عامر سبايلة - أمين قمورية

 

محمد علوش: لم تكن السياسات الأميركية يوماً بمثل هذا الوضوح التي هي عليه اليوم ولا سيما لجهة رؤيتها وأولويتها في قضايا ونزاعات الشرق الأوسط.

قبل يومين تقريرٌ لوزارة الخارجية الأميركية ينزع صفة الاحتلال عن الضفة الغربية وقطاع غزّة ومرتفعات الجولان السورية. مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة قرأ في ذلك اعترافاً أميركياً بالضمّ الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة.

مصطلح الاحتلال لم يسقط سهواً من التقرير السنوي لوزارة الخارجية، فقد سبقه نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة وسط حماوةٍ في التطبيع العربي مع إسرائيل.

هي خطوةٌ على طريقٍ اندفعت فيها الإدارة الأميركية الحالية، الهدف تكوين تحالفٍ دوليٍ ضد إيران ينخرط فيه عربٌ إلى جانب إسرائيل.

تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي، كما تسمّيه واشنطن، لا يزال في مراحل التطوّر، فمن دون قيامه عقباتٌ جمّة، كما يقول وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو. فهل مجيئ الأخير إلى المنطقة قريباً يأتي في سياق تذليل هذه العقبات؟ ما طبيعة المصاعب التي تحولُ من دون تحقيق هذا التحالف؟ وأي رابطٍ بينها وبين مشروع صفقة  القرن؟

للنقاش معنا من عمان عمار سبايلة الكاتب والباحث السياسي، ومعنا في الاستديو أمين قمورية الصحافي والكاتب السياسي.

حيّاكم الله وأهلاً بكم مشاهدينا في حوار الساعة، ونرحّب بضيفينا، وأبدأ مع الأستاذ أمين قمورية، طبعاً وزارة الخارجية الأميركية أعلنت أن بومبيو سيزور بيروت والقدس والكويت في الفترة الكائنة بين التاسع عشر والثالث والعشرين من الشهر الجاري، بتقديرك لماذا اختارت الخارجية الأميركية هذه العواصم من دون سواها في المنطقة؟

أمين قمورية: هذه الزيارة ليست إلا حلقة ضمن مسلسل، هذا المسلسل نجد أشكاله بطرُق ووسائل عدّة وبمحاولات واضحة. لكن بالتحديد هذه الزيارة هي استكمال للزيارة السابقة، في الزيارة السابقة لبومبيو الشهر الماضي استثنى ثلاث دول، هذه الدول منها لبنان والكويت بشكل أساسي وإسرائيل، هو لم يذهب إلى إسرائيل. فاليوم استكمالاً لهذه الجولة هناك محاولة واضحة جداً جداً بأنّ ما جرى في مؤتمر وارسو يُراد استكماله، العنوان الكبير هو محاصرة إيران أو تحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة. لكن في اعتقادي لبّ الموضوع الأساسي والعنوان الأكبر هو صفقة القرن بكل ما تعني صفقة القرن، ليس فقط على الجانب الفلسطيني، إنما بمعنى فرض وجهة النظر الإسرائيلية لحل الصراع العربي - الإسرائيلي في كل الأمكنة.

محمد علوش: لكن في تصريح لوزير الخارجية قبل يومين في ولاية تكساس الأميركية يتحدّث عن تحالف شرق أوسط كما يسمّيه، تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي، يقول هو في مراحل التطوّر، ولكن يتحدّث عن عقبات بين أركان هذا التحالف، وجميع هذه الدول هي حليفة للولايات المتحدة الأميركية، عن أية خلافات يتحدّث؟

أمين قمورية: حتماً هناك خلافات كثيرة، لكن دعنا نعالج الموضوع في صلبه، عندما تريد أن تفرض هكذا تسوية كبيرة في المنطقة وهذا التغيير الكبير في المنطقة، أولاً لا بدّ من من إزالة العقبات، ما يسمّى الخصم، ولذلك العنوان كان إيران وحلفاء إيران ومحور المقاومة، وكذلك الأمر عندما نذهب إلى هذه الدول بالتحديد وهي دول حليفة، لأن هناك الكثير من المسائل التي تبرز في اللحظة الكبيرة.

باعتقادي أحد أكبر هذه المشاكل أولاً أن المنطقة تغيّرت بالكامل، لم تعد كما كانت قبل عشر سنوات، قبل عشر سنوات كانت أميركا هي المقرّر الوحيد في المنطقة، اليوم هناك ضيوف وضيوف كبار وأساسيين ومؤثّرين وبدأوا يسحبون البساط من تحت الأقدام الأميركية.

محمد علوش: مَن غير روسيا؟

أمين قمورية: هناك روسيا التي حضرت بقوّة، هناك إيران، هناك تركيا، هناك عودة للدولة السورية، هناك أحزاب باتت بمستوى إقليمي ودولي ولها تأثيرات، هناك أيضاً حسابات داخلية، يعني حتى هذه الدول عندما تتعاطى مع الولايات المتحدة تأخذ بالحسبان واقع أنّ هناك دولاً جديدة ولها نفوذ، حتى دولة مثل السعودية عندما تبني علاقتها اليوم مع الولايات المتحدة هي بدأت تفكّر بدول أخرى لا بدّ من أخذها في الاعتبار، الصين، روسيا وما إلى ذلك، ونرى الكثير من العلاقات هنا.

محمد علوش: ماذا يريد في بيروت بومبيو؟

أمين قمورية: بومبيو في بيروت أعتقد أن لديه عنوانين أساسيين، أولاً قالها ساترفيلد بشكل واضح، بالفم الملآن، على اللبنانيين اتخاذ موقف واضح من القضايا الاستراتيجية الدائرة في المنطقة، يعني على الدولة اللبنانية، على الحكومة اللبنانية أن تختار ما بين هذا المعسكر وذاك المعسكر، أن تكون إما مع المعسكر المتحالف مع الولايات المتحدة الأميركية وإما أن تذهب إلى إيران ونحن سنرفض.

محمد علوش: يعني هي تضع بيروت بين خيارين لا ثالث لهما؟

أمين قمورية: طبعاً، ولكن يدرك تماماً أن اتخاذ مثل هذه الخيارات صعب، لذلك هم يحاولون بشتّى الوسائل وعبر الأقنية المختلفة وعبر محاولات التفاف كثيرة وعبر مناورات كثيرة للوصول لمثل هذه الغايات من دون تفجير الأوضاع لأنهم يدركون أن تفجير الأوضاع اليوم من شأنه أن يغيّر المعادلات الكبيرة.

أما السؤال الأساسي، فلماذا هناك عوائق؟ أنا أقول بمجرّد أن يصل صاروخان إلى تل أبيب معنى ذلك أن كل ما تفكّرون به ليس بالضرورة أن يحصل. الحسابات الفلسطينية غير مؤاتية، الحسابات الأردنية غير مؤاتية، الحسابات المصرية غير مؤاتية، وأعتقد أن المملكة العربية السعودية..

