النصر يليق بنا

هذه الهزيمة قلبت جميع المعادلات رأساً على عقب وأدت إلى كسر جميع المفاهيم والمسلمات الاستراتيجية.

لبنانيون يرفعون شارة النصر وصورة السيد نصر الله خلال عودتهم إلى منازلهم بعد نصر تموز 2006 / أ.ف.ب
لبنانيون يرفعون شارة النصر وصورة السيد نصر الله خلال عودتهم إلى منازلهم بعد نصر تموز 2006 / أ.ف.ب

لعلّ 2006 هي البداية. بداية الإنحسار الإسرائيلي الهائل الذي جاءت تباشير أفوله بوضوح مع سلسلة من الإخفاقات الاسرائيلية منذ انطلاق عدوانه الشرس على لبنان في صيف 2006.

ولعلّ الرجل الشجاع هو ذاك الذي يسطع نوره على شعبه في أحلك الأيام حتى باتت عبارة "فدا السيد" و"فدا المقاومة" تصدح وترن في كل الميادين والقرى والبيوت والمقاهي والشوارع والأزقة بالرغم من فقد الاحبة وتدمير العدو للبيوت والمؤسسات التجارية ودور النشر والمصانع...الخ. 

نعم التوفيق من الله والنصر يليق بمن يدافع عن قضية عادلة تتمثل بالكرامة الانسانية والحق. نعم النصر يليق بنا. هو نصر إلهي أحرز ليس من أجل الشهرة والثروات والاستكبار بل من أجل الدفاع عن قضية عادلة تتعلق بالمقدسات والشرف ومقاومة الباغي المعتدي, فالحق يصنع القوة, لكن القوة لا تصنع حق.

في مثل هذا اليوم لا بد لنا أن نتذكر ونقف عند مجموعة من الإخفاقات الخطيرة والجمّة للعدو الإسرائيلي والتي أدت الى هزيمته في عدوان تموز 2006 على لبنان. هذه الهزيمة قلبت جميع المعادلات رأساً على عقب وأدت إلى كسر جميع المفاهيم والمسلمات الاستراتيجية. بعض هذه الإخفاقات تتلخص بما يلي:

أولاً:

قوة الردع الإسرائيلية تخلخلت واهتزت بسبب:

-عدم قدرتها على أن تكون حاسمة أو أن تتمكن من تسجيل أي أهداف على رأسها شل حزب الله أو حتى الحاق الضرر بأي هدف عسكري أو مدني استراتيجي للحزب.

-هزيمة سلاح المدرعات مثل الميركافا الجيل الثاني والثالث والرابع منذ اللحظات الأولى في عيتا الشعب حتى نهاية الهجمات الإسرائيلية في وادي الحجير حيث كانت مقبرة تلك الآليات المسلحة والمدعمة وبات يرمز اليه بمقبرة الميركافا فخر الصناعة الاسرائيلية.

-عدم قدرة الجندي الإسرائيلي المجهز والمدرب بأعلى التقنيات على مواجهة مقاتلي حزب الله لا في الدفاع ولا حتى في الهجوم.

-فشل جهاز االاستخبارات الإسرائيلية حيث أخفق في التقدير قبل وأثناء المعركة، أخفق في عدم معرفة أي برامج أو خطط أو مخابئ أو كوادر لحزب الله، علاوة على ذلك فقد هذا الجهاز الحد الأدنى من المعلومات حتى باتت "إسرائيل" لعبة في أيدي حزب الله وما يقرره.

-فشل اسرائيلي في اسكات صوت المقاومة المتمثل بقناة المنار التي استهدف محطاتها الهوائية منذ اليوم الاول للعدوان. حيث كانت معظم كلمات وخطابات السيد حسن نصرالله "أبو الحرب النفسية" وزخم رسائله التي شكلت ماكينة الحرب الإعلامية الطاحنة والفتاكة في صفوف العدو و المستوطنين تبث عبر الشعلة التي لم تنطفىء- قناة المنار.

ثانياً:

الزلزال الذي ضرب الأمن الإسرائيلي, هذا العنصر الرئيسي الذي أقامت "إسرائيل" كيانها على أساسه من خلال:

-نقل المعركة إلى عمق "إسرائيل"، وهذا لم يحدث من قبل في أي من الحروب السابقة.

-ارتفاع كثيف في الهجرة المعاكسة الإسرائيلية نتيجة اهتزاز الأمن في هذا الكيان الذي قام على أساس جذب المزيد من المستوطنين اليه.

