الحياة في زمن "كورونا"

في الحقيقة. الحياة في زمن "كورونا" أشبه بفقيد فطن الناس فجأة لغيابه، وبدأوا بالبحث المحموم عنه بعدما كان حاضراً بسخاء كبير، بقدر الهواء الذي نتنفّسه.

  • الحياة في زمن "كورونا"

هل هي مثل "الحب في زمن الكوليرا"؟ أم لا تشبه إلا نفسها؟ ما الفرق؟ حياة هي على كل حال وفوق كل ما يمكن أن يُقال عنها، هناك حقيقة حولها لا تحول ولا تزول. حتميّتها وانعدام المفرّ من اختبارها بالطول وبالعرض، بكافة الأبعاد أو حتى من دون أيّ بُعد.

شئت أم أبيت، رضيت أم تمرّدت، سُعِدت أم شقيت، أردت أم أُجْبِرت، أنت في قلبها وهي في قلبك. لا مفرّ لك منها. أحياناً تكون كقطعة حلوى فريدة المذاق تستمتع بكل قَضْمَة منها وتتمنّى ألا تنتهي، وتارة تكون كطبق طعام لا تفضّله ولكنك مُجْبَر على تناوله لأن زوجتك الكريمة لم تطبخ سواه، وأحياناً تكون ككابوسٍ كان مَن يحلم به سخيّاً جداً عند تقدير جرعة المنوّم قبل أن يغرق في سُبات لم يعد يستطيع الاستفاقة منه. 

هي مولعة بالاستسلام وسلاحها الأقوى الذرائِع، ذريعة لعدم الدراسة وأخرى للهروب من العمل وثالثة لتجنّب المواجهة ورابعة لتلميع الصوَر المُعْتِمة وسلسلة لا نهاية لها من الذرائع. في كل مناسبة نخترع واحدة منها لتبرئة ذواتنا الوديعة التي لا تستسيغ العَزْم والجَلَد بقدر ما تعشق الانزواء خلف الحِجَج التي تمتلك دائماً قسطاً وافِراً من الحقّانية.

هي لا تحب النظام لأنه يخنق رَونقها ويُضفي عليها لوناً رمادياً يخفي جمالها. تريد دوماً أن تتحلّى بجموحٍ ثائرٍ يكسر المألوف ويطير إلى الفضاء الواسع، بعد أن يرمي كل ما من شأنه أن يُثْقِل جناحيها. تكره القيود وتعشق الخفّة. لا تحب العالم الذي توجد فيه، بل عينها على العوالم الأخرى دائماً. ترى العشب أخضر على الضفة المقابلة وتطأ العشب الذي تراه أصفر على ضفّتها بقسوة. تتبرّأ من كل ما لا يروق لها وتتبنّى كل ما يُبْهِر عينيها المُمعنتين في الطموح. لا شأن لها مع مَن لا يتّفق مع منطقها وتستعدّ لإبرام أقوى الأحلاف مع مَن يُبايعها.

هي لم تكن هكذا دوماً. كانت هناك أزمان كان الناس فيها يعتمرون بعمامة الحكمة قبل الجلوس على عرشها. كانت هناك أوقات كان يدور السِباق فيها على مضمار القِيَم الرفيعة ولا يطحن فيه المتسابقون أو يطحنون بعضهم بعضاً، بل يطحنون هم بشرف دؤوب كل ما قد يعتريهم من نوازِع خبيثة. رايات النصر كانت تُنْصَب على تلالٍ بيضاء. بريئة كانت العيون التي ترنو إليها حينذاك. صادقة كانت النظرات نحوها. لم يكن القلب قد سقط في شباك العمى بعد. كان ما يزال يملك نظراً ثاقباً يرى فيه الأمور على حقيقتها من دون موارَبة أو خِداع ذاتي أو غيري. لم تكن هناك أسواق للأرواح في تلك الأيام. كانت الأرواح تبذل حباً وطواعية لكل ما هو جميل وصادق. لم تكن القلوب مؤتلفة على الأوهام. كان رباطها وثيقاً لأن المربط كان واقعياً. القسطاط في ذاك الزمان كان نبيلاً. لم تكن السوأة قد بدت بعد لأن الشجرة المُحرّمة كانت ملجومة. كان المارد ما يزال حبيس القمقم. كان القلب موطن الحياة. كانت الروح طليقة والجسد رهيناً فأتى زمن استعبدت فيه الروح وأطلق العنان لكل شيء آخر. أصبحت الأجساد طليقة تهيم في الكون كيفما تشاء وحيثما تريد. ما الذي تبحث عنه؟ ماذا أضاعت يا ترى؟ مَن هو فقيدها؟ هل ستجده يوماً؟ هل هناك أمل؟ لِمَ هذا العَمَه والتيه؟ ما الذي حصل؟ لِمَ لا يعود هذا الغائب الحاضر؟

الكل يريده. الجميع يبحث عنه، يتوق إليه، يتحسّر عليه. لكن لا أحد يتحرّك قَيْد أنملة . في هذا الزمن الجميع يتخبّط ويتلوّى من نشوة زائِفة أو من ألمٍ مُزمنٍ، ومع هذا لا يكلّف نفسه عناء البحث ولو لدقيقة.

