الاستراتيجيَّة الأوروبيّة.. بين ماكرون الهجوميّ وميركل المتردّدة

تتباين فرنسا وألمانيا في نظرتها إلى مستقبل الاتحاد وعلاقته مع الولايات المتحدة الأميركية، بينما تتفق كلٌّ من نظرة ميركل وماكرون إلى ضرورة الحوار مع الصين وروسيا.

  • الاستراتيجيَّة الأوروبيّة.. بين ماكرون الهجوميّ وميركل المتردّدة
    الاستراتيجيَّة الأوروبيّة.. بين ماكرون الهجوميّ وميركل المتردّدة

على الرغم من القدرة المعقولة للاتحاد الأوروبي على لملمة الجراح التي خلّفتها السياسات الوطنيّة والحمائيّة التي اعتمدتها كلّ دولة على حدة في مواجهة أزمة كورونا، تعيش أوروبا اليوم على وقع تحديات ومشاكل متعدّدة، تتعلق بالانكماش الاقتصادي المتوقّع، وإفلاس الشركات الأوروبيّة الكبرى، والخشية من العودة إلى المطالبات اليمينية بسياسات أكثر "وطنية وقومية"، ما يهدّد الاتحاد الاوروبي بمزيد من التشرذم والانقسام.

وفي ظلِّ هذا الوضع الصعب، تتحضَّر ألمانيا لرئاسة الاتحاد لمدة 6 أشهر، تبدأ في 1 تموز/يوليو 2020 وتستمرّ لغاية نهاية العام الحالي، ما يفرض عليها التعامل مع كل التحديات الآنفة الذكر، إضافة إلى التحديات التي تواجه الاتحاد في تصوّره المستقبلي لعالم ما بعد كورونا، ولعالم متغير دولياً، حيث تشهد العلاقات بين ضفّتي الأطلسي تشنّجاً حقيقياً لم تعرفه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

في دراسة ملامح الاستراتيجيّة الأوروبيّة القادمة للتعامل مع التحديات العالمية، نجد اختلافاً بين النظرة الفرنسية الهجومية التي تريد أن ترسم إطاراً مستقلاً وفاعلاً لدور أوروبي عالمي، بغض النظر عن موقف الولايات المتحدة الأميركية، بينما يطغى التردّد والحذر على موقف الألمان ورؤيتهم لهذا المستقبل.

يطمح ماكرون إلى "حكم أوروبيّ ذاتي استراتيجي"، يتلخّص في الاستقلالية الأوروبية الدفاعية، أي القدرة على الدفاع عن القارة من دون الاعتماد على الولايات المتحدة، وتفعيل "السيادة على المستوى الأوروبي".

وحدَّد ماكرون رؤيته للأهداف الأوروبية في السنوات العشر القادمة بالاهتمام بما تريده الطبقات الوسطى، والسير بسياسة دفاعية فعّالة، وموازنة مالية أكبر، وأسواق رأسمالية متكاملة، والتخلي عن حق النقض الذي يبطئ عملية صنع القرار في الهياكل الأوروبية العليا.

وكان ماكرون في شباط/فبراير الماضي قد دعا ميركل إلى "حوار استراتيجي"، لرسم سياسة مستقبلية للاتحاد، تأخذ بعين الاعتبار المستجدات على الساحة الدولية والتراجع الأميركي، لكن الألمان لم يرسلوا جواباً على الطرح الفرنسي، كما أعلن ماكرون نفسه.

والمفارقة أنَّ التردّد والضّعف الذي لمسه دونالد ترامب من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، جعله يندفع بسياسته الهجومية ضدَّها، فأعلن رغبته في سحب 9,500 جندي أميركي من القواعد الأميركية المنتشرة في ألمانيا، الأمر الذي ردّت عليه ميركل بحذرٍ أيضاً، فأكدت أن وجود الجيش الأميركي مفيد لألمانيا والقسم الأوروبي من الناتو بالتأكيد، ولكنه مهم ومفيد للولايات المتحدة الأميركية أيضاً.

وفي تحذير ناعم للأميركيين، قالت ميركل: "لقد نشأنا على فكرة أنَّ الولايات المتحدة أرادت أن تكون قوة عالمية. إذا رغبت الولايات المتحدة الآن في الانسحاب من هذا الدور بإرادتها الحرّة، فسنضطرّ إلى التفكير ملياً في ذلك".

إذاً، تتباين دول الاتحاد الأوروبي الكبرى (فرنسا - ألمانيا) في نظرتها إلى مستقبل الاتحاد وعلاقته مع الولايات المتحدة الأميركية، بينما تتفق كلٌّ من نظرة ميركل وماكرون إلى ضرورة الحوار مع الصين وروسيا، وأن قطع العلاقات مع الصينيين غير مطروح في قاموس الأوروبيين، كما أكَّدت ميركل نفسها.

وعليه، يبدو أن الاتحاد الأوروبي لن يحسم خياراته الاستراتيجية قبل انكشاف نتيجة الانتخابات الأميركية، وذلك على الشكل التالي:

- إن عاد ترامب إلى الرئاسة لمدة 4 أعوام إضافية، ستنتصر وجهة النظر الفرنسية، وسيكون هناك دافع قوي لدى الأوروبيين لمزيد من الاستراتيجيات الاستقلالية، وستطغى وجهة نظر ماكرون على تردّد ميركل، التي ستجد نفسها مجبرة على الدفاع عن بلادها وعن الاتحاد. وهكذا ستؤدي سياسات ترامب إلى مزيد من عزلة الأميركيين في العالم، وانفكاك العديد من الحلفاء من حولهم.

- أما إذا نجح بايدن في الوصول إلى الحكم، فسيكون رئيساً أميركياً تقليدياً يطبّق سياسات أوباما السابقة نفسها، وأهمها التركيز على التعددية، والتشبيك مع الحلفاء، وعودة السياسة التقليدية في الشرق الأوسط، ومواجهة روسيا، واحتواء الصين بطرق أقل هجومية، وسترتاح ميركل من اتخاذ خيار استقلالي هجومي لا تريده.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
ليلى نقولا

أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

إقرأ للكاتب

استغلال سياسيّ لنكبة بيروت: وصاية دولية؟

استغلَّ بعض اللبنانيين الكارثة وتردد على لسان أكثر من إعلامي المطالبة بـ "وصاية دولية" على لبنان...

التحرّش الإسرائيليّ بلبنان: جسّ نبض للتصعيد؟

إنَّ محاولة جسّ النبض الإسرائيلية للداخل اللبناني أبرزت أن لبنان لن ينقسم على ذاته في أي حرب مقبلة.

الاستفزاز الأميركي للطائرة الإيرانية: مقاربة قانونية وسياسية

الاستفزاز بحدّ ذاته يطرح علامات استفهام كبرى حول المدى الذي يمكن للأميركيين أن يذهبوا به في...

عقوبات ترامب: مؤشّر ضعف لا قوة

لم يستطع ترامب أن يُخضع الدّول التي فرض عليها العقوبات، فلم يتغيّر سلوكها الدّولي، ولم يستطع...

هل يطبّق لبنان مبدأ الحياد؟

لا يبدو لبنان قادراً على تطبيق فكرة الحياد التي تنظّر لها بعض القوى السياسية لأسباب موضوعية...

ضمّ الضفّة: كيف يطوّع الأوروبيون قوانينهم لصالح "إسرائيل"؟

بما أنّ الاتحاد الأوروبي ينطلق من المبادئ الدولية نفسها لتجريم ضم روسيا إلى القرم، فقد كان من...