حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

طاهر سيف - منصور دهامشة

 

المحور الأول

 

محمد علوش: اليمين المتطرّف في إسرائيل يهيمن على المشهد السياسيّ اليوم.

يكاد يُختزل التنافس في الانتخابات البرلمانية المقبلة بين قيادات اليمين والجنرالات السابقين.

الحكومة الآتية أياً كان زعيمها لن تكون أقلّ تطرّفاً تجاه فلسطينيي الداخل من الحكومة الحالية.

الشعارات والبرامج الانتخابيّة المرفوعة بين الأحزاب المتسابقة إلى البرلمان تضجّ بالعنصرية ضد العرب.

هي في حقيقة الأمر حربٌ تشنّها الدولة بمؤسّساتها على الأحزاب العربيّة المشاركة في الانتخابات.

المصادقة على قرار شطب الموحّدة العربية والتجّمع التي تربط بين قائمتين حزبيتين دليلٌ صارخٌ على تلك الحرب.

فهل تحول هذه الممارسات من دون مشاركة الفلسطينيين في الانتخابات المقبلة؟

كيف تتعامل الأحزاب العربية مع هذه التحديات؟ ولماذا يتعذّر على الفلسطينيين في الداخل الانخراط في جبهة سياسية موحّدة لمواجهة هذه العنصرية؟

للنقاش معنا من عرعرة في فلسطين المحتلة طاهر سيف عضو المكتب السياسي لحركة أبناء البلد، ومن حيفا منصور دهامشة السكرتير القطري للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة.

 

(فاصل)

 

محمد علوش: حياكم الله وأهلاً بكم مشاهدينا في حوار الساعة، ونرحّب بضيفينا، طبعاً من فلسطين المحتلة، ونبدأ من حيفا مع منصور دهامشة، ونسأل هذا التصعيد العسكري الإسرائيلي على قطاع غزّة، هل يمكن أن يتطوّر إلى عمل موسّع أو حرب مفتوحة؟

 

منصور دهامشة: أولاً دعني قبل أن أبدأ أن أعبّر عن سخطنا وغضبنا واستنكارنا حول المجزرة العنصرية الفاشية التي حدثت في نيوزيلندا، ونحن نعتبر أن هذه هي نتيجة للتحريض الأرعن للإمبريالية المتمثلة في رئاسة الولايات المتحدة، وبشخص ترامب الذي يحرض صباحاً ومساء على المسلمين وعلى العرب وعلى كلّ الفئات الأخرى من غير الأميركان. لذلك نحن نقول في الجبهة، إننا نستنكر هذه المجزرة، ونعتبرها جزءاً من عملية التحريض المستمر للإمبريالية الأميركية ورئاستها.

حول سؤالك، بما يخصّ الواقع الإسرائيلي والمشهد الإسرائيلي، من ناحية السياسة الإسرائيلية، نقول بشكل قاطع إنّ اليمين يستعمل كافة الوسائل التي تخطر على البال والتي لا تخطر على البال، والتي يمكن أن يكون ثمنها الدماء من أجل أن يبقى متشبّثاً بالكرسي وبحكمه في داخل هذه الدولة، نقول إنّه أجاز للفاشيين من زمرة كهانة أن يكونوا جزءاً من الحكومة الإسرائيلية، بينما شطب القوى الديمقراطية المتمثلة بقائمة الجبهة العربية للتغيير، والدكتور عوفر كسيف المرشّح الثالث في الجبهة.

نحن نقول إن هذا التصرّف إنما يدلّ على مدى استشراس هذه الحكومة ومدى يمينيتها ومدى تطرّفها في التعامل مع الجمهور العربي والقوى الديمقراطية اليهودية، وهم جنّ جنونهم، حتى أنّهم أصبحوا لا يستطيعون أن يتحمّلوا أيّة قوى عقلانية في هذه البلاد، ولذلك نقول إنّ الانتخابات في دولة إسرائيل هي انتخابات مصيرية بكل ما تعني الكلمة من معنى، هذه الانتخابات يجب أن تغيّر نظام الحكم اليميني الفاشي.

 

محمد علوش: سنتحدّث عن مآلات هذه الانتخابات، وعن السيناريوهات المطروحة حولها.

 

منصور دهامشة: وأن نعمل لإلغاء قانون القومية وقانون كابنتس وكل القوانين العنصرية الفاشية التي سنّها بنيامين نتنياهو وحكومته الفاشية.

 

محمد علوش: لو تحوّلنا إلى عرعرة مع طاهر سيف، لنسأل، طبعاً بدأت الحلقة بسؤال حول ما إذا كان التصعيد العسكري الإسرائيلي على قطاع غزّة قد يتطوّر إلى حرب مفتوحة، والمجتمع الإسرائيلي مقبل على انتخابات برلمانية.

تقديركم، في ظلّ هذه الحكومة اليمينية، بدايةً، كيف يقرأ الشارع الإسرائيلي هذه التطوّرات العسكرية؟ وهل من مصلحة هذه الحكومة اليمينية الذهاب إلى الحرب أم التمهيد ريثما تمرّ الانتخابات؟

 

طاهر سيف: طبعاً أولاً تعازينا الحارّة لما حدث من حدث مأساوي في نيوزيلندا، وهذا حدث مأساوي، وأعتقد أنه يجب التوقّف عنده كثيراً.

في ما يخصّ قطاع غزّة الحبيب المُحاصَر، نعم، إسرائيل لا تستطيع ونتنياهو لن يستطيع ولن يجرؤ على الدخول في مواجهة مباشرة، إلا تحت ضغوط معينة وتحت ظروف خاصة داخل المجتمع الإسرائيلي، لكن لا أعتقد أنّ هناك توجّهاً بهذا الأمر، لأنّ إسرائيل ونقول ليست حكومة إسرائيل وليس نتنياهو، هناك توجّه مؤسّساتي داخل المؤسّسة والمنظومة الحاكمة داخل إسرائيل بفصل قطاع غزّة، كخطوة استراتيجية لتفتيت القضية الفلسطينية، ومن هنا الإبقاء على حال من التصعيد والتسخين لا تصل إلى حد الإنفجار والمواجهة المباشرة الكلية، ولكن هذا يحكمه الميدان ويحكمه التصعيد ويحكمه ردّة الفعل هنا وهناك.

