"إسرائيل" وحدها أمام المفاجأة الإيرانية

الحقيقة هي أنه لا يوجد لدى الجهات الأمنية في "إسرائيل" أي معلومات أو تقدير يتوقع قريباً حرب. بل حتى هجوم مفاجئ ضدنا في نطاق محدود. لكن الاحتمالية  لمواجهة كبيرة مع المحور الراديكالي بقيادة إيران ازدادت جداً في الفترة الأخيرة. أحد الأسباب لذلك هو الضرر المتواصل الناتج عن العقوبات الأميركية على الاقتصاد الإيراني.

إسرائيل وحدها أمام المفاجأة الإيرانية
إسرائيل وحدها أمام المفاجأة الإيرانية

قبل عدة أيام سُئلت إذا كان هجوم مفاجئ ضد "إسرائيل" على غرار "يوم الغفران" عام 1973، ما يزال ممكناً، جوابي هو نعم، هذا ممكن. رغم الأفضلية الاستخبارية الواضحة الموجودة اليوم لـ "إسرائيل" في منطقة الشرق الأوسط. أعداؤنا وتحديداً إيران يريدون وقادرون على مفاجئتنا.

قبل الدخول في الخوف، يجب التوضيح، أنا لا أرى في الأفق مفاجأة استراتيجية تشكل تهديداً حقيقياً على وجودنا، كما فاجأتنا مصر والسوريين في حرب الغفران. لا يوجد الآن جيش أو جيوش معادية قادرة على اقتحام أراضينا. أيضاً أنا لا أرى حتى الساعة سلاح نووي بيد إيران لتفاجئنا. هجوم مفاجئ سيكون تقليدي وربما محدود من حيث الحجم، لكن من شأنه أن يسبب أضراراً خطرة للجبهة المدنية وتشويش القدرة الهجومية للجيش الإسرائيلي لفترة معينة.

ومع ذلك يمكن التقدير أن هذه المفاجأة ستمم بواحد من ثلاثة مسارات:

الوقت الذي سيحدث به وعدم وجود انذار استخباري بشأن تحضيراته.

الوسائل والأسلوب الذي سنهاجم به.

المكان والمسافة الجعرافية التي يمكن أن ينطلق منها الهجوم وربما الجهات الذي ستنفذه.

هذا ليس نظرياً. الهجوم الإيراني ضد السعودية في 14 أيلول هو نموذج لهكذا هجوم، يجب أن نتعلم منه. إن الاميركيين في المنطقة والسعوديين وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أيضاً لم يكن يوجد لديهم انذار بشأن الهجوم. صحيح أن الاستخبارت الإسرائيلية ليس من المفترض أن تخصص موارد للدفاع عن منشآت النفط السعودية، لكن الهجوم الذي نفذ على يد عناصر سلاح الجو التابع للحرس الثوري الإيراني، وعلى إسرائيل أن تعرف ما تخطط وتحضر له هذه الجهة ضدها.

بالإضافة إلى ذلك، ينبغي الإشارة إلى أن الهجوم نفذ بواسطة صواريخ مجنحة وطائرات مسيرة طارت مئات الكيلومترات، تقريباً ألف كلم، وعلى ارتفاع منخفض وبمسار متعرج وملتوي، بحيث أبقى كل منظومات الرادار والنذار الأميركية والعراقية والكويتية في حالة ظلام (جهل وعدم معرفة بما يحدث). الإصابة كانت دقيقة والانحرف كان متر على الأكثر من النقطة المخطط إصابتها وبدقة فقط الجيوش والصناعات الأمنية المتطورة جداً يمكن أن تحققها.

ليس فقط أن تنفيذ الهجوم المذهل أشعل كل الأضواء الحمراء في إسرائيل، بل هو فاجأنا من عدة أبعاد. مثلاً إن القوة التي نفذت الهجوم المفاجئ ضد منشآت النفط السعودية ليس قوات القدس في الحرس الثوري وإنما سلاح الجو التابع للحرس الثوري الذي أظهر منذ مدة قدرات تخطيطية وتنفيذية مذهلة.

الأمر الثاني الذي فاجأ القدس هو الاستخدام الفعال الذي قامت به إيران للصواريخ المجنحة والطائرات المسيرة من انتاجها. هذا ليس فقط أننا لم نعرف بأن إيران نجحت في انتاج صواريخ مجنحة وفق النموذج الذي حصلت عليه من أوكرانيا، بل إيران عرضت ذلك علناً في عرض عسكري بطهران عام 2014 .

نتنياهو يعرف أنه يوجد صواريخ مجنحة إيرانية في سوريا، ومن غير المستبعد أن يكون الاجتماع العاجل للكابنيت هو لأغراض سياسية، من أجل التجسيد لقادة أزرق أبيض إنه هو أيضاً يعرف الوقائع.

