لعبة الأمم

برنامج حواري أسبوعي يرصد القضايا والملفات السياسية الساخنة أو الباردة الإقليمية والدولية من منظار جيو - سياسي. يقارب ما تفرضه الجغرافيا بكل عناصرها من متغيرات في تحديد السياسات العامة للدول وبالتالي في رسم الاستراتيجيات السياسية والامنية والعسكرية.

هل فشلت الأحزاب العربية في نصرة شعوبها؟

هل لا تزال الأحزاب العربية قادرة على تقديم مشاريع نهضوية لمجتمعاتنا؟ أي دور لها في ظل أولوية الجيوش في تغيير الأنظمة وحسم مطالب الحراك الشعبيّ؟ أين الأحزاب العربية في مشروع مواجهة صفقة القرن؟

 

مقـدّمـة

سامي كليب: أهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج "لعبة الأمم" عبر قناة "الميادين". أعاد الحراك الشعبي في (الجزائِر) و(السودان) فكرة ما وُصِفَ بـ "الربيع العربي" إلى الأذهان. قال البعض أنّ ما يحصل هو ربيع حقيقي بعدما قتلت التدخّلات الخارجية الربيع الأول بالفِتَن. قال آخرون إنّ الجيش كان وسيبقى صاحب الكلمة الفصل فماذا عن الأحزاب التقليدية والمُعارضات العربية؟ أين هي فعلاً اليوم مما جرى ويجري؟ تارةً نقرأ فعل ندامة عند بعض المُعارضين الذين حلموا بالتغيير فأخذتهم رياح التدخلات إلى حيث فقدوا تأثيرهم ودورهم، وتارةً أُخرى نرى مُحاولات عند بعض الأحزاب اليسارية أو القومية التاريخية لتجديد نفسها بعد الدمار العربي ثمّ نكتشف أنّ ثمة جيلاً جديداً صار على الأرجح نابذاً لكلّ ما هو تقليدي من سُلطةٍ ومُعارضة ويبحث عن شيء جديد لم يتوفّر على الأرجح بعد. هلّ نحن أمام وقائِع ثورة لم تكتمل كما يقول الدكتور "برهان غليون" في كتابه الجديد حول تجربة المُعارضة السورية أم أنّ ما حصل في (الجزائِر) و(السودان) يؤكِّد أنّ أيّ تغيير في دولنا العربية سينكسر أمام شراسة القوى الخارجية التي تبحث عن النفوذ وتتلاعب بمشروعيّة وصدق المُطالبات الشعبية كما يقول المُعارِض "سمير عيطة"، وأنّ الأحزاب بالتالي هي مُجرّد شعارات خاوية. أين هو اليسار العربي اليوم الذي رمى على شعوبنا أحلاماً ورديّة منذ سبعينات القرن الماضي؟ أين هم القوميون؟ أين العروبيون الذين كادوا يفقدون كلّ شيء أمام الإسلام السياسي. هلّ ثمّة مشروع نهضوي إصلاحي تنموي واحِد فعلاً لدى المُعارضات أو الأحزاب العربية يُمكن أن يُغريَ جيلاً جديداً؟ وإذا كان نعم، فلماذا يفشلون في الانتخابات أو ينضوون تحت كنَف سلطاتٍ وتيّاراتٍ حاربوها سابقاً؟ هلّ ثمّة أمل عند أيّ حزب أو مُعارضة في الوطن العربي لتقديم بديلٍ مُقنِع عمّا هو قائِم؟ أم أنّ هذه الأُمّة مكتوبٌ عليها أن تبقى بيدقاً في "لعبة الأُمم"؟ عن الأحزاب والمُعارضة العربية حلقتنا اليوم في "لعبة الأُمم" يُسعدني أن أستضيف فيها كلّا من السيّدة "داليدا مولى" وهي عميدة الإذاعة في الحزب السوري القومي الاجتماعي، للمرة الأولى تُشارك معنا في هذا البرنامج، أهلاً وسهلاً بكِ. أيضاً للمرة الأولى الدكتور "حسن خليل" وهو عضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي اللبناني، أهلاً وسهلاً بك دكتور. ومعنا من (الدانمارك) الدكتورة "منى غانم" وهي عضو في الكُتلة الوطنية السورية، ستكون معنا من هناك، كنّا نتمنّى أن تكوني معنا في الاستديو ولكن لا بأس، على الأقلّ سنسمع صوتكِ ولو من بعيد. أهلاً بكم جميعاً إلى هذه الحلقة من "لعبة الأُمم"

المحور الأول

سامي كليب: أهلاً وسهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين وأهلاً بضيوفي الكرام، سنبدأ بطبيعة الحال مع النساء، مع العميدة الضيفة الأولى معنا للمرة الأولى في هذا البرنامج السيّدة "داليدا"، هلّ حزبكم صار تقليدياً؟ هلّ لا يزال صالِحاً "الحزب السوري القومي الاجتماعي"؟

داليدا مولى: الآن سأبدأ من Intro وليس من السؤال. بدايةً، التصنيفات كلها مجموعة معاً رغم أنّ فيها عدّة مدارِس فكريّة، يعني المُعارضات رغم وجود تقدير لبعض المُعارضات إنّما لم ترتقِ لتصير أحزاباً لغاية الآن

سامي كليب: في رأيكِ!

داليدا مولى: أغلب المُعارضات

سامي كليب: في نظرِك!

داليدا مولى: لأنّ الأحزاب لها أُطرها. يعني، يجب أن يكون لديها أفكار واضحة، مدارِس فكريّة واضحة، وإلّا تكون أحزاباً فقط تريد أن تصل إلى السُلطة

سامي كليب: تتحدّثين عن المُعارضات الحالية أو المعارضات التقليدية للأحزاب التاريخية؟

داليدا مولى: طبيعي، المعارضات التقليدية والتاريخية كلّ واحد منها صار في مكان آخر لبعض الناس وهناك آخرون خلص سقطت أفكارهم لأنّ الوصول إلى السُلطة له مدى، أمّا النهوض والتغيير فهو الأساس. نحن إمّا يحب أن ننهض بالمُجتمع أو نريد أن نصِل إلى السُلطة، فماذا نُريد؟

سامي كليب: ممكن الإثنان أيضاً، ننهض بالمُجتمع ونصل إلى السُلطة 

داليدا مولى: لكن النهوض بالمُجتمع يُنتِج نُظماً للحُكم أفضل من أن تصل إلى السُلطة وتترك كلّ شيء كما هو ولا تكون فعلت شيئاً

سامي كليب: إذاً، نفهم كمُلاحظة أولى أنّ حضرتكِ تُفرّقين بين أحزاب راسِخة عندها مشروع، عندها فِكر، عندها تطوُّر مُجتمعي إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه وبين أحزاب تعتبرينها ربّما طارِئة أو لم تكتمل مشروعيّتها لتُسمّى حزباً

داليدا مولى: رؤيتها لنقول للمُجتمع وللهوية وللمنظومة التي على أساسها تقوم الدولة

سامي كليب: عندكِ مثال عن حزب لا يصلُح أن يكون حزباً

داليدا مولى: دعني لا أدخُل في الأمثلة، دعني أتحدّث عن السؤال وأبدأ أيضاً، بعد أن مررنا

سامي كليب: على كلّ حال الحزب القومي أجرأ من ألّا يُسمّي

داليدا مولى: لا أُريد أن أُسمّي الآن، لربما لاحقاً نُسمّي؟

سامي كليب: أوكي

داليدا مولى: بالنسبة للحزب القومي السوري الاجتماعي بطبيعة الحال هو يختلِف عن أيّ حزب موجود سواء في منظومته الفِكريّة أو في المدرسة التي انبثق عنها. الحزب السوري القومي الاجتماعي ليس حزباً تقليدياً بالمعنى العادي، يعني ليس حزباً إقطاعياً ولا طائِفياً ولا حتّى نشأ لكي يكون مرحلياً أو أن يُقارِع حدثاً مرحلياً وبعده ينتهي، ليس هذا دور الحزب ولا هكذا طبيعته. الحزب السوري القومي الاجتماعي نشأ من مدرسة، من بنية فكرية، من مدرسة في علم الاجتماع هي القوميّة الاجتماعيّة. هناك تعريف واضح للهوية، للقومية، للدولة، للمُجتمع وبالتالي المفاهيم الأساسية لبناء الدولة موجودة في "الحزب السوري القومي الاجتماعي"

سامي كليب: هلّ يُعقَل سيّدة "داليدا" أنّ هذا الحزب منذ خمسينات القرن الماضي لم يُجدّد فكرةً من أفكارِه ولم ينتقد فكرةً من أفكار المؤسِّس الزعيم "سعاده"؟ يعني لا زلنا وكأنّ كلامه مُقدّس لا يُمكن أن يتغيّر

داليدا مولى: دعني أُفرِّق بين مستويين من الأفكار، هناك الأفكار التي هي أساسية ومنطلقات فكريّة للحزب وفي النهاية أيّة حركة نهضوية عندها مُنطلقات فكريّة تكون هي مبادِئها. نحن ندعو إلى مشروع إصلاحي كبير وهو فصل الدين عن الدولة ومنع رجال الدين من التدخُّل في شؤون الدولة والقضاء والسياسة، إزالة العوائِق بين مُختلف الطوائِف والمذاهب في المُجتمع، بناء جيش قوي وبناء اقتصاد يقوم على تقسيم الإنتاج على أساس العمل. هذا كلّه نحن في حاجة إليه، هذه المبادئ الإصلاحية مبنية أيضاً لتُحقِّق مبادئ أساسية لا يوجد الآن نقد لها. أنا لا أُريد جيشاً قوياً؟ على العكس، لا أريد جيشاً قوياً فقط بل ربما أريد جيشاً يُقارِع الاحتلال ويكون أقوى من أي جيش موجود في العالم. لا أريد اقتصاداً قوياً قادراً على المواجهة؟ نرى ماذا يحدُث الان في الحصارات الاقتصادية. آفاتنا التي تأتي جراء التقسيم المذهبي والطائِفي والإقطاعي وإلى آخره في بلادنا، أليس هذا ما لا نُريده؟ نحن ندعو لمجتمعٍ واحد بناءً على المشروع الإصلاحي

سامي كليب: حسناً، حضرتكِ لا شكّ ذكيّة في الإجابات لكن سأعود إليكِ في بعض التفصيل حول مسألة أساسية ولماذا لم تتطوّر؟ مثلاً مسألة علاقة الحزب بالعروبة لكن بعد قليل. دعينا نمُرّ على ضيوفنا الآخرين لو سمحتِ لي. دكتور "حسن"، حضرتك عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي. الحزب الشيوعي اللبناني رأينا في الآونة الأخيرة عاد وتحرّك في الشارِع ولكن ثمة سؤال، لماذا فشل الحزب؟ لماذا تفكّك بعد تفكُّك الاتحاد السوفياتي؟ لماذا تراجع؟ لماذا تقهقر؟ حتّى ما عاد قادراً لأن يأتي بنائب واحد إلى البرلمان رغم أنه كان أحيا آمال عِراض في التاريخ

حسن خليل: بدايةً، عندما نريد أن نحكي عن طبيعة أيّ حزب سياسي، في المنهج لا يوجد أحزاب خُلِقت للمُعارضة وأحزاب للسُلطة

