أسلحة فلسطينية فعّالة في مواجهة قانون الضمّ الإسرائيلي

تشكّل منطقة الأغوار 60% من مساحة الضفة الغربية واقتطاعها يعني القضاء على آمال إقامة دولة فلسطينية بسبب عدم توافر العمق الجغرافي الكافي، بالإضافة إلى عزل الأراضي الفلسطينية عن جارتها الأردن وتقطيع أوصال المجتمعات الفلسطينية.

  • تشكّل منطقة الأغوار 60% من مساحة الضفة الغربية واقتطاعها يعني القضاء على آمال إقامة دولة فلسطينية
    تشكّل منطقة الأغوار 60% من مساحة الضفة الغربية واقتطاعها يعني القضاء على آمال إقامة دولة فلسطينية

يتصدّر مشروع ضمّ الأغوار المشهد اليوم في فلسطين المحتلة ويُلقي بظلاله على الساحتين العربية والدولية لما ينطوي عليه من مخاطر تهدّد الدولة الفلسطينية المستقبلية والأمن والسلم في المنطقة، خاصة بعد صدور العديد من التقارير في مراكز صنع القرار إقليمياً ودولياً تحذّر من العواقب الوخيمة التي ستنطوي عليها عملية الضمّ. بمباركة أميركية وترحيب إسرائيلي، أعلن رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو بعد حصوله على تأييد الكنيست أن حكومته وافقت على مشروع قانون يسمح لها بضمّ الأغوار ووضعها تحت السيادة الإسرائيلية بانتظار الوقت المناسب لتنفيذ هذا المشروع على أرض الواقع.

ما هي منطقة الأغوار ولماذا تهتمّ بها "إسرائيل"؟

تشكّل منطقة الأغوار المنطقة ج من الضفة الغربية والتي تمتد على شمال البحر الميت، حسب اتفاقية إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي (أوسلو). تتبع منطقة الأغوار إدارياً للسلطة الفلسطينية وأمنياً تقبع تحت سلطة الاحتلال ويمنع أيّ تواجد شرطي أو عسكري لأجهزة أمن السلطة الفلسطينية فيها. 

تعتبر الأغوار من أكثر المناطق الزراعية خصوبة وإنتاجية وتزوّد الأراضي الفلسطينية بالقسم الأكبر من حاجاتها من المحصولات الزراعية، وبالنظر إلى أن دولة الاحتلال تعاني أساساً من نقصٍ في الإنتاج الزراعي وتعمد إلى تعويضه من خلال عمليات الاستيراد، فإن الأغوار تعتبر كنزاً ثميناً يمكن أن يغنيها عن استيراد ما تحتاجه من مُنتجات ومحاصيل زراعية من الخارج .

إضافة إلى ذلك تمتلك الأغوار السهم الأكبر من المخزون المائي الفلسطيني وضمّها لدولة الاحتلال يعني خسارة فلسطين لمخزونها المائي الاستراتيجي وتهديد حياة المواطنين الفلسطينيين ومحاصيلهم الزراعية بسبب الشحّ الكبير في الموارد المائية الذي سينتج من عملية الضمّ لاحقاً.

أما على الصعيد الجيوسياسي، فتشكّل منطقة الأغوار مساحة 60 بالمائة من الضفة الغربية واقتطاعها يعني  القضاء على آمال السلطة الفلسطينية بإقامة الدولة الفلسطينية لعدم توافر المساحة والعمق الجغرافي الكافيين، بالإضافة إلى عزل الأراضي الفلسطينية عن جارتها الأردن وتقطيع أوصال المجتمعات الفلسطينية وتدمير النسيج الديموغرافي، الذي سيؤدّي بدوره إلى تحويل ما تبقّى من مساحة الضفة الغربية إلى شيء أشبه بالسجن الكبير، وخلق بيئة غير ملائمة للحياة ترغم الفلسطينيين على مغادرة أراضيهم وتنتهك حقّهم في تقرير مصيرهم الذي كفله لهم منشور الأمم المتحدة في مادته الثانية. 

