ماذا بعد المعركة الدونكيشوتية الإسرائيلية في مزارع شبعا؟

إنَّ المكسب الحقيقيّ للمقاومة في هذه المعركة الدونكيشوتية هو تعزيز مصداقية المقاومة في أذهان الرأي العام الإسرائيلي بكلّ مستوياته، وهذا مكسب لا يمكن لـ"إسرائيل" أن تمحوه لسنين عديدة.

  • سحب الدخان تتصاعد في قرية كفرشوبا جنوب لبنان بعد قصف إسرائيلي لمزارع شبعا يوم 27 يوليو 2020 (أ.ف.ب)
    سحب الدخان تتصاعد في قرية كفرشوبا جنوب لبنان بعد قصف إسرائيلي لمزارع شبعا يوم 27 يوليو 2020 (أ.ف.ب)

لم يعد خافياً على كل مُطّلع أن الحدث الأمني والمعركة الوهمية التي حصلت في 27 تموز/يوليو على الحدود الشمالية لفلسطين، بالقرب من الموقع العسكري التابع للاحتلال الإسرائيلي "هاردوف"، لم يكن إلا نتيجة تحميل الصورة التي شاهدتها الجندية الإسرائيلية عبر شاشات كاميرات المراقبة أكثر مما تحتمل، وهو ما نتج، في الأساس، من حالة الخوف، إلى درجة الهَوَس أو الهستيريا التي يعيشها الجيش الإسرائيلي من حتمية الرد الذي وعد به حزب الله في أعقاب استشهاد أحد عناصره جراء القصف الإسرائيلي في محيط دمشق. 

أيضاً، وفي السياق ذاته، يُستبعد القول إن بنيامين نتنياهو "افتعل المعركة على السياج الحدودي لكي يُبعد الأنظار عن مشاكلة الداخلية". يبدو هذا القول أقرب إلى نظرية المؤامرة منه إلى الواقع. ولو كان ذلك صحيحاً، لما كتب نتنياهو رسالة مُذِلّة إلى حزب الله، ادعى فيها أن إصابة شهيد الحزب في القصف الإسرائيلي على محيط دمشق، لم يكن مقصوداً، وتمنى فيها على الحزب ألا يرد على النار بالمثل.

 ولو كان صحيحاً، لما استخدم كل الأدوات الدبلوماسية، ابتداءً من دبلوماسيي دول كبرى، وانتهاءً بمندوب الأمم المتحدة في لبنان، لتفادي ردّ المقاومة. وقد ثبت ذلك أيضاً بعودة نتنياهو إلى القضايا الداخلية ومحاولته المستميتة لأن ينتهي الإعلام من تناول قضية التوتر على الحدود الشمالية، ويبقي الأمر على نار هادئة، وهذا ما أكده المراسل العسكري لموقع "واي نت"، يوآف زيتون، يوم 28 تموز/يوليو، حين قال: "إن التصعيد على الحدود الشمالية أو قتل أحد عناصر حزب الله عن طريق الخطأ، من الممكن أن يضر بإمكانية النجاح لعمليات خفية كبيرة أهم بكثير وبعيدة عن عيون الجمهور".

في مراجعة موضوعية وهادئة لمضمون الحدث وتفاعلاته، لا بدَّ من ملاحظات، ولو قليلة، ولكنها مهمة لفهم الواقع: 

أولها، حالة الهستيريا التي يعيشها الجيش الإسرائيلي في المنطقة الشمالية، الأمر الذي يؤكد حالة الردع التي شكّلتها قوة المقاومة اللبنانية في وجه المحتل الإسرائيلي المتغطرس منذ العام 2006.

ثانيها، السقوط المدوي للإعلام العسكري الإسرائيلي في نظر جمهوره، والكشف عن عوراته وزيف رواياته، حتى وإن جاءت على لسان كبار المراسلين العسكريين والمحللين العسكريين المعتمدين في نظر الجمهور الإسرائيلي. وقد وصل هذا السقوط إلى مطالبة البعض، متحدّين الجيش، بنشر الفيديو الذي يدّعي بموجبه أنَّها كانت محاولة اختراق للحدود من قبل خلية تابعة لحزب الله وتم إفشالها.