سامي كليب: تماماً

حسن خليل: وأيّ حزب سياسي يطرح من خلال مشروعه السياسي ما يطرحه هو حزب يطمح إلى استلام السُلطة سواء في الأُطر الديمقراطية عبر صناديق الاقتراع أو حتّى أحياناً هناك بعض القوى تطرح أُطر أُخرى مثل كفاح مُسلّح أو ثورة شعبية إلى آخره. هذه هي المنظومة الفِكرية التي على أساسها نحن كنّا نُقارِب القضايا الموجودة في منطقتنا، نعم، كنّا نحن جزء، هذا الحزب الشيوعي في (لبنان) كان جزءً من حركة شيوعية عالميّة، ربما لم يكن هناك ما يُسمّونه الارتباط العُضوي ولكن الفِكري، فهو نفس الفِكر، ولكن كلّ بلد عنده خاصيّته، وعندما صار انهيار الاتحاد السوفياتي هذه المنظومة تعرّضت لضربة كبيرة سيكون لها حُكماً تداعيات. نحن في الحزب الشيوعي في (لبنان)، حتّى عندما كنّا حزباً كبيراً عنده إمكانيات شعبية هائِلة وإمكانيات مادية يستطيع من خلالها أن يُمارِس نشاطه نحن أيضاً لم نتمكّن من أن ننجح ونصل إلى الندوة البرلمانية من خلال أُطر الديمقراطية لأنّ طبيعة النُظم الانتخابية التي كانت تُعتَمد في هذا البلد وطبيعة النظام السياسي الطائِفي الموزَّع بين كيانات مذهبيّة وطائِفية كانت تمنع حزباً علمانياً لا طائفياً من خلال برنامجه، من خلال انتخابات ديمقراطية، من الوصول إلى الندوة البرلمانية. ثانياً، هذا الحزب، بالإضافة إلى طبيعة هذا النظام السياسي وطبيعة النظام الانتخابي أيضاً نحن لم نستطع بكلّ صراحة من تكوين، نحن وبعض الأحزاب التي تشبهنا من رفاق في الحزب القومي وغيرهم، أو تأليف كتلة سياسية تستطيع أن تُعدِّل ميزان قوى داخليّة تفرض نمطاً من القوانين الانتخابية التي تسمح لنا أن ندخل في هذا الموضوع

سامي كليب: كلّ هذا ممتاز دكتور "حسن" ولكن الإنسان يسأل اليوم، في لبنان أو في الدول العربية الأُخرى حيثُ كانت الأحزاب الشيوعية تُنزِل إلى الشوارِع بالملايين عملياً في تظاهُرات كبيرة. حين هاجمت الثروة مثلاً في (لبنان) أو غيره رأينا بعض المسؤولين في الحزب الشيوعي راحوا في اتجاه الثروة ونسوا الثورة عملياُ، صرنا نرى بعض المسؤولين صاروا في (أميركا) هم وأولادهم وتخلّوا عن كلّ الفِكرة الاشتراكية، صرنا نرى نقداً أيضاً من قِبَل قيادات في "الحزب الشيوعي". مثلاً من يقرأ "كريم مروّة" اليوم، وهو كان من القيادات الكبيرة، يجد نقداً للتجربة. الحزب قدّم عشرات الشهداء في القتال ضدّ (إسرائيل)، كان في طليعة المُقاومة في (لبنان). اليوم، هلّ لا تزال أفكاره صالِحة لنهضة مُجتمع عملياً؟ يعني ألم يحن الوقت ليتغيّر؟ فكرة الشيوعية في شكلٍ عام أن تتغيّر؟ 

حسن خليل: على العكس إذا أردنا أن نحكي، طالما هناك ظلم في هذا العالم وطالما هناك رأسماليّة متوحشة ومتغوِّلة في هذا العالم هناك ضرورة دائِماً لفِكر شيوعي ثوري تغييري، هذا في العام. في الخاص أيضاً، نعم، نحن حزب أطلق دينامية داخل الحزب بمزيد من الديمقراطية حتى أننا فتحنا النقاش في عدة مناسبات، حتّى النقاش الفِكري من منطلقاته التي على أساسها تقوم فكرتنا الماركسيّة التغييرية في هذا العالم. فكر التغيير هو فكر دائِماً من اللازم أن يكون عرضة للتحليل، عرضة للتقييم، عرضة للقياس على قضايا معيّنة في هذا البلد، نحن نعم فتحنا هذا المجال، نعم كان هناك رفاق كانت عندهم وجهة نظر مُختلفة، هناك رفاق ربما نعم، ذهبوا في اتجاهات أُخرى وجدوا فيها مصالِحهم، ولكن هذا لا يعني أنّ هذا الفِكر هو الذي ذهب. هناك أشخاص ذهبوا وهذا شأنهم، نحن فتحنا في هذا الحزب مجالاً واسعاً من الديمقراطية في التعبير عن الرأي حتّى في القضايا السياسية وفتحنا المجال أمام كلّ الناس بحيث كلّ منهم حينها يمكنه أن يجد خياره ويمشي فيه، هذا أعتقد لا يُعيبنا كحزب، ولكن للسؤال الأساسي في هذا المجال نحن نقول: هذا الحزب طالما يحمل مشروعاً تغييرياً في أيّ بلدٍ، طالما يحمل مشروعاً تجديدياً وطالما يحمل قضايا وهموم فئة معيّنة من هذا الشعب وتحديداً الطبقات الفقيرة، الطبقات الكادِحة، الطبقات العمّالية، هذا الحزب سيبقى ضرورة ليس فقط في (لبنان) وإنّما في كلّ دول العالم وحتّى في أعتى الرأسماليات الغربية لأنّ هذا التوحُّش الامبريالي الرأسمالي اليوم الفالِت من كلّ الأخلاق، من كلّ النُظم، من كلّ القِيَم، هناك ضرورة لمواجهته وعلى هذا الأساس نحن نعيد هنا تكوين، قدر استطاعتنا، حالة اعتراض دولية وعربية ومحلّية على هذا السائِد الذي ساد منذ فترة الانهيارات وحتّى اليوم، هذه الأحاديّة القُطبية، هذه الأحاديّة في التفكير، الأحاديّة في النُظم السياسية، الأحاديّة في الاقتصاد، هذه السياسة الفالتة، الامبريالية الفالتة من كلّ الضوابط، هذه من اللازم أن نواجهها. نحن نقول كيَسار لبناني عربي ودولي، نحن معنيّون بهذه المواجهة وليس فقط لوحدنا، لذلك نحن نُحاول الآن أن نُطوِّر فكرة إعادة إطلاق مُقاومة عربيّة شاملة، مُقاومة في شكلٍ عام، لمواجهة هذه الإمبريالية

سامي كليب: حسناً. سيّدة "داليدا" الآن قال الدكتور "حسن" كلاماً أجد فيه حيوية مُجتمعية جيّدة واستنهاض للهِمم، ولكن أيضاً كأننا كنّا نسمعه منذ الستينات والسبعينات، أيضاً نفس الكلام، من رأسمالية، امبريالية وما إلى ذلك واليوم لو خيّرنا شاباً عربياً، هلّ تُفضِّل الرأسمالية المتوحشة أو الإمبريالية أم الشيوعية؟ ربما سيقول: خذوني إلى (أميركا) لأدرُس وأتعلّم ويصير عندي ثروة. هلّ هذا الاتجاه عند الشباب العربي اليوم الذي نُلاحظه عبر وسائِل التواصل الاجتماعي، هو بسبب فشل تجربة الأحزاب في دولنا العربية؟ يعني هلّ حققت الأحزاب شيئاً فعلاً؟                           

داليدا مولى: علينا أن نبحث في تجربة الدول العربية ودولة (سوريا) تحديداً. هلّ الدول العربية تجربتها بُنِيَت على أساس فهمٍ واضح للبُنية الاجتماعية وجاءت هذه النُظم؟ أو الحُكم جاء نتيجة فهم واضح للبُنية الاجتماعية وانبثق في طريقة طبيعية؟ هلّ الكيانات الموجودة أو الدول الموجودة في (سوريا)، نتحدث عن (سوريا) الطبيعية، (الشام) (العراق) (لبنان) (الأُردن) (فلسطين) (الكويت)، هل جاءت في طُرق طبيعية أم استندت على "سايكس بيكو" و"وعد بلفور"؟ دعنا نكون أيضاً منصفين في حقّ أنفسنا. في المبدأ، دولنا لم يكن عندها التجربة العاديّة لنشوء الدولة. لم تستطع هذه الدول أن يكون عندها هوية ثابتة تعتمِد عليها، في أغلبها أكيد وليست كلها وأنا لا أعُمم للكلّ، ولم تأتِ نتيجة فهم واضح. يعني الآن فلنسأل أي أحد، من أنت؟ يضيع! لماذا؟

سامي كليب: دعينا نأخذ أمثلة "داليدا" لو سمحتِ. مثلاً أنا لو آخُذ مثالين، وأنا أسف لمقاطعتكِ، مثال (دُبيّ)، فيها رفاهية للناس والشاب يعيش فيها أفضل بمئة مرة من دول فيها أحزاب وفيها برلمان وفيها حرية وفيها ديمقراطية وما تريدينه. الحريّة الموجودة عندهم على مُستوى الحياة اليومية أفضل من أيّة دولة أُخرى فيها الكثير من الأحزاب، وأفضل من داخل الأحزاب. الآن، الشاب العربي سنقول له: هلّ تذهب في اتجاه حزب أو تذهب للعمل في (دُبيّ)، يقول لك سأذهب إلى (دُبيّ). أليس هذا فشل مشروع حزبي عندنا في الدول العربية؟

داليدا مولى: أنت توازي بين الدولة وبين الحزب

سامي كليب: أجل، لا بأس

داليدا مولى: لا، لا يُمكنك أن توازي الدولة بالحزب، للدولة أُطر وللحزب أُطر أُخرى. يعني الدولة عندها كلّ الإمكانيات في أن تقوم بما تقوله حضرتك، تستطيع أن تؤمّن رفاهية للشعب، تستطيع أن تكون أفضل في الخدمات، تستطيع أن تُقدِّم تقديمات وفُرَص عمل، مثلما يحدُث الآن عندنا، همرجة الفساد

سامي كليب: الدولة لم يكن فيها أحزاب في (دبي)، لذلك أنا أطرح المثال

داليدا مولى: (دبي) موضوع آخر، (دبي) صناعية، دولة صناعية إذا أردنا أن نقول، ونتحدث نحن عن إمارة أيضاً وليس عن دولة. إذا ذهبت إلى (أبو ظبي) تجدها مختلفة، وتذهب إلى (الشارقة) تجدها مختلفة، صحيح؟ يعني كلّ مكان له خصوصيته أيضاً. هذا تمّ بعد مشروع (بيروت) وحين لم ينجح مشروع الـ Down Town ذهبوا إلى (دبي)، دعنا أيضاً نشرح الأمور قليلاً

سامي كليب: جيدّ، عندهم رفاهية لشعبهم. في النهاية الأحزاب هدفها رفاهية الناس عملياً ورفع الظلم

داليدا مولى: الدول مُختلفة عن الأحزاب بطبيعة الحال. في ما خصّ الدول، نعم دولنا ينقصها الكثير لأنّها في النهاية لم تنشأ في شكلٍ طبيعي وأنا كنت أقول، لم تنشأ. طبيعة الدول عندنا ليست متوافق عليها، هناك إشكاليات دائِماً، وطبيعي أنه تمّ تعزيز الجماعات في هذه الدول ودائِماً ستحدث أزمات ودائِماً ستحدث مشاكل والأحزاب تتعاطى مع هذه الأزمات وهذه المشاكل

سامي كليب: لكن هلّ نجحت الأحزاب في شيء؟ أعطني مثالاً عن نجاح الأحزاب

داليدا مولى: الحزب السوري القومي الاجتماعي

سامي كليب: مثلاً، نعم

داليدا مولى: الحزب السوري القومي الاجتماعي غايته واضحة، أنه يريد أن يُحدِث فعلاً نهضوياً ويبعث النهضة وعنده وِحدة (سوريا) ويسعى لهذه الغاية. يريد أن يؤسس جبهة عربية ويريد أن يكون الجيش قوياً، يعني في غاية الحزب هنالك أمور واضحة

