه هشّ حالياً. أعتقد أنّ أشخاصاً كثيرين بدأوا يُدرِكون في مُختلف البلدان أنّ النظام، ولتُطلِق عليه أيّة تسمية تشاء، فلتُسمّه "هؤلاء" أو "النظام" أو "الحكومة"، بدأوا يُدرِكون أنّه لا يخدمهم كما ينبغي فضلاً عن أنّ فيه خطبٌ أساسي وأنّهم غير مُمثلين على نحوٍ مُناسِب. فيمكنهم اختيار ممثلين أو ما نُسمّيه "البرلمان" أو سوى ذلك، غير أنّ الناس يشعرون بالإحباط إذ يشعرون أنّ وجهات نظرهم لا تصل إلى الأشخاص المُعيّنين ويعتقدون أنّهم يتّخذون مقاعِد في الحكومة ولا يثقون بهم إذ يعتقدون أنّهم في مناصبهم بُغية تحقيق مكاسب شخصية، هذا شعور عالمي

جورج غالاواي: السيّدة هنا. لدينا ديمقراطية سياسية لكننا لا نتمتّع بديمقراطية اقتصادية وهي ما يحتاج إليه الناس لأنهم فقراء بينما الآخرون أغنياء، وكلّما كان المرء أكثر ثراءً ازداد ثراءً بينما كلّما كان أفقر ازداد فقراً. ويحول النظام السياسي من دون أن يُعالِج الأشخاص ذلك. تفضلي سيّدتي

شيريل سانشيز – ناشطة: إسمي "شيريل" وأنا شخص هاوٍ. أرى أنّ العام 2018 عام حرب ضدّ القانون، فقد شهِدَ حرباً قانونية تطرّقت إلى "جوليان أسانج" وهو بطلٌ يضنى في السفارة البوليفية ولم يُمنَح جوازاً بوليفياً

جورج غالاواي: تقصدين أكوادورياً   

شيريل سانشيز: عذراً، نعم جواز سفر أكوادوري

جورج غالاواي: (بوليفيا) بلد جيِّد

شيريل سانشيز: "رافييل كوريا"، بطل آخر من (الأكوادور)، تحلّى باللطف ومنحه جواز سفر على أمل أن يُساعِد هذا البطل الذي منحنا معلومات كثيرة عن خُبث الولايات المتحدة و"الموساد" ووكالة الاستخبارات المركزيّة وسواهم. لكن ها هو "أسانج" في قلب (لندن) يضنى هناك من دون التعرّض للشمس إضافةً إلى أنّه يُعاني من مُشكلة في وِركه، كذلك أُجبِرَ على التخلّص من قطّته، أي أنّه يُعاقَب بشدّة. كذلك يغدو "فيريل فازينسكي" أضعف فأضعف في (أوكرانيا)، فإلى متى سيستمرّ ذلك؟ كذلك رُميَ "هوك بوس" في السجن على يد "مورينو" الذي يُنفِّذ تعليمات الولايات المتحدة

جورج غالاواي: لم تذكري إسمه الأول

شيريل سانشيز: هوك

جورج غالاواي: أقصد "مورينو"

شيريل سانشيز: عذراً إنه "لينين مورينو"

جورج غالاواي: هذه الصاعقة الأكبر. يُنفِّذ رجل إسمه "لينين" تعليمات الولايات المتحدة. يجب أن نتوقف مع فاصل وسنعود حالاً                             

المحور الرابع:

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم بنقاشٍ عن العام 2018 مع أننا سنحتاج أسبوعاً لنقاش حتّى الأحداث الأبرز وتلك الأقلّ أهمية خلال ذاك العام. تفضلي سيّدتي