وقد لوحظ أيضاً أنَّ كثرة الأخبار المتناقضة في الساعات الأولى، وكذلك التعليقات العسكرية الإسرائيلية، جعلت المواطن الإسرائيلي ينتظر الكلمة الفصل من قيادة المقاومة، وكأنها "قطعت جهينة قول كلّ خطيب"، وأنهَت العنتريات وبطولات الجيش، والروايات المتخيلة في وسائل الإعلام الإسرائيلية. وبدلاً منها، طغت الانتقادات علناً في وسائل التواصل الاجتماعي، ما أجبر نتنياهو على منع الوزراء من التحدّث إلى وسائل الإعلام، وعقد مؤتمر صحافي قصير مع وزير الأمن، بيني غانتس، في الليلة ذاتها، لتلخيص الحدث الأمني في دقيقة ونصف الدقيقة، انتهى بتهديدات فارغة، على أمل استعادة الثقة بالجيش وعودة الإعلام إلى القضايا الداخلية.

وما لا يقلّ عن ذلك هو التشكيك في قدرات الجيش الإسرائيلي على مواجهة حزب الله، وخصوصاً أنهم يرونه أقوى جيش في الشرق الأوسط، بل يرونه من أقوى جيوش العالم، وهذا ما جعل المعلّق العسكري يوسي ملمان يقول: "ليس هكذا يتصرّف الجيش الأقوى في المنطقة"، معبراً عن خيبة أمله في جيشه.

أما انسحاب القوى العسكرية من الحدود إلى أماكن آمنة داخل المستوطنات، وترك المدنيين يعملون في مزارعهم، وفي المنشآت الزراعية التي لا تبعد 100 متر عن السياج، مثل منشأة تصنيف الفواكه، وفق مقالة يوآف زيتون، يوم 28 تموز/يوليو، فهو يعني أن الجيش يحتمي بالمدنيين بدلاً من أن يحميهم، وهذا نهج دائم، وليس استثناء. ويبدو أن "إسرائيل" تتمنى أن يقوم حزب الله بعملية عسكرية يكون المدنيون الإسرائيليون ضحاياها، لا العسكريون، الأمر الذي يؤكد ما أشرنا إليه دائماً، ومفاده أن عمليات المقاومة ضد القوى العسكرية هي التي تكسر معنويات الإسرائيلي، لأن الجيش يمثل هيبة الدولة وضمان بقائها في نظر الإسرائيليين.

أما عندما يكون الضّحايا من المدنيين، فيشكل ذلك فرصة للإعلام الإسرائيلي الدولي، وليس فقط المحليّ، بأن يتباكى أمام الرأي العام ويضلّله، واصفاً المقاومة بالإرهاب. من هنا أيضاً، إنّ الصواريخ الدقيقة التي توجّه ضدّ مواقع عسكرية في "إسرائيل" تخيفهم أكثر من أضعاف أضعافها من صواريخ الكاتيوشا التي قد تصيب المدنيين أكثر من العسكريين.

إذاً، ماذا تفرض الحادثة الأمنيّة على الطرفين؛ الإسرائيلي من جهة، والمقاومة من جهة أخرى؟

إن التهليل الذي حصل للسلوك العقلاني والهادئ لقيادة المقاومة مفهوم، والاستهزاء بالهستيريا التي ميزت القيادات العسكرية والسياسية والإعلامية في "إسرائيل" مفهوم أيضاً، لكن ماذا بعد؟ هذا هو الأهم.

إنّ التأكيد على أنّ الردّ قادم لا محالة، يضع المقاومة أمام التزام لا تستطيع تجاهله بأي سبب، وذلك حفاظاً على مصداقيتها في أعين جمهورها، وعلى هيبتها في وجه العدو الإسرائيلي الذي بات منذ العام 2006 ينتظر الحقيقة مما سيقوله السيد نصرالله، وليس مما يقوله رئيس حكومته.

