"المشاغب" تركي آل الشيخ يعبر البحر... احذروا في ألميريا!

مستشار الديوان الملكي ورئيس الهيئة العامة للترفيه السعودي تركي آل الشيخ في العامرية أو ألميريا. هو الفاتح الجديد الذي جاء ليخلّص النادي الإسباني من ديونه ويحاول إعادة الأمور كما كانت عليه، هذا ما هو ظاهر في العناوين هنا وهناك، ولكن السبب الحقيقي والرؤية لهذا الإستثمار ليست واضحة بعد. ذهب الطفل المُدلَل للديوان المَلكي إلى ألميريا ليحصل على بعض المرح، يريد أن يبقى في الصورة وأن تبقى الأضواء مُسلّطة عليه.

تركي آل شيخ
تركي آل شيخ

انطلقت حملة طارق بن زياد من صحراء الأمازيغ إلى القارة العجوز وفي باله خطة لفتح الأندلس، حيث ورد في التاريخ الإسلامي أن أهلها طلبوا المساعدة إذ كانوا يشتكون من الظلم والفقر المدقع، أمّا بالنسبة لإبن زياد فكانت فرصة مناسبة لتوسيع نفوذ الدولة من شمال إفريقيا وغرب آسيا وصولًا إلى أوروبا.

تغيّر الوقت من الهجري إلى الميلادي. تغيّر معه الكثير ولم يحافظ العرب على الأندلس. لكنهم عادوا إليه تحت ذرائع مختلفة، هذه المرة كانت البوابة الدخول في عالم الاستثمارات الرياضية، التي كان آخرها وصول تركي آل الشيخ إلى العامرية أو ألميريا، هو الفاتح الجديد الذي جاء ليخلّص النادي الإسباني من ديونه ويحاول إعادة الأمور كما كانت عليه، هذا ما هو ظاهر في العناوين هنا وهناك، ولكن السبب الحقيقي والرؤية لهذا الإستثمار ليست واضحة بعد.


الاستثمار العربي "بطلٌ في أوروبا"

آل الشيخ ليس أول المستثمرين العرب في عالم كرة القدم، حيث أقبل الأخير على شراء نادي ألميريا الإسباني الذي يلعب في منافسات دوري الدرجة الثانية "سيغوندا". وقبل الغوص في تفاصيل استثماراته لا بدّ من التوقّف والتعريج على الاستثمارات العربية الرياضية في أوروبا التي كان بعضها درساً في عالم الإقتصاد والنجاح والازدهار فيما وصف القسم الآخر بالكارثي.

أبرز التجارب العربية وأكثرها بريقاً هي تلك التي قامت بها الشركتان العربيتان، الأولى عندما انتقلت ملكية نادي "مانشستر سيتي" الإنكليزي إلى شركة أبو ظبي القابِضة بحوالى 200 مليون جنيه استرليني بعدها بات "سيتي" منافساً حقيقياً في إنكلترا على الألقاب، الثانية شراء مؤسّسة قطر للاستثمارات الرياضية حوالى 70 % من أسهم نادي باريس سان جرمان الفرنسي، إذ تحوّلت مباريات الفريق العاصمي في أغلبها إلى حصص تدريبية في الدوري.

وإذا كان لا بدّ من الحديث عن تجربة سعودية يجب ذِكر الرجل الذي فرّ من الحصار المفروض على الأمراء وأموالهم. واستثمر في فريق "شيفيلد يونايتد" الإنكليزي. لينجح الأمير السعودي عبدالله بن مساعد بن عبدالعزيز آل سعود في 5 سنوات منذ شراء  50 % من أسهم النادي في عام 2013  بالصعود معه إلى الدوري الإنكليزي الممتاز بطلًا للـ"شامبيونشيب".

إقتصادياً، فإن بن مساعد انتشل النادي من حال يرثى لها إذ كان غارقاً في الديون، حيث انخفض إجمالي الديون بشكل متواصل منذ 2013 وحتى الآن من 40.5 مليون جنيه إسترليني في نهاية السنة المالية 2012-2013 ليصل إلى 2.1 مليون جنيه فقط في نهاية فترة تقرير مالي لسنة 2017-2018

أما في الأندلس فإن القطري عبدالله بن ناصر آل ثاني كان أول الوافدين في استحواذه على نسبة عالية من الأسهم في ":ملقا."

