سقوط قِيَم الليبرالية المُدوّي على أقدام "العُمر الثالث"

للتذكير، تحدّث الرئيس الأميركي بيل كلينتون في إحدى خطبه مُتباهياً بإنجازات بلاده على صُعد مختلفة، ومنها ما انعكس على صحة الإنسان.

  • سقوط قِيَم الليبرالية المُدوّي على أقدام "العُمر الثالث"
    انعكست تطوّرات الاهتمام بصحة الإنسان على معدّلات متوسّط العُمر

ما إن بدأت تتنامى مفاهيم وقِيَم "العُمر الثالث" للإنسان، حتى ظهر "الكوفيد 19" يُهدِّد هذه القِيَم. لكن ما يُطمئِن على المضيّ في تكريس "العُمر الثالث"- قِيَماً ومفاهيم- هي التطوّرات الموضوعية للعلوم، والأبحاث الصحية للإنسان، من جهة، وتوافر ثقافات وضعت الإنسان في أولوياتها، وهي مُتجذّرة في روح الشرق، وثقافته التاريخية، مقاومةً الضغط المُعاكِس الذي تشكّله النزعة الاستهلاكية للاقتصاد الليبرالي، والتي تُعطي للبُعد الاقتصادي المكانة الأولى على حساب الإنسانية.

انعكست تطوّرات الاهتمام بصحة الإنسان على معدّلات متوسّط العُمر، وبينما كانت القِيَم العُمرية تُصنّف الإنسان عجوزاً في خمسيناته، وذلك حتى الرُبع الأخير من القرن العشرين، باتت خمسينات الإنسان تصنّف شباباً، لا كهولة، بارتفاع نسبة متوسّط العُمر، تِباعاً بعد ذلك، وباتت مقاييس مُعدّلات العُمر تُعطي نتائج مُتقدّمة، وبحسب مصادر تابعة لأبحاث الأمم المتحدة، فقد بات متوسّط عُمر الإنسان يزداد سنة كل سنتين، أو نصف سنة كل عام. 

على هذا المستوى، صنّف متوسّط عُمر الإنسان بناء على انتمائه الوطني-الاجتماعي، إذا صحّ التعبير، أي بناء على انتمائه إما إلى الدول المُتقدّمة صناعياً وعِلمياً وتكنولوجياً وبحثياً، أم إلى دول العالم الثالث أو الدول النامية، على اعتبار أن الدول المُتقدّمة وهي تحديداً أوروبا والولايات المتحدة الأميركية في هذا التصنيف، قدَّمت ما يُحقِّق رفاهية، ورخاء، وصحة جيّدة للإنسان في حقباتٍ طويلة.

ابتداء من تسعينات القرن العشرين، تصاعدت موجات من الدعاية لتطوير عقاقير تُكافِح الأمراض، خصوصاً منها المُزْمِن، كالسرطان، والسكّري، وأمراض القلب، والضغط، ومشاكل الجهاز العصبي المُتراوحة بين الاكتئاب، والباركنسون، والألزهايم، وصولاً إلى التوحّد، والإطلال على مشاكل الإعاقة وطرح مُعالجات لها، والاهتمام بها، وما شابه من مظاهر مُرتبطة بالإنسان. 

تركَّزت الأبحاث والاكتشافات أساساً في الولايات المتحدة الأميركية، واستكمالاً لها في دول أوروبا المُتقدّمة كألمانيا وفرنسا وإنكلترا، على ما راج في الإعلام، ومن نتائج تلك الأبحاث والتطوّرات على صحة الإنسان، تمدّد معدّل "متوسّط العُمر" حتى بلغ ال 78 سنة في الدول المُتقدّمة، و80 سنة في كوبا الرائِدة في الاهتمام الصادِق بالإنسان، وصحته. 

وللتذكير، فقد تحدّث الرئيس الأميركي بيل كلينتون في إحدى خطبه في فترة ولايته الثانية تسعينات القرن الماضي، مُتباهياً بإنجازات بلاده على صُعد مختلفة، ومنها ما انعكس على صحة الإنسان، مُترقّباً أن يصل المُعدّل الوسطي لعُمر الإنسان إلى 150 سنة في المراحل المُتقدّمة من القرن الواحد والعشرين. والمعلوم أن فترة ولاية كلينتون شهدت تطويراً لنظام الضمان الصحي للمواطنين، والفُرَص الأفضل للمُعاقين في العِلم والعمل، ولربما اعتبرت أبهى مرحلة من مراحل عُمر الولايات المتحدة الأميركية من حيث الرخاء الاقتصادي، وتأمين فُرَص العمل، والضمانات المختلفة.  

