سعد الجبري مطارَداً.. كنز أسرار المملكة في خطر

حياً أو ميتاً، يُطلب حضور الجبري إلى الرياض، سواء خلف القضبان أو تحت التراب، المهم ألا يُفتَح صندوق أسرار السعودية.

  • سعد الجبري مطارَداً.. كنز أسرار المملكة في خطر
    طفا اسم سعد الجبري مؤخراً وهو الذي يلاحقه محمد بن سلمان في المنفى

من كندا، يؤرِّق سعد الجبري ليالي ولي العهد السعودي ونهاراته. يريد محمد بن سلمان إعادة الضابط السابق في جهاز الاستخبارات السعودي ومستشار وزير الداخلية السابق محمد بن نايف، قسراً إلى الرياض. وإذا كانت كندا قد منحت المسؤول الاستخباراتي السعودي لجوءاً سياسياً لديها منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2017، فإن ولي العهد يفرض عليه غرامة سياسية. 

طفا اسم سعد الجبري مؤخراً. الرجل يلاحقه محمد بن سلمان في المنفى. هو يعادل كنز أسرار بالنسبة إلى ولي العهد. ونظراً إلى قربه وعلاقاته الوطيدة بسلفه محمد بن نايف، فإنه ينظر إليه كالصندوق الأسود للاستخبارات السعودية، ولا يمكن لابن سلمان أن يتخيَّل خطورة فتح هذا الصندوق.

شخصية الرجل وموقعه والحكم السياسي الصّادر بحقّه تعيد التذكير بجمال خاشقجي بالنسبة إلى العائلة الحاكمة، وإن كانت سلطات الإعلام أكثر نعومة من أجهزة الأمن، إلا أنَّ خاشقجي رافق البلاط على امتداد عقود، وهو حين حاول اتخاذ منحى أكثر استقلالية في المواقف والآراء والرؤى، دفع حياته ثمناً لخيار الابتعاد خطوتين والهروب بما يملكه. 

كذلك الأمر بالنّسبة إلى الجبري. كلّ حيثية من هذا النوع في مربّع المستشارين والمقرّبين من الأمراء تترتّب عليها أثمان باهظة، فمذ تقرِّر أن تخوض في سياسة العائلة الحاكمة، ومن موقع قريب، تُسلَب حرية الاختيار والقرار في التراجع أو التعديل. عمل الرجلان مع جهاز الاستخبارات، كلٌّ من موقعه، وليس لهما اتخاذ قرار بالمغادرة بكل ما في حوزتهما.

حياً أو ميتاً، يطلب الجبري حاضراً في الرياض. سواء خلف القضبان أو تحت التراب، المهم ألا يُفتَح صندوق أسرار السعودية. والاحتمالان كانا حاضرين عند لقاء جمال خاشقجي داخل القنصلية في إسطنبول في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر قبل عامين؛ إجباره على العودة أو تصفيته.

هذا الاهتمام يحيلنا إلى التدقيق في السؤال عما تجده السعودية خطراً في بقاء ضابط الاستخبارات في المنفى. كان الرجل لعقود اسماً لامعاً في أجهزة الأمن السعودية التي عمل على تطويرها وتعزيز روابطها مع وكالات الاستخبارات الغربية، ما أكسبه ثقة محمد بن نايف. ميزة هي التهمة الأكبر للجبري من وجهة نظر ولي العهد، الذي لا تعجبه الأطقم القديمة، مهما امتدَّت خبراتها.

وابن نايف، المعروف بسطوته العسكرية سابقاً، كان يُحكِم بقبضته على كل مفاصل الأجهزة الأمنية التابعة للدولة. واقع لم يُرعِب محمد بن سلمان الذي قاد انقلاباً هو الأسرع والأكثر هدوءاً ونعومة على ابن عمه. أُزيح محمد لينوب عنه سَميُّه الأصغر، ثم تبدأ عملية إقصاء مستشاري السَّلَف.

لم يهوِ محمد بن نايف وحده، فابن سلمان هدم إمبراطوريّته من رجال الأمن والاستخبارات. ولم يحتفظ ولي العهد الجديد بمن كانوا ضمن الدائرة الأضيق لابن العم، حاملي إرثه الاستخباراتي، وما الذي يمنع من القول الانتقامي أيضاً! ولعلّ الجبري يملك مفاتيح تفكيك بنية الحكم الجديد. هو قرأ المعطيات سريعاً، وقرّر عدم العودة إلى السعودية بعد قرار إقالته الذي لم يُبلَّغ به مباشرة.

ليس سهلاً التنقيب عن تفاصيل دور الجبري والبحث عن مشاركاته، لكن بالعودة إلى حقبة عمله البارز في وزارة الداخلية، فإن له صلات رفيعة وبالغة الحساسية بمجموعات مثل القاعدة، وهو على اضطلاع بالاتصالات والعلاقات بين الاستخبارات السعودية ونظيراتها الغربية، بعد أن كان ضابط الاتصال الرئيس بينها.

في جعبته الكثير من المعلومات عن مشروع صناعة الإرهاب وتصديره في الخارج، ودعم المجموعات المسلّحة في العراق وسوريا واليمن تحت إشراف جهاز الاستخبارات الأميركي، وتفاصيل تعزيز نموذج الإسلام المتطرف في أوروبا، وخطط دعم المساجد والمدارس الدينية هناك، لتنمية الفكر الوهابي. هذا الرجل يختصر المشروع السعودي الكبير.