محمد علوش: على ذِكر الحسابات الأردنية، طبعاً الأردن لطالما صنّفت، وهنا أتحوّل إليك أستاذ عامر سبايلة من عمّان، لطالما صنّفت الأردن ضمن ما يعرف بمحور الإعتدال العربي الذي يضمّ بطبيعة الحال السعودية والإمارات وهي حليفة أساسية للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة. حصل نوع من التباين أو التمايز في الموقف الأردني في الفترة الأخيرة على خلفية موضوع مدينة القدس المحتلة، هذه الزيارة لوزير الخارجية الأميركي لم يُلحظ ولم تُدرج عمان ضمن قائمة الاهتمامات أو الزيارة، ضمن قائمة الزيارة هذه المرة، بتقديركم هل هو تباين في الموقف بين عمان وواشنطن أم هناك مقاربات مختلفة أميركية؟

عامر سبايلة: أولاً دعنا نضع الأمور في سياقها الطبيعي، هو بلا شك هناك اختلاف في وجهة النظر بين القيادة الأردنية والإدارة الأميركية على موضوع مدينة القدس، وهذا عبّر عنه نائب الرئيس الأميركي بعد زيارته إلى عمان عندما تحدّث أننا اتفقنا مع الملك الأردني أن نختلف في موضوع القدس.

لكن موضوع الزيارة لا نستطيع أن نقيس أنه لم يأت لعمان فإذاً هو تهميش لعمان، أولاً هذه الزيارة هي استكمال للزيارة التي بدأها في شهر يناير الماضي والتي بدأت من عمان فعلياً واستكمالاً لمحطات في زيارة وزير الخارجية الأميركي. قبل يومين عاد الملك الأردني بعد الاجتماع مع وزير الخارجية الأميركي وأركان الإدارة في واشنطن. لهذا نستطيع أن نقول إن هذه الزيارة هي الجزء الثاني والأهم بالنسبة لوزير الخارجية لأنها تأتي باعتقادي في جزءيها المهم، في إسرائيل هو يذهب للقاء نتانياهو الذي يخوض الانتخابات القادمة وهذه رسالة بحد ذاتها أن هذه الإدارة يبدو أنها تحاول أيضاً أن تدعم موقف نتانياهو.

الجزء الثاني أنها تأتي إلى بيروت، وزيارة لبنان اليوم في ظل استكمال الإدارة الأميركية لفكرة المواجهة مع إيران، يعني التقديرات الأميركية كانت تقول إن نهاية شهر شباط الماضي لا بد للعقوبات الاقتصادية التي فرضت أن تبدأ ملامحها بالظهور وبالتالي ننتقل إلى مرحلة تطويق النفوذ الإيراني في المنطقة. فمن الطبيعي أن نفكر أن أول نقطة ممكن أن يفكر فيها الأميركيون لبداية الضغط في هذه المنطقة ستكون في لبنان. وأعتقد أننا نتحدث عن إدارة اليوم غير مجاملة تسعى لفكرة إحداث المواجهة، وبالتالي يمكن أن نكون على موعد مع فكرة تأزيم جديد على الأقل في لبنان مع حلفاء إيران. يعني عندما تنظر إلى المشهد الأكبر، هذه الإدارة تعتقد أنها طوّقت الإيرانيين اقتصادياً، أنها حتى وجّهت لهم ضربات في فنزويلا، كثير من التقارير كانت تتحدّث عن النفوذ الإيراني في فنزويلا التي سعت هذه الإدارة في السنوات الماضية إلى احتوائه ومن ثم الانتقال لمواجهة إيران على الأرض في سوريا، لكن قبل إتمام هذا لا بدّ من الحديث عن المسألة اللبنانية. إذاً تتحدّث عن إدارة تسير في فكرة التأزيم مع إيران.

وأنا في النهاية أقول إن الإدارات الأميركية غالباً كلها اخترعت عدواً قبل المضي قدماً في هذه المنطقة، منذ الحرب الباردة إلى الحرب على الإرهاب إلى اليوم، إلى مواجهة إيران، هذه الإدارات الأميركية تبني فكرة بناء لنقل منظومة تحالف على فكرة وجود عدو. فبالتالي اليوم هذه الإدارة تريد أن تنتقل إلى الجانب العملياتي لتنفيذ رؤيتها، الجانب العملياتي يعني رؤيتها في التسوية، لهذا هي تستبق..

محمد علوش: هنا أريد أن أسألك أستاذ عامر، طبعاً إذا ما استبعدنا الخلاف الأردني - الأميركي لجهة موضوع القدس أو صفقة القرن، هل هناك خلاف آخر تتميّز فيه الأردن أو عمان عن الولايات المتحدة الأميركية في رؤيتها لمجمل قضايا المنطقة منها الأزمة مع سوريا أو الأزمة في سوريا والصراع مع إيران، العلاقة مع تركيا، مع دول الخليج، هل هناك نوع من التباين أو التمايز الأردني؟

عامر سبايلة: بلا شك القدس هي نقطة رئيسية، في النهاية أنا أريد أن أكون مجاملاً، الأردن لا يستطيع أن يواجه الولايات المتحدة ولا يستطيع أن يواجه أو يخالف رؤية الولايات المتحدة، دعنا نتفق على هذه النقطة ومن ثم ننطلق في أي تحليل، لأنه في النهاية الأردن بلد معتمد تماماً في اقتصاده على الولايات المتحدة وحتى في وضعه السياسي كحليف أساسي، لم يصغ منظومة علاقات على الأقل إقليمية تسمح له في صوغ رأي مستقل على الأقل اقتصادياً، لم يستطع أن ينجز هذا في الفترات الماضية، وبالتالي هو في النهاية لن يستطيع أن يقاوم كثيراً أية قدرة أو أية رغبة للإدارة الأميركية في فرض رؤيتها. الأردن يجب عليه فعلياً أن يبحث عن مكتسباته في خضّم هذه الأجواء، لأنك تتحدّث اليوم عن محور أميركي جديد، يعني الولايات المتحدة اختارت بوابة القدس لتكون عودتها إلى هذه المنطقة في موضوع الإدارة الجديدة التي لا تريد أن تكون خارج ملفات المنطقة كما أوحت إدارة أوباما، يعني هي منخرطة أكثر في معظم الملفات، واختارت فكرة الفوضى يعني فكرة أكبر قرار يمكن أن يكون عاملاً للتفجير كان هو اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة. لكن هذا لم يحدث على الأرض، يعني لم تكن هناك موجة غضب شعبي تستطيع أن تنقل أو تخلق أوضاعاً أمنية تؤثر على الولايات المتحدة أو حلفائها. فبالتالي اليوم تتحدّث عن إدارة تسير بخطوات واضحة أنها تريد أن تفرض رؤيتها، ولا أعتقد أن أية دولة من دول المحور الأميركي يمكن لها أن تقاوم خصوصاً إذا ما اتفقنا أنه لم نلحظ مقاومة مصرية أو سعودية وهما الدولتان الوازنتان العربيتان في المحور الأميركي.

