مصر واليونان.. المواجهات السّاخنة مع تركيا قريباً!

فاجأ وزير الخارجية المصري سامح شكري ومعه نظيره اليوناني الجميع، عندما وقَّعا في القاهرة على اتفاق لتعيين الحدود البحرية بين البلدين.

  • وزيرا الخارجية المصري واليوناني يوقعان في القاهرة على اتفاق لتعيين الحدود البحرية بين البلدين
    وزيرا الخارجية المصري واليوناني يوقعان في القاهرة على اتفاق لتعيين الحدود البحرية بين البلدين (أرشيف)

على الرغم من الهدوء النسبي الّذي يخيّم على السّاحة الليبية عسكرياً، فقد حلَّت الدبلوماسية محل لغة السلاح، ولكل حساباته الخاصة في ذلك، فبعد تحالف ليبيا العربية مع تركيا وريثة الدولة العثمانية، جاء الرد من مصر العربية التي دخلت في تحالف سريع مع اليونان، وريثة الإمبراطورية البيزنطية، والتي جعل إردوغان من كنيستها الأم جامعاً لكل الإسلاميين في العالم!

فاجأ وزير الخارجية المصري سامح شكري (الخميس) ومعه نظيره اليوناني نيكوس دندياس الجميع، عندما وقَّعا في القاهرة على اتفاق لتعيين الحدود البحرية بين البلدين، وهو ما كان بمثابة الرد على الاتفاق التركي - الليبي الموقع في تشرين الثاني العام الماضي.

وتحدَّث الوزير اليوناني بعد التوقيع على الاتفاقية، وقال: "الاتفاقية الموقعة بين حكومة الوفاق الوطني في ليبيا وتركيا غير قانونية، وتخالف القانون الدولي"، مشيراً إلى "أنَّ بلاده تواجه كل التحديات في المنطقة بالتعاون مع الدولة المصرية"، وأضاف: "جميع الاتفاقيات الموقعة بين مصر واليونان تقوم على احترام أسس القانون الدولي ومبادئه".

وتابع الوزير: "هناك تواصل تام ومستمر بين اليونان ومصر على أعلى المستويات، والفترة المقبلة ستشهد ترجمة عملية لهذا التواصل في مختلف القضايا".

بدوره، قال الوزير شكري: "الاتفاقية تفتح آفاقاً جديدة للمزيد من التعاون الإقليميّ في مجال الطاقة واستثمارات الغاز الواعدة في الأبيض المتوسط"، مؤكداً "أن علاقات الصداقة بين البلدين عامل رئيسي في الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها".

ويكتسب التوقيت الزمني للاتفاقية أهمية إضافية، لأنه يصادف التوتر في العلاقات التركية - اليونانية، بسبب المشكلة القبرصية والخلاف على قضايا مهمة، كالمياه الإقليمية والجرف القاري والمجالات الجوية والمناطق الاقتصادية لكل من الدولتين في بحر إيجة والأبيض المتوسط، مع استمرار الفتور والتوتر بينهما بعد ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية، وهو ما كان سبباً لفتور وتوتر مماثل بين تركيا ومصر، التي قالت إنها "لا تعترف بالاتفاق الليبي - التركي" أيضاً، ولحق به التدخل التركي العسكري المباشر في ليبيا، وهو ما تصدَّت له القاهرة، بدعم من باريس، وأحياناً برلين وروما، فيما بقي الموقف الروسي غامضاً بسبب حسابات التوازن الروسية في العلاقة مع أنقرة، كما هو الحال في سوريا.

وكانت هذه المعطيات بتناقضاتها المعقَّدة كافية للتدخل الأميركي نهاية الشهر الماضي، فأقنعت واشنطن أو أجبرت الرئيس إردوغان على إلغاء مهمة سفينة "أوروج"، للبحث والتنقيب عن الغاز قبالة شواطئ جزيرة كريت اليونانية. ودفع ذلك أنقرة إلى إرسال سفينة "بربروس" إلى المياه الإقليمية لجزيرة قبرص التي لا تعترف بها تركيا، وتقول إنها تدافع عن حقوق القبارصة الأتراك، وذلك وفقاً لاتفاقية لندن للعام 1960، التي تعترف لتركيا واليونان وبريطانيا بحقّ التدخل في الجزيرة إذا تطلّب الأمر ذلك.

وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، وفي تعليقه على الاتفاقية اليونانية - المصرية، قال: "إن تركيا لا تعترف بهذه الاتفاقية، وتعتبرها باطلة، وسوف تثبت ذلك للجميع على الأرض وفي طاولة المفاوضات". وأضاف جاويش أوغلو: "إن المنطقة المحددة ضمن الاتفاق المصري - اليوناني تقع ضمن حدود الجرف القاري التركي، كما أن الاتفاق ينتهك الحقوق البحرية الليبية".

وجاء الرد على تصريحات الوزير جاويش أوغلو على لسان المتحدث باسم الخارجية المصرية، أحمد حافظ، الذي قال في تغريدته على "تويتر": "من المستغرب أن تصدر تلك التصريحات والادعاءات عن طرف لم يطّلع أصلاً على الاتفاق المصري - اليوناني وتفاصيله".

وفي العاصمة الليبية طرابلس، التقى وزيرا الخارجية التركي والمالطي مع رئيس حكومة الوفاق فايز السراج، وبحثوا معاً مستجدات الأوضاع في ليبيا والاتفاق المصري - اليوناني، وأعلنوا في بيان مشترك عن تحفظهم على عملية "إيرني" الأوروبية لمراقبة ومنع تهريب السلاح إلى ليبيا. ويحمل هذا التحفظ في طياته انزعاج أنقرة من موقف الاتحاد الأوروبي الذي اتهم تركيا بنقل الأسلحة والمعدات الحربية والمرتزقة السوريين إلى ليبيا. 

وفي أنقرة، استقبل وزير الدفاع خلوصي آكار السفير الأميركي ديفيد ساترفيلد، وبحث معه مجمل التفاصيل التي تخص العلاقات الثنائية إقليمياً ودولياً، وبشكل خاص الوضع في سوريا وليبيا والأبيض المتوسط، أي التوتر بين تركيا واليونان؛ العضوين في الحلف الأطلسي. 

وجاءت كلّ هذه المعطيات مع الأزمة الحادة التي عصفت بالأسواق المالية، بعد أن حقّقت الليرة التركية تراجعاً خطيراً مقابل العملات الأجنبية، وهو ما دفع البنك المركزي إلى التدخل وضخّ المليارات من الدولارات للسيطرة على انهيار قيمة الليرة، التي يبدو أنها ستواجه المزيد من الأزمات بعد أن زادت الديون الخارجية على 470 مليار دولار.

وفشلت الحكومة في الحصول على قروض خارجيَّة، ما اضطر البنك المركزي إلى ضخّ المليارات من الدولارات في الأسواق، وهو ما أدّى إلى ذوبان الاحتياطي من العملات الصعبة في خزائن البنك الَّذي لم يعد يتحمل أعباء الأزمة المالية الخطيرة. 

ويقول المتحدّثون باسم المعارضة إنَّ أحد أسبابها الرئيسية هو تكاليف التدخلات التركية العسكرية في سوريا والعراق وليبيا والصومال وقطر وأذربيجان، إضافةً إلى تكاليف الدعم الذي تقدمه أنقرة لكلّ حركات الإسلام السياسي في العالم أجمع.

يبقى الرهان على مدى حجم الضغوط الأميركية والأوروبية التي سيتعرض لها الرئيس إردوغان وقوتها، لإجباره على إعادة النظر في سياساته الخارجية، وهو ما تستبعده الأوساط الإعلامية، فالرئيس إردوغان يعتقد ويؤمن بأنه يحكم البلاد بلا منافس، بعد أن سيطر على المؤسسة العسكرية والأمن والمخابرات والقضاء و95% من الإعلام الحكومي والخاص، وهو ما سيشجّعه للاستمرار في سياساته الحالية، بما فيها احتمالات المواجهة الساخنة "مع الأعداء". 

