مجلة أميركية: انتصار ترامب؟ أميركا تغادر سوريا أخيراً

بعد سنوات من التدخل في شؤون الشرق الأوسط والانخراط في نزاعاتها، حان الوقت لترحل واشنطن عن سوريا وتترك الحلّ لغيرها.

انتصار ترامب؟ أميركا تغادر سوريا أخيراً
انتصار ترامب؟ أميركا تغادر سوريا أخيراً

تناولت مجلة "ناشونال انترست" الأميركية في إحدى مقالاتها القرار الأميركي بالانسحاب من سوريا، وترك الحلفاء الكرد وحيدين في مواجهة تركيا، وفيما يلي نص المقال كاملاً:

 

ليس كل مشكلة تستطيع الولايات المتحدة الأميركية حلّها. حان الوقت لترك حل النزاع السوري المأساوي لغيرها.
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يهدد لإنشاء منطقة آمنة، من جانب واحد، في سوريا: "ليس هناك خيار آخر سوى التصرف بمفردنا" صرح إردوغان. رداً على ذلك، يكتفي المسؤولون الأميركيون بمراقبة قرار سحب 1000 مقاتل أميركي متمركزين إلى جانب المقاتلين الكرد في المنطقة.

في حين يتذمر مسؤول أميركي لصحيفة "وول ستريت جورنال" ويقول "إنها عاصفة مثالية. هذا أمر قبيح". في الواقع، كان ينبغي سحب القوات الأميركية منذ فترة طويلة.

على الرغم من إدانة واشنطن لأي اقتراح يدعو إلى احترام المناطق الجغرافية التي تقع ضمن اهتمام الصين وروسيا، يصرّ المسؤولون الأميركيون على بقاء الاهتمام بهكذا مناطق بالنسبة لأميركا. ولكن ليس فقط في أميركا الوسطى أو اللاتينية. فمعظم أعضاء مجتمع السياسة الخارجية الأميركية يعتقدون أنّ العالم بكامله هو فلك اهتمام أميركا.

كيف يمكن تفسير التدخل الأميركي في عدة حروب أهلية في الشرق الأوسط؟ عام 1982، أرسل الرئيس الراحل رونالد ريغن القوات البحرية الأميركية، إلى لبنان، حيث كانت مجموعات تتقاتل هناك للسيطرة على البلد. أصبحت أميركا مقاتلاً إضافياً حيث قصفت المدمرة الأميركية "يو أس أس نيوجيرزي" مواقع تواجد الشيعة والدروز. بينما المقاتلون اللبنانيون، الذين يفتقرون إلى القوات البحرية أو الجوية، انتقموا بتكتيات غير تقليدية.

ولكن بعد الهجوم على السفارة الأميركية وثكنات مشاة البحرية، اعترف ريغن بأنه أخطأ في الانحياز إلى طرف في هذا الصراع المرير. اتخذ الخطوة الوحيدة المعقولة وسحب قواته.

بعد الإطاحة بحركة طالبان الأفغانية من السلطة لاحتضانها القاعدة، حوّل الرئيس السابق جورج بوش الإبن مهمة أميركا إلى بناء الأمة، وبعد 3 إدارات وأكثر من 18عاماً لم يتم وُضع حد للحرب الأهلية. ويكاد لا يعتقد أحد أنه يمكن الانتصار بها، على الأقل ليس بتكلفة معقولة، وهذا ما يرفض معظم المسؤولين الاعتراف به أمام الناس. بحيث لا يزال الجنود الأميركيون يموتون لتجنيب الرؤساء المتعاقبين الشعور بالحرج جراء الاعتراف بالفشل.

أعقب الحرب الأهلية الليبية أيضاً فوضى: الصراع بين الفصائل المتعددة، صعود داعش، وحرب أهلية أخرى واسعة النطاق، كان يغذيها حلفاء أميركا بالخليج.
الأسوأ من ذلك، دعم واشنطن للسعودية والإمارت في حرب شرسة تعهدت باستعادة حاكم مطيع إلى السلطة في اليمن.
لقد أحدث التحالف الخليجي رعباً إنسانياً جماعياً، خفف الضغط على القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وأجبر الحوثيين المستقلين على الاعتماد على إيران للحصول على المساعدة، فأظهروا عدم الفعالية العسكرية السعودية.
قامت واشنطن بكل ذلك لطمأنة النظام في الرياض، الذي هو معادٍ للقيم والمصالح الأميركية.
هذا سجل استثنائي في الفشل. حيث يبدو أن صانعي السياسة كانوا مخطئين بالاعتقاد أن تدخل الولايات المتحدة سيعزز أمن أميركا. كانوا مخطئين تحديداً عندما اعتقدوا أنه يمكن تحقيق النصر. أكثر ما هو غير عادي هو كيف لم يستطع المسؤولون التعلم من تجربة من سبقهم. ثم كان هناك الحرب في سوريا.