هل هذه المتاهة قدر محتوم؟ هل هي غضب من الله لا تنفع معه التوبة؟ هل هكذا هي حقاً؟ إن كانت كذلك، لِمَ إذن هذا العويل الصامِت في داخل كل مَن على وجه البسيطة؟ ما الذي يكبح الظمآن الذي يرى الماء والطريق إليه ويستشعر عذوبته ويتحرَّق من أجله من دون أن يمدّ يده لتناوله؟ أيّ منطق يُحرّك عقل هذا المسكين وقد وضع يده على العِلّة والداء وعرف كذلك الدواء، لكنه اكتفى بالنظر إليه والتحسّر عليه؟ هل الأمر صعب لهذه الدرجة؟

 كل شيء أصبح في المُتناوَل. قدرات خارِقة وإمكانات وصلت إلى أعتاب المُستحيل. الشجرة المُثمرة أصبحت عملاقة لكن مَن حولها كلهم أقزام. كَبُرَت الحضارة وتقزّم البشر. صَغُر المستحيل واستفحل الخطر. نفذ البشر من أقطار السماوات والأرض، لكنهم سدّوا بأيديهم المنافذ على أنفسهم. ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. هل قدر هذا العِلم أن يكون عقيماً؟ من الذي اجتث منه جذور الحياة؟ مَن الذي جعله وبالاً بدل أن يكون خلاصاً؟ أين الخطأ في المعادلة؟ أين هو مكمَن العلّة؟ كان الإنسان يدأب في إيجاد الحلول والأجوبة والآن ما أن يخرج من مُعضلة حتى يدخل في أخرى. ما الذي أصابه؟ هل هو جنون العَظَمَة العِلمي؟ لقد سطع نجم هذا الإنسان وبرع في كل شيء، لكنه لم يُحْسِن التصرّف في ما برع فيه بل أصبح كالمارد الذي حطّم القمقم ليصبح بعده شريداً في عالم غريب عنه لا يناسب مقاسه ولا يجد فيه إلى الخلاص سبيلاً، إلا بالمزيد من التحطيم والتدمير والتوسّع. أصبح هذا العالم أرض التيه لأناسٍ مسَّهم الجنون في عُقر عقولهم العظيمة. أصبحوا يصغرون بقدر ما يكبرون. يبيعون الغالي والثمين في سوق لا غلّة فيه ولا بَرَكة.

 الجميع اخترع لنفسه قضية ونسي أن القضية الأهم هي الإنسانية. الكل يتبنّى ولاءات وشعارات فخمة يدور في فلكها من دون أن يتوقّف أحد ليسأل نفسه هل هذا هو المطلوب فعلاً. يزعقون بشعاراتٍ مدوّية طوال اليوم وفي المساءعندما تستسلم الرؤوس للوسائد يخفت الصوت كي يستطيع الضمير أن يستسلم لسنة الكرى.

كم أنت عجيب أيها الإنسان. ترى كل شيء وتسمع كل شيء وتهرب كذلك من كل شيء، كأنك نذرت نفسك للنُكران. تهرب من الملاذ وتلجأ إلى المنفى. تحطّم بيدك كل شيء جميل في داخلك.

المرآة بيدك لكنك أبداً لا ترفعها ولا تنظر فيها.  تُمْعِن النظر في كل ما حولك وتخاف من النظر حيث يجب. اصمت قليلاً. انصت لنفسك. كن أنت صاحب الأهميّة وليس مَن أو ما ارتهنت به. الجواب لديك أنت. في ذاتك. العوالم الافتراضية التي تقحم نفسك فيها من دون توقّف في هروبك المُزمِن من ذاتك تفي بالغرض، ولكن مثل قرص الأسبيرين الذي يسكّن الألم لكنه يكرّس المرض.

الإنسانية لا تتخلّى عن البشر. لا تُدير وجهها لهم. كيف تفعل وهم محورها ومغزاها؟ الذهب الذي اكتسى بتراب أسود لم يتلاش بعد. مازال هناك في القلب. نفخة حب واحدة تكفي لإزكاء شعلة الحياة التي لم تخمد وإن كانت قد خفتت. مازال يحدوها الأمل بنفس صادِق يُزكيها من جديد. هذا ليس مستحيلاً. كل ما في الأمر هو أن التعب قد أضنى المسافر وشتّت ذِهنه قليلاً. استرح قليلاً. خذ قسطاً من الراحة بعيداً عن كل هذه المعامع وتذكَّر أن الخلاص بيدك أنت، بقرار أنت صاحبه. هو ليس قراراً صعباً. هل يعقل أن يكون صعباً على الإنسان أن يكون إنساناً؟ هل هناك شيء أسهل من أن تكون على سجيّتك؟ هل هناك أبسط من أن تكون مُجرّد إنسان وتَذَر كل شيء آخر جانباً؟ لأن كل شيء أمام هذه الحقيقة لا يرقى لأن يكون أكثر من مُجرّد تفصيل من التفاصيل الكثيرة التي تتكاثر بسرعة الفيروسات لتقتل المغزى والمعنى والغاية؟

في الحقيقة. الحياة في زمن "كورونا" فقيد فطن الناس فجأة لغيابه، وبدأ البحث المحموم عنه بعد أن كان حاضراً بسخاء كبيربقدر الهواء الذي نتنفّسه.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
ليلى أويانك

كاتبة من سوريا