الإسلام والتكفير الدينيّ

يجب أن نصل إلى نتيجة مفادها أن أي فشل في التصدّي للجيل الجديد من المتشددين التكفيريين، سيؤول إلى انتشار الإرهاب في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

  • أي فشل في التصدّي للجيل الجديد من المتشددين التكفيريين، سيؤول إلى انتشار الإرهاب في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى
    تَعمد الحركات التكفيرية الكثيرة إلى إنكار كلّ آيات التسامح في الإسلام وحرية الأديان

ظَهرَ في الفترات الأخيرة ربط الدّين الإسلاميّ بالإرهاب. وهنا أوَدُّ أن أوضِح - وأنا المسيحيّ عقيدة - أنه، في رأيي، وبشكل بسيط، لا يوجد إسلام متطرف أو إسلام معتدل. هناك إسلام، إما نفهمه وإما لا نفهمه! وكل الخلافات التي وُجِدت عبر التاريخ كانت لها مُسبِّبات ذات أبعاد سياسيّة.

هناك إجماعٌ على التفريق بين السلفية والتكفير الديني، فالسلفية، "بحسب مفهوم السلفيين"، تعني الإسلام النبوي الأصيل أو العودة إلى الجذور. أما التكفير - قديماً - فهو منهج الخوارج الذين خرجوا عن أئمة الأمة، وقاموا بقتل الإمام علي. لذلك، لا علاقة للسّلفيين بالتكفيريين، إنْ وُجدوا، لا عقيدةً ولا فكراً ومنهجاً ولا أفعالاً، فكل الفئات السلفية ترفض الإرهاب بكل أشكاله.

تَعمد الحركات التكفيرية الكثيرة إلى إنكار كلّ آيات التسامح في الإسلام وحرية الأديان، بلا استثناء، واعتبارها منسوخة بِآية السيف، وهي الآية الخامسة من سورة التوبة: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
يَدّعي الكثير من الفقهاء أنّ آية السيف نَسخت مائة آية تقريباً، وتبعتهم كل الفرق التكفيرية في العصر الحديث، والتي بَنَت أُسسها على ذلك، لأنه يتناسب مع أهوائِها وميولها.

إنَّنا نلمس اليوم التداخل السياسي في صلب العقيدة. وتتبنّى الصراعات الكبرى تلك المجموعات التكفيرية التي فقدت الشرعية والقبول بين الناس، فأصبحت تنتشر، وتؤجّج نار الخلافات المذهبية، وتعمل على كسب تأييد المكوّن السني، علماً أنَّ "السلفية الجهادية" أو تلك "التكفيرية" ليست حنبلية أو وهابية المذهب في أصولها، فالجماعة الإسلامية والجهاد المصريتان نشأتا في بيئة شافعية ومالكية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى جماعات إندونيسيا وماليزيا وعدن وكل الأصقاع الشافعية، وطالبان تنتمي إلى المذهب الحنفي، والجماعات المغربية والجزائرية كلها مالكية، لكنّ هذه الجماعات في الأخير تنفّذ - عن معرفة أو عن جهل - أجندات متنوعة. مثلاً، إنَّ الهدف غير المعلن للولايات المتحدة الأميركية، والذي يتم إخفاؤه بعناية، هو أن تضرب المنافسَين روسيا والصين بمنافس ثالث لا يقل عنهما خطراً عليها، وهو الإسلام، فكان اللغم هو "الإيغور".

ولا شكَّ في أنّ الفكر التكفيري هو كلّ تفكيرٍ يرى أن الحقيقة محصورة في ما يعتقده، وأن لا حقيقة خارجه، وأن كل من يخالفه من أهل الضلال، بمعنى الضّلال الديني، وبمعناه الفكري، ويصرّ على قولبة الناس بحسب مقاساته الخاصة. والحركات التكفيرية ترفض أيّ احتكام إلى الأغلبية، وتقوم بتعيين المناصب فيها وِفقاً للولاء لهيئاتها القيادية والالتزام بمشروعها الإقصائي، من دون أيّ اعتبار للناس.

ومن التّكفير يتَوَلّد التطرف عبر مراحل ثلاث: الأولى تكون بأن يتصدَّر أُناس لا حظّ لهم من العلم، فيفتون الناس بالجهل، ثم تأتي المرحلة الثانية، وتكون بأخذ سلطات القضاء، فبعد أن أَفتَوا بغير علم، أخَذوا يُنزِلون الأحكام على أفراد المسلمين، ويقضون عليهم بالكفر والردة والزندقة، وهي كلّها أحكام قضائية تُطلق مِن خلال أروقة المحاكم، ليتمكّن المسلم المتهم بالكفر والزندقة والردة من الدفاع عن نفسه، ثم تأتي المرحلة الأخيرة من التطرّف، وهي أخذ سلطات ولي الأمر وتنفيذ عمليات القتل والإرهاب وغيرها.

هنا، كان تدخّل الدّول ذات الأجندات السياسيّة في تطويع واستغلال الحركات التكفيرية المبنية على قراءة شاذة لِفكر إسلامي، فنسمع اليوم عن انتقال آلاف الجهاديين من مكان إلى مكان آخر فقط تحت ستار أنهم يحاربون أعداء الإسلام، وليسوا بحاجة إلى مبرر إيديولوجي.

