ما هي مدرسة "الميادين" في عيدها الثامن؟

انطلاقاً من فكرة مشروع إعلاميّ طموح، لم تختم "الميادين" العقد الأول بعد على طريق إرساء أسس ثابتة لمدرسة إعلامية تقفز في تطوّرها عاماً بعد عام. فما هي معالم هذه المدرسة ومنهجها؟

  • ما هي مدرسة "الميادين" في عيدها الثامن؟
    عبارة "التواضع" لعلَّها أكثر العبارات المتداولة بين الزملاء في "الميادين"

العام الّذي فجّر الواقع العربي بعُجره وبُجره هو المفصل الذي أضاء شمعة في ليلة الإعلام العربي الظلماء، فمعظم الإعلام العربي الذي يتناغم مع الإعلام الغربي في تدمير الدول العربية وما بقي فوق أنقاض الخراب والانهيار، هو الّذي أخذ على عاتقه (ولا يزال) تعبيد الصعاب أمام الغزو الحربي الأطلسي وأمام البربرية، بذريعة محاربة الاستبداد وأوهام الانتقال إلى الديموقراطيّة الأميركيّة.

المحرّك لولادة فكرة "الميادين" ربما كان وراءه عدم الخضوع لتوظيف الإعلام العربيّ سلاحاً ماضياً في ترسانة الحرب ضد البلاد والعباد، وهو الدافع إلى طموح حماية أخلاقيات المهنة ومسؤوليتها الصارمة في البحث عن الحقيقة. ولعلّ أوّل قاعدة في منهج "الميادين" الإعلامي هو إعادة الاعتبار لمسؤولية الإعلام في الدفاع عن أخلاقيات المهنة.

مشروع "الميادين" الَّذي تجنّد منذ اللحظة الأولى لنقل "الواقع كما هو"، تحرص برموش العين على أن تتجاهل باشمئزاز التّحريض الطائفي والتوترات العصبية القاتلة، لكنها ليست محايدة في موقع المتفرّج تجاه الحروب البينية بين دول المنطقة وشعوبها، فالإعلام المهني المسؤول الذي يؤسّس مدرسة "الميادين" الإعلامية، يسعى طامحاً إلى وقف الحروب والدمار، وإلى نأي المنطقة بنفسها عن الغزو الأطلسي، من أجل البحث عن التطور الذاتي وحلّ الخلافات والتناقضات في ما بينها لمصلحة الشعوب.

عبارة "التواضع" لعلَّها أكثر العبارات المتداولة بين الزملاء في "الميادين". ولا يخفى أنّ الأستاذ غسان بن جدو زرع النبتة الخضراء، حتى باتت أيقونة للتودّد والاحترام في ما بيننا كبيرنا وصغيرنا. "نعم سيدي"، يقول زميل لزميله، فيجيب تلقائياً: "بالتوفيق سيّدي".

لكنَّ هذا التعبير عن التواضع منبعه في مدرسة "الميادين" أنَّ الإنسان الفرد الذي يتحمّل مسؤولية إعلاميّة، وحتى مسؤولية ومكانة سياسية نافذة، يبقى فرداً يعلو قدره بمقدار احترام الجماعة في خدمة المجموع والمجتمع ونبذ النرجسية الفردية.

هي الحدّ الفاصل بين غابة التوحّش والطموح إلى إنسانية عقلانية في تنظيم الأفراد والجماعات والبشرية الكونية. على هذا العمق الإنساني الراقي، تتأسَّس مدرسة "الميادين" الإعلامية في طموحها إلى التعاون والتفاعل بين دول الجنوب، لنقل التجارب والآمال ومواجهة الظلم والهيمنة والفقر والتهميش.

تشقّ "الميادين" الطريق الإعلامي إلى أميركا اللاتينية عبر كوبا وفنزويلا، فتتعاون بإنشاء شراكة إعلامية مع "تيليسور" في إرساء أسس التبادل بين المنطقتين. ولعلَّ هذه المساعي يمكنها أن تنير الطّريق بين دول وشعوب الجنوب مع أفريقيا السمراء وآسيا، "مع الإنسان في كلِّ مكان".

الانتماء الإنسانيّ العميق الّذي تتأسّس عليه مدرسة "الميادين"، بات الواقع المعيش في أسرة "الميادين"، الَّذي يتجلّى في حدّة المنافسة بين الزملاء على التضحيات الجمّة وبذل الجهد المتواصل من أجل الحصول على وسام "الانتماء"، وهو الوسام المعنوي الذي يتطلّب الانكباب على العمل المتواصل، إعراباً عن تقدير المسؤولية، على الرغم من الضغط وتواضع الإمكانيات. وما يتصبّب من عرَق الزملاء يكافئه الناس بالاحترام والتّعاطف بسخاء.

قيَم الانتماء الراسخة في مدرسة "الميادين" هي بيت القصيد الَّذي يلتفّ حوله الزملاء في غرفة التحرير، والزملاء في المكاتب الخارجية، والجنود المجهولون في الإعداد والإخراج والصوتيات والتقنيات. ففي هذا المنهج، تقفز "الميادين" في تطوّرها المتصاعد سنة بعد سنة بهدوء، لكن بثبات.

تكامل الزملاء الشباب والأقل شباباً والحرص على تعدّد الجنسيات العربية، يُفضي إلى أوسع مشاركة في تدرّج التطوّر لإنتاج برامج لافتة تلبي التعطّش إلى المنفعة العامة، حيث يبرهن الزملاء الشباب عن مهنيّة عالية "رشيقة"، كالمشهدية والتحليلية والصحية، والآتي يأتي. وفي هذا السياق، تحلّ "حمامة الأيك" على موقع "الميادين - نت"، فترمي إليه أذناً لنقله مع الزملاء والزميلات الطامحين إلى أجنحة الطيران من حال إلى حال.

مدرسة "الميادين" تتّخذ شعارها "ثابتون" على طريق الدفاع عن المهنة الإعلامية المسؤولة، لكن ربما يروي الثبات بذرة الانتماء إلى الإنسانية في مواجهة غابة التوحّش.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
قاسم عزالدين

كاتب لبناني في الميادين نت وباحث في الشؤون الدولية والإقليمية

إقرأ للكاتب

لماذا يسعى ماكرون إلى التقرّب من حزب الله؟

الرئيس الفرنسي الذي يتعهّد بالعمل على وقف الانهيار والانفجار في لبنان، يبدو أنه يعبّر عن منحى...

المقاومة الاجتماعيَّة والتوجّه شرقاً.. لماذا؟

إعلان الأمين العام لحزب الله المقاومة الاجتماعية هو رؤية سياسية عمليّة لدبّ الحياة في مستنقع...

ما هي دلالات انفجار العنصريَّة في أميركا؟

 مقتل الأميركي الأفريقي جورج فلويد هو الشرارة التي تحرق الغطاء عن صورة أميركا العميقة، لكنه ربما...

كيف بنى ريغان- تاتشر العولمة النيوليبرالية؟

أزمة كورونا العالمية تكشف نذراً من توحّش العولمة النيوليبرالية، ولا يزال الكشف عن نتائجها...

التطبيع مع "إسرائيل" هو طبع أم تطبُّع؟

الحكّام والمسؤولون العرب الموصوفون بالتطبيع مع "إسرائيل"، يقيمون تحالفاً من موقع تبعية العبد...

السعودية تحت ضغط ترامب إلى أين؟

تخفيف الحماية الأميركية وابتزاز ترامب لسحب الأموال، هما في سياق توجه الإدارة الأميركية ضد الصين...