عن تحقيق "واشنطن بوست" حول وضع حزب الله المالي

لا يمكن إدراج صحيفة "واشنطن بوست" ضمن الصحف التي يقرأها دونالد ترامب بسبب سياستها التحريرية غير المحببة بالنسبة للرئيس الأميركي.  الصحيفة، التي يمتلكها مؤسس وصاحب "أمازون" العملاقة الملياردير "جيف بيزوس"، شنّت حملة على تحالفات الإدارة الأميركية عقب جريمة قتل الكاتب السعودي جمال خاشقجي، ما أدى إلى تسرب قضية العلاقة العاطفية التي تجمع "بيزوس" بعشيقته وإنتهاء زواجه الذي دام خمسة وعشرين عامًا.

عن تحقيق "واشنطن بوست" حول وضع حزب الله المالي
عن تحقيق "واشنطن بوست" حول وضع حزب الله المالي

وقد ألمح "بيزوس" صراحة إلى ان عملية التسريب مرتبطة بالموقف الذي اتخذته "واشنطن بوست" من قضية "خاشقجي"، وهو ما استدعى ردًا من وزير الخارجية السعودي. بل ذهبت بعض التقارير الأميركية إلى الحديث عن عملية تجسس (سعودية – إماراتية) طالت هاتف "بيزوس" بهدف فضحه انتقامًا للسياسة التي انتهجتها صحيفته في قضية "خاشقجي".

في الآونة الأخيرة، هناك تركيز من عدة صحف وشخصيات سياسية وإعلامية أميركية على شرح تأثير العقوبات الإقتصادية على إيران وحلفائها، بهدف دحض أي محاولات من قبل الإدارة الأميركية الحالية للذهاب قدما باتجاه حروب إضافية في الشرق الأوسط.

قد لا يكون واضحًا لعموم الجمهور سبب هذا الموقف من قبل مجموعات ووسائل إعلامية أميركية تقليدية، لكن تقاطع الإقتصاد والسياسة يلعب بالتأكيد دورًا في هذا التوجه، خاصة وأن المعني في حالة "واشنطن بوست" هو أغنى رجل في العالم، ويخوض منافسة إقتصادية شرسة مع الشركات الصينية الأرخص من "أمازون"، وبالتالي فهو بالتأكيد يحدد مواقفه السياسية بناءً لمصالحه الإقتصادية.

المعلّق الأميركي الشهير "دايفيد إغناتيوس" ظهر هو الأخر في مقابلة مؤخرًا ليتحدث بثقة كبيرة وإطلاع واسع على فعاليه العقوبات الأميركية، وأدلى بتفاصيل تشير إلى أن ما يحدث في إيران ولبنان وسوريا محل متابعة دقيقة بالنسبة للشريحة الرافضة لأي حروب جديدة في الشرق الأوسط.

المواطن اللبناني الذي يقرأ تحقيق "واشنطن بوست" الأخير حول وضع حزب الله المالي لا يرى فيه جديدًا او كشفًا لأسرار، بل إنه من ناحية صحفية شمل اجراء مقابلة مع شخصية من الحزب، رفضت الكشف عن اسمها، تولت الرد بالموقف الرسمي المعروف للحزب إزاء العقوبات. كما ضمّ مقابلة مع خبير إقتصادي لبناني معروف بمهنيته. وقد أشار التحقيق بوضوح إلى أن عقوبات ترامب على إيران اثرت بشكل كبير على الطبقة الفقيرة فيها.

ويشير التحقيق إلى انتشار ثقافة "الجهاد بالمال" في بيروت وضواحيها بعد دعوة أمين عام حزب الله إلى الناس للتبرع للمقاومة.

التحقيق الذي أعدته مديرة مكتب "واشنطن بوست" في بيروت بمساعدة صحفية لبنانية يحذر من تنامي مشاعر الكراهية ضد الأميركيين بسبب تأثر الناس العاديين بالعقوبات، وهو في الوقت نفسه يلحظ أن الحزب لديه شرعية سياسية في لبنان.

على أن المشكلة الرئيسية ليست في التحقيق الصحفي الأميركي نفسه الذي عكس صورة  يتحدث عنه حزب الله نفسه وحلفائه في العلن في الإعلام المحلي، بل في الترجمة والنقل غير الأمين الذي تولته عشرات المواقع العربية واللبنانيةـ بعضها لغايات تشويه سياسي واضح وبعضها الأخر بهدف جذب القرّاء لا أكثر.

فعلي سبيل المثال، قام موقع لبناني محلي معروف بتحوير مضمون التحقيق بعد ترجمة المضمون بشكل سيء وخاطئ ليضع إعلانًا بأن "قناة المنار إلى الإغلاق" بسبب الأزمة المالية، مع ان تحقيق "واشنطن بوست" لم يذكر ذلك لا من قريب او بعيد، بل إن جلّ ما ذكره هو ان القناة قد ألغت بعض برامجها لأسباب مالية.

من يقرأ التحقيق الأميركي كاملًا لا يرى فيه جديدًا، بل هو سردية صحفية موجهة بوضوح للجمهور الأميركي.