إضافةً إلى ذلك، وترقّباً لمعركة حقيقية في المستقبل القريب، لا شكّ في أن المقاومة ستدرس ديناميكية ما حصل في الميدان، وديناميكية تحرك القوى الدولية التي تدخّلت لمنع الردّ أو إنهاء الحدث، ومضمون تدخلاتها، إضافة إلى تحركات ومواقف القوى المحلية وردودها، والجهات الإعلامية العربية وغير العربية التي تبنَّت الرواية الإسرائيلية وأخذت تروّجها من اللحظة الأولى.

أما من الجهة الإسرائيلية، فقد فرض الحدث المذكور تحديات أمام القيادة العسكرية والسياسية، وكذلك أمام وسائل الإعلام ومراسليها، على اختلاف توجهاتها السياسية، فوسائل الإعلام فقدت مصداقيتها إلى حد لم تشهده من قبل، وأولهم المراسلون العسكريون.

أما الجيش الَّذي بدا مرتبكاً ومرعوباً إلى درجة الهستيريا، وخاض معركة دونكيشوتية، فهو يحتاج إلى إعادة النظر في سلوكه وكيفية اتخاذ القرار العسكري الميداني، في حالة حصول رد عسكري حقيقي من المقاومة. لا شكّ في أن الجيش الإسرائيلي استفاد من هذه التجربة، لأنها تشكل نموذجاً لتمرين حقيقي يختلف عن كل سيناريوهات التدريبات العادية السابقة. كما أنه قد يعيد النظر في عمله الإعلامي، بهدف تحسين أدائه واستعادة ثقة الجمهور به، ولا شكّ أيضاً في أن هذه الأبحاث ستكون بعيدة من متناول الجمهور.

وفي الوقت ذاته، عادت بعض القوى الإسرائيلية القلقة من استمرار الردع لتطالب حكومة "إسرائيل" بالقيام بعملية عسكرية مفاجئة ضد المقاومة اللبنانية، مستغلة الظرف اللبناني المنقسم على نفسه، وهو يعاني من أزمة اقتصادية تكاد تنهي وجود الدولة، كما يعاني الحزب، وفق تقديرات عومر دوستري، الباحث في معهد القدس للاستراتيجية والأمن، من انكفاء على الصعيد اللبناني وخسارات في الأرواح تصل إلى ألفي عنصر في الحرب الدائرة في سوريا منذ 10 سنوات، و"بما أن الحرب مع حزب الله قادمة لا محالة - يقول دوستري - فلماذا لا تستغل الفرصة اليوم للقيام بعملية عسكرية تبادر إليها (إسرائيل)، من دون انتظار موعد مستقبلي يكون فيه الحزب أكثر قوة مما هو اليوم؟".

مثل هذا الأصوات لها من يؤيدها في المستويين السياسي والعسكري، وخصوصاً أولئك الباحثين الاستراتيجيين من ذوي الماضي العسكري، والإعلاميين أيضاً، أمثال رون بن يشاي (عسكري سابق)، الذي رسم في مقالته على موقع "واي نت" يوم 29 تموز/يوليو، سيناريو الانتصار الإسرائيلي مثلما يتخيله، وهو يلخص مقالته بالقول: "لقد فقدنا فرصة للقضاء على حزب الله الذي تتعاظم قوته لتصبح تهديداً وجودياً لنا، فلو قتلنا أعضاء المجموعة التي اخترقت الحدود بدلاً من إطلاق نيران تحذيرية عليها والسماح لها بالهروب، لوجدنا فرصة للقضاء على غالبية الترسانة العسكرية للحزب. لقد ضاعت الفرصة". ويعيد بن يشاي موقف "ضبط النفس" من قبل "إسرائيل" إلى تفشّي فيروس كورونا الذي يشغها إلى حد كبير.

