بيروت بين الدمار وخلط الأوراق

بعد انفجار المرفأ، أصبح ظاهراً الحراك السياسي، وسنترقب الحراك العسكري الميداني، وإن باتت فصوله جاهزة للاحتكاك.

  • هل جاء دور التخريب، بهدف خلط الأوراق وإعادة صياغة الملفات؟
    هل جاء دور التخريب، بهدف خلط الأوراق وإعادة صياغة الملفات؟

لم تؤثر العقوبات والحصار في حزب الله وفي البيئة الحاضنة له، بقدر ما أثرت في حلفاء أميركا في لبنان. وقد بلغ التوتر مع "إسرائيل" ذروته، وشاهد الجميع التخبّط الإسرائيلي على الصّعيد العسكريّ والإعلاميّ والسياسي. هذا التوتر قوبل ببرود أعصاب من قبل حزب الله، الذي كان الإسرائيلي سيُصاب بالجنون بسببه.

شهد كل الناس فضيحة هجوم شبعا الوهمي، وحالات الجنون في "إسرائيل" من أقصاها إلى أقصاها. أما في المقلب اللبناني، فإن إعلام أميركا تحدث عن حركة نزوح. أما في الواقع، فقد كان أهل الجنوب يدخنون النرجيلة ويشاهدون التلفاز.

هل جاء دور التخريب، بهدف خلط الأوراق وإعادة صياغة الملفات؟ إذا صحّت هذه القراءة فإن الانفجار في بيروت جاء لهيكلة الانفراج في تل أبيب. وبغض النظر عمن خطَّط وتآمر وفجَّر مرفأ بيروت، فالمستفيد الأول هو نتنياهو، فتنفّس الإسرائيلي الصعداء، وأرسل الأميركي وراء حمامة السّلام ماكرون، لينزل عاجلاً إلى شرقي بيروت، ويقف عند خاطر أهل الأشرفية المنكوبة.

أهداف الزيارة باطنها سياسي إقليمي، وظاهرها تعاطف لكنه مخادع. سياسياً، أشار ماكرون إلى المجتمعين بضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية، فماذا يعني هذا؟! يعني أن الحصار على لبنان انتهى أو كاد ينتهي، لأنه استنزف كل أوراقه، وإذا لم أكن متفائلاً جداً، فإن الحصار ستُعاد هيكلته بطريقة أخرى مدروسة، تخفف الضغط عن حلفاء أميركا في لبنان، وتوجه الحصار إلى حزب الله وحلفائه، وهو ما تؤكّده المصادر الدولية، حين تحدث ماكرون باسم المجتمع الدولي بأن لا يُغيّب عن حكومة الوحدة أي من الأطراف السياسية، وهو ما رفضه البعض من جماعة 14 آذار، لأسباب عدة، أبرزها أنهم لم يفهموا دورهم الموجه إليهم من قبل محركيهم في الخارج، والدليل على ذلك أحداث السبت الماضي، التي كان هدفها إحداث الفوضى في الشارع بالقوة، بعد تعليق المشانق الرمزية للمجسمات. وقد قابل حزب الله وحلفاؤه هذا الأمر بضرورة لجم الشارع، وبرود الأعصاب، وكظم الغيظ، لكي لا يتحقّق للمخربين مرادهم.

بالنسبة إلى استقالة الحكومة، فقد كانت صفعة قوية على وجه جهابذة 14 آذار، إذ كان من المقرر بعد اجتماع ماكرون أن تبقى الحكومة شهرين أو أكثر، لكي يتم التمهيد لصيغة حكومة الوحدة بعد الاتصال مع الأطراف العربية، وتزكية سعد الحريري رئيساً لها من قبل دول الخليج، لكن خلال هذا الوقت، سيبقى الشارع محتدماً بين أخذ ورد، وستستمر أعمال الشغب، وسيستمر أيضاً شد الحبل بين الإمارات والسعودية من جهة، وتركيا من جهة، والمسعى الفرنسي الأميركي من جهة.

