بسام الشكعة الذي رحل وهو يعارض اتفاق أوسلو

رحل بسام الشكعة أحد الوجوه البارزة في تاريخ القضية الفلسطينية وهو يعارض إتفاق اوسلو.. حيث يقول:"أثبتت الأيام إن موقفنا من أوسلو كان صائباً، أنظر إلى الآثار التي خلفها على مجمل القضية الفلسطينية".

بسام الشكعة الذي رحل وهو يعارض اتفاق أوسلو
بسام الشكعة الذي رحل وهو يعارض اتفاق أوسلو

نعى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أمس الإثنين، بسام الشكعة، أحد الوجوه البارزة في تاريخ القضية الفلسطينية، الذي رحل عن عمر يناهز 90 عاماً وذلك في المستشفى الانجيلي العربي في نابلس.

عُرف عن الشكعة رفضه المطلق للاحتلال بكل أشكاله، وأنه صاحب توجّه قومي عربي، ويعد زعيم "البعثيين" في فلسطين، فقد استقال من  من حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1959، وقاوم الانفصال بين سوريا ومصر. 

فبعدما سمحت سلطات الاحتلال بإجراء انتخابات بلدية، أظهر الشعب الفلسطيني وعياً وطنياً من خلال صناديق الاقتراع عام 1976، وأوصل إلى البلديات قيادات وطنية شامخة، ذات تاريخ نضالي عريق، وكان أبرزهم بسام الشكعة في نابلس، وكريم خلف في رام الله، وفهد القواسمي في الخليل، ووحيد الحمد الله في عنبتا، وشوقي المحمود في جنين، وإبراهيم الطويل في البيرة، وغيرهم.

وكان وصول رؤساء البلديات الوطنيين إلى قيادة المجتمع الفلسطيني الرافض للاحتلال عاملاً من عوامل تنامي الحركة الوطنية في الجليل والمثلث والنقب. ومن شعارات تلك المرحلة كان الشعار المعبر: "شعب واحد لا شعبين".

شخصية تملك كل أدوات القيادة

كان بسام شكعة شخصية تملك كل أدوات القيادة، فقد كان خطيباً مفوّهاً لمع نجمه عند أول ظهور جماهيري له في المهرجان التأبيني الكبير الذي تجلّت فيه الوحدة الوطنية الفلسطينية، للشاعر الكبير راشد حسين ابن قرية مصمص، في المثلث الشمالي في النصف الثاني من أذار/ مارس 1977، فقد كان الشكعة أبرز المتحدثين في ذكرى 40 راشد حسين. فكانت مشاركته بداية تفاعل إيجابي لكسر حاجز الفرقة المصطنعة بين أبناء الشعب الواحد.

وقد رأت يومها القوى الوطنية بكل تنوعاتها وعلى رأسها حركة طلاب الجامعات التي شكلّت في حينه "الحركة الوطنية التقدمية"، الفرصة مناسبة لتكثيف اتصالاتها برؤساء البلديات الوطنيين وخاصة مع المناضل بسام الشكعة.

عام 1978 أقام أبناء البلد في أم الفحم معرضاً للفن التشكيلي الفلسطيني، برعاية بسام الشكعة وألقى خطاباً وطنياً جامعاً عند افتتاح المعرض.

وقد درجت حركة أبناء البلد في حينه على إحياء ذكرى الزعيم الخالد جمال عبد الناصر في 28 أيلول/ سبتمبر من كل عام. وقد كان الخطيب المركزي في مهرجان إحياء الذكرى الثامنة لرحيل عبد الناصر بسام الشكعة رئيس بلدية نابلس، ولا زلنا نتذكر قوله: إن جمال عبد الناصر قد نزع اليأس من نفوس الفلسطينيين، وزرع الأمل في قلوبهم. وقد تعلّقت مدينة أم الفحم كثيراً ببسام الشكعة لأنه كان صادقاً مع جماهير الشعب الفلسطيني، ومع نفسه، لهذا حظيّ باحترام الغالبية العظمى من أبناء شعبنا وتقديرهم.

وبعد صعود  رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن إلى السلطة حاولت "إسرائيل" عام 1979 إبعاد بسام الشكعة خارج فلسطين، وقد أثار هذا الإجراء ردود فعل غاضبة عند جماهير الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة وفي الداخل. وقد تجنّد المحامون لإفشال المخطط الإسرائيلي في محكمة الاستئناف، ونظمت المظاهرات ومهرجانات الاحتجاج.