لهذا أعتقد أن الأردن يغرّد وحيداً إذا ما اقتنع أنه يريد أن يرفض الرؤية الأميركية وهو ليس له مساحة أيضاً في المحور الآخر، يعني لم يستطع أن يقيم حتى علاقات اقتصادية تفيده مع سوريا في الفترات الأخيرة.

محمد علوش: طبعاً لا يمكن هنا أن نستبعد ونحن نتحدّث عن مجالات تقوم بها الولايات المتحدة الأميركية إزاء علاقاتها واهتماماتها في المنطقة، الأمر لا يقتصر على المجال الدبلوماسي أو الاعتراف السياسي بالقدس عاصمة لإسرائيل أو نقل السفارة بل أيضاً هناك وجود عسكري للقوات الأميركية في الكثير من الأراضي العربية.

طبعاً دونالد ترامب خلال هذا العام كثّف من زياراته لمبنى وزارة الدفاع الأميركية والتقى قادة البنتاغون، فما الذي كان يدور في تلك اللقاءات، صحيفة الشرق الأوسط تحاول في عددها الصادر اليوم الإجابة عن ذلك، نشاهد معاً.

- تقرير: الشرق الأوسط: ترامب يناقش سوريا وأفغانستان مع مجلس الأمن القومي

للمرة الثالثة في أقل من عام زار الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس الجمعة مبنى وزارة الدفاع، حيث التقى قادة البنتاغون.

تركّزت النقاشات بحسب بعض الأوساط على كيفية إيجاد سبل لتسويات غير عسكرية لنزاعي سوريا وأفغانستان، ومحاولة التقليل من الانخراط الأميركي القتالي فيهما. وأكّدت أن قرار الإبقاء على الـ 400 جندي الذين أعلن الرئيس عن بقائهم في شمال سوريا والعراق والأردن، سيبقى إلى أمد غير محدّد، ما لم يتم التوصّل إلى مسار للحل السياسي في هذا البلد. وأضافت تلك المصادر أنه لا أحد يفكّر الآن في سحبهم من هناك، إذا لم يتم التوافق والاتفاق مع تركيا حول هذا الموضوع، وأن واشنطن لن تفرّط في علاقتها مع الكرد، وأن الرئيس بات مقتنعاً جداً بهذا الأمر.

من جهة أخرى قالت أوساط مطّلعة إن الرئيس ترامب لم يكن راضياً عن إجابات وزير الدفاع بالوكالة باتريك شاناهان في شهادته أمام لجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ، خلال مناقشة ميزانية وزارة الدفاع لعام 2020.

وأضافت إن الأمر قد يتسبّب في استبعاد تثبيته مرشّحاً أصيلاً لمنصب وزير الدفاع. غير أن مصادر أخرى قالت إن أداء شاناهان وولاءه المطلق للرئيس ترامب، قد يكونان الأمر المطلوب، وهما ما يرغب فيه الرئيس في هذه المرحلة، في ظل التوتّر الذي يُهيمن على علاقته بقادة المؤسّسة العسكرية.

محمد علوش: أعود إليك أستاذ أمين لأسأل، طبعاً هناك تباين أحياناً بين بعض القادة العسكريين في الولايات المتحدة أو قادة البنتاغون وبين الرئيس الأميركي، الوجود العسكري الأميركي في المنطقة لا يمكن استبعاده أو فصله أيضاً عن بعض القرارات التي يتّخذها ترامب لجهة موضوع سحب القوات العسكرية أو نقل السفارة أو الحديث حتى عن تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي كما سمّاه وزير الخارجية الأميركي. بتقديرك هل الأمر العسكري أو الخشونة العسكرية الأميركية في تطبيق بعض القرارات التي تراها لصالحها في المنطقة أصبحت مستبعدة في هذا النقاش أو في هذا التحوّل في بناء التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط؟

أمين قمورية: حتماً تغيّر وضع الولايات المتحدة في المنطقة منذ سنوات حتى الآن، كنا نتحدّث عن التغيّرات الكبيرة الحاصلة على مستوى النظام العالمي وعلى مستوى النظام الإقليمي، ولكن طبعاً عندما تصل الأمور إلى حد السؤال عن دور الولايات المتحدة المستقبلي، أنا أعتقد أن هذا السؤال سيطرح الكثير من الإشكاليات، لذلك عندما قال ترامب أنني أريد الانسحاب من سوريا لأسباب لها علاقة بالموازنة.

محمد علوش: مع أنه لم يتم تحديد موعد للانسحاب.

أمين قمورية: أحدث صدمة، لا في البداية قال في أسرع وقت ممكن، لكن هذا القرار أحدث صدمة، والذي أحدث صدمة أكثر من ذلك هو قرار الانسحاب أيضاً من أفغانستان، يعني أفغانستان من وجهة نظر الاستراتيجيين الأميركيين ومن وجهة نظر الاستراتيجيين في العالم كله هي قلب أوراسيا ومَن يستولي على قلب أوراسيا يستولي على العالم، هناك تتقاطع العوالم الروسية مع الصينية، مع الهندية، مع الإسلامية، مع إيران، فبالتالي الانسحاب من هناك من دون وجود بديل أعتقد أنه سيسبّب أزمة استراتيجية فعلية لأميركا، أيضاً في الانسحاب من سوريا، ليس بمعنى إخلاء 2000 عسكري من شرق الفرات، لكن بما تعني من تخل عن حلفاء، بما تعني من إعطاء فرصة لإيران للتمدّد.

محمد علوش: ما زلت حضرتك تتحدّث في الشق العسكري، أنا سؤالي كان مرتبطاً بما إذا كان مرتبطاً هذه المواقف العسكرية أو القرارات العسكرية مرتبطة بشأن التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط كما يريده ترامب؟

أمين قمورية: حتماً، هذا لأن من شأنه اليوم عندما أعيد النظر في هذا الموضوع، عندما نقول أننا سنبقى إلى أمدٍ ما في شرق الفرات، طبعاً 400 عسكري يعني وجود عسكري أميركي، لو كان هناك عسكريون أميركيون فقط في التنف معنى ذلك أنها ستظل أميركا تقطع الطريق الرئيسي بين بغداد ودمشق بما تعني من أمور استراتيجية مهمة. فهذا الموقف العسكري حتماً يصب في خدمة حلفائهم لأنها عندما تريد أن تبني نظاماً إقليمياً جديداً لا بد من حلفاء لهذا النظام الإقليمي الجديد ولا بد من أن يكونوا مطمئنين إلى أن هناك حليفاً أميركياً كبيراً يدافع عنهم. لذلك أكثر من مرة تدخلت الولايات المتحدة في أكثر من موقف لدعم هذا الفريق، يعني مثلاً عندما بدأ فتح السفارة الإماراتية في دمشق لاحظنا كأن هناك قراراً أميركياً بمعنى هذا التهافت على دمشق مرة أخرى.