إن قيام السلطة الفلسطينية بتعليق جميع أنواع التنسيق الأمني مع دولة الاحتلال والتهديد بالانسحاب من اتفاقية أوسلو يعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكنها تحتاج لإجراءات تكميلية داعمة لتكون أكثر فعالية وتأثيراً أمام مشروع الضمّ الإسرائيلي. في ما يلي أذكر بعض الأدوات التي يمكن للسلطة الفلسطينية أن تستثمرها لصالحها في مواجهة قانون الضمّ.

1- القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية 

قد يبدو هذا الخيار مُضحِكاً للقارئ حيث نعلم جميعاً بأن "إسرائيل" كانت ومازالت تعتبر نفسها دولة فوق القانون ولم تلتزم أبداً في أية مرحلة أو مناسبة بقرارات الشرعية الدولية والأمم المتحدة، وكانت على العكس تذهب للتصعيد دوماً بعد أيّ قرار يُدينها في الجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن كما فعلت بعد صدور قرار مجلس الأمن 2334/ 2016 الذي اعتبر مستوطناتها على الأراضي المحتلة بعد عام 1967غير قانونية وطالبها بالانسحاب من تلك الأراضي، فبدلاً من أن تنصاع للقانون قامت بتكثيف عملياتها الاستيطانية وضاعفت أعداد المستوطنات. 

- من المعروف أن الأراضي الفلسطينية التي احتلتها "إسرائيل" بعد نكسة حزيران/يونيو عام 1967 تصنّف على أنها أراضٍ محتلة وفقاً للقانون والمجتمع الدوليين ـ حيث طالبت الأمم المتحدة "إسرائيل" مراراً وتكراراً بالانسحاب الفوري من الأراضي الفلسطينية المحتلة وتهيئة الظروف المناسبة لعودة المهجّرين واللاجئين إليها، آخرها القرار 2344 الذي صدر عن مجلس الأمن في عام 2016. وبما أن الأغوار جزء من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها "إسرائيل" بعد حرب الأيام الستة عام 1967 وينظر إليها على أنها محتلة وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، فيجب على السلطة الفلسطينة الضغط على دولة الاحتلال من هذا المنطلق وإحالة القضية لمحكمة العدل الدولية للنظر بها، وحتى المطالبة بإصدار قرار تحت البند السابع يسمح لمجلس الأمن باستخدام القوّة لكون قانون الضمّ يهدّد الأمن والسلم في المنطقة الأمر الذي يستدعي من المجتمع الدولي التدخّل حتى باستخدام القوّة لإزالة هذا التهديد.

- تستطيع أن تستفيد السلطة الفلسطينية من انضمامها مؤخراً للمحكمة الجنائية الدولية وكذلك الأنتربول الدولي، وأن تستخدم ذلك كورقة ضغط إضافية ضد كيان الاحتلال والتهديد بملاحقة جميع قادة الجيش والمسؤولين الحكوميين لارتكابهم انتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني ضد أبناء الشعب الفلسطيني والمطالبة بتعميم أسمائهم وملاحقتهم عبر الأنتربول الدولي. 

- إن قيام دولة الاحتلال بضمّ الأغوار الفلسطينية ينتهك حق الفلسطينيين بتقرير مصيرهم والذي يعتبر قاعدة آمرة  Jus cogens  من قواعد القانون الدولي وانتهاكها يترتّب عليه تطبيق المادة 41 من طرح المسؤولية الدولية للجنة القانون الدولي لعام 2001 والتي تدعو المجتمع الدولي وجميع الدول لاتخاذ إجراءات عملية ضد أية دولة تنتهك قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي في إطار إجبارها على التراجع عن هذا الانتهاك والقيام بإعادة الوضع إلى ما كان عليه سابقاً، بالإضافة للتعويض المادي والمعنوي عن الضرر الذي نتج من العمل غير المشروع، كذلك تدعو المادة نفسها إلى عدم الاعتراف بالفعل غير المشروع الذي ينتهك القانون الدولي والتنسيق في ما بين الدول للتأكّد من عدم قيام أية دولة بتقديم أيّ دعم يأتي في إطار دعم الفعل غير المشروع. لذلك يمكن للفلسطينيين أن يستفيدوا من هذه النقطة ويطالبوا جميع الدول الأعضاء وغير الأعضاء في الأمم المتحدة (لكون الانتهاك جاء لقاعدة آمرة) بالتكاتف في ما بينهم لاتخاذ إجراءات عملية على الأرض تتمثل بقطع كافة أشكال التبادل مع دولة الاحتلال من اقتصادي، ثقافي، دبلوماسي، رياضي وسواه في إطار ثنيه عن المضيّ قدماً في مشروع الضمّ.     

