كلمة حرة

برنامج حواري نصف شهري تفاعلي يتناول قضايا متنوعة من العالم والأحداث الآنية فيه، ويعرض لوجهات نظر عربية وأجنبية حول القضية موضوع النقاش في الحلقات، سياسية كانت أم اجتماعية. يقدّم البرنامج النائب البريطاني "جورج غالاوي" المعروف بآرائه الداعمة للقضية الفلسطينية خصوصاً والعرب عموماً. ويتمّ تصوير حلقاته بالكامل في العاصمة البريطانية لندن، وتتخلل حلقاته مداخلات من الشارع البريطاني.

ليبيا

 

جورج غالاواي: إسمي "جورج غالاواي" وأنا أُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية من هنا في (لندن). أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أم على التلفاز أو هنا في شوارع (لندن). "كلِمة حرّة" تعني حرية التعبير، وهذا ما أقوله. إذاً، "كلِمة حرّة" هي محادثة في اتجاهين، تابعونا على قناة "الميادين" التلفزيونية 

المحور الأول:

جورج غالاواي: أهلاّ بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن (ليبيا). معنا جمهور من الخبراء المُميّزين وواحد أو إثنين من الهواة المتحمّسين أمثالي. دعوني أتكلّم بكلّ وضوح وصراحة مع حفظ حق الآخرين في الإدلاء بآرائِهم. لم يسبق لي أن التقيت بأحد من عائِلة العقيد الراحل "القذّافي" ولم ألتقِ به شخصياً. لم يكن لي أيّة علاقة بنظام الحُكم في (ليبيا) وكنت بعيداً كلّ البُعد عن تأييده، لكن في رأيي الدمار الذي أحدثه غزو حلف "الناتو" لـ (ليبيا) نجحَ في جعل نتائج فعلٍ سيّىء أسوأ بكثير من الفعل نفسه. سبق أن زرت (ليبيا) أكثر من مرّة أثناء حُكم العقيد الراحل "القذّافي" ولم أُعجَب بها حينها مع أنني أُدرِك أنّ هناك أشخاصاً من الجمهور كان تعجبهم آنذاك وأُدرِك أيضاً أنّه كانت هناك أشياء قد تثير الإعجاب، ولكن نظراً إلى قلّة عدد سكّان (ليبيا) وكميّة النفط الهائِلة التي أنتجتها الدولة كان ينبغي أن يكون كلّ شخص في (ليبيا) مليونيراً وكان يجب أن تبدو الأماكن العامّة مثل (دبي) لكن لم يتحقق شيء من هذا. لكن تدخُّل "الناتو" كما يُسمّونه في الصراع المدني في (ليبيا) نجح في تحويل الأوضاع السيّئة والمتداعية آنذاك إلى ما هو أسوأ بكثير. من وجهة نظري لم تعُد (ليبيا) بلداً أو دولةً بل أصبحت مُقسّمة ويوجد فيها العديد من البرلمانات والحكومات ورؤساء الوزراء لكن ليس هناك دولة أو أمن أو حدود وهذه كارِثة بالنسبة إلى شعب (ليبيا) وجيرانها وكذلك إلى الاتحاد الأوروبي ودولِه أيضاً لأنّه في إسقاط النظام السابق في (ليبيا) فُتِحَت الأبواب على مصاريعها أمام ملايين اللاجئين الذين إن حالفهم الحظّ في عبور البحر الأبيض المتوسِّط فقد تُرِكوا يُعانون الألم والبؤس مع بروز الرأي المُعادي للمُهاجرين والمُناهِض للاجئين في الدول الأوروبية المعنية لاسيّما على الطرف الجنوبي للأراضي الأوروبية المُجاورة للمتوسِّط الذي أصبح معروفاً جيداً في رأيي من الجميع . إذاً في رأيي، تدخُّل "الناتو" وعمليّة القتل الرهيبة التي موّلتها للإجهاز على العقيد الراحل "القذّافي" كانا كارثة على الشعب الليبي وعلى الجميع. في ما يخصّ عودة (ليبيا) كدولة واحدة من جديد فأنا أشكّ في ذلك لكن هناك أمر لا أشكّ فيه، فكرة أنّ تدمير (ليبيا) سينتج منها حقبة ديمقراطية هي مُثيرة للضحك. لا يُمكن التماس الديمقراطية عبر الغزو الإمبريالي والدمار الناتج من المدافِع الأجنبية، وقد ثبتت صحة توقّعي في السنوات التي تلت إطاحة النظام الليبي السابق. لماذا قمنا بهذا؟ لستُ واثقاً تماماً ولكن لديّ آرائي حول تورُّط الرئيس "ساركوزي" وإن اضطررت سأطرحها، إنّه يخضع حالياً لمُقاضاة جنائية. أما عن سبب تورُّط "ديفيد كاميرون" وسبب جرّ (بريطانيا) و(فرنسا) وأنا مؤمن أنهم جَرّوا الإدارة الأميركية لتقديم الدعم الكامل لأحد أنواع التطرُّف الإسلامي أو لآخر، هذا يفوق ويتجاوز ثقافتي وتخميني. فكرة تمكين جماعة متطرِّفة إسلامية أو أكثر ودعمها وتسليحها وتمويلها في الوقت نفسه، هذا المنطق غير قابل للتصديق ببساطة بالنسبة لي. سأُقدِّم ملاحظة أخيرة قد لا تكون معروفة لكلّ الجمهور الدولي. كانت هناك جماعة تُدعى "الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، مضمونها واضح من إسمها، وقد دعمتها الحكومة البريطانية وشُجِّعت للعيش كمجموعات في (مانشستر)؛ كنت أعرِفهم جيداً. فجَّر أحدهم ساحة (مانشستر) في مُهمّة انتحاريّة أثناء حفل لـ "أريانا غراندي" وكنت على بُعد بضعة مئات الأمتار من المكان حين وقعَ الانفجار. كان قتلاً جماعياً لأطفال صغار وأُمّهاتهم وآبائِهم في حالة أو حالتين معاً. تمّ ارتكاب ذلك من قِبَل أحد أبناء "الجماعة الإسلامية الليبية المُقاتلة"، جماعة ترعاها الحكومة البريطانية وأُرسِلت لتُقاتل في (ليبيا) من قِبَل الحكومة البريطانية، سمحت لها الحكومة البريطانية بالتنقُّل ذهاباً وإياباً بين (بريطانيا) و(ليبيا). أطلق البعض على ذلك تحريراً وفي رأيي لقد فُتِحت أبواب الجحيم من قِبَل الحكومة البريطانية وحكومات حلف شمال الأطلسي المُشترِكة في تدمير (ليبيا). هذه هي آرائي الصريحة والآراء الأُخرى الصريحة متاحة، فلنسمع البعض منها الآن. "جوناثان"