محمد علوش: بالانكفاء، أو بعدم الاستعجال.

أمين قمورية: لأنه يعني في السياسة أشياء أخرى، تعني في السياسة تغيير للأمور، انقلاب لمصلحة فريق معين. لذلك أنا أعتقد أنها بهذه المحاولات تحاول أن تعطي أنصارها أو أصدقاءها في المقلب الآخر ما يكفي من الدعم لتحقيق المكاسب.

اليوم في المسألة السورية، ما الذي يعيق المسألة السورية؟ كنا على أبواب تسوية حقيقية في ملف الداخل السوري، دخلت أميركا لتقول أنا سأحاول بالسياسة أن أنتزع ما لم أستطع أن أفعله بالعسكر.

محمد علوش: ما لم أستطع بالعسكر.

أمين قمورية: وأنتم ما فعلتوه في الميدان في استطاعتي إجهاض كل هذا الأمر في هذه العملية. لذلك نرى الجهود مركزة باتجاه اللجنة الدستورية.

محمد علوش: سنأتي على ذكرها عندنا تقرير في ذلك، يعني تقصد حضرتك أن عملية الانفتاح العربي مجدّداً على سوريا فُرملت بقرار أميركي وليس برغبة عربية في الأساس؟

أمين قمورية: أنا أعتقد أن المملكة العربية السعودية عندما اختارت العساف وزيراً للخارجية كأنها كانت تريد إحداث تغيير ما مع أنها تركت الملفات كلها في يد الجبير، لكن وجه العساف معنى ذلك تغيير، وصدر قرار بفتح السفارة، في اليوم التالي نُفي هذا الأمر، أنا أعتقد أن القرار صدر لكن جاء مَن يقول لمَن اتخذ القرار لا يمكن الآن، يجب أن يكون هذا القرار مرتبطاً بقرار سوري بإخراج القوات الإيرانية من الداخل السوري قبل ذلك.

محمد علوش: جيد، عند هذه النقطة أريد أن أسألك قبل أن أذهب إلى فاصل أستاذ عامر، هل يمكن الحديث أن الدول المنخرطة في ما يعرف، دعنا نقول بشكل واضح، حلفاء الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة من العرب طبعاً، من الدول العربية، مسلوبة الإرادة ومسلوبة القرار لجهة كل القرارات التي تتخذها الولايات المتحدة الأميركية والتي يستبين لأيّ قارئ حتى محايد، حتى موضوعي، أنها لا تصبّ إلا في صالح إما إسرائيل وإما الولايات المتحدة الأميركية وقد تلحق أكبر الضرر حتى على المصالح العربية؟

عامر سبايلة: هو في النهاية ماذا تريد هذه الدول؟ هي لم تكن أصلاً عندها مصالح مع سوريا وهي بنيت الاستراتيجية الأميركية في هذه المنطقة على فكرة العداء مع إيران والتي تتفق معه على الأقل 90% من دول المحور الأميركي. لهذا هو بلا شك قد لا تكون هناك مساحة كبيرة لمناورة ورفض رؤية الولايات المتحدة، لكن ليس هناك قواسم مشتركة حقيقية لتدافع عن هذه الدول.

أعتقد أننا نعم أمام تعطيل لفكرة الحل السياسي في سوريا، لكن هو يشرعن بالنسبة للولايات المتحدة بأنه لا يمكن اليوم أن تنفتح على سوريا بهذه الطريقة وتستفيد بالتالي إيران، هناك يجب أن تتوازى أو تسير بخطين مستقيمين هذه السياسة، الضغط على إيران وإخراجها من سوريا. إذاً لا بد للسوريين من أن يشعروا بأن إيران تتحوّل إلى عبء عليهم وبالتالي يتم فتح بعض الطاقات لموضوع التعاون العربي السوري. لهذا ما زال موضوع إعادة سوريا إلى الجامعة العربية، انفتاح بعض الدول، تم هذا الانفتاح ووضعت له الهيكلية الأساسية لكن لم تفعل، الآن تفعيلها اليوم. أعتقد أن الولايات المتحدة تقول لحلفائها، مع تفاوت طبعاً، أن هذا الانفتاح اليوم يمكن أن يضر في الاستراتيجية في مواجهة إيران، لم يحن بعد هذا الموعد، يمكن الضغط أكثر وبالتالي أن تتحوّل فكرة الانفتاح على سوريا إلى ورقة استراتيجية يتم الاستفادة في الهدف النهائي وهو إخراج إيران أو احتوائها في سوريا.

لهذا أعتقد أننا عندما نتحدّث عن عدم وجود قدرة عند هذه الدول، أعتقد أنه يجب أن نذكّر أيضاً أن هذه الدول لم يكن على أجندتها الانفتاح، أعتقد أن المتضرّر الأكبر هو دول مثل الأدرن التي تشارك سوريا فعلياً بحدود جغرافية كبيرة تعاني اقتصادياً، وبالتالي يمكن أن تجد ضالتها في موضوع تحسين اقتصادها في العلاقة مع سوريا. هنا كان يجب أن يكون هناك هامش مناورة أكبر، يعني لا يمكن أن تضع هذه الضغوط ولا يكون لك جانب مناورة وأنت لا تملك البديل، أنا أتحدّث هنا عن دولة مثل الأدرن بوابة عبور سوريا إلى الخليج، ويمكن أن تستفيد فعلياً في موضوع إعادة إعمار سوريا إذا ما استطاعت ترتيب علاقتها.

إذاً ما هو البديل التي تفرضه الولايات المتحدة؟ قد يكون بالنسبة للإمارات، بالنسبة للسعودية أقل تأثيراً، لكن بالنسبة للأردن الدولة المحاذية كان يجب أن تكون هناك مساحة مناورة أكبر بالنسبة للولايات المتحدة. لكن واضح أننا نتحدّث الآن عن رغبة أميركية لا يعارضها أحد أو على الأقل تتّفق معها الدول الوازنة في المنطقة العربية لسبب بسيط أنها تشرعن فكرة مواجهة إيران التي بالنسبة لهذه الدول هي الأولوية عوضاً عن الانفتاح على سوريا.

محمد علوش: يقال أنه تحاول الولايات المتحدة الأميركية إعادة تدوير الأزمة في الشرق الأوسط من خلال إحداث نوع من الفصل بين الملفين السوري والإيراني في التعاطي وبالتالي الدول العربية ربما تكون قريبة لتقبل سوريا وإعادة طبعاً العلاقة مع الحكومة السورية في الوقت الذي تريد فيه أن تفصل بين ذلك وبين وجود إيران في المنطقة، هناك جهود أميركية تبذل لذلك، هناك أيضاً رد سوريا بحسب ما تقول صحيفة الأخبار - سنرى بعد الفاصل هذا الأمر - وما إذا كان بالفعل تقدر الولايات المتحدة الأميركية على مثل هذا الخط. بعد الفاصل مشاهدينا أرجو أن تتفضلوا بالبقاء معنا.

