الاغتيال الاقتصاديّ للبنان للسّلام مع "إسرائيل"؟

من خلال قراءة كتاب بيركنز، يمكن فهم العديد من التطورات والتحولات التي حصلت في العديد من دول العالم، ويمكن فهم المسارات التي سار فيها لبنان.

  • الاغتيال الاقتصاديّ للبنان للسّلام مع
    الاغتيال الاقتصاديّ للبنان للسّلام مع "إسرائيل"؟

لا شكّ في أن الوضع الاقتصادي السيئ الذي وصل إليه لبنان، تتحمَّل مسؤوليته في الدرجة الأولى الطبقة السياسية التي حكمته منذ التسعينيات ولغاية اليوم، ثم في الدرجة الثانية السياسات الخارجية التي غطّت هذه الطبقة الفاسدة ودعمتها وتشاركت معها النظرة إلى البلد كغنيمة حرب، وأثَّرت في حساب اللبنانيين ولقمة عيشهم.

ويبدو من حالة الإفلاس المالي والاقتصادي، وانهيار الليرة اللبنانية، وتعثّر الدولة اللبنانية في سداد ديونها، أنَّ لبنان تعرّض بالفعل لاغتيال اقتصادي، يشبه إلى حدّ بعيد ما وصفه جون بيركنز في كتابه الشهير "اعترافات قاتل اقتصادي" الصادر في العام 2004.

يحدّد بيركنز دوره كخبير اقتصاديّ لدى إحدى أكبر الشركات الاستشارية، إذ يقوم بإعداد دراسات بالتوافق مع المنظمات المالية لتقديم القروض للدول النامية المستهدفة، تحت إطار "تحديث الدولة" وتحسين بنيتها التحتية، على أن تقوم الشركات الغربية الكبرى، وأهمّها الأميركية، بتنفيذ هذه المشروعات التي تستفيد منها "الكوربوقراطية"، وهي مثلث يتكوّن من الشركات عبر الوطنية، وبعض السياسيين الأميركيين، والمؤسَّسات المالية الدولية، كصندوق النقد الدولي الذي يمنح القروض.

وللوصول إلى الأهداف المرجوَّة، يلجأ القاتل الاقتصاديّ إلى تزوير الانتخابات لتأمين وصول موالين مستعدين للموافقة على الصفقات، والرشوة، والابتزاز، والجنس، وأحياناً الاغتيالات. ويُستخدم الدولار كأداة مساندة، فعادة ما تتم المضاربة على العملة المحلية، فتنهار مقابل الدولار الأميركي، ما يُرهق الدولة المستهدفة بمزيد من الضغوط، ويصبح الحل الوحيد أمامها هو طلب المساعدة من صندوق النّقد الدولي.

وبناء عليه، وكشرط للقروض، يُطلب من الدول النامية وصفات محدّدة، أهمّها فتح أسواقها أمام الشركات العالمية الكبرى، والابتعاد عن السياسات المساندة للقطاع العام والفئات الأكثر ضعفاً، تمهيداً لخصخصة القطاع العام بالكامل.

نجاح "القاتل الاقتصادي" - بحسب بيركنز - يُقاس بحجم القروض التي ينجح في إقناع الدولة المستهدفة بطلبها، فكلَّما كانت أكبر، كان ثمن عدم سدادها من قبل الدولة المَدينة أكبر.

وفي غالبية الحالات، تتعثَّر الدول في سداد الديون، فتعمّها الفوضى والنزاعات والعنف بين الشرائح المهمشة، وترزح تحت ثقل الديون. وقد نجحت هذه الطرق في العديد من الدول، فتمّت الهيمنة عليها وعلى مقدّراتها ومواردها، لكنها خابت أمام دول تبدو أصغر حجماً وأثراً، لوجود بعض الساسة الأكثر استقلاليةً وصلابةً، وهو ما يعني الانتقال إلى الخطة "ب": ارحل من السلطة.