ويجب أن نصل إلى نتيجة مفادها أن أي فشل في التصدّي للجيل الجديد من المتشددين التكفيريين، سيؤول إلى انتشار الإرهاب في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. إضافةً إلى ذلك، فإنَّ الانتصارات العسكرية للإرهابيين ستشجّعهم على مهاجمة أوروبا وأميركا.

كما يجب أخذ العلم بأنه لا توجد اليوم سلفية واحدة، بل هناك سلفيات عدة مع مسميات متنوعة، منها السلفية التقليدية والتاريخية والإصلاحية، ومنها السياسية الحركية، والجهادية التكفيرية النظرية، ومنها التكفيرية المسلحة، ومنها الجهادية السلفية الأممية أخيراً، التي بدأت تنقل الجهاديين تحت مسمى الدفاع عن الإسلام العالمي.

وظهرت أسماء الحركات التكفيرية، وأشهرها "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، وتُقرأ اختصاراً "داعش"، ودمجت "جيش الطائفة المنصورة"، و"سرايا الجهاد الإسلامي"، و"سرايا الغرباء"، و"كتائب الهول"، و"سرايا أنصار التوحيد"، و"جيش أهل السنة والجماعة"، و"كتائب المرابطين" و"جند الصحابة"، و"جيش الفاتحية"، و"كتائب كردستان"، و"سرايا ملّة إبراهيم"، و"كتائب أنصار السنة والتوحيد"، و"سرايا فرسان التوحيد"، وغيرها الكثير.

وهنا أودّ أن أقف وأشير إلى أنَّ الجماعة الأكثر شهرة، وهي جماعة "الإخوان المسلمين"، ليست بعيدة عن روح التكفير، فهي إن لم تعلنهُ، إلا أنها تضمرهُ.

وهناك رابط مشترك بين "السلفي والتكفيري"، فهم يتشاركون في قناعتهم بضرورة العودة إلى القيم الأولى للدين الإسلامي، وفي مقاربتهم الحرفية، وحتى المتشددة، للدّين. وقد يصل بهم التطرف إلى استخدام العنف من أجل تحقيق أهدافهم وقضاياهم.. أما التكفيريون، فإنهم ينطلقون من النقاط نفسها، ولكنَّهم يتميزون عن السلفيين في اعتقادهم بأنّ أيّ مسلم لا يشاركهم عقائدهم هذه "مرتد"، ويُباح - بل يجب - قتله.

هل تراجعَ الإسلام مطلع القرن الحادي والعشرين عن مشروعه الحضاري، وغابت الشخصية العربية الواثقة والسويّة والمطمئنة والقوية والحاضرة والمتبصّرة والثائرة والملتزمة، وذلك لمصلحة ردود الفعل والانفعال والانتقام والغوغائية والارتباك وفقدان الثقة والتّكفير والتّهجير والقتل والترهيب والتخوين؟

علينا أن نجيب حول التكفيريين لأجل مستقبل العالم، لأن التكفيريين الآن، وفي المستقبل، حين ينتعشون أكثر، سيكونون الصاعق الذي سيبعثر الداخل العربي والإسلامي والعالمي.

كما يجب أن نُحدّد علاقة الحركات التكفيرية بالوطن والمواطنة، وفهمها للدولة في المجتمعات التي لا تُطبق فيها الشريعة الإسلامية، أو في المجتمعات المتنوعة دينياً وثقافياً. وقد ازدادت صعوبة هذه الأسئلة مع تفشّي دور التيارات التكفيرية وتقديمها نموذجها في السلطة، أو في محاولة فرض دولتها وأحكامها باسم الإسلام على من لا يؤمن بمنهجها، سواء كان من المسلمين أو من غيرهم من أصحاب الديانات والمذاهب الأخرى، وما جرّه هذا النموذج من سلبيات كثيرة على صورة الإسلام وشريعته في الحياة.

وأضيف أخيراً، أنَّ التطرف ناتج من فكر معوج، فلا يقاوم ولا يعالج إلا بحوارٍ سليم وفكر مستنير، ابتداءً من مرحلة التطرف الأولى.

اللهم اشهد أني قد بلغت.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
باسل قس نصر الله

مستشار مفتي سوريا

إقرأ للكاتب

المسيحيون إلى بيروت!

أعتذر لأنّني استخدمت معك كلمة "أنت". أما مع المسلمين الحقيقيين، أبناء سوريا، فقد اعتدنا أن...

ذكرياتٌ وهجرة

قد لا تكون سوريا أجمل البلدان، ولكنها "سوريتي"، وأنا أعشقها.

لكي نفهم بوتين يجب أن نحبّ روسيا

ورث فلاديمير بوتين في العام 1999 الإرث المُشبع بتاريخ القياصرة، من إيفان إلى كاتيرينا وبطرس...

لكم دينكم وللشامِ إسلامها

هذا هو الإسلام الذي أعرفه، وهؤلاء هم المسلمون الذين جاورتهم سَكَناً وزاملتهم دِراسةً وصادقتهم في...

لن أطيل عليكم.. هذا ما سمعته شخصياً من المطران كبوجي

سأنقل لكم بعضاً مما قاله سيادة المطران كبوجي بعدما اشترط عدم إحراجه وتجنيبه الدعوة للكلام.

كبوجي.. يخافونك أيضاً بعد رحيلك

أتذكّر أنك في إحدى مقابلاتك مع الرئيس بشار الأسد، أهديتَهُ عطراً إيطالياً اسمه "كابوتشي CAPUCCI"...