 

المحور الثاني

محمد علوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا في هذه الحلقة التي نتناول فيها ملف زيارة وزير الخارجية الأميركي إلى دول المنطقة.

طبعاً لا توفّر الولايات المتحدة أيّ جهد للضغط على الحكومة السورية ودمشق، في المقابل ليست بصدد تقديم تنازلات في المسار السياسي، هذا ما كتبته صحيفة الأخبار اللبنانية في عددها الصادر اليوم، نشاهد معاً.

- تقرير: الأخبار اللبنانية: دمشق لا تنازلات في "المسار السياسي"

لا توفّر الولايات المتحدة وحلفاؤها أي وقت أو جهد للضغط على الحكومة السورية، سياسياً واقتصادياً، بما يشمل ملفات اللجنة الدستورية والسيادة على الجزء المحتل من الجولان، كما هي الحال بالنسبة إلى مصير إدلب وشرق الفرات. في المقابل، تؤكد دمشق بوضوح أنها لن تقدّم أية تنازلات في مسار الحل السياسي، وخرج بيان مشترك عن الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وفرنسا، لمناسبة الذكرى الثامنة للحرب السورية، يؤكد الالتزام بعدم تقديم أية مساعدة لإعادة الإعمار إلا بعد انطلاق عملية سياسية جوهرية وحقيقية وذات صدقية ولا رجعة فيها. وإلى جانب هذا الوعيد بمقاطعة إعادة الإعمار، عادت واشنطن إلى القلق البالغ من تصاعد العنف في إدلب. وحمّل بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، روسيا، المسؤولية الكاملة عن هذه العمليات الهجومية ضد شمال حماة وجنوب إدلب، متجاهلاً بالكامل أيّ ذكر لانتهاكات تنظيمات مصنّفة إرهابية، حتى وفق المعايير الأميركية. ويمهّد الدخول الأميركي سياسياً على خط إدلب، بالتكامل مع الحديث عن تقييد إعادة الإعمار، لتصعيد الضغط السياسي على دمشق ضمن أية خطوة مستقبلية مرتقبة على مسار اللجنة الدستورية، وضمن صيغة محادثات جنيف. وتؤكّد مصادر رسمية سورية أن الجانب الحكومي أوصل رسالة واضحة إلى المبعوث الأممي الجديد، غير بيدرسن، بأنه غير مستعد لنقاش أية قضايا سيادية، ولن يقبل بدور أممي يتجاوز تيسير المحادثات ولا سيما في ملف اللجنة الدستورية.

محمد علوش: أعود إلى ضيفي في الأستديو الأستاذ أمين قمورية لأسأل طبعاً، أكثر من نقطة سلّطت الضوء عليها صحيفة الأخبار من بدء الحديث عن موضوع إعادة الإعمار حيث الولايات المتحدة الأميركية تضغط بهذا الملف، عندنا تقرير آخر طبعاً سيتناول موضوع الضغط أو ورقة اللاجئين السوريين في المناطق، لكن ما يهمّني الآن تقديرك لأية درجة بالفعل الولايات المتحدة الأميركية كما تقول بعض الصحافة أنها تحاول الفصل بين المسارين أو في الأزمة ما بين سوريا وإيران يعني بمحاولة تقريب الدول العربية باتجاه سوريا إذا ما قبلت سوريا بأن تحد من الوجود الإيراني أو العلاقة مع إيران في المنطقة؟

أمين قمورية: المحاولات الأميركية في المنطقة لم تتوقّف وهي تأخذ أشكالاً مختلفة.

محمد علوش: هناك محاولات أميركية جدية لعلاقات مع سوريا في مقابل إبعاد سوريا عن علاقتها مع إيران؟

أمين قمورية: كان الطلب واضحاً عندما توقّف التقدّم العربي اتجاه إيران وفتح السفارات، كان الطلب واضحاً.

محمد علوش: تقصد سوريا، باتجاه سوريا؟

أمين قمورية: باتجاه سوريا، كان المطلوب من دمشق أن تعلن بشكل واضح وصريح أن تطلب من القوات الإيرانية الخروج من سوريا عندها يمكن أن تكون العودة والانفتاح العربي على قدم وساق، أن تتغيّر هذه المعادلات، وسمعنا وزير الدولة لشؤون الخارجية الإماراتي يقول إن الهم الأساسي، نحن تخلّينا عن سوريا في وقت خطأ كان علينا أن نعود وأن لا نترك سوريا لا للأتراك ولا للإيرانيين، يعني شدد على هاتين الناحيتين. طبعاً هذه المساعي، هذا الضغط قائم في هذا المجال.

بالنسبة للسوريين الرد أيضاً كان واضحاً، تريدون إخراج القوات الإيرانية من سوريا كانت الزيارة لإيران.

محمد علوش: زيارة الرئيس الأسد، كانت مُفاجِئة بتقديرك.

أمين قمورية: مُفاجٍئة ولها معان سياسية كبيرة.

محمد علوش:  ما المعاني التي حملتها؟

أمين قمورية: بمعنى أنكم تريدونني أن أخرج إيران من سوريا، أنا أذهب إلى إيران وتحالفي مع إيران وثيق وإيران باقية حتى اللحظة الأخيرة ومن وقف معي خلال الحرب وخلال المحنة سيستمر معي إلى النهاية، وحاول البعض الايحاء أن هذه الزيارة هي رد على روسيا، أنا باعتقادي أنها كانت أيضاً بالتنسيق مع روسيا.

محمد علوش: بالفعل البعض قال إنها هي رسالة لروسيا التي الولايات المتحدة الأميركية تحاول أن تبني معها نوعاً من التفهامات على حساب إيران.

أمين قمورية: لا أعتقد أن الرئيس بشار الأسد في وضع الآن بشأنه اللعب على حبلين، الحبل الإيراني والحبل الروسي، هو بحاجة لهذين الحبلين معاً. فبالتالي أنا باعتقادي الرسالة لم تكن لروسيا بل كانت للأميركيين، كانت للمطبّعين العرب، كانت للعرب الذين يحاولون فرض هذه الشروط.

بهذا المعنى القرار السوري واضح جداً.

محمد علوش: هل نستطيع القول مع هذه الزيارة التي قام بها الرئيس الأسد إلى طهران انقطعت الجهود الأميركية أو الأمل الأميركي بإمكانية الفصل بين المسارين؟

أمين قمورية: أنا أعتقد أن الضغط الأميركي سيزداد، وبدأنا نرى ما سمعناه في اليومين الماضيين، الحديث عن الجولان، أنكم تريدون إبقاء القوات الإيرانية في سوريا، حسناً إسرائيل سيكون لها الجولان في مقابل ذلك، يعني كلام وزارة الخارجية، مجيء غراهام السيناتور الأميركي، الحديث الأميركي المتمادي في هذا الموضوع، كلها رسائل لدمشق أن الثمن سيكون غالياً في حال واصلتم علاقتكم مع إيران. لكن أعتقد أن أيضاً دمشق كان ردها واضح في هذا الموضوع، بأنها أرسلت قوات إلى الجنوب بهذا الشكل وبأنها مصرّة على تحالفاتها مع المقاومة، وبأن الخطر الرئيسي الذي تخشاه إسرائيل بالكامل هو محاولة فتح الجبهتين اللبنانية والسورية معاً، يعني بمعنى أن هناك إصراراً على وحدة المسار ووحدة الجبهتين، وأن هذا المسار سيظل مستمراً وأن الطريق عبر دمشق وبغداد ستظل مفتوحة رغم كل محاولات قطعها في التنف.