لذلك لا أتوقّع أنا بهذه الفترة ضمن السياق العام، والتدخّل المصري الفاعل في هذا الاتجاه، وأيضاً الأممي، لتنفيذ الاتفاقات أو التفاهمات التي يمكن أن توقّعها مع حركة حماس تحت إدارة غزّة، وتحت عنوان هدنة ممكن أن تكون لعدّة سنوات طويلة، لذلك لا تستطيع أن تغامر تحت ظروف انتخابية. أيضاً هذا لن يأتي بمصلحة الناخب نتنياهو، لأنه سيكون هناك ضحايا، ولن تكون نزهة، والمقاومة ستردّ بكل تأكيد بحجم العدوان، خاصة أنّ المقاومة في غزّة هي تمتلك من الرصانة والعقلانية لما يفيد شعبنا بالتأكيد بحجم الردود وبحجم الأشكال الموجودة.

 

محمد علوش: إذاً هو الخوف من الردع الفلسطيني، هو الذي يحول من دون تدهور الأحداث إلى حرب مفتوحة، رغم أنّها حكومة يمينية.

على أية حال حول تطوّرات الأحداث في قطاع غزّة وسقوط صواريخ فلسطينية على تل أبيب، كتبت صحيفة البناء اللبنانية حيث رأت في تدهور الأوضاع في إسرائيل رسالة إقليمية لتل أبيب. نشاهد معاً.

 

البناء اللبنانية: صاروخان من غزّة يستهدفان تل أبيب

ربما نظر الكثيرون من أعضاء مجلس الأمن الدولي باستهزاء إلى كلام السفير بشّار الجعفري ممثل سوريا في نيويورك عندما قال إن العبث الإسرائيلي بأمن المنطقة والتصرّف من دون رادع باستهداف دولة ذات سيادة هي سوريا سيدفع المنطقة إلى مزيد من التصعيد، متسائلاً عمّا إذا كان المجتمع الدولي سيبقى نائماً، وهو يسمع عن استهداف مطار دمشق، ولن يصحو إلا عندما يُستهدَف مطار بن غوريون.

اهتزّت فرائس كيان الاحتلال وقادته، وباتت تل أبيب هدفاً تقليدياً في المواجهات، وهذا ما يزيد من قلق قادة الكيان بدلاً من أن يطمئنهم، وهذا يعني أيضاً أنّ هناك لاعبين جدداً خارج السيطرة بمستطاعهم تهديد عمق الكيان والوصول إلى قلبه، وما كشفته العملية صار قيداً على الفصائل في المواجهات المقبلة، فقد ظهر وجود هذا النوع من الصواريخ وظهرت قدراته، وصار لزاماً في أي استهداف لغزّة أن تخرج هذه الصواريخ من المستودعات والحديث عن تلبية الصواريخ لحاجة بنيامين نتنياهو لجولة تصعيد يدرك عدم صحته نتنياهو نفسه الذي أربكته الصواريخ بين خياري التصعيد والتهدئة.

فالتصعيد رداً على تحدٍ بحجم استهداف تل أبيب هو دخول في حرب ستجبر حركتي حماس والجهاد الإسلامي على قصف لاحق لتل أبيب ما عاد ممكناً تفاديه ولا طريقاً للخروج الآمن من أية حرب ولا ضمانة ببلوغ تهدئة بعد الحرب بشروط أفضل لحساب إسرائيل، بينما التهدئة تعني قبول الصفعة المؤلمة والتسليم بقواعد اشتباك جديدة تقف فيها حكومة الإحتلال في وضع المُتلقي للصفعات من دون القدرة على ردّها. وهذا تحوّل نوعي خطير فوق طاقة حكومة نتنياهو قبوله.

 

محمد علوش: أتحوّل إليك أستاذ منصور لنسأل، وفق الناخب الإسرائيلي وبرامج الأحزاب السياسية المتنافسة في إسرائيل، إطلاق صواريخ من قطاع غزّة على تل أبيب أو مناطق أخرى في فلسطين المحتلة، كيف يُقرَأ داخلياً؟

هل يُقرَأ بأنه في إطار صراع فلسطيني إسرائيلي أم أنه رسالة إقليمية؟ وكيف يتم توظيفه في الصراع أو التنافس بين الأحزاب؟

 

منصور دهامشة: أنا أستطيع أن أقول وبكل صراحة، إنّ مثل هذه الأحداث التي تحدث هي تخدم الحكومة اليمينية برئاسة بنيامين نتنياهو.

 

محمد علوش: كيف؟

 

منصور دهامشة: توتّر الجو والحرب أو حتى إطلاق بعض الصواريخ هنا والردع هناك إنما هو يخدم بشكل مباشر حكومة اليمين، ويخدم برنامج بنيامين نتنياهو الذي يعتمد على الخطر الدامس لإسرائيل ولمواطني إسرائيل، وهو دائماً يتهم حماس وإيران بأنهما تعملان ليلاً نهاراً من أجل القضاء على دولة إسرائيل، ويستعمل هذه الذريعة من أجل كسب الأصوات ومن أن أجل شحن المواطن الإسرائيلي بالخطر الذي يداهمه، وأنّ بنيامين نتنياهو هو الوحيد القادر على حماية الشعب الإسرائيلي.

ولذلك أنا أعتقد أنّ بنيامين نتنياهو حتى يعمل من أجل أن يكون مثل هذا التوّتر ومثل هذه الأحداث قبيل الانتخابات من أجل أن يكسب المزيد من الأصوات، كما أنه استعمل نفس الأسلوب في الانتخابات السابقة حيث اتهم المواطنين العرب بأنهم ينهمرون إلى صناديق الإقتراع، وهناك خطر ديمغرافي، ما يعتبره خطراً ديمغرافياً، أي أنّ الغالبية، غالبية المواطنين العرب تنهمر نحو التصويت والانتخابات وزيادة تمثيل المواطنين العرب في البرلمان الإسرائيلي، ما يقلّل حظ اليمين الفاشي في السيطرة على الحكم.