جوناثان فراير – كاتب: أنا "جوناثان فراير"، كاتب ومُذيع في الشرق الأوسط وشمال (أفريقيا). كنت أزور (ليبيا) باستمرار خلال سنوات حُكم "القذّافي"، أظنّ أنني أُخالفك الرأي في مسألة واحدة يا "جورج" وهي أن بالطبع ما حدث في (ليبيا) كان كارِثة منذ أن تدخَّل حلف "الناتو" لكن علينا أن نتذكّر أنه قبل ذلك كانت هناك ثورة حقيقية في (بنغازي) لأشخاص لم يكونوا متعصّبين إسلاميين وأرادوا وجهاً جديداً لـ (ليبيا)، وسبب قرار دول "الناتو" في التدخل، ربما الآن قد تبدو طريقة تدخلهم خاطِئة جداً في العودة إلى الماضي، السبب كان تعرُّض هؤلاء الناس للتهديد من قِبَل إبن الرئيس "القذّافي" "سيف الإسلام" حيث هدّد على التلفاز بمُلاحقتهم وقتلهم، فظنّ "ديفيد كاميرون" أنّ هذه فُرصة لتحمّل مسؤولياتنا في حماية المُجتمع الدولي وأنّ علينا وقف ما كان قد يتحول إلى مجزرة، لكن الأمور اتّخذت مجرىً سيئاً للغاية ولا يسع المرء سوى أن يأمل أن نتعلّم من هذه الغلطة، من كيفية الردّ على مواقف من هذا النوع في المُستقبل لأننا سنتعرّض لمواقف مُشابِهة

جورج غالاواي: دعني أُحلّل معك بعض النقاط التي ذكرتها يا "جوناثان" بما أنّك خبير. ما السرّ الذي جعل مُسلمي (بنغازي) يأسرون قلب "ديفيد كاميرون" في حين لم تسترعِ محنة المُسلمين في (غزّة) انتباهه قط؟

 جوناثان فراير: علينا أن نُدرِك أنّ هذا كان جزءاً مما سُمّيَ خطأً بـ "الربيع العربي" والذي أُفضِّل أن أُسمّيه "الصحوة العربية الجديدة" التي بدأت من (تونس) في ديسمبر/ كانون الأول من عام 2010 وبدأت تكتسِح دول الجوار. ما رأيناه في (بنغازي) وكان بعيداً دائِماً عن (طرابلس) ومُعارضتها للسلطة حين كان في السُلطة، رأينا مئات آلاف الناس العاديين ينزلون إلى الشوارِع ويستجدون طلباً لدولة جديدة وديمقراطية وهذا النوع من الأمور

جورج غالاواي: هذا يحدُث خلف الجدار كلّ يوم جُمعة في (غزّة)

جوناثان فراير: سنتّفق أنا وأنت في الرأي حيال (غزّة) بالطبع لأنّ كلانا داعمان بقوة

جورج غالاواي: حلف "الناتو" لن يقصف (إسرائيل) قط

جوناثان فراير – كاتب: لا بالفعل، لكن أظنّ أنّ علينا تقبُّل وجود توق حقيقي للتغيير في (ليبيا) في ذاك الوقت، والأمر المُريع أنّ كلّ شيء سارَ على نحوٍ خاطئ

جورج غالاواي: صف لنا الوضع الآن من وجهة نظرك

جوناثان فراير: كما ذكرت في مُقدِّمتك، الدولة مُقسّمة الآن إلى عدّة أجزاء مع عدّة إدارات ومناطق مُختلِفة وليست خاضعة لحُكم القانون أبداً. هناك عدّة أنواع من الفصائِل بعضهم إسلاميّون وبعضهم من أُمراء الحرب كما نُسمّيهم في مُصطلحات القرن العشرين، وما لم يحصل في شكلٍ أساسي هو الفُرصة المُلائِمة لتوحيد الجميع معاً، ثم كان لدينا تدخُّل "حفتر" بالطبع ومُحاولته الاستئثار بالسُلطة من قِبَل مجموعة مُحدّدة تدعمها دول مُعيّنة في العالم العربي ما يُصعِّد الوضع برمّته أكثر

جورج غالاواي: كيف تصف "حفتر"؟

جوناثان فراير: إنّه أمير حرب بشكلٍ رئيسي ويُريد أن يكون الزعيم الأكبر، ربما شخصيّته مُختلفة عن شخصيّة "القذّافي" لكنّه يُريد أن يُسوّي الوضع بحيثُ يكون مُسيطراً ويكون لديه حينها بعض الانضباط العسكري في البلاد. رغم حاجة البلاد إلى الانضباط السياسي فإن حاجتها إلى حكومة بقيادة عسكرية هي مسألة أُخرى

جورج غالاواي: ما هي الدولة التي خطرت لك حين قلت أنّه مدعوم من قِبَل دولة مُعيّنة؟

جوناثان فراير: جميعنا نعلَم أنّه نالَ دعماً من بعض دول الخليج وتمّ إرسال المال إليه وحظيَ بالدعم السياسي أيضاً

جورج غالاواي: من المعروف أنّ "ترامب" اتّصلَ به هاتفياً ولم يُغرِّد له على "تويتر" فحسب. عمّا كان يدور الحديث؟

جوناثان فراير: يُحبّ "ترامب" أن يُشرِك نفسه في أمور أجزاء مختلفة من العالم وهذا أمرٌ قام به الرؤساء الأميركيون على مرّ الأجيال وأفترِض أنه كان يُحاول في شكلٍ أساسي أن يرى إن كان في وسعِه في ظلّ فترة رئاسته أن يتوصّل إلى حلّ في (ليبيا). أظن أنّه بعد تدخّله بدأ يفهم أنّ الأمر ليس بهذه السهولة وأنّ التورُّط الخارجي على المُستوى الحكومي من المُرجّح أن يزيد الأمور سوءاً

جورج غالاواي: أتظنّ أنّه حذف رقم هاتفه الآن؟

جوناثان فراير: لربما لا يزال لديه في مكانٍ ما

جورج غالاواي: سيّدي!