وفي مطلع حزيران/ يونيو عام 1980 تعرض بسام الشكعة وكريم خلف رئيس بلدية رام الله وابراهيم الطويل رئيس بلدية البيرة لتهديدات الاحتلال الإسرائيل، فكان الشكعة وخلف هدفاً لاعتداء إسرائيلي مدبر من قادة المشروع الاستيطاني استهدفهم كل على انفراد وأسفر عن بتر ساقي الشكعة وساق خلف.

ارتفع صوت مرتعش: الشكعة هو المستهدف!

في صباح يوم الثاني من حزيران /يونيو 1980، دوى صوت إنفجار سمعه عديد من طلبة جامعة النجاح ممن تواجدوا في الحرم الجامعي! هرع الطلاب من صفوفهم. تنادى النشطاء وأعضاء اللجان الطلابية لمعرفة طبيعة الإنفجار؟ أين وقع؟ ومن يستهدف؟

إرتفع صوت مرتعش تبعه أصوات هدرت: "الشكعة هو المستهدف! استشهد قرب منزله! إنفجرت قنبلة في سيارته".

وانتشر بين الجموع نبأ صادم أفاد بأن رئيسي بلديتي رام الله (كريم خلف) والبيرة (إبراهيم الطويل) تعرضا لإعتداء إرهابي مماثل. ثم وصل نبأ خففّ من وقع الصدمة الثانية، "الشكعة لم يمت! إنه مصاب بجروح خطيرة ويعالج في مستشفى رفيديا، و توجه شباب وصبايا الجامعة للمستشفى.

تحوّل المشهد بصورة دراماتيكية ليصبح على شكل صفوف اصطف بها أُناس غاضبون أطلقوا من حناجرهم هتافات شقّت عنان السماء،.." بالروح.. بالدم .. نفديك يا بسام." و" بالروح .. بالدم نفديك يا فلسطين".

اكتظت منطقة المستشفى بالناس الغاضبين! وفي أروقتها الداخلية إنتشرت معلومة لم تتأكد لاحقاً، أفادت بأن حاكم عسكري المدينة يريد دخول المشفى لللإطمئنان على حياة الشكعة؟" لا .. لا لن يدخل، " هتفت أصوات كثيرة.

ارتصّ درج المستشفى بأجسام الغاضبين. إصطفوا ليشكلوا حاجزاً بشرياً يحول دون دخول الحاكم العسكري. وانطلق صوت هادر يصرخ ،"الفاشية لن تمر .. لن تمر..!" تلاه صوت آخر "بره بره ... المحتل يطلع بره"!"

انتظرت الجموع ساعات وساعات نتيجة إجراء العملية الجراحية. وبرغم الألم الذي نجم عن نبأ بتر الساقين للمناضل الشكعة فإن ما كان الناس يأملون به أنه حي وسيواصل العيش.

"أرجل بسام وأقدام كريم أصبحت لنا رموزاً"..

وكرد على هذه الجريمة، هبّ أبناء الأرض المحتلة حينذاك في تظاهرات ومواجهات مع جيش الاحتلال في كافة أرجاء فلسطين. وقد شارك يومها أكثر من 1000 مواطن من الجليل والمثلث في قلب تل أبيب، وتحديداً في ميدان "ملوك إسرائيل" (ميدان رابين اليوم)، وراح المتظاهرون يهتفون بحياة بسام الشكعة وكريم خلف.

ومن الشعارات التي رفعت هناك بالعبرية: وترجمتها الحرفية: "إن أرجل بسام وأقدام كريم أصبحت لنا رموزاً". وكانت هذه المظاهرة بمثابة تحدٍّ كبير للاحتلال الإسرائيلي في عقر داره.

وتم نقل بسام الشكعة بعدها لتلقي العلاج في عمان، وهناك زاره الرئيس أبو (ياسر عرفات) وأطلق عليه لقب "الفارس الذي يبتسم دائماً".

وقد استكمل علاجه ثانية في بريطانيا بعدما دعته حكومتها لاستكمال علاجه في لندن.