سامي كليب: ننتظر مئتي سنة، ثلاثمئة سنة؟

داليدا مولى: كلا، لكن الآليات التي يُشتَغل بها في الأحزاب مُختلفة عن آليات الدول. يعني، الحزب السوري القومي الاجتماعي يشتغل على مُستويين وليس على مُستوى واحد. هناك العمل السياسي الكبير، ونحن اشتغلنا كثيراً في العمل السياسي تحت مظلّة الغاية، يعني مجلِس تعاون مشرقي دعينا إليه ولاحقاً ذهبنا إلى جبهة

سامي كليب: دعينا، دعينا، هلّ حققتُم شيئاً؟

داليدا مولى: قدّمنا مُذكرات لرؤساء جمهوريات، ذهبنا إلى الدكتور "بشار الأسد" رجعنا إلى (لبنان) وذهبنا لعند "المالكي" حينها، فصار هناك أمور على الأرض عملياً

سامي كليب: يعني مثلاً؟

داليدا مولى: مثلاً، في الكيانات لنقول، ونتحدث عن (لبنان). ذهبنا في اتجاه وأخذنا الخيار الصعب وذهبنا في اتجاه تقديم قانون أحوال شخصية مدني، قانون انتخابات على أساس نسبية و(لبنان) دائِرة واحدة خارِج القيد الطائِفي، ذهبنا في هذا الاتجاه. في (الشام) الآن يتم درس ما يُمكن أن يُقدَّم في الدستور خارج إذا أردنا أن نقول الطائِفية وأن يكون دستوراً مدنياً بشكلٍ كامل. لكن نعم، هناك معوقات كبيرة جداً في مُجتمعاتنا أيضاً نريد أن نعتني بها

سامي كليب: دعيني أذكُر أيضاً، لا بأس لكي نُنصِفكم قليلاً

داليدا مولى: لا تخاف، نحن لا نحس أننا لسنا منصفين

سامي كليب: أنّ الحزب القومي، الزعيم المؤسّس "سعاده" كان طليعياً في الإشارة إلى مسألتين أعزّائي المُشاهدين مسألة (فلسطين) وتطوُّر الصراع في (فلسطين) وهو ما نشهده اليوم، ومسألة أنه يجب أن نُفرِّق بين العروبة وبين العرب وبين أن هناك عرباً عن جد مع العروبة وهناك عرب ضدّ، وأيّ عروبة يُريد. هذا ربما سنناقشه بعد قليل ولكن آسف دكتورة "منى" أنا أردت أن أتصل بك قبل قليل ولكن كان هناك مُشكلة في الاتصال. دعيني أسألكِ ولو قبل الموجز سؤالاً سريعاً. هلّ تعتبرين أن ما حصل في (سوريا) أيضاً هو فشل للأحزاب السورية عملياً، التقليدية أو الجديدة في إحداث تغيير مُعيّن؟

منى غانم: لا توجد في (سوريا) أحزاب، حتّى "حزب البعث" تمّ تفريغه من مُحتواه وأصبحَ مُجرّد هيكل. في (سوريا) لا توجد حريّات سياسيّة في المُطلق، لذلك لا نستطيع أن نتحدّث عن أحزاب مُعارضة أو أحزاب موالية، يوجد بعض الحركات التي تُسمّي نفسها أحزاباً لكن في معنى الحزب القوي، الحزب الذي يستطيع أن يتحرّك ويؤسّس لقاعِدته الشعبية. لا يُمكن وجود هذا الشيء في (سوريا) ما لم يحدُث هناك تغيير حقيقي في البُنية السياسية للدولة وفتح مجالات الحريّات السياسية ليكون هناك قُدرة على تأسيس وتشكيل أحزاب وتعبِئة جماهير وغيرها. لذلك لا أستطيع أن أقول هناك فشل لأحزاب المُعارضة أو للأحزاب الموجودة، يعني حتّى نحن إذا قمنا في (سوريا) بتقييم دور "حزب البعث" نجد أنّ حتّى هذا الحزب الذي بدأ بشكلٍ قوي وتمكّن من السُلطة لعقود هو اليوم مُجرّد هيكل يتمّ تمرير باسمه في بعض الأحيان عنما تتم الحاجة إليه، تمرير بعض القضايا التي تهُم الطبقة الحاكمة في (سوريا)

سامي كليب: دكتورة "منى" في الحديث عن حزب "البعث"، طبعاً ليس معنا أحد منه لكي يُجيب، ولكن ثمّة من يقول: لولا وجود حزب "البعث" وانتشاره في العديد من المناطق لربّما تفككت الدولة بشكلٍ أسرع. هو قام بأدوار كثيرة ربما واضحة وغير واضحة في خلال الحرب

منى غانم: في (سوريا) يوجد شيء خاص. في (سوريا) تتماهى الدولة مع الحزب مع النظام الحاكم، حتّى أحياناً تصل إلى التماهي مع القصر الجمهوري. هذا شيء تمّ تأسيسه في (سوريا)، لذلك أنا في مُقابلة سابقة معك أُستاذ "سامي" تحدّثت عن هذا الموضوع، منذ أربع سنوات. في (سوريا) لا يُمكن تفكيك النظام من دون تفكيك حزب "البعث"، من دون تفكيك السُلطة الحاكمة، من دون تفكيك الدولة، يعني الدولة مُهدّدة. عندما كان هناك شعار إسقاط النظام، لا يُمكن إسقاط النظام والإبقاء على الدولة لأنّ النظام وحزب "البعث" والدولة ومفهوم الوطنية أيضاً هو صُمِّم في طريقة معينة لتتماهى هذه المفاهيم مع بعضها، لذلك عمليّة التغيير السياسي للأسف في (سوريا) صعبة جداً. يعني حتّى بعد كلّ هذا الدم الذي حدث في (سوريا) نجد أنّ إمكانية التغيير السياسي صعبة جداً بسبب تماهي كلّ هذه المفاهيم مع بعضها البعض

سامي كليب: حسناً، بعد الموجز أعزّائي المُشاهدين سنواصل هذه الحلقة. سنتحدث أكثر وفي تفصيل أكثر، هلّ كان للأحزاب دور في تاريخنا العربي المُعاصِر؟ هلّ كان ثمة دور في خلال ما وُصِف بالربيع العربي؟ أين هو دورها الآن؟ خصوصاً هلّ الشعارات الكُبرى مثلاً (فلسطين)، العروبة، الصراع الإسرائيلي العربي أو ما بقيَ منه، هلّ للأحزاب إمكانيّة في مواجهة صفقة القرن مثلاً؟ لحظات ونعود إليكم

المحور الثاني      

سامي كليب: أهلاً بكم مُجدّداً أعزّائي المُشاهدين لمواصلة هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" عبر قناة "الميادين" نتحدّث فيها عن الأحزاب العربيّة، عن المُعارضات، عن الأحزاب القديمة، الأحزاب التي استجدّت، هلّ لها دور فعلاً اليوم في وطننا العربي، هلّ لها إمكانية النهوض بهذا المُجتمع؟ هلّ لديها مشروع؟ هلّ لدى أي حزب منها مشروع خاص به للنهوض بهذه المُجتمعات المُدمّرة، المُفككة اليوم؟ وأمام الحديث عن صفقة القرن هلّ لدى هذه الأحزاب إمكانية أو تُفكِّر بمواجهة صفقة القرن؟ وكيف؟ هلّ لا يزال للصراع العربي الإسرائيلي أيّ مكان في الفِكر الحزبي أو في المُمارسة الحزبيّة؟ أعود وأُرحِّب بضيوفي الكرام، من (الدانمارك) الدكتورة "منى غانِم" عضو في الكُتلة الوطنية السورية، وهنا في الاستديو "داليدا المولى" وهي عميدة الإذاعة في الحزب السوري القومي الاجتماعي، رغم صغرها في السنّ لكنّها عميدة من زمان، والدكتور "حسن خليل" عضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي اللبناني. دكتور "حسن" هلّ عندك أيّ تعليق قبل أن أسألك

حسن خليل: نعم أكيد

سامي كليب: تفضل

حسن خليل: عندي عدد قليل من التعليقات

سامي كليب: تفضل

حسن خليل: هناك من طرح السؤال: هلّ الشاب العربي عندما تُخيّره بين أن يتعلّم وأن يدخل في الأحزاب أنا أعتقد أنّ الجواب هنا واضِح وهو أنه يريد أن يتعلم. هنا فِكرة أننا نحن، دعنا نُحدِّد أكثر، قصة أن الحزب ليس نادياً ولا جامعة ولا مدرسة، الحزب في النهاية يُعبِّر في مبادِئه وأفكارِه، المفروض أن يُعبِّر عن مجموعة هموم لفئة اجتماعية مُعيّنة، لفئة سياسية أو أيضاً يضع برامج واقتراحات لبناء أُطر مُعيّنة في بلد يكون موجوداً فيه. من هنا، أي شاب سيصير يجد أنّ هذه المصالِح التي يريد أن يُناضل من خلالها ولا يحققها، من خلال هذا الحزب ممكن أن يتمكن من أن ينخرِط في هذا الحزب، ومن خلال هذا النضال الجماعي يمكنه أن يصل إليها

سامي كليب: هذه الملاحظة الأولى

حسن خليل: ثانياً، هلّ حققت الأحزاب شيئاً في بلداننا؟ نحن نقول قطعاً حققت الكثير من الأشياء وأنا أعطيك مثالاً في (لبنان). نحن هنا في (لبنان) لو لم يكن هناك أحزاب وتحديداً الحزب الشيوعي لما كان عندنا قانون للعمل، لما كان عندنا نقابات، لما كان هناك إمكانية عندنا لأننا أوائِل الناس الذين وعوا لخطورة اتفاقية "سايكس بيكو" ووعد "بلفور" بقيام هذا الكيان المُحتلّ في (فلسطين)، ولما كان "عصّاف الصبّاغ" ابن (إبل السقي)، ابن الحزب الشيوعي واجه عصابات "الهاغانا" في عام 1937 واستشهد على طريق (فلسطين)                    

سامي كليب: قانون العمل والنقابات كان الحزب الشيوعي خلفه؟

حسن خليل: الحزب الشيوعي ناضل من أجل قانون العمل، من أجل التعليم في المدارِس وقيام الجامعة الوطنية، أوّل شهيد لبناء الجامعة الوطنية هو شيوعي. من هنا، هذه الخيارات التي تُحققها هذه الأحزاب لا يُمكننا أن ننكُر دورها في القضية الاقتصادية الاجتماعية في بلداننا وفي القضية القوميّة والقضيّة الوطنيّة نعني قضيّة (فلسطين). من أطلق المُقاومات في (لبنان) هي الأحزاب، من الحرس الشعبي إلى جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية

سامي كليب: في رأيك دكتور "حسن"، في رأيك اليوم أفكار العروبة، اليَسار، الصراع، (فلسطين) لا تزال صالِحة اليوم؟

حسن خليل: أنا أقول، أمام هذا الواقع المتردّي في عالمنا العربي، أمام هذا المدّ الخطير لهذا الفِكر الظلامي، للفِكر التفتيتي، للفكر التقسيمي في منطقتنا العربية الذي كان أبرز تجليّاته غياب قضيتنا المركزية، قضية (فلسطين) عن المواجهة. من هنا إلى أن نرُدّ الصراع على قاعدة هناك مشروع في المنطقة يُفتِّت ويُدمِّر ويُقسِّم المُقسّم نحن نقول، لا يُمكن أن نرجع إلى مسك هذه القضية من جديد من دون أن نعود ونقول أنّ قضيتنا الأساس هي قضية (فلسطين) لأنّها قضيّة استمرّت سبعين عاماً، هذه قضيّة دخلت فيها كلّ الإمبرياليات العالمية والغربيّة ليُزرع هذا الكيان كموقِع متقدِّم لهذا المشروع اليوم الذي يعبث بمناطقتنا. وهنا أيضاً فقط نُقطة إذا تسمح لي