عبد العزيز ضوّ - صحفي: أنا الدكتور "عبد العزيز ضوّ"، مُحلّل وصحافي ليبي. قبل كلّ شيء دعني أشكرك سيّد "جورج" على دعوتك لي إلى برنامجك. ثانياً، حين نتحدّث عن (ليبيا)، وأنا ليبي، فنحن نتحدّث بقلبٍ مفطور في الواقع لاسيّما حين نتحدّث عن (ليبيا) وما حصل فيها هنا في (لندن)، هذا يُحزِن كلّ مواطن ليبي لأنّ علينا أن نحلّ مُشكلاتنا داخلياً بين الأطراف المُختلفة لدينا. لكن المشاكل الليبية تتضمّن عُنصرين، العُنصر الأول هو داخلي والثاني هو عنصر خارِجي ويشمُل (تركيا) ودول الخليج ودول الجوار ويُمثِّل الجزء الإقليمي المحلّي. حين نتحدّث عن العُنصر الدولي نقصِد مَن يتحكّم بمجلِس الأمن. بالنسبة إلى المُشكلة الداخليّة في (ليبيا) ما زالت هناك معلومات مُضلِّلة تُستغلّ حتّى يومنا هذا بعد عشر سنوات من انهيار نظام الحُكم السابق، تضليل وخداع. أجل تمتلِك (ليبيا) احتياطيّ نفط وغاز بالفِعل وتعداد سُكّانيّ منخفِض حيثُ يبلُغ عدد السُكّان ستّة ملايين نسمة وأرض شاسِعة جداً تُقارِب مليوني متر مربّع، فحين نتحدّث عن عدم تطوُّر (ليبيا) وعدم وجود تعليم فهذا خاطئ، يعلم الشعب الليبي أن هذا الكلام خاطئ. ما حدث في مطلع عام 2011 وسُمّي بـ "الربيع العربي" جميعنا كعرب تأثّرنا بشكلٍ مُباشر به سواء الشعب التونسي منّا أم الليبي أم المصري، ويُسمونه الآن "صيف شمال أفريقي حار جداً". إذا حدث أن زرتم شمال (أفريقيا) فستعلمون ما يرمُز إليه حرّ الصيف هناك، فلم يتحسّن الآن الوضع الاقتصادي في (تونس) قيد أُنملة وعمّت الفوضى في (ليبيا) كما تصفونها. يُحاول الشعب الليبي بجدٍّ كبير لكن بسبب العناصر الخارجية المرتبطة بالإخوان المُسلمين الذين يعتمدون على (تركيا) مثلاً لدعم ممارستهم و(قطر) التي تمدّهم بالمال، والحزب الآخر المُناهِض للمتعصّبين الإسلاميين الذين يتحكمون في المنطقة، كانوا يُحاولون السيطرة على (مصر) ولكنّهم طُرِدوا من هناك والآن هم يُحاولون بشدّة أن يُسيطروا على (ليبيا) لأنّها تحوي احتياطات أموال كثيرة تُمكّنهم من مُتابعة أجندتهم وهي التحكُّم في العالم الإسلامي والعربي. تدعمهم (تركيا) وليس الشعب التركي بل رئيس الوزراء وحزبه، وحين يسقُط أو يُطرد من الحكومة ستعود (تركيا) ربّما إلى سابق عهدها في كونها دولة متحرّرة لا علاقة لها بالمتعصّبين الإسلاميين. نحتاج اليوم إلى الحقيقة، والحقيقة هي أنّ دولتنا كانت تتقدّم ببطء لكن بثبات لحلّ مُشكلاتها وتولّي العديد من الأمور في خضمّ ذلك. لسوء الحظّ يقول بعض الناس إنّ "الربيع العربي" الذي حصل في (تونس) و(مصر) جيِّد للشعب الليبي، ونحن نعلم أنّ الساحة السياسية الليبية هي ساحة اجتماعية في الواقع لأننا لسنا مجتمعاً ناضجاً كالغرب بل مُجتمع قبَليّ عائِليّ ونعرِف دولتنا حقّ المعرِفة. حين نتحدّث عن العقيد "خليفة حفتر" علينا التحدّث عن الجيش الوطني الليبي، إنّهُ آخر ضابط في التسلسل الهرمي للرُتَب في الجيش الليبي لكنه يجمع الجيش الوطني الآن وكلّ الشعب الليبي الآن يدعم ذلك الجيش. بالرغم من أنّ العقيد "خليفة حفتر" يترأس ذاك الجيش

جورج غالاواي: لنأخُذ وجهة نظر أُخرى من ليبي آخر. سيّدي، كيف ترُدّ على النقاش حتّى الآن؟

صبري مالِك – عضو الحزب الديمقراطي الليبي: إسمي "صبري مالِك" وأنا من الحزب الديمقراطي الليبي. نحن حزب علماني ونريد أن نرى (ليبيا) تُصبِح كـ (سويسرا) في غضون أربعين عاماً

جورج غالاواي: هذه رؤية مُلهِمة!

صبري مالِك: أجل، هذا ما نعمل لأجله. تمُرّ (ليبيا) بمصاعِب كثيرة وهي مشاكل "الربيع العربي" بالطبع. نحن نُحاول في الحزب الديمقراطي أن نُركِز على الجانب الإيديولوجي للمُشكلة لأنّ (ليبيا)، كما هو حال كلّ العالم العربي، منقسم على إيديولوجيتين هما القومية العربية والأُصولية. القومية العربيّة ميتة تقريباً لكننا نواجه مُشكلة مع الأُصولية. نحن نقول في الحزب الديمقراطي أنّه من أجل أن ينجح "الربيع العربي" علينا أن نتخلّص بشكلٍ عام من ماضينا، ماضينا المناصر للحُكم الديني. لا يُمكن أن نحظى بالديمقراطية إن بقينا نُفكّر بنهجٍ ديني، الديمقراطية والسلطة الدينية يستبعد كل منهما الآخر والأُصوليون المتعصبون لا يفهمون ذلك، بعضهم يريد الديمقراطية لكنّهم يحملون أفكاراً دينية. إذاً، ما نقوله نحن أنّ الإسلام ديمقراطي وليس بالضرورة حكماً دينياً، صادفَ أنّه كان كذلك تاريخياً بسبب غياب الديمقراطية ولكن لأسباب تاريخية أخفقنا في توطيد الديمقراطية لكن يجب ألّا نظلّ أسرى لذاك التاريخ وعلينا أن نتطلّع إلى مُستقبل ديمقراطي. لدينا إيمان كبير بالأجيال الشابة للشعوب العربيّة وهُم متأثرون إلى حدٍّ كبير بالفِكر الغربي ولديهم إمكانية الوصول إلى وسائِل الإعلام الغربية، ووسائِل التواصل الاجتماعي تُساعِد كثيراً ونأمل بأن نتوصّل خلال عشر سنوات تقريباً إلى قطيعة مع الماضي وسنُطبِّق الديمقراطية بدل أن نبقى في ظلّ حكمٍ ديني

جورج غالاواي: في آخر مرّة تحدّثنا فيها تعارضنا بشدّة أو بالأحرى تصادمنا وأصبحَ تصادمنا مشهوراً. شكرت "ديفيد كاميرون" و"ساركوزي" على مُهاجمتهما لبلدك، أما زلت تشعُر كذلك؟

صبري مالِك: الأمر هو أنّ حلف "الناتو" ساعدنا على التخلُّص من "القذّافي" ونحن ممتنون لذلك، لكنّ الغرب لم يرغب في إقامة دولة ديمقراطية في (ليبيا). أرادوا أن يعزِلوا "القذّافي" ويحتفظوا بأتباعه. لقد دعموا الثورة المُضادة منذ البداية ولهذا السبب نحن نواجه مشاكل في (ليبيا)، بعد ثماني سنوات من سقوط "القذّافي" ما زالت لدينا مشاكل كبيرة، هذه المشاكل هي نتيجة الكثير من التدخّل الأجنبي. لا يريد الغرب ديمقراطية في (ليبيا) ونحن نُعاني بسبب ذلك

جورج غالاواي: مع فائِق احترامي، أخبرتك بذلك حينها

صبري مالِك: دعني أُنهي كلامي فحسب. (السعودية) و(الإمارات) و(الهند) و(مصر) متورطة إلى حدٍّ كبير في مُحاولة تدمير الديمقراطية المتبرعمة في (ليبيا)

جورج غالاواي: ليس هناك من ديمقراطية متبرعِمة في (ليبيا)

صبري مالِك: نحن نعمل من أجلِها بالرغم من ...