هذه وسيلة بنيامين نتنياهو المتواصلة، التحريض على المواطنين العرب، التحريض على الدول العربية، على الجيران العرب، وهو بهذا يستعطف دعم اليمين اليهودي والمواطنين الإسرائيليين، وهذا أصبح أسلوبه المتواصل على مدار كل الانتخابات التي خاضها في السابق.

أنا أعتقد أنّ مثل هذه الأحداث ستستمر بين الفينة والأخرى، وهو سيعمل المستحيل من أجل كسب الأغلبية، حيث أنه في الفترة الأخيرة في تراجع مستمر من ناحية الإحصائيات ومن ناحية إمكانيته من تشكيل الحكومة القادمة. ولذلك نحن نقول بشكل قاطع، إننا نهيب بالجماهير العربية والقوى الديمقراطية اليهودية أن تضع حداً لهذا الفاشي والعنصري واليميني المتطرّف، والذي يعمل.

 

محمد علوش: كيف يمكن الحديث عن تراجع؟ ربما يقول البعض إن حزب ليكود ربما قد يكون متراجعاً في الانتخابات القادمة، وهنا أتوجه إليك أستاذ طاهر من عرعرة، لكن اليمين اليهودي المتطرّف بشكل عام هو مَن يحكم منذ عشر سنوات تقريباً في إسرائيل، وبالتالي يهيمن على المشهد السياسي بشكلٍ عام، وهو تطوّر نوعي في مسيرة التطرّف الإسرائيلي، لجهة الأطروحة اليمينية المتطرّفة عند الليكود وغيره، استولت على الناخب الإسرائيلي خلال السنوات الماضية، وبالتالي هي في إطار التوسّع مستقبلاً في ظلّ تراجع القوى العربية في داخل فلسطين المحتلة، وأيضاً تراجع الحصن العربي خارجاً في دعم مَن هم في الداخل.

تقديركم، إلى أيّ حدّ بالفعل هذا اليمين هو الآن لديه وعي ذاتي بنفسه كما يقول البعض لجهة الأطروحة الصهيونية في تجسيد الدولة الواحدة الإسرائيلية، وإلغاء أيّ مشروع لدولة فلسطينية أو حتى لوجود فلسطيني في الداخل؟

 

طاهر سيف: أولاً دعنا لا نغرق في تقسيم المجتمع الإسرائيلي ومنظومة الحكم، سواء في اليمين أو في اليمين المتطرّف، وكأنّ هناك عرباً معتدلين وهناك صهاينة معتدلين وهناك. لا، سيّدي العزيز، إسرائيل دولة قامت على أنقاض شعبنا، هناك ستة ملايين فلسطيني خارج هذه الحدود، هناك أيضاً وضع متفاقم واحتلال مباشر، استباحة للمقدّسات والأراضي. فبالتالي، هذه المنظومة هي منظومة متكاملة، ترى في الوضع الإقليمي الحالي هو وضع مناسب جداً للتقدّم في المشروع الصهيوني وتثبيت ما يمكن تثبيته، مستغلّين هذه الحال.

لذلك التطرّف الموجود هو ليس عبثياً وليس وليد الساعة ووليد اللحظة واستيقظنا صباحاً فوجدنا نتنياهو يغيّر من السلام إلى حال الحرب. لا، هي حكومة أيديولوجية، واضح لها مشاريع خاصة، اليمين لديه برنامج استيطاني، قانون القومية هو تعبير عن هذه الحال الذهنية الصهيونية الإقصائية الإلغائية، فبالتالي لا مكان اليوم، لأن نقول إنّ هناك يميناً ويميناً متطرّفاً ويميناً أقل ومركزاً.

ماذا يقول يعلون؟ وماذا يقول غانتس؟ عندما يقول أريد أن أثبت احتلال الجولان على سبيل المثال، القدس موحّدة، لا لعودة اللاجئين، لا لدولة فلسطينية، إذاً عن أيّ سلام أو عن أيّ بديل قادم؟ البديل القادم هو مجموعة من أربعة إلى خمسة أشخاص هم أركان حرب ومن ضمنهم وزير دفاع مرشّح ووزير دفاع يدعم، لو بأية دولة نامية يمكن أن يحدث انقلاب كبير لأن هناك أربعة أركان حرب موجودون. إذاً ماذا يمكن أن تتوقع منهم؟ تصريحه بالأمس إثر الصواريخ التي أطلقت على تل أبيب، قال يجب أن نرد بقوّة وبحزم وإعادة الردع بشكل أكثر فاعلية حتى لا يتآكل، أي هو من منطق عسكري ومن منظومة عسكرية تدافع عن أهدافها.

أما في ما يتحدّث عن الحيّز الموجود باليمين، لا، بديل نتنياهو هو أسوأ من نتنياهو نفسه، وهذا ما ستثبته قادم الأيام، لكن بكل الأحوال نحن أمام واقع يجب التعامل معه ويجب التصدّي له، ونحن في قراءتنا السياسية لا نتوقّع أن يكون هناك تغيير استراتيجي بالمعنى الاستراتيجي نحو تسويات أو نحو اتفاقيات، حتى لربما مؤقتة، لا. الواقع هو الانتظار، وهذا مرتبط بما يدور في الإقليم وتحديداً بالمعركة والعدوان المستمر على سوريا.

هذا بنتائجه لا يمكن أن تتقدّم بعملية السلام، ولا يمكن أن تطرح حل دولة. السؤال كيف تحافظ على وجودك وتحافظ على ديمومة مشروعك الوطني؟ التمسّك بحقوقك، تثبيت شعبنا وصموده، هذا ليس من خلال الشعار وإنما من خلال العمل، وما حدث بالأمس القريب في غزّة حدث مأساوي من ناحية الفتنة الداخلية الموجودة، فبالتالي الساحة الفلسطينية بحاجة ماسة إلى إعادة الاعتبار إلى المشروع الوطني الفلسطيني التحرّري، وعلى قاعدة الإجماع الوطني وإعادة بناء منظمة التحرير.