سامي كليب: تفضّل

حسن خليل: وللأسف أيضاً، بعض القوى السياسية في عالمنا العربي وتحديداً التي استلمت الحُكم في الكثير من البُلدان العربية على قاعِدة قضيّة (فلسطين)، للأسف هذه في مكانٍ ما لعِبت لعبة السُلطة وأهملت القضيّة الفلسطينية

سامي كليب: أوكي

حسن خليل: من هنا تقدّمت قوى شعبية لكي تأخُذ هذا الموضوع وتحديداً أيضاً الثورة الفلسطينية التي انطلقت كثورة شعبيّة للأسف دخلت في بازار الأنظِمة العربية. من هنا نحن، لكي نرجع ونرُدّ هذه القضية لموضعها الطبيعي، على الشعوب، على المتضررين، على كلّ شعوبنا العربية المتضرّرة من هذا الواقع اليوم الذي نعيش فيه أن ترجع إلى المكان الصحّ في اتجاه القضية الوطنية التي هي قضيّة (فلسطين) والقضية الاقتصادية الاجتماعية، قضيّة التنمية في بلداننا العربية لأنّ في رأينا هذه النُظم السياسية الحاكمة اليوم في منطقنا العربية في مكانٍ ما، في ظلّ فشلها الاقتصادي وفشلها السياسي وتبعيّتها لأولياء أمرها، نحن في تقديرنا إسقاط هذه الأنظِمة هي إسقاط أدوات هذا المشروع الآتي إلى منطقتنا، لذلك تصير معركتنا الوطنية هنا

سامي كليب: أيّة أنظمة؟ وهل هناك بعد من أنظِمة؟

حسن خليل: كلّ الأنظمة الموجودة بغضّ النظر، الأنظِمة الموجودة التي تُحاول اليوم أن تعبث بقضيّة (فلسطين)، تعبث بالقضية الوطنيّة، في نفس الوقت تذهب كلّ ثروات العرب وهي ليست للعرب. هذه الحالة نحن نقول مُقدِّمة لهزيمة المشروع الأساس في المنطقة

سامي كليب: دكتورة "داليدا"، فكرة (فلسطين) كانت من الأفكار الأولى عند المؤسّس الزعيم "سعاده". فِكرة العروبة كان عنده وجهة نظر تجاهها، وهناك ما هو شائِع عند الكثير من الأحزاب والتيارات العربية، أنّ الحزب القومي السوري هو ضدّ فِكرة العروبة وهو ليس له علاقة بالعروبة. ممكن أن تشرحي لي هاتين القضيّتين وأهميتهما الآن وليس فقط عند الزعيم "سعاده"، (فلسطين) كيف نظر إليها؟ وهلّ فعلاً فكّر بما نحن فيه الآن؟

داليدا مولى: بدايةً أُريد أن أبدأ مما ورَد قبل قليل. هناك عدة مُلاحظات، صحيح أن الشباب قد يذهبوا في اتجاه مُختلف عن المطلوب منهم حالياً، الدور المطلوب منهم هو أن يتنامى وعيهم الحالي للمخاطر المُحدِقة بهذه البلاد. نحن في الحزب عندنا انتماءات شابة كثيرة جداً وهذا ليس من فراغ، أبداً ليس من فراغ. "سناء محيدلي" حينما استشهدت كان عُمرها ثماني عشرة سنة، "عُمر أبو ليلى" كان عمره تسع عشرة سنة، لا، الشباب لم يتركوا المسائِل أو القضايا الكُبرى، إنّما صحّ هناك تسطيح ثقافي وهناك دخول لثقافات تُفكِّك المُجتمع من فوق لتحت، هذا الشيء واقعي ويُواجه، وتفكيك النُظم العقائِدية الموجودة والأحزاب العقائِدية على قدمٍ وساق، يعني الآن أيّ حزب عقائِدي عليه هجمة؟ لماذا؟ لأنه يبني المُجتمع. بالنسبة للحزب القومي السوري الاجتماعي، نعم "أنطون سعاده" منذ ما قبل تأسيس الحزب وجّه إنذاراً، وضع تنبيهاً من هجرة اليهود إلى (فلسطين) المُحتلّة وقال إنّ هذه الهِجرة ليست بريئة وهناك مشروع واضح لتأسيس كيان ونشوء دولة يهودية، هو أعلن ذلك تقريباً في عام 1929 أو1928، أعلنها من زمان يعني من قبل

سامي كليب: من قبل تقسيم (فلسطين)            

داليدا مولى: قبل أن تبدأ البوادر، يعني قبل القرار الشهير في عام 1948، قبل كلّ هذه التفاصيل. جاء نشوء الدولة اليهودية ليضع الناس أمام الخيارات الكُبرى وأين ستكون، وبالتالي في هذا السياق "أنطون سعاده" دعا إلى الجهاد في سبيل (فلسطين)، نحن كان عندنا شهداء في عام 1936 في (فلسطين) وكان لنا شهداء، "إبراهيم منتش" مثلاً، في التظاهر ضدّ "وعد بلفور"، وأعلن "سعاده" الجهاد في سبيل (فلسطين)، ومن هنا كانت مؤامرة اغتياله من أنظِمة عربيّة و(أميركا) واليهود، يعني الموضوع ليس خافياً على أحد. نظرته واضحة، نحن ضدّ اليهود بعد شيء متقدِّم وليس للحركة الصهيونية لأننا نعتبرهما وجهين لعُملة واحدة

سامي كليب: لكن هذا يُعتَبر عُنصرية ضدّ طائِفة

داليدا مولى: ليسوا عنصريين لأنّ

سامي كليب: وهلّ كل اليهود سيئين؟  هناك يهود جيّدون

داليدا مولى: لأننا لا نقارب الموضوع من المسألة الدينية أبداً، أنا لستُ ضدّ اليهودي لأنه هو يهودي وأنا لست يهودية، الأمر ليس هكذا. لأنّ هناك مصالِح قومية، هناك بلد مُحتلّ، هناك استيطان، هناك قلع لشعب من أرضه، هناك تمدّد فهذا الكيان لا حدود عنده لغاية الآن. بالأمس (الجولان) في شخطة قلم، هلّ هذا معقول مثلاً؟ هناك أمور نحن قرأناها في شكلٍ عملاني وواقعي جداً في (فلسطين) المُحتلّة لأننا في النهاية نعرِف ونُدرِك تماماً أنّ (فلسطين) جزء من (سوريا)

سامي كليب: فكرة العروبة، ممتاز

داليدا مولى: و(سوريا) هي التي تواجِه، على الأقل خلال العشرين أو الثلاثين سنة الأخيرة هي التي واجهت، وتبيّن أن "كامب ديفيد" و(أوسلو) وغيرهما سقطا أمام خيار الشعب الفلسطيني

سامي كليب: أوكي. فكرة العروبة!

داليدا مولى: العروبة فكرتها، نحن نُفرِّق بين العروبة التي أفلست حالياً وصارت واضحة للعيان أن العروبة كقومية وكأمّة ليست موجودة. يعني هنالك تباين خطير جداً بين الشعوب ليس في إمكاننا إلّا نُلاحظه. نحن نُلاحظه من دون أن ندرس في علم الاجتماع. هناك الكثير في الأفكار، في طريقة الحياة، في الفهم للدولة وللديمقراطيّات وللمُجتمع. حسناً، من هنا نحن نقول أنّ هناك عالماً عربياً موجوداً في أربع أُمم، والأُمّة السورية هي إحدى هذه الأُمم، (المغرب) (الخليج) وأُمّة وادي (النيل) وهما (مصر) و(السودان) ونحن لا نُفرِّقهما عن بعضهما. الأُمّة السورية عندها خصائِصها، عندها هويتها التي هي الهوية الجامعة لكلّ الناس الموجودين فيها

سامي كليب: سيّدة "داليدا"، نحن لا نُريد أن نُطيل ونُقدِّم مُحاضرة، وأنا آسف لمقاطعتك وإلّا ستمتد ساعات لتشرحي لنا كلّ هذا. اليوم فكرة العروبة، فكرة (فلسطين) بالنسبة للحزب القومي أفكار أساسية؟ يعني هلّ صار هناك إعادة قراءة لفِكرة العروبة في الحزب القومي؟ هلّ بالنسبة لكم الآن هذا الوطن العربي يُمكن أن يتحرّك بشكلٍ مُشترك لمواجهة ما يتعرّض له، خصوصاً صفقة القرن مثلاً؟

داليدا مولى: نحن في حاجة لجبهة عربيّة مُشتركة يكون عندها خيارات استراتيجية واضحة، إنما هلّ هي موجودة فعلاً؟ كلاّ

سامي كليب: إذاً تتفقون مع الحزب الشيوعي حول الفِكرة. الحزب الشيوعي من زمان يُطالِب أيضاً بجبهة عربيّة مُشتركة

داليدا مولى: ليس فقط نتّفق، في غاية الحزب إقامة جبهة عربيّة، نحن لا نتّفق بل في صلب غايتنا كحزب سوري قومي اجتماعي موجودة الجبهة العربية، إنما هلّ هي موجودة فعلاً؟ لا، إذاً علينا أن نبحث عن الموجود

سامي كليب: أكيد هي غير موجودة

داليدا مولى: الموجود محور مقاومة ممتد من (العراق) إلى (الشام) إلى (لبنان) إلى (فلسطين)، هذا هو الموجود فعلاً في (سوريا)

سامي كليب: دكتورة "منى" الفِكرة المطروحة الآن هي فكرة صفقة القرن. أحد الأسباب أو التبريرات التي سيقت على مدى ثماني سنوات، أنّ هذه المُعارضة في (سوريا) بكلّ تنويعاتها لم تؤكِّد على أنّ (إسرائيل) هي عدوّ، على العكس ذهبت في اتجاهات أُخرى والبعض ذهب حتّى لمُغازلة (إسرائيل)، البعض الثالث قال: لو سقط النظام نحن سنُقيم علاقات مع (إسرائيل). أنا أُريد أن أسأل، هلّ في رأيكِ هذه الأحزاب المُعارِضة الجديدة، وبعضها كان قديماً في (سوريا)، كان هذا أحد الأسباب الذي دفعَ الناس ودفع العرب في شكلٍ عام للابتعاد عنها وتحميلها صفات مثل الارتماء في أحضان الأطلسي، التعامل مع (إسرائيل) وما إلى ذلك؟ هلّ كان هذا أحد أسباب الفشل مثلاً؟

منى غانم: من اللازم أن نُميِّز بين فكرة المُعارضة وفكرة الخيانة. هناك حد فاصل بين أن تكون معارِضاً للسلطة الحاكمة وأن تُفرِّط بالوطن ومبادئ الوطن. بالتأكيد (إسرائيل) كيان عدو مُغتصِب للأراضي السورية والأراضي الفلسطينية، والسلام مع (إسرائيل) والتطبيع مع (إسرائيل) لا يجوز أن يكون جزءاً من الصراع السياسي الداخلي في (سوريا). بالطبع ليس كلّ المُعارضين أخذوا هذا الموقف وليس سوى بعض الشخصيات الموتورة هي من ذهب إلى (إسرائيل) في نوعٍ من المُبالغة وربّما هم كانوا في حاجة لأن يذهبوا إلى (إسرائيل) فوجدوا في هذا الصراع حجّة ليذهبوا إلى (إسرائيل). الصراع الداخلي السياسي في (سوريا) هو صراع يجب أن يكون ضمن حدود الوطن وضمن مبادئ الوطن