وفي سنواته الأولى كان يحلّق بـ "ملقا " عالياً محلياُ وأوروبياً لكنه وقع في الفخ بعد سوء الإدارة الإقتصادية، ليدخل النادي في مشاكل مادية حيث أعلن بن ناصر إفلاسه.

قد تكون هذه الأسماء مجموعة من الأبرز عربياً في الرياضة الأوروبية ولكنها رغم صيتها الذائع، لم تتفوّق على تركي آل الشيخ الذي كان دائماً متصدّراً للعناوين في مختلف المحافل وكأن أحد يريد له أن يكون على المنصّة الأعلى دائماً. 


آل الشيخ ربّان السفينة

الطفل المُدلَل للديوان المَلكي فُتِحت له أبواب اللعب في عالم الرياضة حيث تم تعيين آل الشيخ رئيساً للهيئة العامة للرياضة السعودية في أيلول/ سبتمبر من عام 2018 تحديداً بعد يوم واحد من تأهّل المنتخب السعودي إلى كأس العالم لتسلّط الأضواء على الرجل الجديد على حساب صاحب الإنجاز الفعلي، محمّد بن عبد الملك آل الشيخ الذي أُعفيّ بشكل مُفاجئ ومن دون سابق إنذار من مهامه.

بعد هذا التوكيل بدأت المشاكل وأخذ آل الشيخ يلهو هنا وهناك. ورغم "الفشل" إذا صحّ التعبير، تمّ عزله من مركزه وتعيينه في مركز آخر من قِبَل الملك سلمان رئيساً لهيئة الترفيه؛ عيّنه وليّ العهد محمّد بن سلمان وهنا لا يمكن تجاهل منصبه في الديوان الملكي كمستشار.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الهيئة العامة للرياضة تعدّ الجهة المسؤولة عن جميع الأنشطة الرياضية في المملكة العربية السعودية، ما مهّد لآل الشيخ أن يستحوذ على مناصب رياضية مختلفة منها رئاسة اللجنة الأولمبية السعودية، الاتحاد العربي لكرة القدم، والاتحاد الرياضي للتضامن الإسلامي، وهكذا بدأت القصة التي لم تصل إلى نهايتها والتي كانت بمعظم فصولها مُكلّلة بالإحباط والفشل. 


"أوقفوا العَبَث بالمشهد الرياضي السعودي"

 آل الشيخ متهم في فقدان اللاعبين لمستواهم
آل الشيخ متهم في فقدان اللاعبين لمستواهم

انطلاقة تركي كانت داخل المملكة العربية السعودية أولاً، حيث بدأت العبَثية في اتخاذ القرارات بعيداُ عن كل التخطيط والدقّة في العمل، ملايين الدولارات تُصرَف على مشاريع لم يظهر لها أيّ أثر تنموي، كما يلقي الشارع السعودي التّهم عليه بأنه سبب في إضعاف الكرة السعودية، لتعلو الأصوات وكأنها أرادت أن تقول:"أوقفوا العَبَث بالمشهد الرياضي السعودي". أخذ آل الشيخ يُعيّن رجاله في كل مكان بغية فرض السلطة الكاملة على الرياضة، لم يتوقّف الأمر هنا باتت الفرق السعودية بالكامل كأنها فريق واحد، لأنه لم يتوقّف عن التدخّل في ما يخصّها، لتخرج عشرات الوسوم المُعترضة على ما يفعله آل الشيخ، خصوصاً عندما بدأت الأموال تُصرَف على تعاقدات للفرق لم تأتِ ثمارها، والنتائج الآسيوية للأندية السعودية والغياب عن الإنجازات خير دليل. وبعيداً عن شبه الجزيرة العربية هناك في روسيا، تابع محمّد بن سلمان خسارة السعودية أمام روسيا في افتتاح كأس العالم 2018، خسارة ثانية وفوز هامشي على مصر في المباراة الختامية.

