الصّراع على استقطاب العشائر السورية

عمليّة استقطاب العشائر شمالي شرق سوريا ليست وليدة اللحظة وخصوصاً بعد التطورات المتسارعة التي شهدتها المنطقة إثر انفجار الاحتقان العشائري ضد ممارسات "قسد".

  • الصّراع على استقطاب العشائر السورية
    استخدام القوة يقع ضمن الخيارات الأميركية لاحتواء الغضب العشائري

ما زالت المنطقة الشمالية الشرقية في سوريا تشكّل إحدى أهم صور الصّراع المعقّدة، نتيجة كثرة الأطراف المتصارعين، من فاعلين أصلاء ووكلاء، وتناقض مصالحهم وتوجّهاتهم، وما تتضمّنه هذه الخارطة من موارد وثروات تمنح القوّة لمن يسيطر عليها.

ومن أبرز أشكال الصراع التي ظهرت مؤخراً، عمليّة استقطاب العشائر، وهي ليست عملية جديدة أو وليدة اللحظة، نتيجة الثقل والمكانة لهذا المكوّن - المؤثر في تغير موازين القوى - وخصوصاً بعد التطورات المتسارعة التي شهدتها المنطقة، إثر انفجار الاحتقان العشائري ضد ممارسات "قسد"، ما دفع الأطراف المتصارعين إلى المسارعة نحو هذا الاستقطاب.

يسعى الأميركيّ للحفاظ على ضمان انضمام معظم هذه العشائر إلى قسد، نتيجة عدم رغبته في تحويلهم إلى أعداء، وإعادة الإرث العدائي مع العشائر التي شاركت مع العشائر العراقية في مقاومة مسلحة ضدّ القوات الأميركية بعد العام 2003. ومن ناحية ثانية، إن ضمان ولاء هؤلاء يعطي الزخم والتأييد والقوة لقسد ولمشروعها الانفصالي، "من حيث إبعاد مقاربة الاتهام بأنّ قسد أو المشروع الفيدرالي كردي"، بما يضمن القوة البشرية لها، وهي التي يشكّل العنصر المقاتل داخلها قرابة 60%.

وفي هذا الإطار، ستدفع أميركا "مجلس سوريا الديموقراطية" (مسد)، الذراع السياسية لقوات سوريا الديموقراطية (قسد) في منطقة الجزيرة، إلى عقد ملتقى للحوار بين أبناء المنطقة، لاحتواء التوتر وإعادة الاستقرار إلى منطقة شرق الفرات، وتقديم الوعود لتحسين نوعية الخدمات وبناء البنى التحتية، بالتزامن مع استقدام قوة عسكرية سعودية تكون مهمتها المساهمة في احتواء الغضب العشائريّ.

وستسبق المؤتمر خطوات تمهيدية، منها عقد ملتقيات وندوات حوارية مصغّرة على مستوى كل المناطق (القامشلي والحسكة ودير الزور والرقة والطبقة ومنبج وعين العرب).

وبعد خطوات التمهيد، وفق المسعى الأميركي، ينظم اجتماع موسع تحضره شخصيات من وجهاء المنطقة والعشائر، تطلق فيه ورقة "نحو ترسيخ الاستقرار في المنطقة"، ثم تشكّل لجنة لمتابعة تطبيق التوصيات التي ستصدر عن الاجتماع وتنفيذها. وتعدّ هذه الخطوة محاولة من أميركا لتخفيف حدة التوتر في المنطقة وتدارك التطورات المتسارعة، التي يبدو أنها تتّجه نحو بلورة عمل عسكري ضد قواتها وميليشيات "قسد".

أيضاً، إن استخدام القوة يقع ضمن الخيارات الأميركية لاحتواء الغضب العشائري. ومن المحتمل أن تقدم واشنطن على استخدام قوات التحالف لقتال العشائر، بذريعة تعاونها مع داعش، مع إبعاد عناصر قسد من هذه العشائر إلى مناطق أخرى، لتجنب فرارهم أو انضمامهم إلى الحراك المسلح العشائري. وقد توظّف أميركا من أجل ذلك الإغراءات المادية، كزيادة الرواتب.

لذلك، إنَّ إعلان الرئيس الأميركي خفض قواته في المنطقة، بما فيها سوريا، هو مجرد قرار تكتيكيّ، وليس استراتيجياً، لتحقيق أهداف متعددة:

1. هدف داخلي: يتعلّق باعتبارات أبرزها تنفيذ برنامجه الانتخابي 2016، تمهيداً للانتخابات القادمة.

2. هدف إقليمي: يسعى ترامب من خلال قرار خفض الجنود للوصول إلى:

- دفع دول المنطقة إلى تسريع علاقات التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، ومن ثم إقامة تحالفات وتكتلات قديمة جديدة، أبرزها الناتو الخليجي الإسرائيلي، للتصدي للنفوذ الإيراني واحتوائه.

- وضع حلفاء واشنطن الأساسيين في الناتو بين خيارين، إما إرسال قواتهم لتحلّ مكان القوات الأميركية، والعمل تحت إشراف واشنطن، وبذلك تخفض حجم خسائرها المادية والبشرية، وإما دفع المزيد من الأموال ضمن مشاركتها في الناتو، ورفع حجم عضويتها.