سامي كليب: حسناً دكتورة "منى"، تفضلي أكملي عفواً

منى غانم: أوكي، فشل المُعارضة في (سوريا) له أسباب كثيرة أهمها أنّ المُعارضات التي أرادت أن تعمل من داخل البلاد لم تستطع أن تعمل من داخل البلاد. يعني عندما تنشط سياسياً داخل بلدك الخطوط تكون واضحة. عندما تخرُج إلى الخارِج لا يُمكن أن تُمارس العمل السياسي ما لم ترتهن إلى الدولة التي تحتويك أو تستضيفك أو تصرف عليك وتعطيك مصروفك الشخصي، يعني هذا موضوع مهم. لذلك تجد بعض القوى السياسية والقوى السياسية التي أنا أنتمي إليها لم تستطع أن تنشُط في الخارِج لأننا رفضنا هذه الطريقة من العمل السياسي وبقينا مُصرّين كما تعلم حضرتك في شكلٍ دقيق جداً، بقينا مُصرّين على العودة إلى (سوريا) والعمل من (دمشق) لأن لا مجال للعمل المُعارِض من خارِج البلاد، أنت في خارِج البلاد تعمل لمصلحة الدولة التي تمنحك مُفتاح مكتبك في عاصمتها. هناك أسباب كثيرة أيضاً، هيمنة "الإخوان المُسلمين" على المُعارضة وارتماء المُعارضين، من كنّا نظن أنهم ديمقراطيون، في أحضان "الإخوان المُسلمين". هذا سبب فشل المُعارضة في (سوريا) وأيضاً سبب فشل التغيير السياسي في بلدان أُخرى كـ (مصر) يعني الارتماء في أحضان "الإخوان المسلمين" الذين أثبتوا فشلهم السياسي بغضّ النظر عن موقفي الشخصي تجاههم كحركة دينية، لكن أثبتوا فشلهم السياسي، فشلهم في القُدرة على إدارة الدولة الذي هو أيضاً أحد أسباب فشل المُعارضة في (سوريا)

سامي كليب: دكتورة "منى"، طبعاً الآن بعد تجربتي (الجزائِر) و(السودان) ثمّة من يقول أنّ ربما هاتان الدولتان لديهما تجربة حزبيّة عريقة لذلك رأينا أنّ حتّى الحراك الشعبي فيهما أدّى إلى نتائِج مُباشرة من دون إراقة أيّة نُقطة دماء. الحراك كان مميزاً في الدولتين خصوصاً (الجزائِر) التي أعطتنا مثالاً هائِلاً في الواقع في كيفية التحرُّك في الشارع رغم أنّ هذا بلد خرجَ من مئة وثلاثين سنة من الحرب الضروس وأنّ شعبه معتاد ولكن عملياً كان الحراك ممتازاً في الاتجاه الذي سلكه وأيضاً في (السودان)، وثمّة من يقول أنّ (سوريا) لم يكن فيها تجربة أساساً جديّة سياسية لذلك غرِقت بما غرِقت فيه. من أجل أن نُكمِل الفكرة، دعيني أقرأ، ولو أراد أحد الضيوف التعليق أهلاً بكم. الدكتور "برهان غليون" في كتاب جديد صدر قبل أيام اسمه "عطب الذات" يقول التالي:  إن الشعب جُرِّد من هويته السياسية وعُقِمَ سياسياً ومدنياً منذ قرون وحُرِم من أيّ شكل من أشكال التنظيم الذاتي، واستُعمِرت مؤسّساته المدنية والسياسية والاقتصادية، لهذا لم تنجح المُعارضة التي لم تختبر في أيّ يوم معنى العمل الجماعي المُنظّم في أن تتجاوز انقساماتها ونمط السلوك العمل الذي اعتادت عليه، وأن تُبدِع نموذجاً للمُمارسة الوطنية والديمقراطية من فراغ فإذا بنا أمام زعامات صغيرة، يتحدث عن المعارضة، بطموحات وأطماع كبيرة، كلٌّ يرى نفسه ممثلاً للشعب وقائِداً لمسيرة تاريخية لكن من دون وعي بالمسؤوليات والالتزامات والمهام المطلوبة والتنظيم القوي والجُهد. اللافت أنه يتحدّث عن الشعب الذي جُرِّد من هويته السياسية منذ قرون، لكن هذا الشعب هو الذي أحدث الثورة ضدّ الفرنسيين مثلاً

منى غانم: أولاً، السيّد "برهان غليون" هو آخِر من يحق له الحديث عن هذا الموضوع لأنه هو كان زعيم هذه الثورة التي وعدت الشعب السوري بالتغيير لكنّها انقلبت على نفسها بقيادته وقيادة من أتى بعده، ولم يستطيعوا ولم يُريدوا أن يؤسّسوا أحزاباً سياسية أو أن تكون هناك مُمارسة ديمقراطية بل ذهبوا إلى أحضان الجماعات الإسلامية المتشدّدة كـ "الإخوان المُسلمين" وتعاقدوا معهم وتحالفوا معهم مقابل أن يكونوا هم قيادة واجهة لحركة "الإخوان المُسلمين". للأسف، الأُستاذ "برهان غليون" عندما يضع هذا التنظير ويتحدّث عن الشعب هو آخِر مَن يحقّ له هذا الكلام، هذه نُقطة. النُقطة الثانية، نعم أُستاذ "سامي" في (سوريا) لا توجد أحزاب. لا توجد أحزاب، لا توجد ثقافة سياسية، لا يوجد مُجتمع مدني، لا توجد حريات إعلامية، لا يوجد كلّ شيء. لذلك كان أيّ تسليح للمُعارضة يعني الذهاب إلى حرب أهلية، ونحن قمنا بعدد كبير من الجولات والصولات على شخصيات المعارضة وحاولنا التحذير من هذا الموضوع، وهذا مُثبّت في محاضر اجتماعات لدى الاتحاد الأوروبي ولدى غيره، من أنّ تسليح المُعارضة سيأخذ هذه البلاد إلى حرب دامية. لكنّ الشيء الأهم الذي يجب أن ننظُر إليه في تجربة (الجزائِر) و(تونس) هو علاقة الجيش مع السلطة، مع النظام الحاكم. أعتقد أنّ هذا الشيء مُهمّ ومُختلِف في (سوريا) عن (السودان) أو عن (مصر) في الربيع، في بداية ما يُسمّى "الربيع العربي"، أو (الجزائِر)

سامي كليب: أوكي

منى غانم: عندما يكون النظام الحاكم أقوى من الجيش يُصبِح الجيش أداة للنظام الحاكم والعكس صحيح، عندما يكون الجيش أقوى يستطيع أن يُمرِّر الحراك أو الاحتجاجات في طريقة سلمية كما رأينا في تجربة الرئيس الأسبق "مُبارك" في (مصر)

سامي كليب: أوكي. طبعاً، وهناك دول الجيش فيها والدولة هما واحد، خصوصاً إذا كانا قد ناضلا في الاتجاه نفسه، مثلاً في (الجزائِر) الجيش معروف، جيش تحرير عملياً وليس جيشاً سلطوياً. حسناّ، دكتور "حسن"، إذا ذهبنا إلى ما يقوله، أولاً عندك أيّ تعليق؟

حسن خليل: عندي تعليق صغير

سامي كليب: تفضل

حسن خليل: نحن دائِماً عندنا فكرة الخلط ما بين النظام وما بين الدولة

سامي كليب: صحيح

حسن خليل: النظام هو نظام سياسي يحكُم هذه الدولة بغض النظر إذا كان لصيقاً فيها لأنّ أي نظام سياسي سيمسِك هذا الكيان الذي اسمه دولة ومؤسسات ويمشي في الطريقة التي تخدم مصالِحه أو مصالِح حلفائه وحتّى أشخاصه أو أفراده. لكن هذا لا يلغي أن نقول، لا يجوز أن نقول إنّنا من اللازم أن نفكك النظام ونُفكك الدولة، مثل حالة (سوريا). الحالة السورية أعتقد تحتاج إلى إعادة نظر وقراءة تختلف عن الذي صار في الوطن العربي لأنّ في (سوريا) وفي وقتٍ مبكر جداً تحوّل الحراك الذي حصل في (سوريا) إلى احتراب داخلي وفي جزء منه كان يتغذّى من قوى إقليمية بشكلٍ واضح وعلناً وتدخلات كانت تعلِن كثيراً عن نفسها. ثانيا، يُمكننا أن نأخذ مأخذاً على أكثرية الأنظِمة العربية. نحن لم نستطع بناء دول، هذا صحيح، دول بإمكانياتها وقدراتها. لا يُمكننا أن نقول إنّ الدولة مبنية على فكرة النشيد الوطني أو على التاريخ أو على العادات والتقاليد أو على أكبر

سامي كليب: طبق فلافل وأكبر طبق فول، نعم

حسن خليل: منطق الدولة بخلاف قرارها السياسي واستقلالية قرارها السياسي وسيادتها، هناك أيضاً البنى الاقتصادية المُنتِجة التي تستطيع القيام بموجبات هذه الدولة وخاصةً تجاه شعبها. لم يحدُث في الوطن العربي بناء دول قادرة على تأمين موجباتها في الاستقلال السياسي في عدم تبعيتها، في سيادتها الوطنية على مواردها، إلّا من خلال سوق عربية مُشتركة، من خلال تكامل عربي اقتصادي. نحن في (لبنان) هلّ استطعنا أن نبني دولة اليوم؟

سامي كليب: أكيد لا

حسن خليل: هذا منطق الذي

سامي كليب: دكتور "حسن"، نتحدث عن النظام والدولة، دعنا أيضاً نحكي عن الأحزاب. دكتور "مُصطفى الفقي" في مقال له بعنوان " الأحزاب السياسية في الوطن العربي" يقول التالي، وأتمنى عليكم أن تعلّقوا عليه:

- إنّ الإطار القومي للأحزاب السياسية العربية قد أفادها وأضرّها في الوقت ذاته، فهي ظهرت أمام شعوبها كما لو كانت حركات ديماغوجية لا تُعبِّر عن شعوبها

- إنّ بعض جبهات النضال الوطني ذات البُعد القومي مثل "حزب جبهة التحرير الجزائِرية" أو حتّى حركتي "فتح" أو "حماس" إذا ما تبدو أحزاباً سياسية مرتبطة بهدف مُحدّد في فترة زمنية بعينها كما قلتِ قبل قليل "داليدا"

- يقول أيضاً السيّد "الفقي"، إنّ مفهوم الحزب السياسي في العالم العربي لم يتّضح بعد، ففي (مصر) على سبيل المثال تبدو الأحزاب السياسية ضعيفة وليس لها جذور راسِخة باستثناء "حزب الوفد" منذ العام 1919 إلى العام 1952

- إنّ الأحزاب العربية هي أحزاب تلتفّ حول رموز وشخصيات أكثر من اهتمامها بالمبادئ السياسية أو البرامج الحزبيّة

- لا يُمكن أن يكون هناك حديث عن برلمانات عصرية ومجالِس نيابية حديثة بينما الأحزاب السياسية متهاوية، ضعيفة، وغير مؤثِّرة