جورج غالاواي: ليس هناك تبرعُم، لا تزال بذرة

صبري مالِك: نحن نعمل على ذلك بالرغم مما يُريده الغرب ورغم ما يُريده محور الشرّ العربي المُتمثِّل في (السعودية) و(الإمارات) و(مصر)

جورج غالاواي: أما زلت في الضمان الاجتماعي في (بريطانيا)؟

صبري مالِك: هذا ليس من شأنك

جورج غالاواي: أنت مُحام دولي سيدي وتعرِف المنطقة جيداً، أنت أيضاً "تُركي" إن جاز لي القول. كيف ترُدّ على الأشخاص الذين يقولون أنّكم محور الشرّ وأنّكم جشعون وتتغذّون على خراب (ليبيا)

جيمين غورسيل – محام: يشكُر بعض الناس "ساركوزي" و"ديفيد كاميرون" وآخرين على إسقاط قائِده. حسناً، إسقاط القائِد أمر لا بأس به لكن تمّ تدمير بلدكم بالكامل، تمّ تقسيمه إلى ألف جزء. هلّ ستكون هناك ديمقراطية؟ مستحيل. أرِني دولة ديمقراطية في العالم العربي! ليس هناك وجود للديمقراطيّة. الآن لنعود إلى سبب تدخُّل (تركيا). (تركيا) لم تتدخّل أبداً، تذكّروا حين تمّت إطاحة "القذّافي"، الرئيس التُركي "أردوغان" الذي كان في ذلك الوقت رئيساً للوزراء، من كان عليه أن يدعم؟ السؤال البسيط المطروح هو ما علاقتهم بالأمر؟ ولماذا يريدون الإطاحة بـ "القذّافي"؟ ثمّ أُجبِرَ على دعم غزو ما يُسمّى دول "الناتو" لـ (ليبيا) لإحلال الديمقراطية في (ليبيا) كما فعلوا في دول عربيّة أُخرى! في ما يخص التدخل التركي مؤخراً إن كنّا نتحدث عن الجنرال "حفتر"، من هو الجنرال "حفتر"؟ من يكون؟ كان مع "القذّافي" حين قاما بالثورة ضدّ الملك "إدريس" وكانا يعملان معاً. إن كان هناك تداع في الدولة خلال فترة حُكم "القذّافي" فقد كان مسؤولاً عنه هو أيضاً لأنّه كان طرفاً في الأمر، ثمّ هرب إلى الولايات المتحدة، وماذا فعلَ خلال عشرين عاماً قضاها هناك؟ تمّ تعليمه وتدريبه ليعود بعد سقوط "القذّافي" ليقوم بتقسيم بلده. الآن مع من يتحالف؟ بدءاً من (الإمارات)، هلّ هي دولة ديمقراطية؟ هذا غير صحيح. هلّ (السعودية) دولة ديمقراطية؟ هلّ (مصر) كذلك؟ إذاً أين الديمقراطية في العالم العربي؟ الرُعاة الأكبر للقاتل "حفتر" الذي يجب أن يُحاكم في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بسبب ارتكابه جرائِم حرب هما الولايات المتحدة الأميركية و(فرنسا). إذاً ما داموا يملكون هذا النفط ومع وجود هذه المصالِح الخارجية سيكونون مُلزمين بالإذعان لقادتهم الذين سيفرضهم عليهم الدُخلاء الخارجيين

جورج غالاواي: حسناً. عليكم أن تسمحوا لي بأن أقول بأنه سبق لي أن أخبرتكم بذلك، حذّرتكم من كلّ هذا لاسيما أنتم الذين دعمتُم الهجوم العسكري لـ "الناتو" على دولتكم. وبالمناسبة، من شأني إن كنت مضموناً بالتأمين الاجتماعي في (بريطانيا) لأنّك إن كنت مضموناً فأنا أُسهِم في دفع ثمنه. سنعود على الفور بعد الفاصل                              

المحور الثاني

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بحديث عن (ليبيا). اصطحبنا كاميرا "كلمة حرّة" إلى شوارِع (لندن) لاستطلاع آراء الناس. فلنُشاهِد

المُحاور: هلّ تستغلّ (أميركا) وحُلفائها الجنرال "حفتر" لتبدأ صراعاً ضدّ (تركيا)؟

شاب 1: أظنّ حتماً أنّ (أميركا) تستعمل طرق مختلفة لتُسبّب مشاكل في (ليبيا) من أجل منافع ماليّة

شاب 2: يتعلّق الأمر بتقسيم الدول. إذاً تنتقي الدول من ستدعم بناءً على الدول التي تدعم الشخص فإن أخرجناه من (ليبيا) يُمكننا الانقسام بين دول كُبرى في العالم ما قد يقود إلى حرب كما ذكرت

شابة 1: أقترح أنّ أيّ تحالف بين أطراف غربيين ليسوا متورّطين في صراع في المنطقة يجب أن يكون موضع تساؤل، فهذا مُحتمل لكن لا أستطيع أن أجزُم بشكلٍ قاطع

المحاور: لماذا تظنّ أنّ العديد من الدول يُروِّج للفصائِل في (ليبيا) بدلاً من الوِحدة؟

شاب 1: أظنّ أنّ هناك أشخاصاً مسؤولين في دول أُخرى لديهم مصالِح أُخرى في (ليبيا) يُمكنهم تحقيق منافع شخصيّة ويقومون بما هو أفضل لأنفسهم بدلاً من فعل ما هو أفضل لدولة (ليبيا)

رجل 1: لا أريد أن أكون متشائِماً لكن أظنّ أنّ الأمر يتعلّق بمصالِح شخصية وأنّ للأمر علاقة بالمال وشراء الأسلِحة وبيعها. إذاً أظنّ أنّ هذا يأتي أولاً قبل مصلحة الناس وهذه هي ماهيّة أغلب الحكومات