- خفض مستوى الصراع المباشر مع إيران، وإيجاد وكلاء عنها في هذا الصراع.

بموازاة ذلك ثمة مسعى حكومي سوري لإعادة استقطاب العشائر إلى جانب سوريا، وخصوصاً أن الأخيرة لا يمكنها خوض مواجهة مباشرة مع القوات الأميركية، وهي بذلك ستستفيد من العشائر لاستنزاف الأميركي لدفعه نحو التفاوض أو الخروج، وهي النقطة التي تتشاركها روسيا مع الحكومة السورية، إذ تعتبر موسكو أن الخروج الأميركي من سوريا لا يمكن أن يتم بمواجهة مباشرة، نظراً إلى تبعاته الكارثية، وخروج الأميركي يسّهل الدور الروسي في دفع العمل السياسي وقيادة الحوار بين قسد والحكومة السورية، ويساهم في إعادة الأعمار، ويسحب الذريعة من التركي لاستمرار بقاء قواته.

إن عقد "أبناء القبائل في عموم سوريا" مؤتمرهم الثالث في مدينة حلب شمال سوريا في شهر آب/أغسطس الماضي، بحضور أكثر من 50 ممثلاً عن القبائل، لا يمكن أن يشهد هذا الزخم من دون مباركة من الحكومة السورية. ومن المحتمل أن تلبي الأخيرة معظم مطالب هذا المؤتمر، وفي مقدمتها تشكيل مجلس للعشائر يكون رديفاً للجيش السوري.

هناك مسعى روسي عبر مركز "حميميم" للمصالحات، بالتواصل مع وجهاء العشائر ودعم حراكها المسلح ضد القوات الأميركية بشكل خاص، فنجاح العشائر في استنزاف القوات الأميركية سيدفع أميركا إلى التفاوض مع الروسي لبحث مستقبل المنطقة وعودة الجيش السوري إليها، ويجعل موسكو تمتلك زمام المبادرة فيها.

أيضاً يوجد توجّه إيراني إلى دعم العشائر في المنطقة، وخصوصاً أن قوات نواف البشير، زعيم عشيرة "البكارى"، مدعومة إيرانياً. والهدف الإيراني هو استنزاف أميركا ضمن الاستراتيجية التي تبنّاها محور المقاومة.

أما تركيا فقد عمدت في السابق إلى عقد ملتقيات للعشائر واحتضانها، لدعم نفوذها في هذه المنطقة وتحقيق أهدافها، وأهمها الضغط على الأميركي لتنفيذ وعوده بالخروج وتسليم المنطقة لتركيا، والقضاء على قسد التي تعتبرها تركيا امتداداً للحزب الكردستاني في سوريا، وتحسين موقعها وتأثيرها في المشهد السياسي السوري خلال العملية السياسية، والضغط على الروسي، ودفعه إلى القبول بالرؤية السياسية التركية في سوريا، فضلاً عن أهداف تتعلَّق باستعادة ما تسمّيه تركيا بالإرث التاريخيّ والمكاسب الاقتصاديّة.

على صعيد تنظيم داعش، رغم إعلان ما يسمى التحالف الدولي هزيمته، فإنَّ المعلومات تفيد بأن التنظيم ما زال ينشط في تلك المنطقة، مستغلاً جائحة كورونا وازدياد حدة الصراعات والانفلات الأمني، وهو ما قد يدفعه إلى استثمار هذا الواقع واستغلال تردي الأوضاع الاقتصادية، لتجنيد أبناء العشائر الّذين يملكون مواقف متقلّبة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمّد نادر العمري

كاتب وباحث سوري

إقرأ للكاتب

ناغورنو كاراباخ.. تفاقم الصّراعات الجيوسياسيّة

من الواضح أنه لن تكون هناك حلول جذرية قريبة للصراعات القائمة على مستوى النظام الدولي، في ظل...

نكسة جديدة وفلسطين هي الضّحيّة

عراب هذا الاتفاق هو رجل الأعمال الإسرائيلي الأميركي الملياردير حاييم صبان، وهو الصديق والشريك...

لبنان أمام مفترق طرق

مؤتمر المانحين الذي عقد بجهود فرنسية ومباركة أميركية هو أقل من مؤتمر اقتصادي وأقرب إلى مؤتمر...

مآزق "إسرائيل"

حتى اللحظة، يمثّل صمت حزب الله عامل قلق لـ"إسرائيل"، ويمثّل في الوقت نفسه جزءاً من الحرب...

تموز.. تغيير معادلات الصّراع

إنَّ قلب الموازين وتغير معادلات الصراع لم يكن ضمن حسابات أميركا، ولم تكن تريده، وهو يتجلّى في...

هل تقف أميركا على حافة حرب أهليَّة ثانية؟

أظهر استطلاع أجرته مؤسَّسة "راسموسن ريبورتس" أنَّ 31% من الأميركيين المستطلعة آراؤهم يرجّحون أن...