سامي كليب: هلّ عندك تعليق؟

داليدا مولى: طبعاً

حسن خليل: أكيد عندي تعليق إذا تسمح لي

سامي كليب: تفضل

حسن خليل: هناك فكرة دائماً ما تنطبق على أكثرية البلدان العربية وخاصةً البلدان التي كانت تخوض معارِك لتحرير الوطن، من (الجزائِر) إلى (لبنان). نحن خضنا معارِك لتحرير الوطن ضدّ الانتداب، ضدّ الاستعمار، ضدّ الاحتلال في أغلب دولنا وتحديداً دول الطوق. هذه المعركة لم نستطع إقرانها أو تثميرها عندما ربحناها في تغيير ديمقراطي ضمن البلد. يعني، لم نربُط قضية التحرير مع التغيير، لماذا؟ لأننا أحياناً في عملية التحرير الوطني ربما أكيد تكون العناوين أكبر، هناك احتلال موجود، هناك استعمار موجود، هناك تحريك ثروات، هناك خطّ سياسات اقتصادية اجتماعية جديدة، هناك منظومة سياسية تتركّب، هناك دولة تتكوّن عناصرها، هذه المرحلة نخوضها ونقاتل فيها. مثلاً عندنا في (لبنان)، عندنا في (لبنان) خضنا معركة تحرير وطني، خضنا وحرّرنا هذا البلد من (بيروت) إلى الجنوب. هلّ انعكَس هذا المناخ التحريري في عمليّة تركيبة النظام السياسي في البلد؟ لا! للأسف عندنا

سامي كليب: بسبب قوّة الآخرين يعني الاقطاع، الزعامة، الدولة؟ أم فشلكم؟ 

حسن خليل: لا، هنا السبب مُزدوِج. نحن نقول نحن كأحزاب كان يُطرَح علينا بديل، نعم لم نستطع لظروف معينة أن نُكوِّن مشروع جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية حين كانت أكثرية الأحزاب الوطنية العلمانية منخرطة في نفس المشروع وكانت تُقاتل تحت هذه الراية ولم نستطع أن نُحوّله إلى برنامج عمل سياسي ونتمكّن من تثميره في الداخل. للأسف، ربما نحن وقعنا على تقاطع الحرب الأهلية اللبنانية وانتهائها. كما بدأت حوّلوها إلى حرب

سامي كليب: كيف تُريد أن يثق بكم الجيل الحالي؟ إذا لم تستطِعوا في السابق

حسن خليل: أوكي، لا تنسى أن تجربة (لبنان) تحتاج كثيراً إلى إعادة دراسة، هذا بلد هجين. هذا النظام السياسي الطائِفي الحاكم اليوم

سامي كليب: لنبتعد عن (لبنان)، مثلاً في (السودان) حالياً، في الحراك، الحزب الشيوعي موجود بقوة؟  

حسن خليل: في (السودان) كلّ قيادة الحزب الشيوعي كانت في السجن

سامي كليب: ولكن الآن على ما يبدو الشارِع السوداني تحرّك فيه الكثير من الشيوعيين

حسن خليل: طبيعي، اليوم الحزب الشيوعي السوداني هو من القوى الأساسية التي تواجه، وكلّ قيادة الحزب بما فيهم الرفيق "أحمد مختار الخطيب" كان في السجن، لا أدري أن أطلقوا سراحه مؤخراً. وفي (الجزائِر) اليسار أيضاً، إيجابية ما يحدُث في (الجزائِر) وفي (السودان) وحتّى في (فلسطين) هناك قوى وطنية يسارية علمانية تتصدّر الحراك

سامي كليب: صحيح

حسن خليل: وهذا شيء إيجابي على عكس الموجة الأولى التي حاولت بعض القوى الإسلامية وتحديداً "الإخوان المسلمين" أن تركبها، وهذا معناه هنا ابحث عن الوظيفة السياسية لمُشغّليهم الذين كانوا يريدون أن يُجهضوا هذا الحراك الشعبي ويُحوّلونه إلى نوع من الأنظِمة التي يُمكن أن تُشكِّل منصّات أو استكمالاً للنُظم السياسية التي كانت سائِدة

سامي كليب: "داليدا مولى"        

داليدا مولى: المُلاحظ أننا ما زلنا في تصنيف الأحزاب التقليدي، ما زلنا نقول يَسار ويمين ومُعارضة وموالاة ولا نطلّ على فِكر آخر في العمل الحزبي

سامي كليب: الذي هو؟

داليدا مولى: إذا أردنا أن نُصنِّف الآن أغلب الأحزاب، أكيد الحزب السوري القومي الاجتماعي ليس منهم، تجدهم إمّا يسار أو يمين وعندهم مثلما ورَد، أهداف مرحليّة، يعني السُلطة ولا يوجد أبعد من هذا. حتماً بعد السلطة ماذا سيحدث؟ مجهول ربما؟ الحزب السوري القومي الاجتماعي أريد أن أُشدد على أنه لا موالاة ولا مُعارضة لأنني أُريد أن أدخل إلى مبدأ ثان، هو ليس من الأحزاب التقليدية الآتية بأفكار ستصل إلى مكان ونُقطة، لا يحمل فقط في السياسة مشروعاً وما بعد تحقق المشروع لا يعود هناك شيء

سامي كليب: لا، هو موالاة. يعني في (سوريا) هو موالاة

داليدا مولى: حيثما توجد مصلحة (سوريا) الأُمّة نحن موجودون، نستشهِد في سبيل (سوريا)

سامي كليب: ولكن اليوم أنتم أقرب إلى الموالاة في (سوريا) وفي (لبنان)

داليدا مولى: في المرحلة المُقبلة نحن ضدّ تفكّك الدول في طبيعة الحال لأن الفوضى لا تُفيد أحداً وبالتالي نكون نُعيد للاستعمار تقسيم الدويلات الذي أراده أساساً. يعني الآن نحكي عن الرأسمالية وعن الاستعمار، لكن ما مشروعه؟ مشروعه هو إعادة رسم الشرق الأوسط، يريد أن يخلِق دويلات على أساس الجماعات التي هي سبب كلّ الأزمات، الجماعات، الهويّة المقسّمة على الجماعات وليس الهوية المُجتمعيّة الكاملة، ليس وِحدة المُجتمع، ليس أننا نُعزّز وحدة الناس

سامي كليب: دعينا ننطلق من مبدأ "داليدا"

داليدا مولى: دعني فقط

سامي كليب: تفضّلي

داليدا مولى: عذراً لكن أريد إيضاح مسألة. الأهداف الزمنية المُحدّدة في مراحل مُعينة لا تجعلنا نسعى لما بعد. أهمية أن نناضل ونُقاوم أننا نسعى لما بعد. هناك أهداف سياسية كُبرى، صحيح، إنما ماذا نفعل في البنى الاجتماعية؟ هذه الأحزاب لم تتعاطَ كثيراً في البنية الاجتماعية، وهنا نتميّز ومن أجل هذا نحن لسنا حزباً تقليدياً، نذهب ونشتغل على الناس ونقول لهم لماذا أنتم سوريون، لماذا أنتم في القومية الاجتماعية، نشتغل على، نحن نقول، متّحدات، حيث يتحد الناس في الحياة

سامي كليب: طبيعي "داليدا"، كلّ حزب يعمل مع الناس، يعني لا تعملون مع النُخب فقط

داليدا مولى: نُغيِّر أفكاراً، يعني تُطرح أفكار جديدة في المُجتمع قائِمة على تعزيز وحدته من أجل أن نكون فوق تفكك الجماعات وما هي إشكاليتنا في بلادنا، حتّى في كلّ العالم العربي تقريباً، هو تفكك

سامي كليب: ولكن ليس لافتاً أنّ كلّ هذه الأفكار التي تنادون بها كأحزاب دعيني أقول قومية أو يسارية أو ليبرالية أو شيوعية أو اشتراكية وما إلى ذلك. في النهاية ما يحدُث على الأرض يختلِف تماماً عن كلّ ما تدعون إليه. في معنى أنّ هذا فشل كبير حصل لأننا نرى أننا عدنا إلى التفتت ليس فقط الطائِفي والمذهبي إنما أيضاً عُدنا إلى القبائِل، عُدنا إلى الزعامات التقليدية يعني. الآن لو يتحرّك الحزب القومي السوري الاجتماعي على الشارع، في الشارع في (لبنان) هلّ يأتي بمجموعات أكبر، أو أي زعيم في البلد يدعو مناصريه للنزول إلى الشارِع؟ يعني عملياً الفِكرة لماذا فشلت؟ هلّ فشلت لأنّ الناس لم تقتنع؟ أم الترويج لها لم يكن صائِباً؟ أم أنّ الأفكار ما عادت صالحة؟ هذا هو السؤال حالياً

داليدا مولى: الفكرة في المبدأ لم تفشل، وجودي هنا يعني أن الفكرة ليست فاشلة، هذا أولاً. ثانياً والأهم، الأفكار التي نحن في حاجتها، راهن "أنطون سعاده" إذا أردنا أن نتحدث عنه أنه يدعو إلى الحلول. يعني، هل نحن نريد دوَلاً مدنية أم لا؟ نضع خيارات أمامنا، نريد دولاً واضحة في هويّتها وتكون ثابتة وقادرة على إنتاج نُظُم حُكم أفضل أم لا؟ إذا أنا لستُ مرتبطة بإرادات أجنبية ومُرتبطة بمشاريع خارجيّة نتيجة الهويّة التقسيمية التي عندي، مهما صار مع الخارِج لن أعتبره احتلالاً ولا عدواناً، على العكس سأعتبره خدمة لي إذا صار، وهذا الشيء يجعلنا نذهب أكثر في اتجاه التقسيم بينما إذا استطعنا تأمين أرضية صلبة، والحزب اشتغل في هذا الإطار كثيراً وما زال يعمل لكي يظلّ لأنه في النهاية هو حركة مُستمرة لم تنتهِ منذ تأسيسه إلى الآن، إنما تحدث هجمات عليه كسائِر الأحزاب العقائدية حالياً. صحيح تحدُث هجمات عليه وهناك أماكن لم يستطع التقدّم فيها وهناك أماكن تقدّم فيها أكثر، ونحن لا نسعى لنكون حزباً يدعو الناس إلى الشارِع، هذا ليس هو السعي، هنك نُخَب يجب أن تكون في الأحزاب وتقود، هناك قيادات يجب أن تتواجد في الأحزاب وفعلاً هناك الأحزاب الوطنية ومنها الحزب السوري القومي الاجتماعي شكّلوا في مراحل تاريخيّة لحظة قرار مصيري

سامي كليب: أوكي

داليدا مولى: بينما، وأريد هنا فقط أن أُوضِح مسألة لأنك أشرت إليها سريعاً

سامي كليب: تفضلي

داليدا مولى: التي هي، أنتم حزب موالاة سواء أكنتم هنا أو كنتم هناك. الأساس هو مصلحة بلادنا. في (الشام) نعم نحن قاتلنا وعندنا شهداء، مئات الشهداء نفتخر بهم جميعهم ونفتخر بقرارنا المتمثل في مشاركتنا في القتال لانّه لم يكن من مجال في (الشام) سوى أن نواجه هذا المدّ. لا، لم يكن هناك مُعارضة طبيعية، المعارضة السياسية التي تصبو بمجموعة أفكار ولاحقاً ممكن أن تتحوّل إلى أحزاب وتكون شريكة في السلطة، لا لم يكن هذا هو الهدف وتحوّلت المُعارضة سريعاً إلى معارضة مُسلّحة وبعد فترة صارت إرهاباً، إرهاباً موصوفاً أيضاً. لا أُريد أن أُعمّم، هناك ربما مُعارضات جيّدة وهذا شيء طبيعي في المُجتمع، أن يكون فيه موالاة وفيه مُعارضة. إنما الذي حدث في (الشام) لم يكن في سياق طبيعي ولا في محور طبيعي، ومن الطبيعي أن نحافِظ نحن على أهلنا. الناس الذين نزلوا وقاتلوا هم أبناء القُرى والمناطق