سامية حسين – ناشطة: أولاً أنا لم أكن جاهزة اليوم لأتحدّث لكن سأتحدّث باختصار. بالنسبة إلى الحرب في (سوريا) أو في (اليمن) أو حتّى الآن ما يجري في (فرنسا)، إذا أردنا أن نجد من هو الخاسر في الحرب، أكيد الخاسر الأكبر هو (إسرائيل) سواء في الحرب في (سوريا) أو في (اليمن)، ولسنا وحدنا من نقول هذا، حتّى المُحلّلين الإسرائيليين إذا تابعنا تحليلاتهم على القناة الثانية نجد أنهم دائِماً في تصريحاتهم يؤكّدون أنّ (إسرائيل) هي الخاسر الأكبر وأنّ (إيران) ستكون الرابح الأكبر. لماذا أقول هذا؟ لأنّ الشعب اليمني أو الشعب السوري عندهم روح المُقاومة، عندهم حبّ الجهاد، يعني حبّ الدفاع عن الوطن. هم ليسوا إرهابيين كما يصفونهم، لأنهم مصرّون على حماية أرضهم وبلدهم بالتأكيد سيكونون في النهاية الرابحين ولن يكون المعتدي الرابح. لماذا في (اليمن)، نحن ربما الآن نسأل هذا السؤال، هلّ ستتوقف الحرب في (اليمن) بعد مقتل "خاشقجي"؟ إذا كانت ستتوقف الحرب هلّ كان من اللازِم أن ننتظر مقتل "خاشقجي" لكي تتوقف الحرب في هذه الطريقة وهذا الأسلوب؟ دعونا نسأل فقط هذا السؤال، إذا كانت هناك إجابة لهذا السؤال حينها نعرِف، لكن أنا أقول لا، الحرب لن تتوقف الآن بسبب مقتل "خاشقجي" لأنّ هناك حبّاً للثورة وحبّاً للصمود أيضاً والآن صاروا متحمسين أكثر لأنهم يحققون انتصارات أكثر، وأعتقد أن الحرب ستستمرّ ربما لفترة قليلة

جورج غالاواي: سيّدتي، إسمحي لي أن أسألكِ التالي: هلّ تعتقدين أنّ الحرب ستعود لتندلِع في عام 2019 بين (لبنان) و(إسرائيل)؟ هلّ سنشهد مواجهة كالتي حدثت في عام 2006؟

سامية حسين: ستقع الحرب لكنني لا أجزم أنها ستكون في عام 2019، لكنها أكيد ستقع الحرب. يعني كلّ المؤشّرات تؤكِّد على أن حرباً ستقع و(إسرائيل) دائِماً تُهدّد بوقوع حرب، وفي كلّ الأحوال نحن في (لبنان) مستعدّون لأيّة حرب نخوضها مع (إسرائيل)، وإن شاء الله سنكون نحن المنتصرين في هذه الحرب القادمة أو في غيرها، لكنني أعتقد أنها ستكون الأخيرة، يعني لو وقعت الحرب فستكون الأخيرة. أكيد ستقع الحرب لكنني لستُ متأكدة أنها ستكون في عام 2019

جورج غالاواي: صدرت تقارير كثيرة جداً خلال الأيام الماضية تتوقّع اندلاع أعمال عدائيّة وأنّ (إسرائيل) ستُهاجِم "حزب الله"، كذلك صرّح أحد الوزراء الإسرائيليين بأنهم سيُعيدون (لبنان) إلى العصر الحجري. وعندما سأله صحافي أميركي: "هلّ تقصد "حزب الله" أم (لبنان)؟ أجاب: "لا فرق بين الإثنين"

سامية حسين: نعم

جورج غالاواي: أي كلاهما. بالتالي لا شكّ في أنّ التوتّرات تحتدِم على تلك الحدود. من يودّ أن يُشارِك أيضاً؟ نحن نستعرِض عام 2018 لكننا بالتأكيد نتطلّع نحو 2019 أيضاً. "آدم"، كان لديك فكرة عن (الصين) تريد ذكرها، فأعتقد أنّك أردت مُعارضة فكرة قيلت عن (الصين) سابقاً  

آدم غاري – مدير عام أور-آسيا المستقبل: في الواقع أردتُ البناء عليها. ذكرت أنّ شبكات الهاتف المحمول تُحدِثُ ثورة في (أفريقيا)، كذلك باتت نظام دفع وسداد مُهمّ. لكن بعيداً عن ذلك، لا بدّ من أن ينتهي أيّ نقاش حول تطوير (أفريقيا) في مبادرة "الحزام والطريق" وأستطيع أن أخوض في مسألة الستين مليار دولار أميركي التي منحتها (الصين) لـ (أفريقيا) دفعة واحدة، وقدّم الصينيون مبالِغ أكثر خلال 2018. لكن مع اقتراب 2019، أعتقد أننا وصلنا إلى النهاية في ما يتعلّق بمُبادرة "الحزام والطريق". لطالما اعتقدت، على غرار الملايين، أنّ آرائنا نادراً ما تغدو معروفة خارِج (الصين) وخارِج دائِرة الأشخاص الذين يُناقشون (الصين)، لكنني أرى أنّ مُبادرة "الحزام والطريق" تمنح الفُرصة الأعظم لتحسين الحالة الإنسانية مادياً

