أوروبا ليست "مدينة أفلاطون الفاضلة"

عادت المحكمة الاسبانية مطلع الشهر الحالي (أيلول/سبتمبر) لفتح ملف مباراة سرقسطة وليفانتي التي لعبت في المرحلة الأخيرة من الدوري الاسباني موسم 2010/2011 حيث كان سرقسطة بحاجة إلى الفوز على ليفانتي ليتجنب الهبوط لدوري الدرجة الثانية ونجح بالفعل في تحقيق الفوز. بعدها بثلاثة أعوام تم تسريب تسجيلات صوتية تشير إلى التلاعب في نتيجة المباراة. تحرك القضاء الإسباني وبدء بإظهار أسماء المتورطين لتطال القضية 42 شخصًا ما بين مدربين، لاعبين وإداريين.

أوروبا ليست "مدينة أفلاطون الفاضلة"
أوروبا ليست "مدينة أفلاطون الفاضلة"

اعتقل ثلاثة حكام كرة القدم في سنغافورة، هكذا كانت أولى عناوين الخبر الرياضي في العام 2013. ليتضح فيما بعد أن هؤلاء الثلاثة يحملون الجنسية اللبنانية، وجاء الاعتقال بهدف التحقيق معهم بشأن التعامل مع إحدى عصابات مكاتب المراهنات بغية التلاعب في نتائج مباريات كأس الإتحاد الآسيوي. وفي صيف العام الذي سبق هذه القضية. وبعد التحقيق من قبل لجنة آسيوية في قضية التلاعب الكروي في مباريات محلية. تم اصدار قرار بحق عدة لاعبين لبنانيين ثبت تعاونهم مع مكاتب مراهنات عالمية وجاءت العقوبات بتوقيف بعضهم عن ممارسة اللعبة مدى الحياة(خففت فيما بعد). وفي الدوري السعودي خصم الاتحاد السعودي ثلاث نقاط من ناديي الوحدة والتعاون مع غرامات مالية بسبب التلاعب في نتائج المباريات، ما أدى إلى هبوط نادي الوحدة إلى الدرجة الثانية عام 2011. هذه الأمور "المشينة" لا تحدث فقط في العالم العربي ولبنان فقط، لأن أوروبا ليست "مدينة أفلاطون الفاضلة" وهناك المئات من هذه القصص في "القارة العجوز".

"الكالتشيو بولي" العنوان الكبير الذي لن ينساه عشاق الدوري الإيطالي، فضائح التلاعب بالنتائج ظهرت للعلن حيث رصدت حينها الشرطة مكالمات بين حكام الدوري وأندية عريقة مثل يوفنتوس، ميلان، لاتسيو، فيورنتينا وريجينا. وارتبطت المكالمات باختيار أندية لحكام يقفون إلى جانبهم في المباريات ليتم التلاعب بالنتائج. أما أكثر المتضررين كانا يوفنتوس وريجينا اللذان شطبت نتائجهما وسقطا إلى الدرجة الثانية إلى جانب غرامات مالية، ومنع رئيسيهما من ممارسة أي نشاط رياضي مدى الحياة. "السيدة العجوز" لم تكن وحدها من تلاعب واتهم، ففي عام 1980 تورط أيضًا عددٌ من الأندية بفضيحة أطلق عليها "التوتونيرو"، وسقط إثر الفضيحة نادي ميلان الشهير إلى جانب نادي العاصمة لاتسيو إلى الدرجة الثانية. "فضيحة خيخون" تآمرت ألمانيا والنمسا على "محاربي الصحراء" الذين كانوا بحاجة لفوز ألمانيا بأكثر من هدفين على النمسا للتأهل إلى الدور الثاني. سجل المنتخب الألماني في الدقائق الأولى للمباراة هدفه الأول، واكتفى الفريقان حتى نهاية المباراة بمبادلة الكرات فيما بينهما ليتأهلا معًا.
في أوروبا أيضًا، أظهرت التحقيقات (عام 2013) عمليات تلاعب في نتائج المباريات حققت أرباحًا تصل إلى ثمانية ملايين يورو. وقالت الشرطة في ذلك العام إن التحقيق المشترك أظهر التلاعب في 380 مباراة في بطولات كبرى أهمها تصفيات كأس العالم وكأس أوروبا وبطولات الدوري الممتاز في عدة دول أوروبية. وخلصت التحقيقات إلى تورط 425 شخصًا في 15 دولة في فضيحة الفساد هذه، بينهم حكام ومسؤولون ولاعبون وعناصر إجرامية. وبالعودة إلى القرن العشرين وصولًا إلى العام 1915، ظهرت أولى حوادث التلاعب عندما عوقب ثمانية لاعبين من فريقي مانشستر يونايتد وليفربول الإنكليزيين، بعدما أدينوا بالتلاعب لتفادي هبوط يونايتد إلى الدرجة الثانية.