لم يهدأ الشارع السعودي في ما يخصّ هذا الأمر، إذ كان المنتخب جيداً في التصفيات جاهزاً. وجهّت الأصابع مُتّهمة آل الشيخ من جديد الذي كان سبباً في فقدان اللاعبين لمستواهم، حيث أرسل أفضل لاعبي الدوري السعودي إلى إسبانيا من أجل اللعب مع أندية متوسّطة في الدرجتين الأولى والثانية، الملفت أنهم تمرّنوا فقط وبعضهم لعبوا دقائق تحصى على الأصابع ما أفقدهم النَسَق وأبعدهم عن المُستطيل الأخضر.

أما في الكواليس فإن أبرز ما قد يكون أبعد آل الشيخ عن المشهد الرياضي، هو فشله في التسويق لسامي الجابر وعادل عزت بهدف الوصول بواحد منهما إلى رئاسة الإتحاد الآسيوي، حيث كانا يُعدّان ملفيّهما للترشّح، لكن شيئاً ما عرقلهما ووقف في وجهيهما.

نعم. اجتمع الشرق والغرب على رجل مُحايد يلعب ما بين قطر والسعودية يغازل هذا وذاك، من أجل منصبه مُبتعداً عن العداء السياسي ما بين البلدين، لذلك أعيد انتخاب البحريني الالشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة رئيساً لولاية جديدة من أربعة أعوام.


البحر من ورائكم .. آل الشيخ يغرق!

أبحر آل الشيخ بعيداً نحو شمال إفريقيا ساعياً إلى السيطرة على الدوري المصري، قام بشراء 90% من أسهم "الأسيوطي سبورت" وغيّر إسمه إلى "بيراميدز"، وأخذ يصرف الأموال مفتتحاً قناة رياضية ضمّ إليها أبرز الوجوه الرياضية في مصر، فضلاً عن شراء لاعبين محليين وأجانب. وقبل وصوله إلى "بيراميدز" قام بدعم النادي الأهلي مادياً وأخذ يُغدِق عليه بالهدايا، ورغم كل ذلك لم يسيطر على "القلعة الحمراء"، حاول الرجل بشتّى الطرق السيطرة على مصر، ضخّ الأموال، حاول تجسيد السياسة السعودية في كرة القدم، لم يستطع أن يجعل العلاقة طيّبة مع الشعب كما هي الحال مع الرئيس السيسي، لكن الشعب ورغم حاجته للخبز تكاتف في وجه آل الشيخ، حيث كانت مواقف الأندية ومنها الغريمان الزمالك والأهلي متشابهة ومتوازنة ضد آل الشيخ. "وداعاً أيتها الجميلة" هزم تركي في مصر، أعلن الرحيل عن مصر ترك بيرماديز ووعد الموظفين في القناة بإيجاد فُرَص عمل تليق بهم، ولم يفعل ذلك بعد، "الجدعان" في مصر كانوا أقوى من حد سيف "الخفاق الأخضر". في مصر الوضع لم يكن طبيعيا.

يحب آل الشيخ التغريد كثيراً لذلك فإنه لا يُدلي بكلامه عبر المذياع إنما يُحبّذ الكتابة على "تويتر" "مُختصر ليس مفيداً"، تغريدات آل الشيخ تسبّبت في العديد من المشاكل الدبلوماسية للمملكة.

صوَّت آل الشيخ ضد الملف المغربي العربي المرشّح لاستضافة كأس العالم  2026 مبرّراً في تغريدة، كما زعم أنها قبلة الباحثين عن السياحة الجنسية. وصف وزير الشباب الكويتي خالد الرضوان بـ"المرتزقة" لم تكن تغريداته رحيمة ودودة. ابتعد آل الشيخ ولم يصلح أيًا مما خلفه. 