سامي كليب: حسناً، أوكي. دعونا لو سمحتم، ربما الدكتورة "منى" عندها تعليق على ما تفضّلتِ به، لماذا قاتلتم وما دور الأحزاب في (سوريا). تفضلي دكتورة "منى" لأنني سأذهب إلى (الجزائر) و(السودان) والتجربة فيهما لأنه مهمّ أيضاً ألّا نقصُر الكلام فقط على (سوريا) و(لبنان)، تفضلي

منى غانم: أوكي. قبل أن نتحدّث عن الأحزاب من اللازم أن نحكي عن كينونة الدول في المنطقة العربية. في المنطقة العربية لا توجد عندنا دول مُكتملة التشكّل، يعني من بعد الاستقلال لم تستطع الحركات السياسية أو القيادات السياسية التي وصلت إلى السُلطة أن تُشكِّل الدولة بمعناها الكامل. أضف إلى ذلك أنّه بحجّة المقاومة والقضيّة الفلسطينية لم يتمّ العمل على بناء دولة أو بناء نظام سياسي فيه حدّ أدنى من تداول السُلطة أو الحُكم الرشيد. لذلك نجد أنّ مُعظم الدول العربية تُعاني من الفساد، تُعاني من غياب النزعات، تعاني من غياب الشفافية. لذلك، قبل أن نتحدّث عن دور الأحزاب يجب أن نتحدّث عن وجود الدولة، بمعنى أن يكون تشكُّل الأحزاب هو جزء مُكوِّن وعامود فقري للدولة، لا توجد دولة من دون أحزاب وإلّا سنعود إلى القبيلة والعشيرة والطائِفة وغيرها. لذلك المنطقة العربية أُستاذ "سامي" هي منطقة اليوم في مستنقع، كلّ الدول حتّى الدولة السورية التي لم تكن دولة بمعنى المكتملة النشوء لكن كان فيها مؤسّسات قوية واليوم هي في وضع صعب جداً. مُعظم الدول العربية إذا لم تكن دوَلاً فاشلة فهي تتجه إلى الفشل وأعطي مثالاً عن بعض المُدن التي يرغب الشعب العربي الذهاب إليها. نحن نعلم أنّ كلّ المنطقة العربية لا توجد فيها دول راسخة الجذور وأيضاً لا توجد فيها ثقافة سياسية بمعنى طبعاً عندما يكون الجوع هو مصير الشعب العربي ولا يجد الشاب العربي

سامي كليب: أوكي دكتورة "منى" أنا معكِ ولكن هناك دول فاشلة وغير مُكتملة وتُقاوم عدوّ هذه الأمّة عملياً وتدفع ثمناً وهناك دُوَل غير مُكتملة وفاشلة وليس فيها أحزاب وتجارُب ومنبطحة بالكامل

منى غانم: صحيح، صحيح. لذلك علينا أن ننظر إلى دور صفقة القرن وتبعاتها على تشكّلات الدول العربية في ما بعد صفقة القرن

سامي كليب: أوكي

منى غانم: يعني أعتقد أن صفقة القرن عندما تظهر ستكون لها تأثيرات كثيرة كما كان للتحضير لصفقة القرن تأثيرات كثيرة على الدولة. نحن نعلم أنّ أهمّ شيء خسرته (سوريا) خلال هذه الحرب في السنوات الثماني هي الورقة الفلسطينية وهذه كانت تمهيداً لتحضير الجوّ المناسب لصفقة القرن، يعني خروج (سوريا) من المعادلة الفلسطينية كان أهمّ تحضير لصفقة القرن

سامي كليب: أوكي

داليدا مولى: فقط إسمح لي دكتور "سامي" لأتحدّث بخصوص صفقة القرن

سامي كليب: تفضلي

داليدا مولى: لأنّ في النهاية صفقة القرن نحن نُهوِّل الموضوع. أيمتى لم تكن هناك صفقة قرن؟ هذا هو السؤال الأساسي، أيام "وعد بلفور" أم في عام 1948 أم في عام 1967 أم في عام 1973 أم في (أوسلو) أم الآن؟

سامي كليب: صحيح معكِ حقّ

داليدا مولى: أيمتى لم تكن هناك صفقة قرن؟ نحن دائماً في صفقة القرن عندما نحكي عن المعادلة الدولية وعن (أميركا) ننسى الشعب الفلسطيني وإرادته. ننسى محور المُقاومة، هذا المحور الذي يتعزّز كلّ يوم. ننسى أننا قارعنا الاحتلال وسجّلنا مُعادلات وتوازن كان من الصعب تسجيله لولا وجود فعلاً هذه الدول ولولا وجود مُقاومات وجيش سوري لأنه جيش إقليمي. يعني لا نكون منهزمين

سامي كليب: صحيح، وفي الواقع سيّدة "داليدا" أردت أيضاً

داليدا مولى: نحن لسنا منهزمين

سامي كليب: أردت أيضاً أن نتحدّث في هذه الحلقة عن الأحزاب لأنّ هناك أُناساً نسوا أنه كان توجد مُقاومات في هذا الوطن العربي ومُقاومات قديمة وعريقة منكم، من الحزب الشيوعي، من الأحزاب الوطنية اليسارية عملياً، وهذه الآن وكأنّ الشعوب العربية نسيت كلّ هذا التاريخ وما عاد يهمها. لو ذهبنا أعزّائي المُشاهدين إلى تجربة (الجزائِر) بشكلٍ سريع، "سمير عيطة" يكتُب في مقال، "سمير عيطة" كان رئيس التحرير السابق لصحيفة "لوموند ديبلوماتيك" وهو من المُعارضة أيضاً في (سوريا)، يقول في عنوان " الربيع الشعبي العربي ولعبة الأُمم": تشهد تجربتا (الجزائِر) و(السودان) الأخيرتان أنّ التغيير حتّى ولو كان تعبيراً عن رغبة شعبية جارفة لا يُمكن أن يحدُث سوى من خلال وقوف مؤسسات رئيسة في الدولة وخاصّةً الجيش مع هذا التغيير. يقول أيضاً، مهما كانت مشروعيّة وصدق المُطالبات الشعبية فإنّ القوى الخارجية التي تبحث عن النفوذ ستقوم بالتلاعب في توجّهاتها إعلامياً وعبر وسائِل التواصل الاجتماعي، بل ستُحاول دفعها نحو السلاح والحرب الأهليّة كما حدثَ في (سوريا) و(اليمن) و(ليبيا). كما أنّ هذه التداخلات تسعى دوماً لاختراق المؤسّسة العسكرية هذا حصلَ في انقلابات الخمسينات. أيّ مُحاولة تغيير شعبيّة ضدّ الاستبداد تواجِه مخاطر القمع الدموي ومخاطر تفرُّد الجيش بالسلطة السياسية أو حتّى الدفع نحو نمط نظام علاقة ديمقراطي أو غلافه ديمقراطي بالأحرى وجوهره فساد المال السياسي. يعني واضح هذا الكلام من تجربة المُعارضة السورية إنها تقول أنّها لا يُمكن أن تنجح أية مُعارضات في الداخل لأنّه ستحصل تدخلات خارِجية، سيُختَرَق الجيش. هذا بعد تجربة طويلة مهم أن نفهمه اليوم. هلّ كان في (الجزائِر) ثمّة دور فعلي للمُعارضة، للأحزاب المُعارِضة فعلاً؟ نسأل الدبلوماسي السابق "عبد العزيز رحابي"

عبد العزيز رحابي: المُعارضة ضعيفة، الأحزاب السياسية ضعيفة   في (الجزائِر) كما هي ضعيفة في الكثير من الدول العربية وغير العربية. الآن في (أوروبا) عندهم مُشكِل كبير جداً يرونه في هذا الحراك الموجود في (فرنسا) مع أصحاب "السترات الصفر"، يشاهدون أنّ لم تكن هناك أحزاب ولم تكن هناك نقابات رغم أننا في مُجتمع كان معروفاً بأنّ فيه أحزاب قوية ونقابات قوية

سامي كليب: ما رأيك دكتور "حسن"؟                

حسن خليل: حقيقة، ربما هناك مجموعة من القضايا طرحت سواء من الضيفة من (الدانمارك). صحيح هي في مكان ما قالت أنّ (سوريا) استُهدِفت أيضاً، كان جزء من الاستهداف لـ (سوريا) نتيجة موقعها وموقفها من الصراع في المنطقة وتحديداً من قضيّة (فلسطين) وهذا كلام صحيح. النقطة الثانية في هذا المجال التي نحن دائِماً نحاول أن نصعد عليها، كلّنا متفقين أنّ دولنا لم تُبن في المعنى الحقيقي في المنطقة العربية، بمؤسّساتها وسياساتها وفي سلوكها وهذا ترك المجال للتدخلات. يعني نحن اليوم إذا أردنا أن نرى، كلّ الدول العربية في العملية الديمقراطية الداخلية، في ديناميات داخلية ليس عندنا أيّ نظام تغيّر. يعني حتّى تداول السلطة كان إمّا بواسطة انقلابات أو بواسطة تغيير يسمّونه تجديد في نفس المنظومة السياسية الحاكمة

سامي كليب: صحيح

حسن خليل: وهذا أعتقد موجوداً في كلّ الدول العربية. نحن من هنا، عندما نريد أن نطُلّ على التجربة التي سُرِدت في المقالة، نعم، من اللازم أن تقف إحدى مؤسّسات الدولة مع الحراك الشعبي، والمقصود بهذا هنا هو الجيش. يعني عندما يريد أن يقف الجيش في أيّة دولة إلى جانب مطالِب شعبية، في تقديري هذا موقف نبيل وموقف مطلوب. ولكن، إذا أردت أن أفعل كالذي حدث في (السودان) اليوم، لا، الشارع السوداني يريد دولة مدنية، يريد حكومة مدنية، وماذا صار حينها، نفس المنظومة العسكرية التي كانت حاكمة مع "البشير" هي نفسها انقلبت على "البشير" وقالت له: "اجلس أنت الآن جانباً واستمرّ في الحُكم"

سامي كليب: ولكن في تاريخ (السودان) دكتور "حسن"، مثلاً "سوار الذهب" استلَم الجيش ثمّ سلَّم للمدنيين. الآن الاتحاد الأفريقي بمُساعدة (مصر) أعطى الجيش ثلاثة أشهُر لتسليم السلطة إلى المدنيين

حسن خليل: لكن أيضاً هناك دول عربية أعطت للجيش إمكانيات مالية ليس لكي يظلّ لثلاثة أشهر

سامي كليب: صحيح         

حسن خليل: ليظلّ يقبِّض في السلطة إلى حين

سامي كليب: صحيح

حسن خليل: كلمة "إلى حين" عندنا في الوطن العربي تفتح أحياناً إلى أحيان كثيرة

سامي كليب: صحيح

حسن خليل: هذه المنظومة

سامي كليب: بينما الجيش في (الجزائِر) جنّب البلاد خضّة كبيرة

حسن خليل: صحيح في (الجزائِر) لأنّ في الحال السياسية الراكبة قوى المُعارضة الحزبية ليست على قدر أن تُشكِّل قاعِدة شعبية كبيرة. القاعِدة الشعبية كانت جزءاً منها مُسيطر عليه من المنظومة الحاكمة وجزء منه كان قد ترك الأمور، وصار عنده مثل طريقة أنّ عنده يأس من هذا الموضوع. وجود الجيش في هكذا حالة يُمكن أن يحمي حالة حراك شعبي موجود

سامي كليب: حسناً، في (السودان) مَن هي المُعارضة السودانية حالياً التي تتحرّك في الشارِع؟ "ياسر بركة" الأمين العام لحزب "الأُمّة" السوداني في (بريطانيا)