المحكمة الإسبانية لم تنسى

كان سرقسطة بحاجة إلى الفوز على ليفانتي ليتجنب الهبوط لدوري الدرجة الثانية
كان سرقسطة بحاجة إلى الفوز على ليفانتي ليتجنب الهبوط لدوري الدرجة الثانية

أتلفت الأوراق المرتبطة ببعض هذه القضايا والكثير غيرها وطويت صفحاتها، أما في أسبانيا ففتح الدرج في محاكمها، لتعود قضية سرقسطة وليفانتي "طازجة". في المرحلة الأخيرة من الدوري الأسباني موسم 2010/2011 كان سرقسطة بحاجة إلى الفوز على ليفانتي ليتجنب الهبوط لدوري الدرجة الثانية ونجح بالفعل في تحقيق الفوز (2/1 بفضل هدفين سجلهما غابي. وبعد عامين من هذه المباراة ( 2013)، نشرت صحيفة ماركا الإسبانية تقريرًا تؤكد فيه أنها تمتلك فيه تسجيلات صوتية لعدد من المدربين واللاعبين ورؤساء الأندية يعترفون فيها بتلاعبهم في نتائج مباريات الدرجة الأولى والثانية من الدوري الإسباني في المباريات الأخيرة من البطولة بدرجتيها الأولى والثانية هذا الموسم. كما تضمن تقرير الصحيفة تصريحات لعدد من اللاعبين والمدربين ورؤساء الأندية غير أنها لم تذكر في تقريرها عن هوية الأشخاص الذين تمتلك تسجيلات صوتية تدينهم. فيما قال أحد اللاعبين إن المدرب أمرهم بضرورة التهاون مع الفريق الخصم فيما كان يخشى المدرب من نزاهة لاعبيه. لم تكن الأسماء واضحة حتى تلك اللحظة. بعدها بعام (كانون الأول/ديسمبر 2014) وبعد التحقيق تحرك القضاء الإسباني وبدء بإظهار أسماء المتورطين. خافيير أغيري مدرب مصر السابق، أندير هيريرا لاعب وسط باريس سان جيرمان الحالي، غابرييل فرنانديز "غابي" قائد أتلتيكو مدريد الإسباني سابقًا ولاعب السد القطري حاليًا ذكرت هذه الأسماء ولكن الدخان كان يتطاير من "غليون القيصر"، ليرد اسم رئيس سرقسطة السابق أغابيتو إغليسياس، وكذلك النادي نفسه ضمن المتهمين في القضية إلى جانب باقي اللاعبين من الفريقين. وفي وثائق القضية التي نشرت، أورد المدعي لمكافحة الفساد أن لاعبي ليفانتي حصلوا على 965 ألف يورو (1.2 مليون دولار) نقدًا لتعمد خسارة المباراة. وقام سرقسطة في البداية بتحويل الأموال لحسابات اللاعبين والمسؤولين، وبينهم أغيري وهيريرا وغابي، ثم سحبها لحسابه الخاص نقدًا وحولها إلى لاعبي ليفانتي حسب الادعاء.
وفي هذا العام، عادت القضية إلى الواجهة لأن القانون فوق الجميع، أستدعي المدرب المكسيكي إلى احدى محاكم مدينة فالنسيا، وبعد خروجه حاول أغيري (60 عامًا) أن يكون "شاهد ما شفش حاجة" عند سؤاله عن القضية بقوله:"لا أعلم، يمكن توجيه هذا السؤال للمحامي". أما رئيس النادي الحالي فيرناندو نفى وقوع أي جريمة في قضية التلاعب هذه بحسب ما أكد في شهادته التي أدلى بها الأربعاء (4 أيلول/سبتمبر 2019) في المحكمة والتي ذكر خلالها أن وجود مبالغ مالية لا يعني وقوع جريمة بالضرورة. قبل ذلك في آب/أغسطس الماضي حاول النادي تبرئة المتهمين بكشفه عن القصة كاملة، كيف خرجت الأموال وإلى أي جهة ذهبت، حيث جاء ذلك عن طريق شرح مطول من المدعي العام الإسباني، الذي ذكر تفاصيل عديدة عن تلك القضية نقلًا عن النادي الإسباني. قام النادي بتحويل مبلغ 965 ألف يورو عن طريق أغيري و9 لاعبين آخرين وبعض من أعضاء الجهاز الفني، ودفعها في صورة رشاوى للاعبي ليفانتي من أجل تفويت المباراة، والفوز بها بكل سهولة. بطبيعة الحال هذا الكلام يرفضه النادي. وفي شرح المدعي العام كان الحديث عن طريقة تقسيم وتوزيع تلك الأموال. تحدث الجميع عن دفع 50 ألف يورو لأغيري من أجل الفوز بتلك المباراة كهدية، لكن ذلك لم يحدث، وأن الأموال التي سحبت من 9 لاعبين والمدرب وكذلك المدير الرياضي للنادي حينها كانت لسداد أقساط التأمين الخاص باللاعبين وكذلك الجهاز الفني وليس لإعطائهم لليفانتي، كما تم جلب 85 ألف يورو من حسابات المذكورين آنافًا كمتغيرات في العقود، وتم تحويل 802 ألف يورو كمستحقات للقوى العاملة الإسبانية. وقام النادي بتقديم مستندات لإدارة الإفلاس والمحكمة التجارية في اسبانيا لكشف المرتبات عام 2011، تظهر بأنه تم دفع تلك المبالغ من أجل اقساط خاصة بالتأمين. ولكن يبدو أن القضاء الإسباني ليس مقتنعًا بهذه التبريرات والأرقام لذلك لم يتوقف التحقيق، ولا زالت المحكمة في تأهبها وتشير الأخبار في الشارع الإسباني أن الطريقة التي سحبت بها الأموال من اللاعبين والجهاز الفني مازالت تثير الريب لدى المحكمة.