العُمر الثالث

قسّمت أبحاث العلوم الاجتماعية المُستجدّة عُمر الإنسان إلى ثلاث مراحل: الأولى، منذ الولادة وحتى الثلاثين، وفيها النمو، والنشوء، والتعلّم، والاستعداد للعمل، وصولاً إلى الانخراط في الحياة العامة. الثانية، من الثلاثين حتى الستين، وفيها تصلّب عوده، وتأسيسه لحياته، ومستقبله، ولعائلته في حال الزواج. والثالثة، من الستين وما فوق، وأُسمِيَت هذه المرحلة ب"العُمر الثالث".

اختلفت مفاهيم وقِيَم "العُمر الثالث" بين الماضي والحاضر على مستوى عالمي. في السابق، كانت النظرة إلى الستيني أنه على عتبة نهاياته التي تمتد من دون قُدرة الإنسان على التحديد، ومتى بلغ الإنسان السبعين، صار عجوزاً ينتظر الرحيل، فكيف الحال مع التقدّم حتى الثمانين والتسعين، وأحياناً أخرى المائة؟ انطلاقاً من هذه التصنيفات، حدّد عُمر التقاعد بال 64 سنة على مستوى غالبيّة دول العالم، والسبب هو النظرة أن الإنسان تعب في حياته، وشاخ، ولم يعد قادراً على العطاء، ويستحق الاستراحة في ما تبقّى له من سنوات. 

إلا أن التطوّرات العلمية والصحية قلبت المفاهيم، حتى قيل أن هناك ما يزيد على 30 ألف إنسان في العالم بلغوا المائة من العمر، وهو رقم كبير مُقارَنة مع الماضي حيث قلّما وصل إنسان إلى المائة، وفي حال بلوغه تلك السن انطبق عليه قول الشاعر زهير بن أبي سلمى: "رأيت المنايا خَبْط عشواء فمَن تصب تُمته، ومَن تُخطيء يُعمَّر فيهرم".. بمعنى أن يكون بلوغ المائة هو هفوة أو نسيان، وربما خطأ.. 

قِيَم العصر الحديث اختلفت كثيراً عن قِيَم الماضي، وكان الفضل الأكبر فيها للتطوّرات العلمية، والاكتشافات الصحية التي قدّمتها الحَداثة الغربية للإنسان حتى أواخر القرن الـ20. وفي هذه الفترة، تغلّفت الابتكارات العلمية بنزعةٍ إنسانية، حاجبة طغيان البُعد الاستثماري لصحة الإنسان، وجني الأرباح الهائلة على حساب تقديم الطمأنينة له أزاء العُمر والحياة. لذلك ارتفعت أسعار السِلَع والابتكارات المُستخدَمة في علاج مشاكل الإنسان الصحية، خصوصاً منها ما يتعلّق بمصيره عبر الأمراض القاتِلة.

تقدّم قِيَم "العُمر الثالث" فرضت مُتغيّرات بالمفاهيم، وفي ثقافة، وأسلوب التعامُل مع الإنسان. بدأ الحديث عن المجتمعات الكهلة التي يزيد عدد المُتقدّمين في السن فيها باطراد على عدد الأطفال، خصوصاً منهم المُتقاعدين، مُقارنة مع تراجع الولادات. وفي إحصاءات الأمم المتحدة، هناك ما يقارب الـ700 مليون إنسان فوق الستين من العُمر، وسيصبح هذا الرقم مليارين بحلول 2050. 

والإنسان في "العُمر الثالث"، وفي ظلّ الحفاظ على حالٍ صحية جيّدة بالتقدّم العِلمي، يظلّ بإمكانه العطاء بما اختبر في حياته من تجارب، خصوصاً في مجالات العمل والعِلم، ولذلك بدأت إعادة نظر في إعادة تشغيل كثيرين من هذه الفئة العُمرية، كما بدأ اتخاذ إجراءات قانونية تسمح بإعادتهم إلى العمل ولو بصورة جزئية، عبر قواعد تعاقُدية تتّخذ طابع الاستشارة، والإشراف، وما إلى هنالك من مهام مُشابهة. كما بدأت تطرح أفكار إعادة النظر بسن التقاعد من الـ64 سنة إلى الـ68 أو 70 سنة لمهمات باتت تتجاوز الطاقة الجسدية لصالح حساب الطاقة العقلية والخبرة.