ياسر بركة: المُعارضة الآن هي عبارة عن تكتّلات تُشكِّل أجساماً عديدة جداً، فيها تنظيمات شبابية، فيها منظمات مُجتمع مدني، فيها كلّ الأحزاب الرئيسية في (السودان) بما فيها "حزب الأُمّة"، حزب "المؤتمر السوداني"، حتّى الحركات المُسلّحة. هناك تنظيم أو تنظيمان مؤكّد أنهما من اليَسار وهما "الحزب الشيوعي" وحزب "البعث العربي" نوعاً ما، لكن الغلبة ستظلّ لتنظيمات الوسط وهي "حزب الأُمّة"، حزب "الاتحاد الديمقراطي" حتّى بما فيهم "المؤتمر السوداني"

سامي كليب: حسناً. "داليدا"، واضح من خلال الكلام أنّ الأحزاب لوحدها لا تستطيع أن تُحدِث تغييراً، على الأقل وفق ما تبيّن لنا في الوطن العربي على مدى السنوات الماضية، إلّا إذا تدخّل الجيش. حصل هذا في (مصر)، حصل في (تونس)، حصل في (الجزائِر)، حصل في (السودان)، حصل في (سوريا). أينما كان بلا الجيش لا يُمكن أن تحدُث حركة تغيير عملياً. هلّ هذا جيِّد للأحزاب؟ أو سيّئ عملياً؟

داليدا مولى: كنّا اتفقنا أنّ الدول الموجودة في العالم العربي ليست دُوَلاً نشأت في شكلٍ طبيعي

سامي كليب: صحيح

داليدا مولى: وبالتالي، مؤسّسات هذه الدول أيضاً ليست مُكتمِلة. يعني، ميثاق الدستور لم يكن يحتوي على جوهر الدستور ومدرسة في علم الاجتماع واضحة للدستور، القصص الاقتصادية، كلّ هذه الأُمور كانت فيها إشكاليات في الدول الناشئة في العالم العربي. ومن هنا، عندما تحدث أية مخاطر، وقلنا نحن أنّ هناك تفتُّتاً بين الجماعات، تفتّت خطير جداً، عند حدوث أية أزمة، المؤسّسة الوحيدة التي هي أكثر قوّة ستتدخّل، وهي الجيش. هذه طبيعة الأمور، فالجيش إما يتدخّل بقرار من النظام أو يقف مع الشعب ويختار خياره إنما هو الذي يظلّ العامِل الضامِن الوحيد عند حدوث تفكّك إلى هذا الحدّ في المُجتمع

سامي كليب: ولكن عندنا مُشكلة في الدول العربية، مُعظم الجيوش مع استثناءات قليلة مدرسة أميركية، أليس كذلك

داليدا مولى: إذا أردنا أن نتحدّث عن السودان شيء             

سامي كليب: يا دكتور "حسن"؟

داليدا مولى: إذا أردنا أن نتحدّث عن (الجزائِر) شيء، وإذا أردنا أن نتحدث عن (الشام) شيء آخر. دعنا يعني أيضاً لا نضعهم كلّهم في نفس الخانة

سامي كليب: لا، (الجزائِر) غير (السودان)

داليدا مولى: في (السودان) عليك أن تبحث عن (السعودية) و(الإمارات)، الموضوع واضِح، مشروع وكيف يلعب المشروع وماهية الارتباطات التي صارت وكم تدخّل كيان العدو في (السودان)، في جنوب (السودان) وفي شماله إلى حدٍّ ما. "عُمر البشير" راح ليقود الحرب ضدّ (اليمن)، يعني هناك أمور في (السودان) مُرتبطة بمحوَر مُعيّن وواضحة. الآن الجيش، لم يتضح لنا بعد كلّ شيء إنّما لحدّ الآن الأُمور ليست مُطمئِنة كثيراً. أنا أؤيِّد الرأي الذي يقول أنّ الأمور ليست مُطمئِنة

سامي كليب: كأنّ هناك زيارة عسكرية إلى (السودان) من (أميركا)

داليدا مولى: القراءة الأوليّة نقول لأنه ليس في إمكاننا أن نجزم من أول عدة أيام، لكن في (الجزائِر) الموضوع مُختلِف. في (الجزائِر) ثورة ضخمة والشعب نال حريّته بعد نضال شعبي طويل جداً وشاق، دولة المليون شهيد، دولة قادرة على أن تحمي نفسها من الخارِج

سامي كليب: صحيح

داليدا مولى: والجيش يُدرِك خياراته إلى حدٍّ ما

سامي كليب: الجيش يعرِف أنه صار في السنوات القليلة الماضية أيضاً نوع من الصراع الضُمني الأميركي الفرنسي عملياً أو الغربي. حسناً، لو سمحتُم فقط بشكلٍ سريع نمُرّ إلى (تونس)، تقرير الزميل "عماد شطارة" عن المُعارضة التونسية، حجمها، أهميتها حالياً، خصوصاً أنّ (تونس) الآن أيضاً في مخاض سياسي جديد

تقرير – عماد شطارة من تونس

عماد شطارة: لم تنجح المعارضة في (تونس) يساريةً كانت أم قوميّةً عربية أو ديمقراطية اجتماعية، في طرح نفسها بديلاً حاكماً بعد الثورة لذلك تحرُص رغم ضعف رصيدها الانتخابي على رصّ الصفوف ورفع الصوت في الشارِع لتصحيح بوصلة البلاد في مناصرة القضايا العادلة في كلٍّ من (فلسطين) و(سوريا) و(اليمن)

زهير المغزاوي – عضو في الكتلة الدمقراطية البرلمانية التونسية: التدخل خارجي، من قوى خارجية تُحاول أن تصنع مشهداً سياسياً في (تونس) يتماشى مع مصالِحها، فهنالك تدخُّل قطري، تدخُّل سعودي، تدخُّل فرنسي، تدخُّل إماراتي

عماد شطارة: مع "النهضة" التقى معظم العائِلات السياسية زمن الدكتاتورية في مُحاربة الاستبداد وما يصفونه بالمُعارضة الكارتونية المُطبِّعة مع نظام "بن علي" فيما عُرِفَ بجبهة الثامن عشر من أكتوبر/ تشرين الأول، وضدّ "النهضة" وما يعتبرونه خطرَ مشروع الإسلام السياسي تحوّلت المواجهة بعد الثورة، مواجهة أدخلت البلاد في مُنزلق الاغتيالات السياسية ومخاطر التكفير والإرهاب

فتحي العيادي – عضو في كتلة حركة النهضة البرلمانية التونسية: أكثر ما ننصت له ونحن في المُعارضة وننصت له ونحن في الحُكم هو صوت الشعب واحتياجات شعبنا وكيف ننسجِم مع خيارات شعبنا

عماد شطارة: النهضة عرفت، في تنظيمها الداخلي وامتدادها الخارجي، كيف تستثمر صراع المحاور في المنطقة لصالِحها بما جنّبها استهداف ما يُسمّى بقوى الدولة العميقة ورموز النظام السابق، وحدَّ من تأثير خصومة قوى اليَسار معها، يسارٌ يحتاجُ بحسب المراقبين إلى مُراجعة خطابه واستراتيجية عمله داخلياً وخارِجياً لقلب الموازين في المشهد

سامي كليب: في شكل سريع لأنه لم يبقَ لدينا إلّا وقت قصير جداً، دقيقة واحدة. "داليدا" سؤال سريع. لو أردتِ أن تُقنعي الآن شاباً بأن يدخُل في الحزب القومي بماذا تقنعينه عملياً؟ في مُستقبل كيف سيكون؟ ولماذا؟ لكن في شكل سريع لأنه لدينا دقيقة ونصف الدقيقة فقط للجميع 

داليدا مولى: أُقنِعه بأن يتابع المشهد الذي صار منذ ثماني سنوات إلى الآن، نقول له: من تحمّل أعباء الحرب؟ من تحمّل أعباء المدافعة عن (فلسطين) المحتلّة؟ وكيف اتّحدت حين اتحدت هذه البلاد واستطعنا أن نرى بشكلٍ أفضل، على الأقلّ انتصرنا للمرة الأولى على الإرهاب حين كانوا يُبشّروننا بأننا نحتاج إلى عشر سنوات وعشرين سنة كي ننتصر عليه. انتصروا عليه في (العراق) وفي (الشام) وفي (لبنان) نتيجة هذا التعاون. لا يوجد مجال سوى هكذا. من هنا، صدِّق، يقتنع لأنه في النهاية إذا كان عنده الوعي البسيط للأمور في إمكانه أن يُلاحِظ هذه التفاصيل

سامي كليب: دكتورة "منى" السؤال، بعد تجربة المُعارضة في (سوريا) وما وصلنا إليه، عندكِ نصيحة للمُعارضات في الوطن العربي؟ من تجربتكِ، من تجربة المُعارضة السورية؟

منى غانم: نعم، أعتقد أنّه على المُعارضات أن تصرّ على العمل السياسي وأن تضع موضوع الحريات السياسية أولوية لها. تغيير، بين قوسين، النظام لا يضمن أن هناك تغييراً حقيقياً في اتجاه الأفضل. لا يُمكن تحقيق تنمية في هذه البلاد إلّا في تحقيق حدّ أدنى من تداول السلطة والديمقراطية، بالتالي لا بدّ من وضع الحريات السياسية وأيضاً نُقطة أخيرة أريد أن أُعلِّق عليها، موضوع وجود الجيش أو غيره. نحن في المنطقة العربية نحتاج إلى قيادة سياسية تؤمن ببناء الدولة على غرار ما حدث في (تركيا)، يعني المُقاربة يجب أن تؤخَذ، ما حدث في (تركيا) التي استطاع "أتاتورك" لأن يؤسّس سلطة راسخة للدولة التركية مع دور للجيش، هذا شيء مهم جداً وهذا ما نفتقده في (سوريا)، أن تكون هناك زعامات قوية جداً تبني دولة مؤمنة بالديمقراطية

سامي كليب: حسناً، مع الإشارة إلى أن الرئيس التركي عاد وأقام نظاماً رئاسياً عملياً

منى غانم: للأسف، نعم

سامي كليب: أُستاذ "حسن" دكتور "حسن"

حسن خليل: نعم

سامي كليب: سؤلي أيضاً، كما "داليدا"، اليوم هلّ تعتبر أنّ هناك مستقبلاً للشيوعية بعد في الوطن العربي؟ أم يجب تغيير حتّى الإسم؟

حسن خليل: طالما هناك فقر، هناك استبداد، هناك تبعيّة، هناك امبريالية ورأسمالية في هذا العالم، فوجود الشيوعي أو أيّ فكر تغييري في وجه هذه المنظومة هو ضرورة. وهنا كلّ شاب وكلّ مواطن عربي، إذا في إمكانه فقط أن يصل إلى مُستوى وعي لقضاياه وهمومه ومشاكله ومستقبله ليأخذ هو القرار الذي يريده بغضّ النظر عن أيّ خيار سياسي يختاره بشرط أن تكون بوصلة المقاومة هي (فلسطين)، بوصلة المواجهة هي هذا المشروع الأميركي وبوصلة الداخلية هي الانتصار لبناء دولة وطنية يدمقراطية ولا طائِفية

سامي كليب: شكراً جزيلاً لك. كالمعتاد أعزّائي المُشاهدين، الدكتاتورة المُخرجة "بيترا أبي نادر" تقول انتهى الوقت. شكراً جزيلاً لكم جميعاً، شكراً لضيوفي الكرام، إلى اللقاء في حلقة مقبلة من "لعبة الأُمم" في الأُسبوع المقبل عبر قناة "الميادين"، إلى اللقاء