لماذا نكون نحن في الداخل؟ لأن هناك لدينا اليوم، في آخر استطلاع علمي ومدروس وشرح عبر شرائح، بمعنى أنه استطلاع غير موجه، هناك لدينا أكثر من 50 في المئة من شعبنا مقاطعون بشكل كامل للعملية الانتخابية داخل الكنيست، مقابلهم هناك 34 إلى 35 في المئة يريدون أن يصوّتوا. طبعاً هذه الارتدادات لها اعتبارات حزبية ولها اعتبارات داخلية، ولكن في النهاية هي أيضاً تعبير عن الوعي الجماهيري السياسي بهذه الأداة وبهذه الطريقة.

 

محمد علوش: سنفصّل في الجزء الثاني من هذه الحلقة لجهة الخيارات المطروحة أمام فلسطينيي الداخل للحفاظ على الحقوق، ولمواجهة ما يمكن مواجهته في ظل هذا التنافس من البرامج التي تقصي الوجود الفلسطيني داخلياً.

لكن قبل أن نذهب إلى فاصل، دعني أعود إلى الأستاذ دهامشة ونسأل، في إحدى الدراسات حول تطوّر وضع إسرائيل في السنوات الأخيرة لجهة الأطروحة الأيديولوجية، تقول دراسة معدّة من الداخل إن الليكود يحكم منذ عشر سنوات، وهو أحد الشروط للتحوّل من حزب حاكم إلى حزب مُهيمن، نجح في إنتاج وتشكيل المجال العمومي والدولة والمشروع الصهيوني كما يرتأي أيديولوجياً، وقانون القومية نقطة مفصلية ستستمر لما بعد نتنياهو، حتى لو خسر الانتخابات هو تطوّر في إطار الأطروحة الصهيونية داخلياً.

تقديركم، إلى أيّ حدّ ربما بلغ من الخطر مستوى، لم نعد نتحدّث عن ترانسفير حقيقي بل هو أكثر من ذلك، هو أصلاً إنكار لوجود فلسطيني في الداخل؟

 

منصور دهامشة: أنا أولاً أتفق معك أن الليكود استطاع أن يحوّل المشهد السياسي في دولة إسرائيل إلى حال مستمرة منذ أكثر من عشر سنوات، ولكن أختلف مع كل ما تقدم به الأخ طاهر سيف حول قضية أنه ليس هناك فارق بين الحكومات وبين الرؤساء، وبين ما يقوم به. نحن بالأمس ليس بالبعيد كنا على قاب قوسين أو أقرب من قضية عملية السلام التي بدأت وانتهت باغتيال رابين، في حينه كان هناك بداية حديث مع منظمة التحرير ولقاءات ومشروع سلمي بدأ من قبل الجنرال أيضاً رابين.

ولذلك أنا أعتقد أنّ هناك أملاً في تغيير السياسة الحكومية الإسرائيلية، وهناك أيضاً أمل في إلغاء قانون القومية في حال تم تغيير الحكومة في داخل إسرائيل. واضح جداً أن بنيامين نتنياهو يعتمد كل الاعتماد على إرهاب الشعب الإسرائيلي من العرب ومن الوضع الإقليمي ومن إيران وما إلى ذلك من أجل كسب الأصوات.

في المقابل، هناك تحالف بين غانتس وبين لابيد، وهم اليوم يحصلون على عدد مقاعد أكثر من تحالف الليكود واليمين المتطرّف، ولذلك نحن نقول بأنّ هذه الحكومة يجب أن ينتهي دورها ويجب أن تذهب إلى مزبلة التاريخ كونها قامت بكل المشاريع العنصرية الفاشية ومن ضمنها قانون القومية.

وأنا لديّ أمل طبعاً، وأنا متفائل جداً بأنّ أيّ تغيير في نظام الحكم هو فرصة، ليس بالضرورة أن يكون تغييراً جذرياً، ولكن فرصة من أجل إحداث تغيير ذاتي داخل دولة إسرائيل، وأي تغيير سياسي هو بالضرورة يجب أن يكون أقلّ ضرراً على المواطنين العرب وعلى الوضع الإقليمي وعلى القضية الفلسطينية.

ولذلك أنا أناشد الإخوة الفلسطينيين والقيادة الفلسطينية من فتح وحماس، إنهاء ملف الانقسام لمواجهة الوضع الإقليمي ولمواجهة المؤامرات وصفقة القرن وما إلى ذلك من ممارسات إمبريالية صهيونية رجعية عربية، التي تحاك ضد القضية الفلسطينية بشكل عام وضدنا أيضاً هنا، وأيضاً لتهويد القدس وما إلى ذلك.

هناك كم هائل من الأحداث السياسية بشكل عام والقوانين العنصرية التي تمت خلال العشر سنوات الأخيرة، والتي تشير إلى تراجع كبير جداً في التعامل مع القضية الفلسطينية والحلّ للقضية الفلسطينية، وأيضاً إقصاء المواطنين العرب داخل دولة إسرائيل خارج الإطار الديمقراطي السياسي والمشهد السياسي، وأيضاً القوى الديمقراطية اليهودية، وليس بالغريب المطالبة بشطب ترشّح مرشّح الجبهة الدكتور عوفر كسيف. هذه كلها مجمل الأمور التي حدثت في ظل حكومة اليمين المتطرفة بقيادة الليكود.

 

محمد علوش: وبالتالي يبقى السؤال الأساسي في هذا النقاش، ما هي الخيارات المتاحة أمام الفلسطينيين.

 

منصور دهامشة: وبالتالي هنالك فرصة للتغيير خلال هذه الانتخابات، وعلى المواطنين العرب من سكان دولة إسرائيل أن يقوموا بواجبهم، وأن يذهبوا إلى التصويت من أجل إفساح الفرصة ومن أجل فتح أفق جديد في تغيير السياسة الإسرائيلية اليمينية. وبهذا أختلف كلّ الاختلاف مع الأخ طاهر سيف، أنّ رفع نسبة التصويت والمساهمة في الانتخابات هي الحلّ، وهذا واجبنا. نحن نقوم بعملية تصويت مرّة كلّ أربع سنوات من أجل تغيير السلطة. نقوم بالتصويت خلال خمس دقائق من أجل أن يكون النواب العرب في الصف الأمامي وسداً منيعاً أمام الحكومة اليمينية ودفاعاً عن حقوق شعبنا ومن أجل فتح أفق جديد لأبناء شعبنا كافة، وعليه يجب المشاركة بالانتخابات بشكل واسع وبشكل كبير، وأنا أؤكد هناك فرصة وأؤكد للمرة العاشرة.