ولا ننسى أيضاً حوادث اقتحام وزارة الخارجية، التي تؤكّد سيناريو الفوضى التي كانت ستحدث لو استمرت الحكومة.

كلّ هذا يمكن أن نفهمه، باستثناء شيء واحد: لماذا يستقيل بعض نواب 14 آذار وبعض النواب المنسجمين سلوكياً معهم من المجلس النيابي، وخصوصاً أن هذه الاستقالات لا تنسجم مع رؤية ماكرون لتسوية الأوضاع أو مشروع الترتيب الحكومي؟

هناك جوابان لا ثالث لهما، الأول أن هناك لاعباً إقليمياً في الساحة يتحكم من بعيد، ويوجه أدواته، نواباً كانوا أو إعلاميين، وهذا اللاعب غير منسجم مع طرح ماكرون ورؤيته للمرحلة الحكومية المقبلة، والآخر هو أن قدوم ماكرون ذاته جاء لخداع اللبنانيين، وأن مجيئه كان لهدف واحد، هو معرفة كيف سيتصرف حزب الله بعد انفجار المرفأ في بيروت تجاه "إسرائيل"، وخصوصاً أن طبول الحرب كانت تقرع قبل الانفجار، وكانت أصداؤها تُسمع في كل من تل أبيب وواشنطن، لا بل كانت أصداؤها تملأ العالم.

من المؤكد أن انفجار 4 آب/أغسطس 2020 يخدم أهداف انفجار 14 شباط/فبراير 2005، فالضحية لبنان، والمستهدف واحد، والمجرم الذي فجَّر واحد، والتفجير بعد 14 شباط/فبراير 2005 جر وراءه زلزال سياسي حكومي إقليمي قلب وجه لبنان السياسي رأساً على عقب، وغيّب الرئيس الحريري الأب. وتبعه بعد سنة ونيّف في تموز/يوليو 2006 اجتياح عسكري، تم صدّه وإفشاله من قبل المقاومة. واليوم بعد انفجار المرفأ، أصبح ظاهراً الحراك السياسي، وسنترقب الحراك العسكري الميداني، وإن باتت فصوله جاهزة للاحتكاك.

عود على بدء، كل السيناريوهات التي ذكرناها سابقاً هدفها قطع طريق بيروت - دمشق - بغداد - طهران – شرق آسيا، فالصراع بين محورين اقتصاديين في الشرق الأوسط والعالم والجهد العسكري الدموي، هدفه تمرير "صفقة القرن"، وخلق نظام إقليمي جديد أو شرق أوسط جديد بشّرتنا به كوندوليزا رايس في العام 2006، تكون فيه لـ"إسرائيل" اليد العليا، مع توفير سوق اقتصادي لأوروبا المتعطشة للغاز، يبدأ من باب المندب والسواحل اليمنية، مروراً بالبحر الأحمر، وصولاً إلى الموانئ الإسرائيلية، ثم إلى أوروبا والعالم، وقطع الطريق أمام محور اقتصادي إيراني عراقي سوري لبناني قد تكون الصين المنبع المغذّي له. هنا نفهم لماذا تتمركز القوات الأميركية في التنف ودير الزور، وتمنع فتح الطريق التجارية أمام الشاحنات بين العراق، مروراً بسوريا، وصولاً إلى لبنان.

إنَّها مؤامرة كبرى سقط ضحاياها ناس طيبون كادحون في بيروت، وهدمت بيوت بيروتية أثرية، فضلاً عن هزة عنيفة أصابت الاقتصاد اللبناني المتهالك أساساً جراء تدمير المرفأ.

هذا هو الشَّرق الأوسط الجديد، المولود اللعين الَّذي كلما حملت به إحدى بغايا "إسرائيل"، قام رجال الله في لبنان بإسقاطه من رحم المؤامرات.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسن أحمد صبح

مدون لبناني