جورج غالاواي: فلتشرح لنا ماهية مبادرة "الحزام والطريق"، لأنه كما أشرت للتوّ، لا يعرِف الكثيرون ما هي، ومع ذلك إنها مشروع ضخم بالفِعل

آدم غاري: هي كذلك بالفِعل، فهي مشروع عالمي ضخم أعلَن عنه الرئيس الصيني "شي جين بينغ" عام 2013، وتقتضي الفكرة بناء ممرّات فعليّة جديدة لتحقيق إمكانية الاتصال والتجارة والتفاعل البشري عبر القارات، وإحدى نتاجاتها الأبرز حتّى الآن هي الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني الذي يبدأ من الحدود الصينية الباكستانية ويمتدّ نحو المدينة الساحلية (كوادر) في الجنوب، في إقليم (بلوشستان) الباكستاني. لكن هذا ليس سوى ممراً واحداً مرئياً من الممرات التجارية والأحزِمة البحرية التي تُريد (الصين) إقامتها، لكن لا يقتصر ذلك على العُنصر المادّي واللوجستي بل يتعلّق الأمر أيضاَ بعُنصر الانفتاح السياسي على أسواقٍ جديدة كي يتسنّى للبلدان التي كانت معزولة فعلياً عن التجارة العالميّة في السابق أن تعرِض منتجاتها على الرفوف الصينية، ما يعني تدفُّق مبالغ كبيرة إلى خزائِن الدول النامية. كذلك يمنح (الصين) فرصة الاستثمار في مشاريع البُنى التحتيّة المفيدة للبلدين في البلدان الشريكة، وهذا مُختلِف جداً عن مبلغ المال المقرون بالكثير من الشروط الذي يقدّمه الشركاء الأميركيون إلى بلدان نامية عدّة. وأيضاً بالنسبة إلى الدول المتقدّمة، تمنح مبادرة "الحزام والطريق" فُرصة لدول، كالتي في الاتحاد الأوروبي، لتفادي وباء الركود وهو ما يُسبّب شيئاً من الاضطراب الذي كنّا نناقشه في السابق، كذلك تُسهِم المُبادرة في توليد سُبل جديدة للواردات والصادرات على حدٍّ سواء. بالتالي، إنّه مشروع طموح جداً، لكن كلّ المتشائمين الذين حاولوا تشويه إنجازات (الصين) منذ 1978 تحديداً، حين فتح "دونغ شاو بينغ" (الصين) أمام اشتراكية السوق قائِلاً، "لا يهمني إن كان القطّ أبيض أو أسود ما دام في استطاعته أن يلتقط الفِئران". حين أدلى بهذا التصريح كان 88% من الصينيين فقراء بحسب تصنيف الأُمم المتّحدة، أمّا اليوم فانخفضت هذه النسبة إلى ما دون 2%، وفي حلول 2020 من المتوقّع أن تصل هذه النسبة إلى صفر. في رأيي، لن يُحقق الاستخفاف بـ (الصين) نجاحاً لكن قد يُحقق المرء بعض النجاح، إذ قد يجني المرء مالاً كثيراً أو يُعيَّن وزير خارجيّة في بعض البلدان عند الاستخفاف بـ (الصين). لكنني أعتقد أنّه مع نهاية هذه السنة، واجهت المُديرة المالية لشركة "هوا وي"، وهي شركة هواتف ذكية صينية وهي الأكبر في العالم وقد حلّت مكان شركة "آبل" الأميركية في وقتٍ سابقٍ من هذا العام، واجهت اعتقالاً في (كندا) أو بالأحرى اختطافاً بالاستناد إلى اتهامات مُسيّسة بحتة ما يمنح مُبادرة "الحزام والطريق" منحىً أخلاقياً ليس من منظور مادّي فحسب بل من منظورٍ ما ورائي أيضاً. إذ أظهرت الولايات المتحدة أنّها مستعِدة لاستخدام جبروتها، أي استخدام جبروت أجهزتها الاستخبارية، ووزارة العدل المُسيّسة فيها وجيشها أيضاً لإعاقة تقدُّم البُلدان التي شاركت بملء إرادتها في الشراكات الثنائية ضمن إطار مُبادرة "الحزام والطريق"، البلدان التي ترى ما الذي فعلته الولايات المُتّحدة عبر وكيلتها (كندا) بهذه المرأة البريئة، هذه الأُمّ، هذه الإبنة. ستنظر البلدان إلى البروباغندا الكاذبة التي ستُنشَر بوفرة عن (الصين) وستقول إنّ (الصين) لا تفعل ذلك بشركائِها بينما تفعل ذلك الولايات المتحدة في أحد خصومها الذي ينبغي أن تُشاركه البوم مناقشات تجارية، وفعلت ذلك عبر أحد وكلائِها ما يُمثِّل سابقة تُعرِّضنا لخطر العودة إلى العقلية التي سادت قبل الحرب العالمية الأولى، حين اندلعت الحرب بين الكُتل المُتنافِسة من الأمم الحامية لتُدمِّر إحداها الحصّة السوقيّة للأُخرى،. تُعرِّضنا هذه الأحداث لإعادة العالم نحو تلك الحال بينما يُحرِّك النموذج الصيني المفتوح العالم في الاتجاه المُعاكِس