أعتقد أن الجانبين يحاولان قدر الإمكان الوصول كل منهما إلى مبتغاه، لذلك أقول أن العملية السياسية الآن معطّلة، احتمالات الحرب لاتزال قائمة.

محمد علوش: حرب ضد مَن تقصد؟ أية حرب؟

أمين قمورية: في الداخل السوري، لكن الحرب مع إسرائيل لديها حسابات أخرى ومعقّدة جداً، باستثناء بعض الغارات التي نراها في أكثر من مكان.

محمد علوش: يبدو أن الملفات تتداخل في ما بينها أستاذ عامر، خاصة في هذه الزيارة، لأنه بحسب ما تقول وكالة رويترز أن خلال زيارته إلى القدس سيلتقي وزير الخارجية الأميركي بقادة قبارصة ويونانيين للحديث حول أمن الطاقة في البحر المتوسّط. نحن نعلم طبعاً أن هناك خلافاً كبيراً جداً حول موضوع آبار النفط والغاز في المتوسّط تتداخل فيها مصر وتركيا وأيضاً القبارصة واليونان، إضافة إلى أنه حتى الحديث أن الولايات المتحدة الأميركية صراعها الأساسي مع روسيا هو حول الطاقة وإمدادات الطاقة في البحر المتوسّط. بتقديرك إلى أيّ حد هذا يلعب دوراً مع ما ذكرته صحيفة الأخبار اللبنانية وهو الضغط على شركات الإعمار، ألا تدخل سوريا طالما أنها لم تلتزم بخارطة الحل السياسي التي تطرحها الولايات المتحدة الأميركية عبر ما يعرف ببوابة حوارات جنيف؟

عامر سبايلة: بلا شك الولايات المتحدة تدرك اليوم أنها في الفصل الأخير من هذه الأزمة، وهذا الاهتمام اليوم هو في الاقتصاد، معالم الأزمة منذ البداية كانت تتمحور أيضاً حول حقول الغاز الموجودة في البحر الأبيض المتوسّط.

بالنسبة للمصريين، المصريون على أبواب، يعني في بداية 2020 وفقاً للتقديرات سيبدأ خروج الغاز المصري، الآن نتحدّث عن تبدّل، الولايات المتحدة تدخل إلى الملف القبرصي بقوّة في موضوع الغاز، يعني منذ أن قامت القوات التركية بحجز سفينة شركة إيني الإيطالية في شواطئ قبرص، دخلت الولايات المتحدة الآن "إكسون موبيل"، هي التي تطرح نفسها اليوم كالشركة التي ستقوم بالتنقيب، وبالتالي الولايات المتحدة اليوم تنتقل إلى الجانب الإجرائي، الإجراءات المتعلّقة بموضوع الغاز، يعني كأن كل طرف يبحث عن حصّته في هذا الغاز ليكون الطريق الذي يصل إلى أوروبا في النهاية.

من هذه الزاوية يتحوّل لبنان وسوريا اليوم إلى حجر أساسي في هذه المعادلة، يعني أنظر نحن نتحدّث عن حضور قبرص، حتى في شواطئ غزّة هناك ترتيبات قائمة الآن، ومن ثم مصر، وهذا الذي تشكل بين الحلف الذي تشكل..

محمد علوش: ويصل حتى لبنان هذا النزاع حول هذه الجغرافيا من آبار الغاز.

عامر سبايلة: هو سيصل حتماً إلى لبنان، لكن لبنان من المنظور الأميركي اليوم هو مرتبط في استراتيجية مواجهة إيران، لهذا عندما تتحدّث عن إخراج غاز، تتحدّث عن استثمارات كبرى، يعني تتحدّث عن خمسين عاماً قادم لهذه المنطقة في هذه المشاريع، وجود روسي وتثبيت الوجود الروسي، الرغبة الأميركية في الدخول والحفاظ على المصالح الأميركية، إذاً نتحدّث اليوم عن أن الملف اللبناني سيكون على الطاولة بلا شك بالنسبة للولايات المتحدة، الولايات المتحدة تريد أن تقول أني لا أقبل بوجود سلاح يمكن أن يهدّد مستقبلاً كل هذه الاستثمارات، لا بد من أن يرتّب هذا الملف اللبناني بعيداً عن النفوذ الإيراني. وبالتالي هذه الزيارة باعتقادي أنها زيارة تأتي في توقيت مهم بالنسبة للإدارة الأميركية، بأنها اليوم بدأت في إجراء الاحتواء الإيراني، لهذا جزء كبير منه هو موضوع الطاقة والمستقبل والثروات الموجودة في هذه المنطقة. من هنا بدأ الضغط على سوريا، لأن سوريا هي العامل الأساس في موضوع تسمية هذه المنطقة، إذاً هناك عصا وجزرة بالنسبة لسوريا، تمّ الانفتاح أو شبه الانفتاح والتلويح بعودتها إلى الجامعة العربية، السفارات، ومن ثم الضغط باتجاه الإغلاق بالتوازي مع الضغوط الإيرانية.

لهذا أعتقد في النهاية حتى التفكير البراغماتي لا بد إذا ما قرّرت الولايات المتحدة أنها فعلاً تريد أن تقدّم بديلاً لإيران إذا ما تحوّلت إيران فعلاً إلى عبء على سوريا مستقبلاً، يعني كل ما زادت الأزمة الاقتصادية يمكن أن تعبّر عنها بأزمة سياسية في داخل تركيبة النظام السياسي في إيران والخطر الأكبر هو الانتقال إلى الأزمة الأمنية في الداخل الإيراني. فبالتالي فكرة الاحتواء، احتواء النفوذ في المنطقة تبدأ بالنسبة للأميركيين عبر خلق مشاكل في الداخل، يعني لا يمكن احتواء نفوذ كبير في هذه المنطقة من دون أن يكون الإيرانيون مشغولين في مشاكلهم الداخلية سواء كانت اقتصادية، سياسية، أمنية. إذاً في هذه المرحلة تصبح سوريا مع الاختلاف طبعاً في المواقف بين الإيرانيين والروس، يعني الروس اليوم أيضاً جزء من منظومة الاستثمار، من منظومة البدء في استخراج الثروات والبدء في ترتيب ملفات هذه المنطقة خصوصاً أنه ليس لديهم تابوهات أيضاً في موضوع العلاقة مع إسرائيل كما لإيران. فانفتاح ملف التسوية في المنطقة بالنسبة للولايات المتحدة يمكن أن يجذب الروس ليلعب دوراً أكبر في موضوع التسوية الإقليمية.