لم تكن هذه الأسرار وسيلة إدانة واتهام للجبري من قبل، بل ميدان عمل واجتهاد تحرك فيه بنشاط لافت، وحصد منه اهتمام أجهزة الاستخبارات الغربية وإطراء كبار المسؤولين فيها. هذه الامتيازات، متراكمةً، باتت موضع تهديد، وتحوَّلت مع الوقت إلى وسيلة للابتزاز بين الطرفين؛ الدولة الجديدة وعميلها السابق.

لا يهوى الأمير الشاب الانشغال بالتسريبات المحتملة من الجبري؛ البئر العميق لوزارة الداخلية. كما أنه لا يقوى على تحمّل الضربات، فقد بنى قاعدة هي الأكثر هشاشة للحفاظ على بقائه في الحكم وضمان وصوله إلى رأس هرم السلطة. النزعة المعارضة تضاعف انزعاج ولي العهد وحقده، وهو لمس عند الجبري نبضاً معارضاً حين اتخذ قرار الحرب على اليمن، لكن اللواء المعروف بقراراته الذكية، نصحه بألا يخوض حرباً مكلفة يصعب الخروج منها، وهو ما حدث.

والإفلات من الاعتقال في المعجم السعودي لا يعني النجاح في الإفلات من العقوبة، بل يضاعفها. عامان من الهدوء المطلق بالنسبة إلى الجبري، ربما تخلّلهما نوع من التواصل من قبل المسؤولين السعوديين للتفاوض حول عودته إلى الرياض، قبل أن يتبيَّن مؤخراً أنّ ابنه وابنته وشقيقه اعتقلتهم قوات الأمن. العائلة نقطة الضعف الأولى التي يرصدها النظام. الابتزاز بالدم. هكذا تسير لعبة الاستدراج. ويبدو أنَّ الرجل ذا الخلفية الصلبة، لم يستسلم للضغوط، فكان الانتقام بولديه المحتجزين كرهينة أصلاً بقرار سابق بالمنع من السفر.

على امتداد شهرين، تكتّمت العائلة على اختفاء ابنيها وعمها. وبالتأكيد، شهدت هذه المدة مفاوضات بين الجبري والسلطة، انتهت بالاضطرار إلى الإفصاح عن حادثة الاعتقال والدخول في مواجهة علنية مع ولي العهد. فهم الجبري أنه لا يمكن مساومة الحاكم الشاب، وألا خيارات أخرى يمكن طرحها بديلاً لتسليم نفسه.

تعيد قضية الجبري تحريك ملف الخلاف السعودي الكندي. ترفض العقلية السعودية النقد وتكرهه. هذا في طبعها، ما يجعل من المألوف أن تستفزها جملة واحدة، كما حصل في تغريدة السفارة الكندية لدى السعودية، لكن مسألة البحث الحثيث عن وسيلة لإعادة الضابط برتبة اللواء، من كندا، تكشف ما قد تكون العقدة المخفية في الانفعال السعودي المبالغ، وإمكانية أن يكون هذا الرجل تحديداً عماد قرار المقاطعة الذي اتخذته المملكة من دون أيّ مقدمات، مدفوعاً ربما برفض كندي للتعاون في تسليم رجل الأمن اللاجئ إليها.

ولكن ما الذي حصل قبل عام تحديداً من وقوع الأزمة الديبلوماسية بين أوتاوا والرياض؟ كانت كندا قد منحت ضابط الاستخبارات السعودية حق اللجوء لديها، هارباً من الرياض أولاً، ثم من الولايات المتحدة تالياً، فهو على دراية بالمكائد السعودية، وكان لعقود في صلب هذه الصناعة. وباضطلاعه بالصلات الاستخبارية بين بلاده وواشنطن، يعرف أنّ الأخيرة لن تكون ملجأ آمناً له. ومن المرجّح أنّ السعودية استنزفت هذا العام جميع احتمالاتها ومحاولاتها في إقناع سلطات أوتاوا بتسليم الجبري أو تمرير عملية إرجاعه الإجباري إلى الأراضي السعودية تحت مسميات عدة، وبتقديم كثير من الإغراءات، من دون شك.

لا يحبّ السعوديون إثارة الجَلَبة عادةً. وليست هذه من الخصال الحسنة لديهم، فالغاية الأساس هي تسكين كل ما يُثار حول سلوك المملكة ويُترجم في سمعتها. لا يُراد أن يكون الجبري تجربة مكرّرة عن خاشقجي؛ الاسم الذي يعادل فضيحة للدولة، لكنه يعرف أيضاً أن بقاءه في الخارج يُبقي الأمور خارج سيطرة ولي العهد، وهي حالة تستفزّ هذا الشاب ولا تعجبه. الأخير لا يمكن أن يسرف في الضّغط أيضاً، فالمبالغة في الابتزاز قد تحرِّك السكون الّذي حافظ عليه الرجل الخطير حتى الآن.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
هبة محمد ناصر

كاتبة لبنانية

إقرأ للكاتب

وجه أميركا الحقيقيّ.. لا هروب بعد اليوم

للمرة الأولى، تتقاطع معاناة الشعوب مع واقع الأميركيين، فيتحقّق المستحيل.

عامٌ ثامنٌ لـ "الميادين": قلب المقاومة في قلب كلِّ حدث

يطل هذا المشروع ذو البنيان المتين على حماية فكرة المقاومة، مجتمعياً وثقافياً، في زمن تضيق فيه...

بثينة عليق: انتظرتك الشاشة طويلاً

تحمل مقابلة بثينة عليق مع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله رسائل في الجدّة؛ في كلٍّ من...