 

محمد علوش: إسمح لي أستاذ منصور دهامشة، أنا مضطر للذهاب إلى فاصل قصير. مشاهدينا بعد الفاصل نناقش ما هي الخيارات المتاحة أمام الناخب الفلسطيني في الداخل للوقوف أمام هذا التصاعد أو هذا الصعود لليمين المتطرّف في كافة البرامج المطروحة؟

 

 

المحور الثاني

 

محمد علوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا في حوار الساعة الذي نخصّصه للحديث عن الموقف والسيناريوهات المطروحة لفلسطينيي الداخل في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

في صحيفة القدس الفلسطينية، كتب حسن أبو طالب عن اليمين الديني في إسرائيل وأزمة الديمقراطية هناك. نشاهد معاً.

 

صحيفة القدس: نتنياهو واليمين الديني وأزمة الديمقراطية الإسرائيلية، حسن أبو طالب

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المبكرة في التاسع من نيسان (أبريل) المقبل، تكثر محاولات بعض القوى السياسية إقصاء قوى أخرى عن الانتخابات، والمستهدف دائماً هم ممثلو فلسطينيي الداخل، والاتهامات تدور حول مدى ولاء هؤلاء للمشاركة في حدث مهم كالانتخابات، ومن ثم للمشاركة في صنع القوانين والقرارات الكبرى التي تمسّ حاضر البلاد ومستقبلها.

وقبل أقلّ من شهر على الانتخابات، قرّرت لجنة الانتخابات المركزية للكنيست شطب قائمة الحركة الإسلامية الجنوبية وحزب التجمّع، والمعروفة باسم الموحّدة العربية وحزب التجمّع، من لائحة المرشّحين إلى انتخابات الكنيست، بينما وافقت على مشاركة قائمة الجبهة الديمقراطية والعربية للتغيير.

قرار اللجنة لم يكن مستبعَداً، فالقانون المذكور يقرّ بالانحياز لليهود على حساب القيم الديمقراطية، ويقرّ بأولوية حقوق اليهود على حساب حقوق غير اليهود، وهم هنا فلسطينيو الداخل الذين أجبِروا على الحصول على الجنسية الإسرائيلية منذ ستينات القرن الماضي. وبناءً على ذلك، مارسوا حقوقاً مدنية وسياسية ذات طابع جماعي بضوابط معينة، ليكون هناك من يمثل خُمس عدد السكان في المؤسّسة التشريعية.

لكن هذه الحقوق تواجه الآن إشكالية كبرى بسبب قانون الدولة القومية الصادر العام الماضي. ومنذ ما قبل صدور هذا القانون التمييزي بامتياز، برزت هواجس بشأن المخاطر التي تواجه الديمقراطية الإسرائيلية، ثم تطوّرت إلى نوع من القلق المتزايد لدى كثيرٍ من السياسيين، وبعضهم ينتمي إلى اليمين وليس فقط إلى اليسار، وصارت إشكالية تتطلّب البحث في الأسباب والمخاطر المنتظرة.

 

محمد علوش: طبعاً عودة إلى أصل النقاش، وأعود إليك أستاذ طاهر سيف، حضرتك كنت تعقّب على ما كان يقوله الأستاذ منصور دهامشة، لكن يهمّني قبل أن تبدأ، أنّ لجنة الانتخابات المركزية في إسرائيل صادقت على منع قائمة تحالف التجمّع الوطني الديمقراطي والقائمة العربية الموحّدة من المشاركة، بحُجّة العنصرية ضدّ أو الدعوة إلى تدمير إسرائيل، في الوقت الذي أباحت لمرشّحين من حزب قوّة يهودية خوض الانتخابات رغم توصية النائب العام الإسرائيلي بإبطال هذا الترشيح.

ألا يدل هذا بحد ذاته على قوّة الحضور العربي في العمل السياسي لمحاولة الوقوف أمام تصاعد هذا اليمين، رغم أن الجميع متفق على أنّ كلّ مبادئ الدولة الإسرائيلية هي مبادئ عنصرية قائمة على إلغاء الحق الفلسطيني؟

 

طاهر سيف: نعم، عزيزي، بما تفضّلت به وعطفاً على ما ذكرته سابقاً، أولاً يجب أن نضع الأمور في نصابها الصحيح، مسجّل الأحزاب عندما تُقدَّم إليه القوائم يجب أن يكون هناك مرفق من المستشار القانوني أو مستشار قانوني وقضائي، بمعنى أنهم استوفوا الشروط القانونية للترشّح واستوفوا القانون، ولا يوجد هناك ما يمنع من الأشخاص أو من الأحزاب، فبالتالي القرار هو هذه اللجنة المركزية للانتخابات، هي مركّبة عملياً من الطيف الحزبي، وبالتالي هو قرار سياسي بقرار انتخابي للتسويق الانتخابي، ولربما أيضاً إظهار حال من الديمقراطية أنّ المحكمة العليا بالنهاية ستقر وتشرعن هؤلاء المشاغبين، هؤلاء المتطرّفين، سمّهم ما شئت من قبل المنظور الصهيوني، لذلك العملية عملية شكلية تمّت تجربتها أكثر من مرة، ولا أعتقد لأنهم مقرون.