شاب 2: كما نعلم فإنّ "ترامب" في (أميركا) يستخدم الاقتصاد والسيادة السياسية للتأثير على قرارات دول أُخرى مثلما يحدث في (المكسيك) بخصوص الاتفاقات التجارية. إذاً إن كان هناك صراع بين الدول والولايات المتحدة حول دعمها لدول معيّنة فلأنّ هذا يُضيف مشاكل أُخرى بالنسبة إلى "ترامب"

شابة 1: أظنّ أنّ هناك حافزاً سياسيا للدول الغربية أو القوية للترويج للفصائِل لأنّ هذا يمنحهم نفوذاً في حالات النزاع المُحتملة

شاب 3: أظنّ أنّ للأمر علاقة بالنفط والمنافع المالية والكسب من ذلك. كما تعلم، بُمكن لدول الغرب الاستفادة من ذلك ليس فقط (أميركا) بل أيضاً دول كـ (بريطانيا) ودول أُوروبيّة أُخرى تنتفِع من وجود الفساد والفوضى في هذه الدول كي تستفيد مادياً

جورج غالاواي: يا لها من صورة بائِسة في رأيي، لنُتابع النقاش. أجل سيّدي، الميكروفون معك

موهو – طالب جامعي: إسمي "موهو" وأنا طالب حالياً في جامعة مدينة (لندن). لستُ ليبياً ولم يسبق لي أن زرت (ليبيا) ولستُ عربياً حتّى، لكن سؤالي للسيّد من الحزب الديمقراطي هو: هلّ تظن أنّ حلف "الناتو" كان ليتدخّل بهذا القدر لو لم تكن (ليبيا) تملك هذا الكمّ من النفط؟ وهلّ أنت سعيد بنقل كلّ هذا النفط إلى (أميركا) من دون أن يبقى شيء لكم؟

صبري مالِك – عضو الحزب الديمقراطي الليبي: ليس لدي أيّة فكرة

موهو: جواب جيد

جورج غالاواي: حسناً، شكراً جزيلاً. السيّد الجالِس وراءك

جوليان مورو- ناشط: شكراً "جورج" إسمي "جوليان" وسؤالي هو عن (روسيا) التي فعلت الكثير لمنع تغيير النظام في (سوريا) لكنّها لم تفعل الكثير أو أيّ شيء لتمنع حدوث الأمر ذاته في (ليبيا)

جورج غالاواي: امتنعت (روسيا) و(الصين) في مجلس الأمن عن الموافقة على تصرّف "الناتو"، لا أظن أنّهما ستفعلان هذا مُجدداً

جوليان مورو: هلّ وجدتُ ذلك غريباً حينها؟

جورج غالاواي: أجل، لم أُناقش الأمر مع الروس لكنني ناقشته حينها مع السفير الصيني في (لندن) الذي قال إنّ هناك عدّة وجهات نظر في الحكومة الصينية حيال ما تم فعله في مجلِس الأمن وأشار إلى أنّ (الصين) لن تفعل ذلك مُجدّداً لأنّ الإذن الذي منحوه عبر الامتناع عن المُطالبة الشرعية من الأُمم المتّحدة تمّت إساءة استخدامه من وجهة نظرهم بحيث كانت منطقة حظر الطيران أمراً لكن تدمير بلد معيّن بالكامل وإحالته إلى الحُطام الذي خلّفوه كان أمراً آخر

جوليان مورو: شكراً

جورج غالاواي: السيّدة الجالسة وراءك

تامي القباني – ناشطة: أود أن أُوضِح أمراً حول ما قلته عن مُحاولة الروس منع تغيير النظام في (سوريا)؛ شعب (سوريا) يُقرِّر من سيقود دولته ومن هو رئيسه ولا أحد آخر، ليس النظام البريطاني ولا الحكومة البريطانية ولا أيّ نظام آخر، مهلاً، الشعب السوري هو من يُقرر وهذا قطعي تماماً، وقد قرر الشعب السوري من هو رئيسه. كنت في (سوريا) حين اندلعت أحداث (ليبيا) وشعرت بالاشمئزاز، إسمي "تامي القباني" بالمناسبة، من كيفية تقديم (بريطانيا) وحلف "الناتو" للديمقراطية إلى بقية العالم. لم تتم إطاحته ولم يسقُط بل قُتِلَ بدمٍ بارِد باسم الديمقراطية. كيف يمكن أن تكون تلك هي الطريقة التي نُعلِّم بها العالم ديمقراطيتنا؟ بينما أطفال (ليبيا) الذين تطلّعوا إلى الغرب باحثين عن إلهام، ثلاثون ألف شخص بمن فيهم أطفال قتلوا أثناء حملة القصف التي شنّها "الناتو"! إذاً بالنسبة إلى أطفال (ليبيا) الموتى الذين ليس لديهم فرصة ليشكروا الغرب ربّما يشكرونهم من قبورهم بما أنه لم يعُد لديهم مُستقبل بفضل الغرب. وفي الحديث عن "ساركوزي"، يجري التحقيق معه بتهمة غسل الأموال، أخذ خمسين مليون يورو من (ليبيا) ولم يُسددها ومن ثم يمضي ويقصف مع "الناتو". أعني راقبت الأمر وهو يتكشّف حين كنت في (سوريا) ولم أستطع أن أُصدِّق أنّ النظام البريطاني سيتمكن من إقناع العالم بأنّ هذا مثال على الديمقراطية. وقفت مع أروع الناس في (سوريا) الذين اختاروا وسيختارون قدرهم، وكنّا نتحدث عن الفرق بين النفاق والحكومة الدينية، أقصد الديمقراطية والنفاق، وإن كان هناك فرق بين الأمرين. لا يُمكنك طلب الديمقراطية حين ترغب ثمّ تستعمل النفاق لاسيما حين تقتل الناس مراراً وتكراراً باسم الديمقراطية. لا يفلح الأمر بهذا الشكل

جورج غالاواي: شكراً. "جوليان" أتريد أن تردّ؟

جوليان مورو: أُريد أن أقول إنّها وجهة نظر سديدة وأوافقها الرأي. حين قلت مُساعدة قصدت أنّ (روسيا) ساعدت الشعب السوري، ربما لأنّ (سوريا) أقرب إلى (روسيا). لكن من المهم أن يُقرر الشعب

تامي القباني: لنوضِح الأمر، عام 2014 في يناير/ كانون الثاني حين عُقِدَ ما يُسمّى بمؤتمر (جنيف)، حظيَ الشعب بفرصة اتخاذ القرار وقرّرَ وانتهى الأمر، ولا نظام سواء أكان النظام بريطانياً أو أميركياً، و"الربيع العربي" أو الثورة العربية كانت، وأنا آسفة، لا لست آسفة حتّى. حين تصل الثورات إلى أنظمة الولايات المتحدة و(بريطانيا) كما حدث في (فرنسا)، لننتظر ونرى ماذا سيفعلون لأن الفرنسيين يتصرفون بصمت