حتى الفترة الأخيرة القريبة، كان لا يزال الأمل مُتصاعِداً بتطوّر وضع الإنسان في "العُمر الثالث"، إلى أن حلّ "كوفيد 19" ليكشف الكثير من المستور في ثنايا استثمار القِيَم الإنسانية في الربح المادي الرأسمالي. وقد كانت صادِمة بعض التعليقات المباشرة من زعماء دول عالم الاقتصاد الليبرالي التي تناولت هذه الشريحة العُمرية، إضافة إلى ما تسرَّب من مُعطيات خفيّة عن احتمال التخلّص من هذه الفئات، وكذلك فئات المُعاقين، لصالح حل مشاكل النظام الاقتصادي الليبرالي. وتصاعدت نبرات تتحدّث بوقاحة، ووحشية عن التخلّص من جيلٍ غير مُنتج يعتاش على حساب اقتصاد بات مُتهالِكاً، إضافة إلى توديع الأحبّاء، والخوف من سقوط الاقتصاد الذي سيؤدّي إلى فُقدان بشر أكثر مما يقتل "الكوفيد 19"، عدا عن الانتحار.. وسواها من تعابير تندرج في عجز الغرب الليبرالي عن تحمّل عسكره القديم. 

ألم تتّخذ، مؤخّراً، توجيهات صارمة تتخطّى حدود الإنسانية عندما أمرت أكثر من ولايةٍ أميركيةٍ بترك الأشخاص ذوي الإحتياجات الخاصة بما في ذلك مُتلازِمة داون، والشلل الدماغي، والتوحّد ليموتوا من دون دعم تنفّسي إذا ما أصيبوا ب"كوفيد 19"؟  

https://www.propublica.org/article/people-with-intellectual-disabilities-may-be-denied-lifesaving-care-under-these-plans-as-coronavirus-spreads

وعلى العكس من ذلك، كانت تتصاعد في دول الشرق التي أصيبت ب"كوفيد 19" دعوات الاهتمام بحياة الإنسان مهما كان عُمره، وخصّت الدعوات الكبار، والمُتقدّمين عُمرياً، مُغلّبة حياتهم على العمل والاقتصاد، أو أي أمر آخر.

بين تباهي كلينتون في تسعينات القرن الماضي بمُنجزات بلاده المُتعلّقة بعُمر الإنسان، والاهتمام به، وبين وقاحة زعماء الليبرالية زمن "كوفيد 19"، في تحدّثهم عن أولوية الاقتصاد على الإنسان، ربع قرن يؤشّر بصورة كافية إلى سقوطٍ مدّوٍ لقِيَم الليبرالية على حفافي "العُمرالثالث"، علّنا نجد في قِيَم الشرق، وبعض الدول الأخرى كأميركا اللاتينية ما يُنقذ البشرية من الوحش المالي، ويُعيد للصدارة البُعد الإنساني مقياساً لكل جهد.   

 

 

 

  

 

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نقولا طعمة

محرر في الميادين نت

إقرأ للكاتب

موسم النبي روبين: تراث إنساني طاله حقد الاحتلال

اشتهرت بلدة النبي روبين الواقعة جنوبي يافا بمهرجان قطاف الليمون السنوي، وفيه أقيمت الاحتفالات...

مبنى زها حديد.. جولة في سياق حرائق بيروت

من العجز أن ننتظر احتراق آخر بيت في بيروت لنتبيّن حقيقة ما يجري. ويأتي الحريق - المجهول - للمبنى...

جدلية المأساة - الملهاة في افتراض مئوية لبنان الكبير

نقدّم بعض الحقائق والوقائع لكي نؤكّد أنه لن تنطلي كذبة اليوبيل الماسي للكيان، من جهة تعداد...

تل العاصور: إطلالة بين يافا وغور الاردن

فريق "موطني" يواصل مساراته مكتشفاً الجديد من فلسطين، ومنه واحدة من أعلى تلال فلسطين، كذلك تقديم...

كيف يمكن لأحد أن يعترض على تعزيز الإنتاج في لبنان؟

لم يطرح السيد نصرالله نظاماً بديلاً، كنظام "إسلامي" مثلاً، ولم يتبنَ نوعاً من شيوعية أو اشتراكية...

مجموعة موطني: مقاومة بالصورة توثق حق العودة

تأسست مجموعة موطني منذ نحو سنتين، ساعية لتوثيق ما لم يعرف من الكثير الكثير من مواقع فلسطين...