 

محمد علوش: أنتم مع الدعوة إلى امتناع الفلسطيني في الداخل عن المشاركة في الانتخابات؟ إذا كان كذلك ما البديل المطروح لديكم لمحاولة تحصيل الحق والحفاظ على ما تبقّى من حقوق؟

 

طاهر سيف: السياسة لا تؤخذ بالتمنّي ولا تؤخذ فقط من خلال الاستعراض السياسيّ. الواقع ينضح  بما فيه، لدينا إشكاليات في الداخل، ولدينا أمور حارفة فضلاً عن المشروع الوطني الكبير، ولدينا قانون كامنتس الذي أقرّ ويحجم من حجم البناء والتطور لدى المجتمع، وهذه مشكلة حاصلة، والعنف المستشري، حالات الفقر، عندما يتحدّث الرفيق منصور، لا اعرف إن كان فرحاً أن ما يزيد عن 60 بالمئة من أطفال العرب ومن أسرهم هم تحت خط الفقر، وهو منطق يساري يتحدّث منه، لا أعتقد ماذا فعلوا وبماذا قاموا لحل هذه المشكلة في العمل البرلماني. أنا لا أتحدّث عن القضية الفلسطينية عامة، وإنما بخصوصية وتحت قضايا عينية معينة، المفروض أن تتابَع، هذه لم تكن موجودة. فبالتالي لدينا قصور، أولاً قصور، أولاً الكنيست ليست مربط خيلنا، بالفلسطيني نقولها ليست مربط خيلنا ولا يمكن أن نحاول أن نعدّل أو نغيّر الخارطة السياسية أياً كانت. عندما نتحدّث عن جسم مانع وحال الضجيج حوله، الحل بسيط، يمكن أن يذهب نتنياهو ويكون هناك حكومة وحدة بين الليكود وأبيض وأزرق، فبالتالي ليسو بحاجة لا للمتدّينين ولا للمتطرّفين ولا للعرب، فبالتالي هذا تحديد وتحجيم اللعبة وكأننا بالمواجهة، لا، شعبنا في 48 تصدّى لكل المعارك من خلال العمل الجماهيري والفعل الجماهيري على الأرض. أذكّرك، نحن على أعتاب يوم الأرض في الثلاثين من آذار، هذه كانت حالة مفصلية شعبية نضالية حقيقية لم تحقق.

 

محمد علوش: إسمح لي، قبل أن أذهب إلى الأستاذ منصور دهامشة، ومن باب التساؤل ليس إلا، طبعاً قانون القومية في إسرائيل كان يفترض أن يخلق هبّة عربية عريضة في الداخل وأن يتطوّر الأمر إلى عصيان مدني. كلّ ما شاهدناه هو كان عبارة عن تظاهرة، حتى حصل فيها اختلاف حول رفع العلم الفلسطيني فيها.

إلى أي حد بالفعل الجبهة الداخلية محصنة ولديها وعي سياسي كبير تجاه هذه المخاطر إذا كنا ننحّي العمل السياسي جانباً؟

 

طاهر سيف: دعنا نتحدّث بصراحة، أنت تحدّثت عن الوعي السياسي، الوعي السياسي موجود ولكن نفتقد إلى الإرادة السياسية الحقيقية لمواجهة هذا المشروع بشكل موحّد. نحن نحترم الأحزاب التي تذهب إلى الكنيست، ولكن هي تريد أن تناضل من خلال النضال المدني، من خلال الكنيست وعمل إزاحات، وهذه تكون شبه مستحيلة في الواقع السياسي والخارطة السياسية الحالية التي تتنافس على من يكون هو أكثر يمينياً، وحتى هناك دعايات لغانتس، ويعد بالأرقام كم قتل من فلسطينيين، فكيف يمكن أن تتصوّر أنه سيعطي حقوقاً مدنية أو مواطنة، غانتس لا يريد أيضاً أن يلغي قانون القومية.

قانون القومية كان يجب أن يُواجَه من خلال نضال حقيقي ونضال شعبي، من خلال بناء مؤسّساتنا الوطنية هنا في الداخل الفلسطيني، ونحن نسير بذلك ولكن ببطء وتلكؤ، وأيضاً قصور من بعض الأحزاب في إعادة بنائها بشكل واضح وحتى تكون مرجعية وطنية فلسطينية جامعة في الداخل الفلسطيني وتحت سقف الثوابت الوطنية الفلسطينية وليس فوقها، ولكن هناك تفضيل بالذهاب إلى العمل الكنيستي، بالذهاب إلى العمل البرلماني، بحاجة لإقناع، وهي حال أيضاً، وأريد أن أتحدّث بصراحة، هي حال إسقاط سياسي فئوية ولا تعبّر بشكل أو بآخر عن نبض الشارع الحقيقي في الداخل.

 

محمد علوش: كلام في الصميم تقوله حضرتك، كلام واضح وفي الصميم، دعنا نعطي فرصة للسيّد دهامشة للإجابة عليه، خاصة أنّ هناك من يقول من داخل البيئة السياسية، من يقول إنّ القائمة المشتركة التي كان يفترض أن تكون هي تاج توحيد العمل السياسي لفلسطينيي الداخل باءت بالفشل تحوّلت، كانت مفتّتة داخلية مليئة بالخلافات والصراعات وحتى أزعجت الناخب الفلسطيني الذي كان يدعمها.

تقديرك، إلى أي حد القوّة السياسية أو الحزبية في الداخل الفلسطيني فشلت بالفعل في الارتقاء إلى مستوى التحديات التي تواجه الفلسطيني في الداخل على حساب المحسوبيات التي كانت تسعى إليها أو مصالح الأحزاب في داخل البرلمان أو الكنيست؟

 

منصور دهامشة: يا سلام. أنا أولاً أعترض جملة وتفصيلاً على هذا التعبير. ليس هناك أية خلافات بين مركبات القائمة المشتركة في السابق ولا هناك نيّة من أجل الحصول على مكاسب شخصية. نحن لا نعمل من أجل مكاسب شخصية.

 

محمد علوش: هذه اتهامات تُوجَّه لكم من الداخل وليس فقط من الأستاذ طاهر.

 

منصور دهامشة: أولاً، نحن نقول بشكل قاطع إنّ هناك خلافات سياسية بين مركبات القائمة المشتركة، نحن نختلف، ليس كلنا بنفس البرنامج ولسنا كلنا بنفس الأيديولوجية، ولذلك نتفق على مشروع سياسي وليس على تغيير أيديولوجيات وفكر. نحن اتفقنا في القائمة المشتركة أن نخوض الانتخابات من خلال القائمة المشتركة، ولكن أن يحافظ كل مركّب على أيديولوجيته وعلى برنامجه الخاص به واتفقنا على الحد الأدنى من البرنامج المشترك بين مركبات القائمة المشتركة.

في هذه الانتخابات لم يحالفنا الحظ، ولكن لم نفشل، بتاتاً. قمنا بتشكيل قائمتين متنافستين، ونحن في الجبهة نقول بشكل قاطع إننا على استعداد أن نتنافس بشكل حضاري وبشكل أخلاقي وباحترام من أجل المشروع الانتخابي لقائمتنا مقابل القائمة الأخرى، وليس للمناكفات.