 


ماذا سيفعل في ألميريا؟

وصل آل الشيخ في 2 آب/ أغسطس إلى إسبانيا، لتنتهي بذلك مسيرة ألفونسو غارسيا الذي استمر لـ 16 عاماً في رئاسة النادي، الملياردير السعودي بات يسيطر على 96 % من أسهم النادي، السؤال الذي يطرح نفسه ما الذي سيفعله رجل لم ينجح في الاستثمار حيث لا قانون يعاقب ولا يحاسب، في البلاد التي يعاقب فيها كبار المستثمرين والرؤساء من جاك شيراك الرئيس الفرنسي سابقاً إلى السويسري جوزيف بلاتر رئيس الـ"فيفا" وغيرهما. ما حدث في اليوم الأول بعد الصفقة يمكن أن يختصر المشهد، حيث انصبّ اهتمام آل الشيخ على أخذ الصوَر التذكارية والفيديوهات ونشرها على الحساب الرسمي لألميريا في "تويتر"، لم يتحدّث آل الشيخ للإعلام لم يدلِ بأيّ تصريح حول مشاريعه وخططه المستقبلية، الأمر الذي دفع جمهور النادي إلى التساؤل في تعليقاته على المالك الجديد:"أين المشروع وما هي أهداف المشروع"؟، خصوصا أن ألفونسو كان بمثابة الأب الروحي للنادي الذي تأسّس عام 1989، لكن هذا الأب تعب على ما يبدو ورغبته في الهروب من المسؤولية وتحصيل بعض الملايين دفعته إلى التغزّل بآل الشيخ حيث قال:"أنا لا أتحدّث أبدًا عن الأمور المالية لأن الأكثر أهمية هي الأمور الرياضية، الأمر المادي أمر أساسي، ولكن مليون أكثر أو أقل ليس بالشيء الجلل، ولكن ما أرغب به حقاً هو إسناد العمل وتركه هو والتضحية التي قمنا بها خلال سنوات كثيرة بأيدٍ أمينة".

تحدث العجوز عن الأيدي الأمينة لكن هذه الأيدي لم تعرف النجاح في عالم الرياضة ولا الإستثمار، هذه الأيدي لم تخرج للناس لتقول نحن هنا لنقوم بهذا وهذا وذاك. ذهب آل الشيخ إلى ألميريا ليحصل على بعض المرح، يريد أن يبقى في الصورة يريد أن تبقى الأضواء مُسلّطة عليه، وكأنه يريد القول إن السعودية هي الدولة العربية الأولى، وحيث نكون ستكون الكاميرات تلاحقنا وتتعقّب أخبارنا. مرّت عدّة أيام على هبوط آل الشيخ على ألميريا لكن حتى الآن لم يظهر أيّ تعليق ولا أيّ تصريح، هي مجموعة تغريدات فقط. 


هيئة الترفيه… الرجل المناسب في المكان المناسب

بالعودة إلى المشهد السعودي فإن آل الشيخ لا زال حاضراً في الصورة رغم ابتعاده عن الساحة الرياضية، حيث أن كل الحفلات والعقود منها عقد مع الإتحاد العالمي للمصارعة "WWE" تتمشى مع مشروع "رؤية 2030" والتي تعمل على تنمية قطاع الترفيه لجميع شرائح المجتمع.

وتسعى "رؤية 2030" إلى الحد من السياحة الخارجية للسعوديين بهدف رفع الناتج المحلي، إذ ينفق السعوديون حوالى 22 مليار دولار على الترفيه الخارجي سنوياً بحسب ما جاء في تصريحات سابقة لولي العهد محمّد بن سلمان.

يبقى الغموض في ما يخصّ صفقة ألميريا مسيطراً، لأن الأهداف لم يُعلَن عنها والرؤية المستقبلية للمشروع ليست واضحة، خصوصاً أن بعض الأرقام التي يسعى إلى ضخّها آل الشيخ لشراء لاعبين جدد ليست معلنة، فتارة تراها هي 200 ألف يورو وتارة أخرى 200 مليون، الأيام المقبلة ستكون كفيلة بتوضيح الصورة أكثر، فهل سيكون استثماراً عربياً ناجحاً من جديد؟ مع آل الشيخ المُفاجآت تعد الإحتمال الوارد دائماً.