جورج غالاواي: من يريد أن يتحدث أيضاً؟ السيّد هنا

جون جرجيس - ناشط: إسمي "جون جرجيس" وأنا من (العراق). لديّ العديد من الأصدقاء الليبيين الآن، وفي الثمانينات حين كنت طالباً كانوا طلاباً زملاء لي في الجامعة نفسها حيثُ كنت أدرُس في (برايتون). لم يكن لديهم مشاكل حينها وكانت إدارة الدولة تتم بسلاسة وكان الجميع سعداء مثلما كنت. كان بعض الناس ينادونني صدّامياً أو بعثياً لأنني كنت أدرُس حين كان "صدّام" في السُلطة، وكانوا ينادون زملائي الليبيين بالقذّافيين لأنهم درسوا خلال حقبة "القذّافي". إذاً هذا هو الوضع، وأكثر ما يؤلمني هو أنهم لم يتعلّموا من الدرس العراقي وما حلّ ببلدي، فما حدث في بلدي حصل قبل ما حدث في (ليبيا) بوقتٍ طويل. لماذا لم يتعلّموا من الدرس العراقي؟ تحدّثت "كونداليزا رايس" عن النظام العالمي الجديد، هذا هو النظام العالمي الجديد تبعاً للأميركيين. ما زلت أذكُر حينما حاولوا أن يُعاقبوك وأخذوكَ إلى الكونغرس لكن أنت من أخذتهم وعاقبتهم في ذاك الوقت وأنا كنت من متابعيك يا "جورج". قالوا حينها في الكونغرس الأميركي أنّك أخذت نقوداً من "صدّام حسين"، نقوداً من النفط لكن أنت أخذتهم إلى المحكمة بطريقتك. لم تتغيّر قط وكان هذا هو الشيء الجيِّد حيالك ولهذا أنا أتابعك وأُحبك ولهذا أنا صديقك المُقرّب

جورج غالاواي: شكراً "جون"

جون جرجيس: شكراً لك

جورج غالاواي: كما أقول دائِماً، لم يُعطني "صدّام" أيّة نقود لكن وسائِل الإعلام تقول إنّه أعطاني الملايين، ما شاء الله! لنأخذ شخصاً آخر، أجل، السيّد في الخلف

جورج هارمفابييف - مهندس: إسمي "جورج" وأنا من (بلغاريا)

جورج غالاواي: الكثير ممَن اسماؤهم "جورج" هنا

جورج هارمفابييف: عملتُ في (بنغازي) لمدّة ثلاث سنوات، منذ العام 1987 حين حلّت الديمقراطية في بداية التسعينيات. كنت مسؤولاً عن سبعين اختصاصياً بلغارياً كانوا يعملون في محطّة كهرباء (بنغازي) وهي محطّة كهرباء ضخمة تقوم بتحلية المياه لكلّ (بنغازي). في ذاك الوقت تمّ بناء الكثير من المباني من قِبَل أشخاص من (كوريا) الجنوبية كي يعيش فيها الناس والكثير من السيارات لاسيّما المُستوردة من (كوريا) الجنوبية، وفي المُستشفيات كان هناك اختصاصيون من أرجاء (أوروبا) يعملون هناك. في الصحراء لم يكن يُسمَح للأميركيين بالعمل هناك لكنّ الأميركيين حاملي جواز السفر الكندي كانوا من اختصاصيين ومُهندسين، إذاً كان هناك نظام في ذلك الوقت وهذا كلّ ما يسعني قوله

جورج غالاواي: هذه وجهة نظر جيّدة. دعوني أُحلّل مع الشخص في المُقدّمة لو سمحتُم. أُريد تعليقك لو سمحت على شيء قاله "جوناثان" وهو غير قابل للجدل في رأيي، وهو أنّ (بنغازي) كانت مركزاً للمُعارضة. أذكُر حين أخذت أوّل موكِب لكسر الحصار على (غزّة)، أراد أهالي (بنغازي) استقبال الموكب لكن لم يُسمَح لهم فتم إرسالنا عبر الصحراء ولم نقترب من (بنغازي)، وعرِفت حينها أنّه كانت هناك صعوبات سياسية. حصل هذا قبل عشر سنوات تقريباً، قرابة ثلاث سنوات قبل ما يُسمّى الثورة. أليس الوضع هو أنّ (ليبيا) ليست دولة واحدة ويجب ألّا تكون دولة واحدة قط ولا يُمكن أن تكون كذلك مُجدداً؟ أليس هذا صحيحاً؟

عبد العزيز ضوّ – صحفي: لا، على الإطلاق. (ليبيا) دولة واحدة بقرابة الدمّ. أنا أجلُس هنا وأُختي تعيش في (بنغازي) وأقاربي متزوجون من أشخاص من (بنغازي) من الشرق. والدة جدّي من الجنوب، أعيش في (طرابلس) في (بني وليد) وسط (ليبيا)، أعمامي وأقاربي من ناحية أُمّي موجودون في كلّ أنحاء (ليبيا). هذه هي الحال الطبيعية لكلّ ليبي، والقليل منهم محلّيون من المدينة نفسها لكن كلّ الليبيين موجودين في أنحاء (ليبيا) ولا تزال (ليبيا) دولة واحدة. أفترِض أنّ هناك أمراً حيال موكبك جين اتجهت إلى (غزّة) لأنك إن نظرت إلى الخريطة تجد طريقاً واحداً باتجاهٍ واحد يُساعِد الليبيين القادمين من (مصر) أو من الشرق الأقصى ليصلوا بسرعة إلى (طرابلس)، وقد بنت دولتهم طريقاً مُباشراً

جورج غالاواي: هذا صحيح، لكن كان الناس يُنظِّمون حفلات ترحيب بنا في (بنغازي) ولم يُسمَح لنا بالذهاب، ومن الواضح أنّه قرار سياسي وليس قراراً جغرافياً متعلقاً بالطريق

عبد العزيز ضوّ: أفترِض أنّه جغرافي وليس سياسياً ولديك الحق في أن تظن أنه سياسي

جورج غالاواي: حسناً، هذه مسألة بسيطة. لكن مقصدك هو أنّ (ليبيا) شعب واحد، هلّ هذا مقصدك؟