جورج غالاواي: ما الذي دفع (الصين)، أو من الأفضل أن أطرح السؤال على النحو التالي لأنني أُريد التوسُّع في مسألة "هوا وي" التي ذكرتها، ما الذي ستفعله (الصين) في شأن فِعل القرصنة الدولي هذا؟ إذ أنّه كذلك بالفِعل، فهو بمثابة إلقاء القبض على مدير "آبل" المالي بطلب من (روسيا) في مطار (فنلندا)

آدم غاري: بالفعل

جورج غالاواي: إنه فعل قرصنة وقح على نحوٍ لافت. ما الذي ستفعله (الصين) حيال هذا الأمر؟ 

آدم غاري: إنها قرصنة بحت، لكن من منظور عقليّة (الصين) التدريجية تعلم (الصين) على نحوٍ جيِّد جداً أنّ "سون تزو" قال: "أظهِر القوة عندما تكون ضعيفاً واظهِر الضعف عندما تكون قوياً". لا يُمكن أن يحاول شخص إظهار نفسه بصورة أقوى أكثر من شخص يُسمّي كلّ مبنى تطأه قدمه تيمناً بنفسه ويطلي كلّ شيء بالذهب، من قِفل الحمّام إلى السلاسل التي يُقيِّد بها زوجاته، بالمعنى المجازي طبعاً. أتحدث مجازاً عن تقييد الزوجات وليس طلي الأشياء بالذهب. لكن تبنّت (الصين) مُقاربة مُعتدِلة جداً، فعبَّرت بحزم عن اشمئزازها مما حدث وحذّرت من عواقب وخيمة إذا استمرّ الأمر، ومع أنّ القصة الكاملة ليست معروفة، من المُرجَّح أنَّ ما حدث متعلِّق برجال أعمالٍ كنديين وأحدهم دبلوماسي سابق، وقد أُلقيَ القبض عليهم في (الصين). بالتالي، يُمكن لـ (الصين) أن تُمارِس ضغطاً كبيراً على (كندا) في هذا الصدد، ولن يملك "ترودو" و"أوتاوا" إثباتات كثيرة، لكن لم تردّ (الصين) على نحوٍ هستيري حتّى الآن على غرار حكومات غربيّة مُعيّنة مثلاً عند وقوع أحداث غامضة. أو بكلام آخر، القول أنّه أمرٌ مُرجّح جداً إطلاق اتهامات في حقّ أيّ شخصٍ يُدعى "فلاديمير" أو ببساطة يبدو كأنّ إسمه "فلاديمير" وهذه مسألة لن تُقبَل لأنّ (الصين) تتحرّك من موقع قوّة لكنّها تعرِف كيف تُخبّئ ذلك، وأعتقد أنّ ما يحدُث سينتهي بنتيجة مناسِبة لكنّ السابقة التي وضعتها الولايات المتّحدة ستجذُب الناس تلقائياً نحو (الصين) تعاطفاً معها، والأهم أنّها ستجذبهم نحو مُبادرة "الحزام والطريق" على مُستوى الأعمال والشراكات الجيو سياسية