-إسرائيل التي لطالما اعتادت على أن تكون شرطي المنطقة تحتاج الآن إلى قوات دولية لحماية أمنها وتطوّق نفسها ببناء المزيد من الجدران.

-جوّ من انعدام الثقة انتشر داخليا بين الإسرائيليين والجيش من جهة والجنود وقادتهم الميدانيين من جهة أخرى. عدم الثقة انسحب أيضاً على أسياد اسرائيل في الخارج من عدم قدرة الجيش الإسرائيلي على حماية نفسه وإعادة رسم خريطة المنطقة بأسرها من أجل ما سُمي بشرق أوسط جديد.

-الضربة القاسية التي تم توجيهها إلى المعنويات في القيادة العسكرية الإسرائيلية حيث بات كل قائد إسرائيلي يحاول إلقاء اللوم على الآخر، مما أدى إلى تخبط في القيادة العسكرية كانت نتائجها حفنة من الاستقالات مثل: عودي آدم و بيني غانتس وغال هيرش و على رأسهم دان حالوتس رئيس الأركان السابق الذي كان أول من توعّد بإعادة لبنان 20 عاماً إلى الوراء مطلع حرب تموز 2006.


تردد اسرائيل في شن عملية برية...اخفاق بحد ذاته

جيش الاحتلال الإسرائيلي على الحدود مع الأراضي اللبنانية خلال حرب تموز 2006 / أ.ف.ب
جيش الاحتلال الإسرائيلي على الحدود مع الأراضي اللبنانية خلال حرب تموز 2006 / أ.ف.ب

قرار "إسرائيل" بشن عملية برية لإنجاز ما فشلت قواتها الجوية على القيام به تمّ بتردد وبعشوائية. في حين أن وحدات القوات الإسرائيلية كانت تتوغل في جنوب لبنان في الأسبوع الثاني من العدوان, إلا أن القيادة العسكرية الإسرائيلية وقتذاك لم تحسم أمرها بشأن متى وأين وحتى إذا ما كانت في الاصل ستقوم بنشر وحداتها البرية.

ولعلّ تردد القيادة العسكرية بالإعلان عن إطلاق عملية برية أو حتى توقيت إطلاقها جاء نتيجة عدم حسم المعركة من الجو في حين اتفق على حسمها في اليومين أو الثلاثة أيام الاولى من الحرب ومرت الأيام والأسبوع الثاني ولم تحسم. وقد انعكس هذا التردد في حالة عدم اليقين في وسائل الإعلام الغربية وسواها من المطبلة للعدو الاسرائيلي بشأن موعد شن حملة برية - أو ما إذا كانت قد حدثت بالفعل..

وقد استمر كبار الضباط الإسرائيليين في إخطار جهاتهم الصحفية بأن توقيت الهجوم البري هو قرار سري للغاية, بيد أنهم في الواقع أنفسهم لم يعلموا متى وأين. وكان التردد أيضا نتيجة تجربة وحدات القوات الإسرائيلية الصغيرة التي اخترقت وتجاوزت الحدود في جنوب لبنان حيث كانوا يبلغون قادتهم منذ 18 من تموز/ يوليو بأن وحدات حزب الله كانت تقاتل بعناد وثبات للاحتفاظ بمواقعها على الخطوط الأولى المطلة على "إسرائيل". حتى مسألة اللجوء السريع الى استدعاء قوات الاحتياط كان إنذاراً مبكراً لـ"إسرائيل" وقيادتها العسكرية بأنها من علامات الفشل الأولى في طريق هزيمتها المدوية.

رجال الله الذين تسلحوا بالصبر والمعرفة الميدانية والمعرفة بالعدو وطبيعة عقيدته العسكرية والتنسيق العالي فيما بين كل وحدات المقاومة في حزب الله وإيمانهم العميق والكبير بالله وبالقيادة الحكيمة والقوية والاعتماد على عنصر المفاجأة الذي بات يشكل عاملاً أساسياً في نجاح وتفوّق حزب الله كل تلك العناصر مجتمعة تظافرت لانتصار فئة قليلة على ما كان يعرف بالجيش الذي لا يقهر، ومهدت الطريق لانتصارات أكبر رافعة شعر ولواء "ولّى زمن الهزائم وجاء زمن الانتصارات" وتبقى #البداية_2006.