2- انتفاضة شعبية شاملة

على القيادات الفلسطينية باختلاف توجّهاتها السياسية وانتماءاتها التنظيمية المسارعة فوراَ للتنسيق على أعلى المستويات وتوحيد الجهود في سبيل لمّ شمل الشارع الفلسطيني وتهيئه للمواجهة مع الاحتلال ودعم صموده للوقوف بوجه مشاريع الضمّ، لأن الشعب الفلسطيني كما وصفه الراحل ياسر عرفات هو شعب الجبارين وأثبت أنه الورقة الرابحة دوماً وأنه الوحيد الذي يمكن أن يُعوّل عليها للدفاع عن فلسطين والتصدّي للاحتلال، ولنا خير مثال في مواجهات المقدسيين الأخيرة مع جنود الاحتلال ضد إجراءات البوابات الالكترونية وكاميرات المراقبة التي أراد الاحتلال زرعها في ساحات المسجد الأقصى وشوارع  المدينة القديمة، حيث استطاع أبناء الشعب الفلسطيني بتكاتفهم وتضحياتهم إرغام الاحتلال بالتراجع عن إجراءاته.

انتفاضة شعبية شاملة وواسعة يشارك فيها كل أبناء الشعب الفلسطيني ستخلط الأوراق وستقضّ مضاجع كيان الاحتلال وتربك قاداتهم وتجبرهم على إعادة النظر في حساباتهم. الاحتلال لديه تجارب سابقة مع الانتفاضات الفلسطينية ويعلم علم اليقين بأن الشعب الفلسطين لن يبخل على أرضه بالشهداء والجرحى وسيذيق الاحتلال الويلات كما فعل سابقاً في انتفاضة الحجارة وانتفاضة الأقصى، ولن يكلّ أو يملّ وهو جاهز لتحمّل نتائج وتكاليف المعركة مهما كان الثمن وسيمضي قدماً حتى آخر قطرة دم طاهرة فكل ليمونة سنتجب طفلاً ومحال أن ينتهي الليمون. 

3- تفعيل الجناح العسكري لحركة فتح

مجرّد قيام حركة فتح بالتلميح للاحتلال بأنها قد تعيد تفعيل وتشكيل جناحها العسكري "كتائب شهداء الأقصى" إذا مضى قدماً بمشروع الضمّ، فإن ذلك سيربك الاحتلال ويشكّل ضغطاً إضافياً عليه، لأن ذلك يعني فتح الباب على مصراعيه لعودة العمليات الفدائية إلى قلب فلسطين وهذه المرة ستكون أكثر شدّة كمّاً وكيفاً، لانتهاء التنسيق الأمني بين السطلة الفلسطينية والاحتلال من جهة ولتبني حركة الفتح لهذا النهج من جهة آخرى. 

إذا ما تمكّن الفلسطينيون من الاستفادة من هذه الأدوات التي يمكن أن نسمّيها أسلحة لكوننا مقبلين على مرحلة حسّاسة في تاريخ القضية الفلسطينية تكون أشبه بالمعركة، بشكلٍ فعاّل ومدروس يأتي ضمن خطة متكاملة وجامعة تضمّ حميع أطياف الشعب الفلسطيني وتستوعب كل القدرات، فإنها بالتأكيد ستكون صخرة عصّية أمام مسار الضمّ والاستطيان وستتكسّر عليها أحلام الاحتلال وقاداته، وستثبت لبعض الحكومات العربية التي تتراكض لتركب قطار التطبيع الإسرائيلي بأن تعويلهم على الاحتلال مجرّد وَهْم وإضاعة للوقت وأن جهودهم وحلولهم يجب أن تستثمر في صالح الشعب الفلسطيني ولأجله لأنه كان ومايزال صاحب الأرض والحق.   

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمّد يوسف

محام- دكتوراة في القانون الدولي