دعنا ننظر أيضاً إلى دخول الروس على الملف الفلسطيني، حوارات موسكو التي جرت وهذا سيقود روسيا في النهاية إلى فكرة أن ترتيب البحر الأبيض المتوسّط أو هذه المناطق من أجل استخراج الثروات ومن أجل البدء في الاستثمار بحاجة إلى نوع من أنواع الاستقرار يتزامن مع أزمة إيرانية، وكما تعتقد الولايات المتحدة عزلة سوريا تدفعها باتجاه أولاً المحور العربي وباتجاه التوافق مع روسيا في هذه الجزئية.

محمد علوش: وهكذا تصبح الصورة متّضحة جداً حول آليات وكيفية الصراع وحدود هذا الصراع وأبعاده. طبعاً ورقة أخرى بيد الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها كما يقول البعض، النازحون السوريون في دول الجوار هي ورقة سياسية توظّفها الدول الغربية في مشروعها المعادي لسوري وفقاً لما تراه صحيفة البناء اللبنانية الصادرة لهذا اليوم. نشاهد معاً.

- البناء اللبنانية: "بروكسل" لتمديد الحرب على سوريا! وفيق إبراهيم

استطاع مؤتمر بروكسل للنازحين وبسرعة مدهشة لم تكن تحدث سابقاً تخصيص سبعة مليارات يورو للنازحين في لبنان والأردن وتركيا، لتغطية نفقاتهم لسنتين متتاليتين في 2019 و 2020 وبما يشمل النازحين في شرقي الفرات والشمال. دعم النازحين في أماكن نزوحهم خارج سوريا وتخصيص الجانب التركي بالحصّة الكبرى لسبب مركزي يرتبط بما أعلنه الرئيس التركي أردوغان بما يشبه التهديد أن بلاده تخشى نزوح السوريين من إدلب وعفرين في الشمال نحو أوروبا مثيراً الرعب في القارة العجوز. وتأتي أموال هذه المساعدات الأوروبية لدعم المشروع التركي باستغلال النازحين في بلاده ووضعهم في خدمة مطامعه العثمانية أو "الإخوانية" وتؤمّن صمودهم في لبنان بالتعاون مع التيارات الدينية والسياسية الموالية للسعودية وتحاول توفير بعض مستلزماتهم للبقاء في الأردن، على الرغم من أن وزير الخارجية الأردني قال في المؤتمر إن 95% من النازحين السوريين في مخيم الركبان قالوا لممثلي الأمم المتحدة إنهم يريدون العودة إلى ديارهم، فأبدى وزير خارجية تركيا دهشته رافعاً حاجبيه. هذا يؤكّد أن الغرب الأميركي والأوروبي والترك والخليج بالاستتباع يسعون إلى الإبقاء على النازحين في لبنان والأردن وتركيا. لذلك فإن "بروكسل" ليس إلا مشروعاً لاستمرار الحرب على سوريا وهو محاولة لتفتيتها بلبوس أعمال خيرية مشبوهة، فهل يؤدّي المؤتمر وظائفه؟ لن يكون أقسى من المرحلة الممتدة من 2011 حتى 2019 التي شهدت تواطؤ أكثر من ستين دولة مع مئات الآلاف من الإرهابيين لتدمير سوريا، فحاربتهم وهزمتهم.

محمد علوش: تتفق أستاذ أمين مع صحيفة البناء بأنه هي ورقة سياسية توظّفها الولايات المتحدة الأميركية لأبعاد لاإنسانية في التعاطي مع قضية إنسانية لبنان جزء أساسي في هذا الموضوع إضافة إلى أنه هي إعطاء لتركيا حصّة كبيرة جداً لإغرائها في ما يتعلق بترتيب هذا الموضوع؟

أمين قمورية: حتماً هذه المسألة غير خافية على أحد، يعني معروفة مسألة إعادة الإعمار، مسألة النازحين، إضافة إلى مسائل الوجود العسكري المستمر في الداخل السوري، كلها تصبّ في أماكن واحدة، هذه واحدة من أوراق الضغط الأساسية، إن لم يكن اليوم غداً في التسوية السياسية، كلنا نعرف ماذا يعني اللاجئين وخصوصاً إذا ما أقرّ دستور جديد لسوريا وانتخابات جديدة فبالتالي هذه ورقة قوة قد تستخدم في هذا الاتجاه أو ذاك.

طبعاً مؤتمر بروكسل يصبّ في هذا الاتجاه، بمعنى أننا ندعم اللاجئين في مكان لجوئهم أو نزوحهم للبقاء هناك وعدم العودة إلى سوريا حتى نفقد النظام ورقة أساسية بمعنى أن العودة هي شرعية له، هي مصدر قوّة له وانتصار له، فأن نمنعهم من ذلك حتى استخدامهم في وسائل أخرى. فبالتالي حتماً اللاإنسانية موجودة في التفكير، يعني مجرد أن يسبق السياسي الإنساني معنى ذلك أن تتاجر بالقضية.

محمد علوش: في لبنان نجد مَن هم على خصام مع سوريا إضافة إلى مَن هم حلفاء سوريا في لبنان، الجميع يريد عودة اللاجئين إلى سوريا، لكن كيف؟

أمين قمورية: لأن النازحين في لبنان واللاجئين في لبنان غير النازحين في تركيا، في تركيا أعتقد أن الظروف التي تحيط بهم والأوضاع الداخلية اللبنانية تحتّم نقاشاً سياسياً من نوع آخر غير النقاش السياسي الموجود ربما في تركيا، في تركيا ربما بعض اللاجئين هناك، حتى خياراتهم القسم الأكبر منهم أن يبقوا هناك، وتركيا أحسنت الاستثمار، عذراً على كلمة أحسنت، استغلّت هذا الوضع للاستثمار مادياً ومواجهة أوروبا بأكثر من ملف سياسي.

لكن في النهاية أعتقد أن هذه الأزمة ستظل مطروحة لكن اللعب في هذا الموضوع أشبه باللعب بالنار، اللاجئون في العالم ليست قضية بسيطة، نحن نتحدّث عن أكثر من 8 ملايين لاجئ، هؤلاء يمكن أن يكونوا صاعق تفجير كبيراً ليس فقط لسوريا نفسها أو في الأماكن الموجودين فيها، لكن إذا استمر اللعب فيهم في هذا الإطار أنا باعتقادي سنكون بعد فترة من الفترات أمام معضلة دولية ضخمة سيتحمّل مسؤوليتها المجتمع الدولي برمّته، أوروبا وغير أوروبا.