بما يخصّ الإنجازات التي حقّقتها القائمة المشتركة، الإنجازات كانت كبيرة جداً، وكانت واضحة وجليّة، والكلّ يشهد عليها، إن كان من خلال السلطات المحلية وإن كان من خلال المجتمع، هناك العديد، العديد من القوانين التي تم وقفها، وحتى قانون القومية هو نجح بفارق صوتين فقط، بمعنى أنّه لو كان عندنا في القائمة المشتركة عضوان إضافيان في الكنيست لما نجح قانون القومية، والقوانين تسَنّ من خلال البرلمان والكنيست وليس من خلال الشارع ومن خلال الشعب.

هذا لا يعني ولا بشكل من الأشكال أن النضال الشعبي الذي نقوم به ونحن الأمّ الحقيقية للنضال الشعبي في هذه البلاد، إنما هو عامل مساعد من أجل تغيير وجهات النظر وتغيير القوانين الإسرائيلية. هناك حاجة لنضال شعبي ميداني وحاجة إلى احتجاجات كفاحية نضالية، وبالمقابل هناك حاجة أيضاً لاستعمال المنبر السياسي في الكنيست كوسيلة نضالية أيضاً من أجل إلغاء القوانين. القوانين تلغى وتسنّ في الكنيست، ليس في مكان آخر، فمن دون تشابك ما بين النضال الشعبي في الشارع والنضال البرلماني لا يمكن تغيير القوانين الحكومية.

 

طاهر سيف: أنت تتحدّث بشكل فضفاض. أين أنجزت؟ أعطِني إنجازاً واحداً.

 

منصور دهامشة: لم أفهم.

 

محمد علوش: يقول لا نريد كلاماً عاماً، نريد شيئاً ملموساً. ما الذي استطعتم فعله داخل الكنيست الإسرائيلي؟ ما القوانين التي منعتم من بروزها وخروجها؟ وما قدّمتم من مشاريع قوانين أيضاً، وقد أخذ بها لصالح الوجود الفلسطيني في الداخل؟

 

منصور دهامشة: من دون أدنى شكّ، هناك العديد، العديد من القوانين ومن الإنجازات، ومن لا يراها فهو يغطي. أولاً قانون القومية بسبب نضالنا لم يقدَّم كما تم تقديمه في المرحلة الأولى، وفي المرحلة الأولى كانت المصيبة أكبر بكثير وتمّ تعديله مراراً وتكراراً بسبب نضال القائمة المشتركة لمنع تقديمه. الأموال التي تم تحويلها إلى السلطات المحلية للمواطنين العرب، تم تحويل ملايين ومليارات الشواكل لبناء البنية التحتية وللسلطات المحلية بسبب نضال القائمة المشتركة. أنا لا أقول إنّ هذه كانت منّة من أحد إنما هي حق لم نحصل عليه في السابق، استطعنا من خلال القائمة المشتركة ومن خلال نضالنا في الكنيست أن تحصل عليه.

قانون الأذان الذي تم اقتراحه على الحكومة، كان بصيغة مختلفة كلياً، كهدم البيوت، بقانون كمنت، هناك كان نضال شرس وعلى مدار سنين حتى تم تغييره، بالبداية كان يقضي بأن يقوم المجلس المحلي بهدم البيوت، وفي نهاية المطاف تم إلغاء هذا البند، هناك الإنجازات المتراكمة للحالات الاجتماعية، للمساواة بين المواطنين العرب، وهناك العديد، العديد من القوانين العينية التي تم سنّها في مصلحة المواطنين العرب.

أنا لا أعتقد ان القضية تكفي أو كانت بالكمية كافية كإنجازات إنما هي تراكمية وإنجازات تراكمية تحصل من خلال النضال والكفاح المثابر والاستمرار في النضال الميداني من ناحية والبرلماني من ناحية أخرى. لذلك أنا أقول بشكل قاطع، حتى قضية صفقة القرن، تمّ إفشال العديد من محاولات سنّ القوانين داخل الكنيست من خلال القائمة المشتركة ومن خلال بناء تحالفات نضالية مع قوى ديمقراطية، القائمة المشتركة أو الجبهة.

 

محمد علوش: سنستكمل النقاش، ولكن نريد أن نلفت النظر إلى جزئية أخرى في هذا النقاش، وهي موضوع الدعم الخارجي العربي الفلسطيني للداخل في فلسطين المحتلة، اليوم نتحدّث عن التطبيع. في صحيفة رأي اليوم الإلكترونية، كتب عبد الباري عطوان رسالة موجّهة للعرب المطبّعين مع الاحتلال. نشاهد معاً.

 

رأي اليوم الإلكترونية: إلى المطبّعين العرب الذين نصّبوا نتنياهو زعيماً، عبد الباري عطوان

لا نعتقد أن الكثير من الزعماء العرب حلفاء بنيامين نتنياهو الذين شارك وزراء خارجيتهم في مؤتمر وارسو الأخير، الذي أسّس للناتو العربي والتطبيع مع دولة الإحتلال الإسرائيلي، قد قرأوا تصريحات الحاخام العنصري المتطرّف ميخائيل بن أري، التلميذ المخلص والوفيّ للحاخام الفاشي مائير كاهانا التي أدلى بها يوم أمس إلى موقع "كيكار هشبات" وقال فيها إن العرب لا يفهمون غير لغة القوّة ومَن يتجرّأ منهم على الحديث ضد اليهود لن نسمح له بالبقاء على قيد الحياة.

ما لا يدركه الحاخام بن أري أن الإسرائيليين لا يفهمون غير لغة القوّة أيضاً، فعندما كانت منظمة التحرير الفلسطينية حركة مقاومةٍ، كان الإسرائيليون يستجدون الجلوس معها على مائدة المفاوضات، وعندما كانت مصر وسوريا تتزعّمان معسكر المواجهة كانت العروض الإسرائيلية للسلام التي يحملها وزراء الخارجية الأميركيون والأوروبيون تنهال عليهم.