ويقول زعيم حزب الشعب الجمهوري، كمال كليجدار أوغلو، عن هذه السياسات إنَّها تخدم الأجندة الأميركية في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير. ويرى عبد اللطيف شنار، وهو نائب رئيس الوزراء، في حكومة إردوغان للفترة 2002 – 2007، "أنها باتت تشكل خطراً على الواقع التركي الداخلي سياسياً وأمنياً واقتصادياً، كما تصب في المصلحة "إسرائيل"، المستفيد الوحيد من كل تطورات ما يسمى بالربيع العربي".

وفي هذه الحالة، تتوقع أوساط المعارضة للرئيس إردوغان المزيد من المغامرات في الخارج، وبشكل خاص في سوريا والعراق وليبيا ومع اليونان، لإبعاد أنظار المواطن عن مشاكله اليومية الحقيقية، كالغلاء والبطالة والفقر الذي بات يهدد حياة الملايين من الأتراك.

فكما فاجأ الرئيس إردوغان العالم، وخصوصاً دول شرق الأبيض المتوسط، باتفاقه مع حكومة الوفاق، لا تستبعد الأوساط العسكرية والدبلوماسية أن يقوم بمفاجأة أخرى، والقول للأميرال المتقاعد جهاد يايجي، للرد على الاتفاق اليوناني - المصري، وذلك بالتوقيع على اتفاقية بحرية مع "إسرائيل"، كتلك الاتفاقية الموقعة مع ليبيا، وهو ما سيستهدف مصر وتضييق الحصار عليها ضمن حدود مناطقها الاقتصادية وجرفها القاري، على أن تبقى لبنان وسوريا ومناطقها الاقتصادية خارج الحسابات التركية، على الأقل حتى الآن، وذلك بسبب الدعم الروسي لدمشق، والقلق الأوروبي من سياسات أنقرة "الاستفزازية" ضد اليونان وقبرص، العضوين في الاتحاد الأوروبي، الذي سبق أن أعلن خلال الأشهر الماضية عن العديد من العقوبات الاقتصادية والمالية والسياسية ضد تركيا بسبب سياساتها في قبرص وشرق الأبيض المتوسط".

وليس واضحاً إلى متى سيستمر الغرب عموماً في تجاهل سياسات إردوغان، الذي يبدو واضحاً أنه يريد أن يستغلها في خدمة مشاريعه ومخططاته الخاصة بالمنطقة العربية، وهي الضحية دائماً، ما دامت أنظمتها كانت، وما زالت، تأتمر بأوامر هذا الغرب، كما تأتمر حركات الإسلام السياسي العربية بتعليمات إردوغان!

حسني محلي

باحث علاقات دولية ومختصص بالشأن التركي

إقرأ للكاتب

إردوغان بين الماضي والحاضر.. النزول من قطار الديموقراطية

انفجر الخلاف بين إردوغان وبين فتح الله جولن نهاية العام 2013، عندما سرَّب أتباع الأخير تسجيلات...

"إسرائيل" لن تكتفي بالمياه.. ماذا عن الغاز والبترول؟

تتحدث المعلومات عن مشروع كبير لمد أنابيب للغاز والبترول من دول الخليج، مروراً بالأردن، إلى ميناء...

الخيانة والتآمر.. جذور جينية لدى أنظمة المنطقة

منذ وعد بلفور، تآمر أجداد الأنظمة العربية، لا على فلسطين فحسب، بل على كل القضايا الوطنية...

تركيا وإيران.. العدوّ مشترك والتناقضات كثيرة والحلّ واحد!

يقول زعيم حزب الشعب الجمهوري التركي كمال كليجدار أوغلو إن السياسة التركية في المنطقة تخدم...

بعد التوتر مع اليونان.. ماذا عن ليبيا وإدلب؟

تستمر القواعد العسكرية في قبرص بالتنسيق مع واشنطن، المستفيد الأكبر من مجمل سياسات أنقرة في...

إثيوبيا وتركيا.. المياه بين المصالح والسّياسة والدين

تحدث بن غوريون في أواسط الخمسينيات عن حاجة "إسرائيل" المحاصرة بمحيطها العربي إلى ثلاث قصبات...