محمد علوش: أستاذ عامر قبل قليل خلال حديثه تناول وجود لبنان على خارطة أولويات الولايات المتحدة الأميركية أن لبنان يحتل مرتبة متقدّمة كأولوية ولبنان يحتضن نسبة عالية جداً يكاد يكون رقم إثنين في استقبال اللاجئين السوريين، بتقديرك كيف؟ كيف ذلك؟ يعني ما الذي يحمل لبنان أن يحتل مرتبة متقدّمة في أولويات الولايات المتحدة الأميركية في تطبيق هذه السياسات؟

أمين قمورية: لبنان مستهدف ليس فقط بموضوع اللاجئين، يعني هي إحدى الأوراق المستخدمة، هناك أوراق أخرى، ورقة الضغط السياسي كبيرة، ورقة الضغط المالي كبيرة، ورقة الضغط المعنوية كبيرة، هناك حرب تشويه للسمعة لحزب الله والقوى اللبنانية التي تخالف الرأي، هناك أيضاً محاولة لإحداث فتنة داخلية لبنانية - لبنانية نراها عبر وجوه مختلفة.

محمد علوش: عفواً أستاذ أمين، ما نشهده من تصريحات سياسية لمسؤولين في فريقين مختلفين، يعني دعوة إلى الهدوء، دعوة إلى الحوار، دعوة إلى بناء الدولة، دعوة إلى مكافحة الفساد بالشراكة.

أمين قمورية: لأن التوازن الداخلي لا يسمح لأي فريق بالانقلاب على وقائع معينة فرضتها الانتخابات وتفرضها حقائق السياسة اللبنانية اليوم. كلنا نعلم تماماً أنه حتى مَن يتّخذ موقفاً سياسياً مغايراً لحزب الله من تحت الطاولة يتحدّث مع حزب الله، بداية من القوات اللبنانية وانتهاءً بتيار المستقبل، كلنا نعلم أن لبنانياً وداخلياً الأمور يمكن أن تتدارك. لكن هناك سقوف إقليمية وهناك محاولة للعب بالنار، يعني الولايات المتحدة لم تتوقف حتى هذه الساعة في محاولة لجعل من الجيش اللبناني شيئاً آخر مختلفاً عن المقاومة اللبنانية، هذا من ناحية. من ناحية أخرى مثلاً، حتى ما يجري في اليونيفيل، سعت كثيراً لتحويل القوات الدولية - طبعاً فشلت - بتحويل القوات الدولية إلى قوة ردعية تصطدم مع الداخل اللبناني. تحاول أيضاً إحداث شرخ لبناني داخلي بالمعنى إعادة الانقسام إلى ما كان عليه الوضع في السابق.

والأهم اليوم في ما يتعلق بالغاز، هي ليست مسألة البلوك التاسع فقط وكمية غاز تريد أن تعطيها لإسرائيل بقدر ما هو للإيحاء بأن حزب الله هو الذي يعرقل، لكن في الحقيقة أن مَن يرفض التنازل عن الحصة اللبنانية في هذا الموضوع هي الدولة اللبنانية ككل.

محمد علوش: وهذا يؤكّد مجدّداً على تشابك الملفات وتداخلها بشكل يوحّدها جميعاً. عودة إليك بسؤال أخير أستاذ عامر لأسأل، بتقديرك في حال فشلت الولايات المتحدة الأميركية في استثمار هذه الورقة الأخيرة سواءً كانت ورقة اللاجئين أو الفصل بين المسارات السورية والإيرانية، ما الذي يمكن أن تقدم عليه الولايات المتحدة الأميركية مع حلفائها في المنطقة؟

عامر سبايلة: الخيارات الآن محدودة، عندما قرّرت الولايات المتحدة عدم خوض حرب مباشرة والانتقال إلى الجانب الدبلوماسي في إدارة أوباما في موضوع تسليم الكيماوي والانتقال إلى فكرة البحث في الحل السياسي لم تبقَ هناك خيارات كبيرة، لكن أخشى ما أخشاه أن هذه الوصفة التي نتحدّث عنها هي وصفة فوضى، يعني أنت تحاول اليوم أن تخلق أوضاعاً سواء اقتصادية أو أمنية أو سياسية مضطربة لا يمكن السيطرة عليها لاحقاً لأنه من السهل جداً أن تخلق فوضى لكن من الصعب جداً أن تحتوي هذه الفوضى لاحقاً، لهذا باعتقادي أن الولايات المتحدة اليوم تراهن على فكرة قدرتها على إخراج إيران وعلى ضرب حلفاء إيران، لكن إذا لم تستطع لأننا لا نتحدّث اليوم عن إيران 2003، هذه إيران اليوم أقوى بكثير تفهم المنطقة أكثر، لديها حلفاء، استطاعت أن تخوض تجارب كبيرة، معتادة على فكرة الضغوط وأن تتعرّض إلى مثل هذه الضغوط لهذا تتعامل مع منظومة ليس من السهل اليوم باعتقادي أن تهزمها بهذه السهولة ولديها رؤية أيضاً ولديها تحالفات تستطيع أن تجد لنفسها دائماً مخرجاً عبر تحالفات حقيقة.

الولايات المتحدة اليوم وحلفاؤها يمكن أن تنتقل الأزمة فعلياً إلى الحلفاء، يعني الولايات المتحدة يمكن في هذه السياسة أن تراهن على قدرتها بلا شك لكنها يمكن أن تتفاجأ فعلياً بأن الأمور حتى لدى حلفائها يمكن أن تخرج عن النص الذي تعتقده، يعني الأزمة يمكن أن تنتقل إلى حلفاء الولايات المتحدة وليس بالضرورة فقط على أعداء الولايات المتحدة التي تضع عليهم الضغوط، أنت تمنع عودة اللاجئين لكن هؤلاء اللاجئين يسببون مشاكل حقيقية في الدول التي تعتقد أنها حليفة، هناك مشاكل اقتصادية عميقة يمكن أن تفاجئ الجميع بانفجارها في كثير من الدول. أنظمة سياسية حليفة للولايات المتحدة لم تعد تفهم ولم تعد تستطيع أن تقدّم شيئاً يغري هذه الإدارة باستمرارها فبالتالي رقعة الأزمة يمكن أن تتّسع ويمكن أن نتفاجأ بظهور هذه الأزمات في أماكن لم تكن في الحسبان وبالتالي تتغير معادلة وطبيعة تعاطي الولايات المتحدة مع ملف المنطقة.

محمد علوش:  وربما هذا ما أشار إليه وزير الخارجية الأميركي حين قال إن تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي أمامه تحد كبير وهو الخوف من أن ترتّد هذه العُقد في الأزمات المتتالية للولايات المتحدة الأميركية على حلفائها أو على الحلف الذي تسعى إليه في المنطقة.

كل الشكر والتقدير لك من عمان عامر سبايلة الكاتب والباحث السياسي، ونشكر معنا في الاستديو الصحافي والكاتب السياسي أمين قمورية، شكراً جزيلاً لك. كما نشكركم مشاهدينا لحُسن المتابعة وإلى اللقاء.