على سبيل المثال، تمّ دفع الإكوادور إلى الإفلاس خلال عقود ثلاثة من الزمن، ارتفعت فيها نسبة الفقر من 50% إلى 70%، ونسبة البطالة من 15% إلى 70%، وتزايد الدين العام من 240 مليون دولار إلى 16 مليار دولار. ولكي تتمكّن من سداد الديون التي ورَّطها فيها القتلة الاقتصاديون (مجموعات داخلية وخارجية)، اضطرّت إلى بيع الغابات البترولية لشركات أميركية كبرى مقابل 25 دولاراً من كل 100 دولار للدولة، تذهب 75% منها لسداد الديون الخارجية، أي إلى الشركات العالمية التي نفّذت مشاريع التنمية.

من خلال قراءة كتاب بيركنز، يمكن فهم العديد من التطورات والتحولات التي حصلت في العديد من دول العالم، ويمكن فهم المسارات التي سار فيها لبنان، والطبقة السياسيّة التي حكمته لمدة عقود ثلاثة من الزمن، كما يمكن فهم الحملة الشعواء على رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال عون، وخصوصاً بعد خطاباته في الأمم المتحدة، والتي أعلن فيها "أن لبنان يقرر عن نفسه، ويرفض المشاريع الدولية التي لا تناسبه".

ولا يعود مستغرباً بعد انفجار المرفأ في 4 آب/أغسطس 2020، وبعد الانهيار الاقتصادي والمالي الذي يعاني منه لبنان، والذي تفاقم بسرعة كبيرة بعد انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، أن نقرأ في الصحف الأميركية والإسرائيلية مقالات رأي تشير إلى أن مصير لبنان المحتوم هو السلام مع "إسرائيل" كنتيجة لهذه الأزمات. 

في النّتيجة، يبدو أنَّ الاغتيال الاقتصاديّ الَّذي مورس على لبنان بالتعاون والتكافل مع الطبقة السياسيّة الفاسدة التي نهبت الخزينة العامة، يهدف إلى أمرين:

- إغراق لبنان في الديون والأزمات الاقتصاديّة والانهيار المالي، للرّضوخ لوصفات صندوق النقد الدولي، وبالتالي تلزيم الغاز في المتوسط، حيث تذهب عائداته إلى الشركات الكبرى، والباقي من حصّة الدولة اللبنانية يذهب لسداد الديون الخارجية، ولا يبقى للتنمية المحلية سوى الفتات (إذا تبقّى).

- إجبار لبنان على دفع أثمان سياسيّة باهظة متعلّقة بالصراع العربي الإسرائيلي، وبأرضه ومياهه، وحقّ اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم، والقبول بتوطينهم فيه.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
ليلى نقولا

أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

إقرأ للكاتب

جردة ترامب الشرق أوسطية: أميركا أقلّ أمناً

لا شكّ في أن الشرق الأوسط كان بشكل دائم معنياً بهوية قاطن البيت الأبيض، وذلك لاهتمام الولايات...

إصابة ترامب بكورونا: هل تخدم حملته الانتخابيّة؟

بغض النظر عما إذا كانت إصابة ترامب حقيقية أم مصطنعة، إلا أنها من الصعب أن تغيّر نتائج الانتخابات...

ناغورنو كاراباخ.. بين الاستراتيجيا والقانون الدّوليّ

شكّلت قضيّة كاراباخ المثال الحيّ لقضيّة إشكاليّة تقوم على مبدأين من مبادئ القانون الدولي الآمرة،...

هل تقبل سوريا بالتسوية الجزئية التي يطلبها الروس؟

يتمنّى الروس أن يحقّقوا تسوية - ولو جزئية - في سوريا قبل رحيل دونالد ترامب من البيت الأبيض، وهم...

الإذلال كوسيلة في السّياسة الخارجيّة: ترامب نموذجاً

قام ترامب سابقاً بإذلال رئيسة وزراء بريطانيا السابقة تيريزا ماي حين نعتها بـ"الضعيفة"، ونعت...

مستقبل لبنان على وقع الصراع بين الطوائف والدولة

يقف لبنان أمام مفترق تاريخي مهمّ، فإما يتطلَّع اللبنانيون إلى المستقبل بذهنيّة القرن الحادي...