نتنياهو يريد أيضاً أن يطور كماً ونوعاً القدرات الهجومية لإسرائيل بحيث تكون قادرة على اسكات مناطق اطلاق الصواريخ في سوريا والعراق. ونتنياهو يعرف أنه من أجل الحصول على المليارات بسرعة كما يأمل يجب على وزارات الحكومة أن تسلم بتقليصات مهمة في ميزانياتها قريباً، لذلك هو يستغل الهجوم على السعودية لخلق حالة من الخوف تلين مواقف وزراء الكابنيت الذين ربما يكونون في الحكومة القادمة وسيوافقون على منح المؤسسة الأمنية الميزانيات اللازمة لتطوير قدرات هجومية ودفاعية لمواجهة خطر الصواريخ.

الموضوع الثاني الذي بحثه الكابنيت هو مالي أيضاً، ويتعلق بتغطية الخطة الخمسية الجديدة "تنوفا" للجيش الإسرائيلي التي تحتاج إلى مزيد من المليارات ولا أحد يعرف من أين ستأتي في ظل العجز المتزايد، وهذا أيضاً سبب للاجتماع العاجل للكابنيت، الذي أخاف الكثير من المواطنين وسبب لهم الخشية من حرب حقيقية تنتظرهم خلف الزاوية.

الحقيقة هي أنه لا يوجد لدى الجهات الأمنية في إسرائيل أي معلومات أو تقدير يتوقع قريباً حرب. بل حتى هجوم مفاجئ ضدنا في نطاق محدود. لكن الاحتمالية  لمواجهة كبيرة مع المحور الراديكالي الشيعي بقيادة إيران ازدادت جداص في الفترة الأخيرة. أحد الأسباب لذلك هو الضرر المتواصل الناتج عن العقوبات الأميركية على الاقتصاد الإيراني.  

لدى الإيرانيين ثلاث طرق للخروج من هذا الوضع:

الأولى: الجلوس إلى طاولة المفاوضات والتحدث مع الولايات المتحدة الأميركية بشأن تغييرات في الاتفاق النووي وبرنامج الصواريخ.

الثاني: تكثيف العمليات التخربية والازعاج ضد الملاحة في الخليج الفارسي وضد حلفاء الولايات المتحدة الأميركية، إلى حد لا يبقى خيار لدى ترامب والاضطرار لرد عسكرياً. في هكذا وضع، إسرائيل من الممكن أن تهاجم وسترد على ذلك.

الثالث: هو تسريع الإيرانيين تطوير السلاح النووي، من دون الاقتحام باتجاه القنبلة. أيضاً وقتها يجب على إسرائيل أن تقرر إذا كانت ستترك الإيرانيين يتقدمون نحو القنبلة النووية، أو إنها ستخرج لوقف هذه العملية.

كل واحدة من طرق العمل هذه ليست بشارة طيبة لإسرائيل، وتحديداً على ضوء اكتشاف الرئيس ترامب مرة بعد أخرى أنه ليس حليف موثوق. ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وولي عهد الإمارات محمد بن زايد فهما أن الولايات المتحدة الاميرطية بادارة ترامب تتمسك بسياسة انعزالية وأن الرئيس الأميركي مستعد أن يبيعهم سلاح، لكن لا أن يساعدهم عسكرياً. إن عدم موثوقية ترامب والولايات المتحدة الأميركية كحليف وكما رأينا أمس فقط مع اخلاء المنطقة لاردوغان من أجل شن هجوم ضد الأكراد في سوريا، يشجع ويحث آيات الله في طهران على زيادة التآمر والهجمات الارهابية في الشرق الأوسط، من أجل تحقيق الهيمنة الاقليمية ودفع برنامجهم النووي العسكري واعادة تتويج التيار الشيعي في الاسلام إلى عهده. وأيضاً دورنا من الممكن أن ياتي عاجلاً أو آجلاً.

من أراد في اسرائيل بحلف دفاع مشترك مع ترامب، بل وعرض هذا كهدية انتخابية، بالتأكيد يدرس الآن مجدداً، إذا كان هذا الحلف مطلوب، وخاصة أنه يجلس في البيت الأبيض رئيس انعزالي يخرق أي اتفاقية وقعت عليها الولايات المتحدة الأميركية.

حالياً يمارس الإيرانيون الضغط ويحققون نجاحات في الخليج الفارسي. الدول العربية السنية المعتدلة التي ملت من ترامب، بدأت بالرقص وفق العزف الإيراني. في هكذا وضع، إن فرصة تطبيع العلاقات بين إسرائيل وجاراتها القريبة والبعيدة في الشرق الاوسط تبدو ضعيفة. وكذلك أيضاً فرص الاستعانة بهم من أجل التوصل إلى اتفاقات سلام وتطبيع مع الفلسطينيين.

"صفقة القرن التي يدعو إليها ترامب في هكذا حالة، من شأنها أن تشعل التصعيد لا أن تجلب تهدئة. وختاماً، يجب على إسرائيل أن تعتاد مجددا على فكرة أننا سنقف وحدنا عاجلاً أو آجلاً لمواجهة التهديد الإيراني.