ألا يعرف هؤلاء أنّ الخرائط تتغيّر وبسرعةٍ غير مسبوقة، وأنّ هناك دول مواجهة أخرى ما زالت تضع إصبعها على الزناد ولديها مئات الآلاف من الصواريخ التي تعجز كل القبب الحديدية عن التصدّي لها، وجميعها جرى تصنيعها وتطويرها ذاتياً، وبات سلاح الجو الإسرائيلي وطائراته الأميركية الحديثة عاجزين عن حسم الحروب وإذلال الأنظمة مثلما كانت عليه الحال في الماضي.

نكتفي بتذكيركم ونحن وأنتم نقف على أبواب العام الثامن للأزمتين السورية والليبية والخامس للحرب اليمنية والعشرين للاحتلال الأميركي لأفغانستان، أنّ رهاناتكم كلها فشلت وانهارت، وأنّ رهاناتنا نحن في المعسكر المضاد لنظيريه الأميركي والإسرائيلي هي التي تفوز.

 

محمد علوش: نعود إليك أستاذ طاهر سيف لنسأل، إلى أيّ حد التطبيع العربي أو ما يقول الاحتلال إنّ هناك مشروع تطبيع حقيقياً مع بعض الدول العربية وإن كان سراً، يؤثر بالفعل، سواء كان على الأداء السياسي في الداخل الفلسطيني للأحزاب العربية، أو حتى للحركات والمجتمع المدني الناشط في سبيل دعم هوية الفلسطيني في الداخل؟

 

طاهر سيف: أولاً دعني أعقّب.

 

محمد علوش: باختصار لو سمحت.

 

طاهر سيف: دعني أعقّب على ما تمّ الحديث عنه، أولاً بحجم الإنجاز، وإننا اعترضنا هنا على جزئية في قانون ما واعترضنا، لا، الإنجاز كان في كل قضايانا وفي أغلب قضايانا هو يكاد يكون صفراً، وهذا معطياته واضحة، ويجب الإقرار به، ليس لأن النواب العرب هم زملاؤنا ونشترك معهم، ونحن في لجنة المتابعة نتحاور.

 

منصور دهامشة: الإنجازات هي إنجازات تراكمية، وإذا نظرت إلى الإنجازات التراكمية في سن القوانين، لكان الوضع أصعب بكثير مما هو عليه الآن.

 

محمد علوش: إسمح لي أستاذ دهامشة لأن الوقت داهمنا، نعطي المجال للأستاذ طاهر. تفضّل أستاذ سيف.

 

طاهر سيف: عزيزي، فبالتالي عندما نتحدّث عن الإنجازات نقول إن هذه الإنجازات هي بحجم المساحة المرسومة والمخصّصة من قبل هذه المنظومة، منظومة التشريع هي جزء من هذه الدولة بمفهومها. لذلك لن أخوض بالتفاصيل، على سبيل المثال عندما نتحدّث عن جسم ممانع، وربما عندما نصوّت أكثر، أنا أريد أن أذكّر أخي ورفيقي منصور، هناك ثلاثة تم إسقاطها، أسقطت وبهدف عدم الذهاب إلى الجسم المانع، حكومة باراك، حكومة بيريز، وحكومة ليفنات عام 2015 قبل  تكليف نتنياهو، هذا لم تتطرّق إليه الأحزاب العربية ولم تتطرّق حتى تحصل على الجسم المانع، وكان بإمكان العرب أن يكونوا جزءاً من هذا الجسم المانع بمفهومكم ليفنات ولكن ليفنات آثرت أن لا تكونوا، جدعون ليفي في آخر لقاء، كان باليوم العالمي للتضامن مع، قال أنتم لا يحسبونكم، قال هناك 107 أعضاء أو 108 أعضاء، حتى استثنى حنين وهو من أكثر الأشخاص الذين عملوا على الحال الاجتماعية.

نقول في قضية التطبيع، ليس خافياً على أحد أن التطبيع العربي كان مستتراً وكان ضميراً مستتراً لدى القادة والكثير من الدول والأنظمة العربية، ويجب أن نتذكّر بالحرب على غزّة حسبما أذكر عام 2008، إن لم تخنِ الذاكرة، 500 مليون دولار تم تحويلها من صناديق استثمار عبر لوكسمبورغ وتتبع هذه المحافظة للقطرية، أيضاً سيتي بنك ومجموعاته ولا أعرف لمن هو مملوك، أيضاً عام 2012 كان هناك استثمار لحماية الاستيطان.

 

محمد علوش: هو يؤثر بشكل عام على القوّة والنشاط الداخلي الفلسطيني.

 

طاهر سيف: هذه معلومات وليس بالتحليل، أستاذي العزيز، لذلك عندما نقرأ التطبيع والتطبيع موجود، وحتى أنا أقول أكثر من ذلك، أنّ هناك أنظمة وهناك حركات ترتبط عضوياً بالمشروع الصهيوني، وجودها مرتبط بالمشروع الصهيوني ومرتبط بدولة إسرائيل. لذلك العلاقة هي علاقة عضوية، ولكن مستوى الوقاحة السياسية ومستوى البلادة العربية.

 

محمد علوش: طبعاً الأمر يستحق حلقة تلفزيونية حول أثر التطبيع على نضال الداخل الفلسطيني، لكن إسمح لي، الوقت بالفعل انتهى.

 

طاهر سيف: الداخل الفلسطيني، نعم، هناك بازار سياسي مفتوح من دول عربية لإنشاء متاهات وزجّنا في تطبيع وفي أسرلة.

 

محمد علوش: وللأسف هذا قائم، وللأسف طبعاً انتهى وقت الحلقة لهذا اليوم، على أمل أن نجدّد اللقاء معكما ضيفينا الكريمين إن شاء الله بحلقة قادمة، ربما تكون حول الوضع الداخلي الفلسطيني داخل إسرائيل.

كلّ الشكر والتقدير لك من عرعرة في فلسطين المحتلة طاهر سيف عضو المكتب السياسي لحركة أبناء البلد، ونشكر طبعاً من حيفا الأستاذ منصور دهامشة السكرتير القطري للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة.

وعلى أمل اللقاء بكم مشاهدينا بحلول يوم الغد. إلى اللقاء.