اضطرابات أميركا اللاتينية: ماذا عن مستقبل اليسار؟

أميركا اللاتينية في اضطراب وتحول سريع؛ اليسار يتعرض للحصار في كوبا وفنزويلا وبوليفيا، بينما يتقدم في الأوروغواي والأرجنتين وتشيلي. تحديات كثيرة ستترك أثرها على مستقبل اليسار في القارة اللاتينية.

اضطرابات أميركا اللاتينية: ماذا عن مستقبل اليسار؟

تشهد أميركا اللاتينية اضطرابات اقتصادية وسياسية جديرة بأن تعيدها إلى صدارة المشهد العالمي. السخط الشعبي يعمّ معظم دول القارة الجنوبية نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتأزمة وتعاظم التفاوت الطبقي بين السكان. فيما الأحزاب التقليدية لا تبدو قادرة على معالجة الأزمة وزيادة النمو الاقتصادي وتوزيع الثروة بشكل عادل. في بوليفيا، الجيش ينقلب على الرئيس ايفو موراليس المنتخب أخيراً، ويجبره على تقدمة استقالته. في تشيلي، حطّم المتظاهرون محطات المترو وأحرقوا عربات النقل العام، لأسباب أبعد من زيادة تعرفة استخدام المترو بمقدار يتراوح بين 0.04 و 0.1 دولار. وفي الأرجنتين، منح الناخبون ثقتهم، لليسار المتمثل بتحالف ألبرتو فرنانديز وكريستينا كيرشنر، بعد الأزمات المتلاحقة التي عاشتها البلاد منذ تسلّم اليميني ماوريسيو ماكري الرئاسة في كانون الأول/ ديسمبر 2015.

فنزويلا هي الأخرى تعيش أزمة اقتصادية وسياسية خانقة، تساهم الحكومة الأميركية في تأجيجها من خلال الحصار الذي تضربه عليها. فيما تبدو البرازيل، برئاسة اليميني جايير بولسونارو، أقرب الدول اللاتينية للسياسات الأميركية، وطرفاً في تشتيت قوة اليسار اللاتيني والتشكيك بخيار الشعب الأرجنتيني بعد انتخابه ألبرتوا فرنانديز، في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

عرفت أميركا اللاتينية، مطلع هذا القرن، موجةً غير مسبوقة لانتصار القوى والأحزاب اليسارية وذلك بدءاً، من العام 1998، عندما انتخب هوغو شافيز رئيساً لفنزويلا، ثم الفوز الذي حققه المرشح الاشتراكي ريكاردو لوغوس في تشيلي في العام 2000، ثم فوز زعيم حزب العمال لولا دا سيلفا في البرازيل عام 2002، ونيستور كيرشنر في الأرجنتين عام 2003، وتابير فاسكوس عن الجبهة اليسارية في الأورغواي، وإيغور موراليس في بوليفيا، عام 2005.

وجاءت هذه الانتصارات اليسارية المدوية، إثر السياسات الاقتصادية الليبرالية التي تبنتها حكومات موالية لأميركا، وما نتج عنها من خفض الدعم الحكومي للسلع الرئيسية وخصخصة القطاع العام وتدهور مستوى الخدمات الصحية والتعليمية. وكانت للمواقف السياسية الثورية التي تبناها القادة اليساريون في وجه السياسات الأميركية، بالإضافة إلى تبنيهم خطاباً معادياً للرأسمالية والعنصرية وإقصاء الأقليات، دوراً في كسب تأييد فئات شعبية واسعة متضررة من السياسات الليبرالية وتنتمي إلى تراث حركات التحرر اللاتينية التي نشطت في منتصف القرن المنصرم.

انعكست هذه التحولات على الاقتصاد، من خلال تأسيس الحكومات اليسارية تكتلات اقتصادية وسياسية خاصــــة بالمنطقـــة ومنها "سيلاك" (مجموعة دول أميركا اللاتينية والكاريبي) التي تهدف إلى توحيد صوت أميركا اللاتينية في المنتديات الدولية، والحد من النفوذ السياسي والاقتصادي الأميركي فيها. واستفادت هذه الحكومات من ارتفاع أسعار النفط عالمياً لدعم المؤسسات الحكومية والحد من التفاوتات الطبقية وتنمية المناطق الريفية، غير أنها بدأت تواجه صعوبات في هذا المجال بعد انخفاض أسعار النفط بدأً من العام 2010، وبالتالي لم تعد قادرة على الاستمرار بسياستها الرعائية التي تعتمد على بيع الموارد الطبيعية أكثر من اعتمادها على مداخيل القطاعات الانتاجية (الزراعة، الصناعة).