جورج غالاواي: "مايك"، تأخذنا هذه الفِكرة في اتجاه المسألة الأخيرة التي أردتُ أن أختُم بها. في حين يتمحور كلّ التذمُّر حول (روسيا)، (الصين) هي المسألة الأهمّ أليس كذلك؟ تُمثِّل التهديد الأكبر لهيمنة الولايات المتحدة في العالم؟

مارك ياردلي – مُختصّ في الشؤون العسكرية: (الصين) غاية في الأهمية، ولا أوافق "آدم" في كلّ تحليلاته لكنّه مُحقّ تماماً في مسألة واحدة، تعكس (الصين) قوّةً وإشراقاً أكثر من الولايات المتحدة بكثير وهذا مُقلِق. على غرار الروس، تُعيد (الصين) تسليح نفسها، وهي قوّة كُبرى. كذلك تُحاول أن تبيعنا أشياء كثيرة وهي لا تنسى ذلك أبداً، وعلى الأرجح أنّ الإجابة عن السؤال الذي طرحه "آدم" هو هذا السبب. أعني، سبب استمرار التجارة على نحوٍ طبيعي تقريباً هو اعتماد الصينيين على الأسواق الأميركية والأوروبية وأسواق كثيرة أُخرى. أودّ الإشارة إلى نقطة أُخرى مُهمّة جداً، حين ننظر إلى كلّ ما حدث خلال السنة الماضية نرى أنّ كثيراً من الناس ينتابهم شيء من القلق وبعض الحيرة في شأن ما جرى، لكنني أظنّ أننا نشهد تحوّلاً أساسياً، وأعتقد أنّ الناس باتوا يُدرِكون أكثر أنّ في العالم أشخاص يحاولون التلاعب بهم، وأعتقد أنّ هذا تغيير. أرى أنّه على مدى السنوات فتح الناس التلفاز على قناة "البي. بي. سي." أو "أي. بي. سي." أو أي قناة مثل "سي. أن. أن."، وصدّقوا كلّ ما شاهدوه تقريباً، غير أنّ الناس ما عادوا يفعلون ذلك، فقد أدركوا أنّ في العالم أشخاصاً يتمتّعون بنفوذٍ كبير سواء أكانوا مؤيدين للعالمية السياسية أم كانت الشركات أو الحكومات أو سواها يحاولون التأثير فيهم. لكن الناس يتغيرون وتتغير كذلك نظرتهم إلى السُلطة، وأعتقد أنّ ذلك سيؤول إلى تحوُّل سياسي خلال السنوات القليلة المقبلة. كذلك من المُحتمل أن نشهد انهياراً اقتصادياً خلال السنوات القليلة المقبلة لأننا نقترب من نهاية الدورة الاقتصادية الحاليّة ومن المُرجَّح أن يحدُث ذلك عندما نشهد إعادة تنظيم جذرية من نوعٍ ما على الصعيد السياسي، ولا يسعنا سوى أن نُخمِّن وأن نفترِض الشكل الذي سيكون عليه. لكن الأمر الذي أنا واثق منه هو أننا لم نرَ شيئاً بعد وأنّ تغييرات كُبرى في طريقها إلينا

جورج غالاواي: هذه فكرة جيدة جداً لنختُم بها: "لم نرَ شيئاً بعد"، وينطبق ذلك على نهاية كلّ السنوات، وربما ينطبق على هذه السنة أكثر من مُعظم السنوات لأنّ مُعظم الأطراف الفاعلة ومعظم الأحداث التي جعلت 2018 مثيراً للاهتمام إلى هذا الحدّ ما زالت قائمة حتّى وقت تسجيل هذه الحلقة، وهم متأهبون وجاهزون للانقضاض، وسواء أسيكونون كذلك في هذه الفترة من العام المقبل أم لا، فلنأمل أن نعود لنجتمع وأن نكون موجودين لنناقش المسألة. كان لقاءً رائِعاً بالنسبة لي وآمل أنه كان كذلك بالنسبة لكم هنا في برنامج "كلمة حرة"