كان لدى واشنطن الكثير لتكرهه حول الأسرة العلمانية التي حاربت "إسرائيل" وتحالفت مع موسكو. ومع ذلك لم تهدد دمشق أبداً أميركا، ومؤخراً تجنبت الانجرار إلى مواجهة مع "إسرائيل". فضلاً عن ذلك، عائلة الأسد، الأقلية العلوية، أدارت نظاماً علمانياً كان بمثابة حاجز للسنة الراديكاليين الذين كانوا مسؤولين عن معظم الهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة ودول غربية أخرى. وعانت الولايات المتحدة مؤخراً من كارثة في العراق، ما جعل الوضع السيء أكثر سوءاً.
ومع انزلاق سوريا نحو حرب أهلية في أعقاب الربيع العربي عام 2011، أحبطت الولايات المتحدة المفاوضت من خلال تبني تغيير النظام، مما يعني أنه لم يعد هناك ما تناقشه الأطراف المتنازعة. إضافة إلى ذلك، اشتكى السوريين الذين تحدثت معهم عندما زرت دمشق السنة الماضية، من أن المعارضة الديمقراطية المزعومة كانت أي شيء سوى ذلك، وتهتف قائلةً في مظاهراتها "المسيحيون إلى بيروت، والعلويون إلى القبر".

ومع ذلك، لم تهتم الولايات المتحدة بالنتائج المحتملة لدعمها التمرد. قال لي رجل مسيحي باكياً، يعمل لدى منظمة مساعدات، عام 2015: "أنتم الأميركان ليس لديكم أي فكرة ماذا تفعلون".

إن تدخّل واشنطن في هذه الأرض المعذبة كان هزلياً، معقداً وغريباً ومتناقضاً. إنفاق غير عادي لتمويل مجموعة من المتمردين ومساعدة "المعتدلين" غير الموجودين الذين انشقوا إلى الفصائل الأكثر راديكالية وحصلوا على المعدات التي توفرها أميركا في محاولة لهزيمة داعش وإسقاط حكومة الأسد، أقوى قوة مناهضة للتنظيم.

كل ذلك على أمل إخراج إيران وروسيا، حلفاء سوريا المدعوين من قبل دمشق. وتم استخدام الكرد لهزيمة داعش. كما محاولة منع تركيا، التي ساعدت داعش منذ وقت طويل، من الهجوم على الكرد.

مع انتصار حكومة الأسد واستعادة السيطرة على معظم الأراضي السورية، خففت واشنطن من طموحاتها. الآن تحتل أميركا منطقتين، ما يشكل ثلث الأراضي السورية.

نظرياً، يُفترض من خلال تواجد المئات من القوات الأميركية تخويف الأسد، هزيمة فلول داعش، إجبار روسيا على التخلي عن دعمها، وجعل الكرد يطوقون سوريا من التوغل الإيراني وحمايتهم من أنقرة. لم يتم اعتماد أي شيء في قائمة الاحتمالات هذه من قبل الكونغرس، أو الترويج لمصالح الولايات المتحدة الجادة، أو لديه أدنى إمكانية للنجاح.
نجا الرئيس السوري بشار الأسد خلال أكثر من 8 سنوات من الحرب الأهلية. قبل التزام روسيا بمساعدته في الحرب، توقع العديد من المحللين أن يسقط الأسد.

حتى أوائل العام الماضي، سيطر المتمردون على بعض ضواحي دمشق وتمكنوا من إطلاق قذائف المدفعية وقذائف الهاون على العاصمة. اليوم، هذه المناطق هي عبارة عن امتداد للمباني والركام المحطم ولكنها خالية من المتمردين. الأمر مماثل في حمص، حلب وغيرها من مواقع القتال العنيف. قد تكون سيطرة الأسد ضعيفة في بعض الأماكن، لكنه يسيطر.