وأسهمت الأزمة الاقتصادية العالمية، عام ٢٠٠٨، في التسبب بركود اقتصادي لدول أميركا الوسطى (المكسيك مثلاً)، الأمر الذي دفع غالبية القوى اليسارية هناك للتراجع عن برامجهم الاجتماعية المنحازة للفقراء. أما بلدان أميركا الجنوبية، فقد ظلَّت في حالة انتعاش اقتصادي بسبب صادراتها (الزراعية والمعدنية والبترولية) للصين. ولكن منذ ذلك الحين، تراجع الاقتصاد الصيني وانهارت أسعار البترول والمعادن وواجهت حكومات اليسار في دول مثل البرازيل وفنزويلا وبوليفيا أزمات اقتصادية حادة، استغلها اليمين لكسب تأييد اللاتينيين لسياساته وإلقاء تبعات الأزمة العالمية على اليسار. وعليه، فقد بدأ اليسار بالتراجع بدءاً، من العام 2015، الذي شهد هزيمة نسبية للأحزاب اليسارية، مثلما هو الحال في فنزويلا والبرازيل والأرجنتين.

لكن يبدو أن اليسار قد عاد ليفرض نفسه رقماً صعباً في المعادلة اللاتينية. الأرجنتين منحت ثقتها لليسار بعد الديون التي رتبها ماوريسيو عليها للبنك الدولي (50 مليار دولار)، فيما تبدو القوى اليسارية في تشيلي اليوم أكثر قدرة على الإمساك بزمام المبادرة بعد إصرار الرئيس بنييرا على سياساته الليبرالية التي تستهدف الفقراء بشكل أساس، وفي الوقت الذي لا ينعم فيه، جايير بولسونارو، في البرازيل بأحسن أيامه. أما في الأوروغواي فيتّجه المرشح اليساري، دانيال مارتنيز، إلى الفوز بالرئاسة في الجولة الثانية بعد حصوله على 40% من الأصوات في الجولة الأولى.

ألا تعد هذه المؤشرات كافية للقول بأن اليسار آخذ بالانتشار من جديد في أميركا اللاتينية؟  

الإجابة لن تتوقف على إرادة الشعوب اللاتينية. انقلاب بوليفيا، الأحد الماضي، يعيد إلى الأذهان قدرة القوى العسكرية والأوليغارشية اللاتينية على الإطاحة بخيارات الشعب اللاتيني بقوة السلاح إن لم يكن بإمكانهم كسب صوته –أي الشعب- من خلال صناديق الاقتراع. لذلك، وإن كان اليسار اللاتيني قادراً على كسب شرعيته من خلال الانتخابات، فإنه لن يكون بمنأى عن المكائد السياسية التي تصممها الولايات المتحدة الأميركية لإقصائه عن السلطة والحكم، سواء من خلال الاغتيال (سلفادور أليندي..) الانقلاب (ايفو موراليس..)، أو الاعتقال (لولا دا سيلفا..).    

قد تحمل السنوات المقبلة فرصاً أكبر للقوى اليسارية من أجل استعادة مكانها في أميركا اللاتينية، لكن تغيرات جوهرية قد تطرأ على البرامج اليسارية. في المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس المكسيك اليساري لوبيز أوبرادور، الثلاثاء الماضي، مع نظيره الأرجنتيني اليساري ألبرتو فرنانديز، قال الأول: "الأهمّ، عند وضع سياستنا الخارجية، هو الانطلاق من المبادئ التي ينصّ عليه الدستور، مثل عدم التدخّل في شؤون الغير، وحق الشعوب في تقرير مصيرها والتعاون السلمي لتسوية النزاعات". فيما علقّ فرنانديز على فكرة إنشاء محور يساري في أميركا اللاتينية بالقول: "ليس في نيّتنا تشكيل مرجعية عقائدية لنبذ أي طرف كان. تعرفون ما هو موقفه من الموضوع، وما هو موقفي. كلانا يحترم عمل المؤسسات ويهتدي بالمبادئ الديمقراطية".

أيكون ذلك إعلاناً عن تحول اليسار اللاتيني نحو سياسات أكثر ليبرالية وأقل التزاماً بالقضايا السياسية العالمية؟