لا وسيلة للفرار..

لم يصدر أي بيان رسمي إسباني يخص العقوبات في هذه القضية إلى أن بعض وسائل الإعلام المكسيكية التي تعنيها القضية في ظل وجود مدرب مكسيكي وهو أغيري ذكرت أن المدعي العام ورابطة الأندية الإسبانية لديها كامل الإصرار على إيضاح الحقيقة وتوقيع كمال العقوبات على المتهمين والتي قد تصل إلى تعويض مادي يصل إلى 2.9 مليون يورو بالإضافة إلى الحبس الجنائي لفترة قد تصل لـ 4 سنوات، فضلًا عن عقوبات كروية تقضي بإيقاف المتورطين (بلغ عددهم بحسب التهم 42) بالكامل عن ممارسة أي نشاط مرتبطة بكرة القدم أو ما يتعلق بها لمدة 6 سنوات كاملة.

أسماء كثيرة في إسبانيا لم تسلم من الاعتقال والملاحقات القانونية والعقوبات منها فلورنتينو بيريز رئيس نادي ريال مدريد، أنخيل ماريا فيلار رئيس الاتحاد الإسباني، ساندرو روسيل رئيس نادي برشلونة السابقة بتهمة تبييض الأموال، وغيرها من الأسماء كانت تحت مجهر القضاء في إسبانيا، ولكن السؤال هل تنجو الأندية الصغيرة بفعلتها؟