عبد العزيز ضوّ: (ليبيا) شعب واحد وقبيلة واحدة رغم كلّ الفوضى المسيطرة عليها. أعني، حين تتحدث عن دولة من دون نظام سياسي وفيها بعض المدن تعيش بسلام وليس هناك شرطة أو نظام وإن قتلتك في وسط الشارع لن يُلاحقني أحد ليقبض عليّ، ماذا يعني هذا؟ يعني أنّ السكان المحليين يعرِفون بعضهم بعضاً. لدينا قلّة يُسببون مشاكل ويتلقّون المال من الخارِج ويُريدون بشدّة أن يُسيطروا على مصادر قوة البلد الرئيسية، أجل هذه مُشكلتنا اليوم. حين نتحدث عن حقبة العقيد "القذّافي" لا يُمكن أن يفوتك السدّ الذي بناه العُمّال بأيديهم، لا يمكنك أن تنسى كيفية طرده لمُستعمرات القواعِد الجوية الأميركية والبريطانية والإيطالية، مُستعمرات احتلّت بلدنا ومنعت شعبنا من العمل في مركز العاصمة (طرابلس) خلال الثلاثينات والأربعينات والخمسينات. لم نستطع تجاهُل قتال "عمر المُختار" لأجل الحريّة ضدّ المُستعمرات الإيطالية. لدينا تاريخ في المُقاومة لم نستطع تجاهله وما زلنا نعمل فيه، وهذا يعني طرد كلّ التدخلات الغريبة من بلدنا. نعلم أنهم قادمون للانقضاض علينا وهم عازمون على استنزافنا

جورج غالاواي: حسناً، السيّد الجالِس إلى جوارك

جيمين غورسيل – محام: أُريد أن أعود إلى مُسببات الحرب وإسقاط "معمّر القذّافي" وتدمير الدولة. نحن نعلم حقيقةً أنّ المُسببات بدأت مع "نيكولاس ساركوزي" لأنّه اقترض مالاً من "القذّافي"

جورج غالاواي: الأصحّ أنّ "القذّافي" أقرضه المال

جيمين غورسيل: أو أقرضه المال من أجل أن يرعى حملة إعادة انتخابه، لم يستطع أن يدفع ولست واثقاً من المبلغ لكن قالت السيّدة أنّه خمسون مليوناً

جورج غالاواي: يُزعَم أنه كان خمسون مليون يورو

جيمين غورسيل: سمعت في الماضي أنه خمسون مليوناً، لست واثقاً، ليس هناك اتفاق على المبلغ، وبغضّ النظر عن الرقم فهناك مُشكلة ماليّة لأنّ "ساركوزي" لم يستطع أن يُسدّد، ماذا فعلَ ليوفِّر على نفسه الإحراج؟ أراد إسقاط "القذّافي" وبدأ الحرب. أن تبدأ حرباً كمُرتكِب جريمة، بصفتي محامياً أقترح وأوصي الجميع وكلّ من يسمعنا في أنحاء العالم بأنّ عليهم أن يبدأوا بالتِماس لمُقاضاة المُجرِم وهو في هذه القضية "نيكولاس ساركوزي" وآخرون بسبب تدميرهم لدولة وأُمّة وليس فقط (ليبيا)، ينطبق هذا على (العراق) و(سوريا) و(اليمن)

جورج غالاواي: هذه قضيّة قانونية جيدة عليك أن تتولّاها. لنسمع من هذا السيّد على الطرف

أُسامة محمّد - منتِج: إسمي "أُسامة" وأنا من (ليبيا). لديّ سؤال للسيد "صبري" والليبيين الآخرين الذين يعيشون في (إنكلترا) ولم يكن في وسعهم الذهاب إلى (ليبيا) بسبب "القذّافي". الآن قد مات "القذّافي" منذ عام 2011 وأرى أنّ أغلب الليبيين الذين كانوا مُعارضين لـ "القذّافي"، وأنا واثق من أن السيد "صبري" أحدهم، ما زالوا يعيشون في (لندن) و(إنكلترا)! لماذا لا يعودون إلى (ليبيا) ويُعيدون بناء الدولة كما قالوا؟  هذا هو سؤالي للسيد "صبري"

جورج غالاواي: لا يُريد أن يُجيب، ربما الضمان الاجتماعي هنا جيِّد جداً

أُسامة محمّد: أوافقك الرأي

تامي القباني: أُريد التكلّم بسرعة

جورج غالاواي: أجل، باختصار                 

تامي القباني: أردت أن أقول إنّ (أميركا) وحلفاء "الناتو" هم من قاموا بتسليم أسلِحة في (ليبيا)، والأشخاص الذين تم تسليمهم أسلِحة رفضوا أن يُعيدوها. إذاً مُعظم فوضى السلاح الآن

جورج غالاواي: يا لها من مُفاجأة!

تامي القباني: أجل

جورج غالاواي: أن تعطي أسلِحة لأشخاصٍ يرفضون إعادتها. "جوناثان"، دعني أُحلّل بعض النقاط التي تمّت الإشارة إليها معك بصفتكَ خبيراً مُحايداً نسبياً. إن كنّا قد غزونا (ليبيا) كما يعتقد البعض لأجل السيطرة على ثروتها فنحن لم نحصل على الكثير في الواقع لأنّ (ليبيا) لا تُنتِج الآن فعلياً. إن كان الأمر متعلقاً بنفط (ليبيا) فليس هناك الكثير من نفطها يُباع في السوق الدولية لأنّ هناك حالة من الفوضى العارِمة في البلاد. كلّ الخُبراء الذين كانوا يعملون هناك ويتلقّون أجراً جيداً، عليك أن تكون خبيراً شجاعاً لتذهب للعمل في (ليبيا) الآن، إذاً عن ماذا كان كلّ هذا الأمر من وجهة نظر غربيّة؟ إذا كان الأمر يتعلّق بالمال فقد عاد بمفعول عكسي أليس كذلك؟

جوناثان فراير – كاتب: أظن أنه كانت هناك عدّة دوافع وربما لم يتمّ تحقيق أيّ منها بنجاح. أجل بالتأكيد الأموال والسيطرة على النفط دافعان لبعض الدول لاسيما (أميركا). كما ذكرت، أمنية "ديفيد كاميرون" الصادقة كانت مُحاولة وقف المذابح، لكن ذلك تشوّه بشكلٍ أساسي متحولاً إلى عمليّة تغيير للنظام، وما كان يجب أن يكون هذا ضمن الأهداف لأن في الحقيقة ليس من حق القوى الخارجية أن تُقرر من يجِب أن يستلم زمام الحُكم في (ليبيا). لكن الأمور خرجت تماماً عن السيطرة وكانت هناك تجربة مُسبقة كي نقول بدقة، لماذا لم نتعلّم من تجربة (العراق)؟ لماذا لم نتعلّم من ذاك الدرس أنه لا يُمكنك أن تدخُل إلى دولة وتُسقط قائِدها ثمّ تترُكها في حال فوضى؟ أعني كان من الجنون تماماً المضيّ في ذاك الوضع لكنّ الوضع فوضوي هناك ومن المُثير أنّك سألت في عدة مناسبات إن كانت (ليبيا) دولة موحّدة. كانت تُعتَبر دوماً أنها بلاد تحتوي على ثلاث مناطق مُختلفة لكن العسير في هذه اللحظة هو ليس الفرق بين هذه المناطق المُختلفة بل جيوب السيطرة الصغيرة الموزعة في مناطق مُختلفة. إذاً إن فكّرنا في إقليم (طرابلس) نجد أن امتداد الحكومة في (طرابلس) ليس كبيراً وليس عليك أن تُسافر كثيراً في الجبال كي تجد جماعات مُختلفة مُسيطرة وتجد فوضى عارِمة بشكلٍ أساسي وهذا درس حقيقي لـ (أوروبا) والعالم الغربي ككل، لا يُمكنك ارتكاب غلطة فادِحة في وضعٍ كهذا حتّى لو كانت دوافعك جيّدة ثمّ تتوقع أن تسير الأمور كما خطّطت لها