وأخيراً، هل من دروس وعبر؟

الجواب، نعم. أول هذه العِبَر أنه قد تنشب معركة هنا وهناك لخطأ في التشخيص، حقيقي أو مُفتعل، أو لفهم خاطئ لسلوك الطرف الآخر. وقد أثبتت التجربة أنّ مثل هذه المعارك ممكنة، ولكنها لا تتدحرج إلى حرب إلا إذا كان هناك قرار مسبق بالحرب، فالحروب لها أهدافها، ولا تكتفي بالأسباب. 

أما "الأسباب" التي تروّج لها الدولة المعتدية، فهي ليست إلا حججاً وذرائع تلهي بها الرأي العام، لا أكثر، لتشرّع الخروج إلى حرب، وتقنع جمهورها بأنها كانت حرباً لا مفر منها، وأن الأرواح التي زهقت والدماء التي سُفكت، لم تكن إلا ثمناً ضرورياً.

وثاني هذه العِبَر ما لاحظناه خلال ساعات الحدث وبعده بقليل، إذ خرجت بعض التصريحات العربية، وبرَّرت ما فعلته "إسرائيل"، وتجنّدت بعض وسائل الإعلام العربية لهذا الغرض، وهذا يشير إلى ما يمكن أن يحصل في حالة صدام حقيقي، وإلى القوى التي قد تتواصل أو تنسّق مع المحتل وتدعمه في ظلِّ المعركة الحقيقية القادمة.

وثالها، بروز دور الإعلام السياسيّ والعسكريّ في كيّ الوعي أو تعزيزه، وضرورة تكامله مع قرارات المستويين السياسي والعسكري والفعل الميداني، وتأثير ذلك، ليس في الذات فقط، بل في العدو قبل الصديق. إنَّ المكسب الحقيقيّ للمقاومة في هذه المعركة الدونكيشوتية التي خاضتها "إسرائيل"، هو في تعزيز مصداقية المقاومة في أذهان الراي العام الإسرائيلي بكلّ مستوياته، وهذا مكسب لا يمكن لـ"إسرائيل" أن تمحوه لسنين عديدة، وربما لعقود قادمة، فهل تنجح المقاومة في الحفاظ على مصداقيتها؟ وهل تنجح في نقل التجربة للآخرين؟ لا شكّ في أنها تجربة سيتم تدريسها في مدارس الإعلام السياسي والعسكري.

أليف صباغ

محلل سياسي مختصّ بالشأن الإسرائيلي

إقرأ للكاتب

استراتيجية "إسرائيل" الإقليمية في البحر الأحمر

استراتيجية "إسرائيل" الإقليمية من خلال نشاطها في البحر الأحمر وتحالفاتها مع الأنظمة المحيطة به...

استراتيجيّة "إسرائيل" البحريّة شرقي البحر المتوسّط

منذ العام 1950، وضع بن غوريون نصب عينيه ضرورة سيطرة "إسرائيل" على البحرين المتوسط والأحمر وأشار...

جوهر أزمة الحكم في "إسرائيل" والسيناريوهات المتوقعة

ما تزال الانشقاقات والتركيبات الجديدة للأحزاب الإسرائيلية، وكذلك الصراعات الداخلية، إحدى ميزات...

ماذا يخفي الاتفاق الثلاثي الإسرائيلي الإماراتي الأميركي؟

من يرهن بنيته التحتية والمعلوماتية والأمنية لدولة أخرى، لا يستطيع الهروب من هيمنتها، مهما بلغت...

في أي سياق نضع الفاجعة الكبرى في بيروت؟

هل كان الفساد والإهمال كافيين لانفجار مخزن نترات الأمونيا في ميناء بيروت أم إنه لا بد من يد...

دولة فلسطينية إسرائيلية على أرض فلسطين.. استراتيجيَّة أم تكتيك؟

ليست المرة الأولى التي تتناول فيها شخصية رسمية عربية حلّ الدولة الديموقراطية الواحدة، أي دولة...