يقول الشكعة:"عندما كنت في المدينة الطبية في عمان، جاء جلالة الملك حسين إلى غرفتي ومعه طبيبان بريطانيان وعرضا علي متابعة العلاج في بريطانيا. ذهبت إلى لندن وبقيت هناك نحو 5 أشهر من أجل تركيب أطراف صناعية. ودعاني الأميركيون أيضاً إلى العلاج بناء على اعتبارات إنسانية فقط فرفضت الدعوة وقلت لهم "أدينوا أولا محاولة الاغتيال التي قام بها الإسرائيليون وعندها أقبل الدعوة". فلما أصروا على الإعتبارات الإنسانية رفضت الدعوة. ولما كنت في مستشفى في بريطانيا اكتشفت أن تحويلي للمستشفى أيضاً كان لدواعٍ إنسانية. وقلت انني أرفض هذا العلاج لأسباب إنسانية إذا لم تدن بريطانيا ما قامت به إسرائيل. وطلبت مغادرة بريطانيا.

ويردف قائلاً "جاء 4 موظفين من وزارة الخارجية البريطانية ليقنعوني بالبقاء. قلت لهم إنني سأنتقل إلى باريس للعلاج هناك. ثم جاء الوزير البريطاني للشؤون الخارجية دوغلاس ههيرد وناقشني في أهمية الاعتراف بإسرائيل وأهمية ذلك بالنسبة لحقوق الشعب الفلسطيني فقلت له لتعترف بريطانيا أولا بمنظمة التحرير الفلسطينية".

ويضيف "توقف النقاش فوراً. طلبت يومها مقابلة السفير الأردني والعودة إلى الأردن فلبى السفير الأردني طلبي وعدت إلى المدينة الطبية في عمان. وللعلم فقد عرضت 27 دولة استضافتي للعلاج ليس من بينها أي دولة عربية إلا سوريا التي لم تكن مؤهلة لمثل هذا النوع من العمليات المعقدة".

رحل بسام الشكعة وهو يعارض اتفاق أوسلو

وبعد عودته من العلاج في الخارج، طوّقت سلطات الاحتلال منزله بالعربات العسكرية لتخويف المواطنين وثنيهم عن زيارته. إلا أن  قوة الشكعة ازدادت تأثيراً على القوى الوطنية الفلسطنية وتحول منزله إلى مرجعية للكثير من الفلسطنيين.

رحل الشكعة وهو يعارض إتفاق اوسلو. يقول:"أثبتت الأيام أن موقفنا من أوسلو كان صائباً، أنظر إلى الآثار التي خلفها أوسلو على مجمل القضية الفلسطينية. لقد فتح أولاً الطريق أمام بعض الأنظمة العربية لتطبيع علاقاتها مع "إسرائيل" ويعقدوا اتفاقيات معها.

عندما وقعت اتفاقيات أوسلو كان الشعب الفلسطيني يخوض أعلى مراحل النضال الشعبي ضد الاحتلال. لكن للأسف لم يؤخذ هذا النضال بعين الاعتبار، بل تم التخلي عنه، وقامت الدول الاستعمارية بتشجيع القيادات الماضية للتوقيع على اتفاقات مبهمة. للأسف استغل ذلك الاتفاق وأخذ منه فقط موضوع التصالح مع "إسرائيل"، وكانت منظمة التحرير الفلسطينية هي الغائب الأكبر في اتفاقيات أوسلو".

ويتذكر الراحل أنه ضحك كثيراً يوم أصدرت قيادة السلطة الفلسطنية أمراً بحبس الموقعين على "بيان العشرين" عام 1999 الذي طالب بمراجعة العملية السلمية وتصحيح المسار في ظل استشراء الاستيطان. أما هو فصدر بحقّه قرار يطالبه بالإقامة الجبرية في بيته. فطلب من سائقه يومها أن يقود السيارة ويتجول به في كل شوارع نابلس.

ولد بسام أحمد الشكعة في مدينة نابلس عام 1930، ودرس في مدارسها، والتحق بصفوف جيش الإنقاذ الفلسطيني عام 1948، ضد الوجود الصهيوني في فلسطين. 

رحل الشكعة... إلا أن سيرته الوطنية ونظافة يده ولسانه ستبقى نبراساً للشعب الفلسطيني وسيبقى واحداً من القادة الكبار، والرموز الوطنية الذين يعتز بهم الشعب الفلسطيني. فالشكعة كان يرعب الاحتلال ويرهبه ويرعبه وهو مقعد على كرسيه، لأن نظراته وكلماته كانت تشحن كل فلسطيني بالمعنويات العالية. فتحية لهذا الرجل الكبير، ابن فلسطين البار.