جورج غالاواي: قلت أنّه درس لكنّهم فعلوا الأمر عينه بعدها في (سوريا). دعموا مئات آلاف المجرمين والـ "wigers" والسعوديين والشيشان وما إلى هناك ثمّ أرسلوهم إلى (سوريا). ألم يقل "أينشتاين" أنّ تعريف الجنون هو تكرار الأمر ذاته ثمّ توقُّع نتيجة مُختلفة؟

جوناثان فراير: هذا صحيح، كان هذا ما قاله "أينشتاين" بالفِعل. أظنّ أنّ ما علينا أن نتقبّله هو أنّ في المسألة السورية كانت معظم التدخّلات من (السعودية) و(الإمارات) وجماعات مُحددة وحتّى أفراد وليس بالضرورة حكومات

جورج غالاواي: بعض هذه الجماعات المتطرِّفة لم يُموَّل ويوجَّه مباشرة من قِبَل حكومات غربيّة، لكنها لو موّلت ووجِهت من قِبل الدول العميلة لهذه الحكومات الغربية فالحكومات الغربية تتقاسم المسؤولية، أليس كذلك؟ إن كان أقرب حلفائِنا يدفعون لقاطعي الرؤوس وآكلي القلوب وشاربي الدماء من كلّ جزء من العالم فلا يُمكن أن نُبرّئ أنفسنا من ذلك

جوناثان فراير: لا، وأظن أنّك إن سألت عدة أشخاص في (سوريا) و(لبنان) كما فعلت أنا فسيوافقون على أنه كان هناك دعم وتورُّط غربيّين وهذا تاريخ كان يحدُث على مدار عقود إن لم يكن على مدار قرون، بالأخص منذ تفكُّك الإمبراطورية العُثمانية بعد نهاية الحرب العالمية الأولى حيث كان هناك تورُّط مُستمرّ من قِبَل (بريطانيا) و(فرنسا) ثمّ لاحقاً الولايات المتحدة أيضاً، وفي الحقيقة في المسألة السورية هناك تورُّط تركي بالطبع. يجب ألّا ننسى كم كانت (تركيا) مسؤولة عن بعض الأمور التي كانت تحصل وما زالت تحصل في (سوريا)

جورج غالاواي: أنت صديق تركي وأعلم أنّك لا تستطيع التحدّث نيابةً عن (تركيا) لكنّك الخبير التركي حُكماً في هذا الجمهور. كان لدى حكومة "أردوغان" سياسة ظاهرية تنُصّ على عدم التنازُع مع دول الجوار. كانت هذه السياسة الخارجية التي أعلنها "داوود أغلوا" وزير الخارجية آنذاك وانتهى الأمر ليس فقط بنزاعات مع كلّ دول الجوار بل بحروب مع العديد من دول الجوار. ما الذي سار على نحوٍ خاطئ في سياسة (تركيا) الخارجية؟

جيمين غورسيل: كي أُصحِّح مصدرك فحسب، لم تكن سياسة "أردوغان" وحكومته عدم خوض نزاعات مع دول الجوار، في الواقع كان "مُصطفى كمال أتاتورك" مؤسّس الجمهورية التركية هو من صرَّحَ بتلك العبارة واستمرّ الأمرُ على تلك الحال. بعد أن تسلّم "أردوغان" السُلطة بمُساعدة من الدول الغربية غيّر حينها الدستور برمّته ليُلائِم طموحاته في أن يُصبِح خليفة العالم الإسلامي

جورج غالاواي: هلّ تظنّ أنّ هذه كانت نيّته؟

جيمين غورسيل: كانت هذه نيّته وما زالت

جورج غالاواي: لكنّها لم تسِر بشكلٍ جيّد

جيمين غورسيل: لم تفلح لأنني أظن أنّ ردود الفِعل من (مصر) إضافةً إلى (السعودية)

جورج غالاواي: فشل في (سوريا) و(مصر) و(ليبيا)

جيمين غورسيل: لو أنّه التزَم بدستور عام 1924 لكانت (تركيا) من بين أوّل عشرين دولة مُزدهِرة في العالم، بل ربّما بين العشر الأُول لو أنّ فلسفات "مُصطفى كمال أتاتورك" وسياساته ظلّت نافِذة

جورج غالاواي: لكن حتّى "أردوغان" في أول جزء من حُكمه فعلَ وقال ذلك، سعى للسلام مع الأقليّات الكردية وكانت لديه علاقات ودّية مع (سوريا) و(العراق)، حتّى أنّه حسّنَ العلاقات مع (اليونان) وبدأ يتحدث عن (قبرص). يبدو أنّه كان هناك تحوُّل في مكانٍ ما في سياسة الحكومة التركية الخارجية

جيمين غورسيل: أودّ أن أقول التالي: لستُ من مُحبّي نظرية المؤامرة لكن في ما يتعلّق بعلاقة "أردوغان" و"الأسد"، في البداية كانا صديقين. كانا يجتمعان ويتناولان الطعام معاً ورفعا قيود السفر بين البلدين وأسهبا إلى درجة أن أوشكا على إقامة اجتماع مشترك لمجلسي وزراء البلدين، أكرّر اجتماع مجلس وزراء مُشترك بين البلدين. لكن أُريد أن أدَع ذلك وأعود إلى..

جورج غالاواي: إلى (ليبيا)، كلمات أخيرة

جيمين غورسيل: كلمات أخيرة. "حفتر" أمير حرب وليس رجل دولة، لا يُمكنه أن يبدأ حرباً مع (تركيا) لأنّها قوية جداً عليه. على الرغم من أنه مدعوم من الدول الغربية ونعرِف ذلك حقّ المعرِفة، لا يمتلك الشجاعة ليتصادم مع (تركيا) لأنه يُساند (السعودية) و(الإمارات) و(مصر) و(الولايات المتحدة) و(فرنسا). تمتنع (بريطانيا) عن الانخراط في الأمر حالياً ولا تُظهِر أيّ تفاعل، لكن اعتقاله ستة بحّارة أتراك بحجّة القرصنة التي تُعدّ جريمة حرب، لو كان هو رجل الدولة يجب أن يُحاكَم في (لاهاي)

جورج غالاواي: ويستمرّ النقاش، كنت معكم أنا "جورج غالاواي" في برنامج "كلمة حرّة" على قناة "الميادين".