هذا يعني أن سوريا لن تتنازل عن أي شيء لواشنطن. في أواخر أيلول/سبتمبر الماضي، قال وزير الخارجية السوري وليد المعلم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إنه ينبغي على أميركا وتركيا أن تسحبا قواتهما غير الشرعية من الشمال السوري أو مواجهة جميع التدابير المضادة المسموح بها بموجب القانون الدولي. لا تستطيع دمشق إجبار أميركا على المغادرة، لكن يمكنها منعها من أي تقدم.

قبل خطاب المعلم، أجريت مقابلة مع سفير سوريا لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري، الذي قال "عندما انتخب ترامب كنا نفكر أنه قد يغيّر سياسة الولايات المتحدة السلبية تجاهنا". مع ذلك، لم يغيّر ترامب شيء، وقد ألقى الجعفري اللوم على اللوبيات والتركيز على إيران وعوامل أخرى. وانتقد الجعفري بشكل حاد أميركا على استمرارها في التدخل في الشأن الداخلي السوري وانتهاك سيادتها.
في غياب خطة غزو، ليس لدى واشنطن أي طريقة لإجبار الأسد على ترك منصبه، أو إخراج حلفائه من سوريا.
أما بالنسبة لمنع النظام من الحصول على أموال إعادة الإعمار، فمن المرجح أن يلوم الشعب السوري واشنطن أكثر من دمشق.
يعيش تنظيم داعش، ولكن كظلٍ لقوته السابقة. فالتواجد الأميركي ليس ضرورة لمنع إعادة إحياء التنظيم، الذي يعارض كل الحكومات ومعظم التحركات في الشرق الأوسط.

الولايات المتحدة ساعدت في كسر المجموعة المتطرفة في أوجها. اليوم سوريا، الأردن، تركيا، إيران، العراق، ودول الخليج، كل من كان مهدداً من قبل داعش، يمكنه التعامل مع خطر أقل بكثير.

وبدلاً من إضفاء طابع الفتنة على الدول العربية، ينبغي على الولايات المتحدة أن تتوقع منهم تحمل مسؤوليات الكبار. أيضاً، هناك قلق في واشنطن حول صعود تنظيم "حراس الدين" التابع للقاعدة.، الذي يعمل في منطقة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة. ومع ذلك، فإن وجود المجموعة يعكس حقيقة أن المنطقة لا تزال خارج سيطرة الحكومة، كما ترغب الولايات المتحدة بالضبط.
وبالمثل، فإن آلاف الأميركيين المنتشرين حول سوريا ليس لديهم وسيلة للضغط على روسيا للتخلي عن منشآتها البحرية والجوية. كما أن مغادرة روسيا لن تهم كثيراً، نظراً إلى أن إدلب ومحيطها فقط تحت سيطرة المعارضة. في هذه المرحلة، يكون الدعم الروسي مفيدًا ولكنه ليس ضروريًا لبقاء الأسد. وبالنظر إلى الدعم الأميركي لأوكرانيا ضد روسيا، فمن غير المرجح أن تمنح حكومة بوتين واشنطن أي دعم. ومن غير المرجح أن توافق إيران على جدول أعمال إدارة ترامب.

بعد كل ذلك، تمت دعوة طهران من قبل حكومة الأسد، على عكس القوات الأميركية التي تتواجد بشكل غير شرعي. أي شخص يمتلك خريطة، يستطيع القول إن إيران لديها سبب أقوى من أميركا لتكون قلقة حول من يحكم سوريا.

وبالنظر إلى الحالة الراهنة للعلاقات الأميركية مع طهران، فإنّ الأخيرة مصممة أكثر من ذي قبل على الضغط على أميركا. كما أن الكرد ليسوا أداة فعالة ضد إيران. لديهم سبب لمقاتلة داعش الذي هددهم، كما الجميع في سوريا، ولكن ليس لديهم حافز مماثل لمحاولة منع الدعم الإيراني للأسد.

في الحقيقة، وصل الكرد والأسد إلى تسوية مؤقتة في بداية النزاع؛ على أن يترك كل طرف الطرف الآخر بمفرده ويركز على العدو المشترك. منذ ذلك الحين، تناقش الطرفان حول تقارب رسمي.

ولكن مع تهديد تركيا بغزو شرق الفرات اليوم، كما فعلت سابقاً في مدينة عفرين، ليس لدى الكرد سوى خيار واحد وهو التركيز على ذلك العدو الأكثر خطورة.