ساركوزي - ماكرون: ثنائي "الإفتاء العلمانيّ" للدّيار الفرنسيّة

ما لم يعد دقيقاً اليوم، وخصوصاً بعد ولاية ساركوزي، فهو القول إن "الإسلام ليس مادّة أوليّة ولا منتجاً نهائياً في تفاعلات العلمانية الفرنسية"

  • عندما تحدّث ساركوزي عن
    عندما تحدّث ساركوزي عن "إسلام فرنسا"، عوضاً عن الإسلام في فرنسا، تصاعدت أصوات تدعو للتيقّظ إلى خطورة الطرح

في عام 2005، إبّان احتفال فرنسا بالذكرى المئوية لـ"قانون العلمانية" الذي أقرّ في العام 1905، كنت في محاضرة لـ3 ممثلين عن الديانات السماوية الـ3: قسيس مسيحي، وحبر يهودي، والدكتور طارق أوبرو (كيميائي وأحد خطباء المساجد في فرنسا)، للحوار حول علاقة أديانهم بالعلمانية الفرنسيّة.

عندما وصل الدّور إلى أوبرو للإجابة على سؤال عن علاقة الإسلام بالعلمانية في فرنسا، أورد جواباً لطيفاً، ولكنّه لم يعد دقيقاً. قال بلغة الكيميائي ما معناه بالعربية: "إن الإسلام في هذه الحالة - يقصد العلمانية الفرنسية - ليس مادة أوّليّة substrat))، ولا منتجاً نهائياً (produit). إنّه محفِّز فقط (catalyseur)".

نعم، إنّ الإسلام لم يكن عند سنّ القانون في العام 1905 قواماً للعلمانيّة، لا بذاته ولا بمعيّة ديانة أخرى، وإنما كانت الكنيسة هي الهدف المباشر والرئيسيّ، باعتبار أنّ فرنسا كانت آنذاك حاضرة تدين رسمياً بالمسيحية. ودقيق أيضاً القول إن الإسلام كان محفِّزاً في مسيرة العلمانية الفرنسية، ويقصد بذلك الحقب التّالية لتاريخ إعلان قانون العلمانية، وتلك المتزامنة مع الفترات الاستعمارية الفرنسية، حيث تعاظم عدد المسلمين مواطنين ووافدين إلى فرنسا. 

وربما كان جنوح أهل الإسلام إلى تحفيز تفاعلات العلمانية مؤاتياً لرغبة المسلمين في ذلك الزمن، باعتبار أنهم يعتقدون بأن عزوف الدولة عن تبنّي كل دين رسميّ سيكون ضامناً نظرياً لأن تكون الدولة على مسافة إنصاف وعدالةِ تعاملٍ مع مختلف مكوِّناتها، ولو أنّ مراجعة هذا الاعتقاد قد تفنَّد إذا ما قيست علمانيّة فرنسا بسيكولارية بريطانيا، إذ إنَّ هامش الحرية والأريحية للمسلمين فيها لا يقل عن فرنسا، بل إنّه قد يكون أحياناً أفضل.

أمّا ما لم يعد دقيقاً اليوم، وخصوصاً بعد ولاية ساركوزي، فهو القول إن "الإسلام ليس مادّة أوليّة ولا منتجاً نهائياً في تفاعلات العلمانية الفرنسية"، ذلك أن مقولة ساركوزي الشهيرة "إنّني أريد إسلام فرنسا، لا الإسلام في فرنسا"، حوّلت الإسلام فعلاً إلى مادّة أوّليّة يرجى إعادة تشكيلها، بقصد إنتاج نسخة تكون على مقاس الجمهوريّة الفرنسيّة وجملة "المبادئ العلمانية" التي قامت عليها.

ولعلّ ساركوزي لم يكن أول من اجترح هذا المفهوم، فقد سبقته الحكومات العربية بُعيد الاستقلال إلى استحداثه، باعتمادها خطة "مفتي الديار" و"مفتي الجمهوريّة"، وهي بدعة لم يسبقها إليها أحد في تاريخ البلاد الإسلامية، على الأقل بالصّيغة ذاتها، ولو أنّ صيغة "شيخ الإسلام" كانت شيئاً ممّا يشبهها في إطار أوسع من حدود القطر الواحد، إلّا أنّها تبقى صفة غير إلزاميّة وغير قانونيّة على مستوى الدّولة. 

أمّا خطّة "مفتي الدّيار"، وخصوصاً "مفتي الجمهوريّة"، فقد أدخلت إلى التّداول المريح نوعاً من الحديث عن "إسلام مصر" و"إسلام تونس" مثلاً، وربّما أدخلت حديثاً عن "إسلام تونس" و"إسلام الجزائر"، رغم تشاركهما في جسد سنّيّ ذي غالبيّة مالكيّة مشتركة، وخلفيّة جمهوريّة متقاربة، وتاريخ حديث كثير التّجانس، وتركيبة إثنية (وإن شئتَ طائفية أيضاً) شديدة التّشابه.

عندما تحدّث ساركوزي عن "إسلام فرنسا"، عوضاً عن الإسلام في فرنسا، تصاعدت أصوات تدعو للتيقّظ إلى خطورة الطرح، وتشير إلى أن المراد به هو "تدجين الدين الإسلامي وتطويعه، ربما تمييعه"، ضاربةً بعرض الحائط حقيقة أنّ طيفاً كبيراً منهم نزح إلى فرنسا من بلدان وقعت فيها إعادة صياغة الدين على مقاس طغمة من السّياسيّين، علمانيّين كانوا أو إسلاميّين.

يأتي قول الرئيس الفرنسيّ الحالي إيمانويل ماكرون "الإسلام في مأزق" تتمة طبيعية لما قد سلف. إنه صيغة أخرى لما طرحه ساركوزي قبله، وهو القول نفسه الذي يعتلج في قلوب كثير من المفكرين الفرنسيين، ولو بصيغ مختلفة. ولطالما سمعت سؤالاً يتردّد في قاعات المحاضرات في الجامعات الفرنسية للعلوم الإنسانية، يلحّ به كبار الأساتذة على طلبتهم، ومفاده: "هل الإسلام والعلمانية متوافقان؟"، من دون تقديم الأستاذ إجابة عليه. 

عندما يقول ساركوزي: "أريد إسلام فرنسا"، فإنّه يعترف بأنَّ الإسلام إنما هو إسلامات عديدة، لا نسخة واحدة، وهو معنى صحيح. ويظهر أنّ إيمانويل ماكرون كان أقل لباقة ودهاء، وأقل حذراً من ساركوزي في الحديث، ذلك أنّ حديثه عن الإسلام بالمطلق نقل الصراع من الداخل الفرنسي إلى صراع مع كل المسلمين داخل فرنسا وخارجها. 

والثّابت في كلّ ذلك أنّ علاقة العلمانيّة بالإسلام في "مأزق" لم يتحدَّث عنه ماكرون. وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ العلمانيّة التي قدّمت نفسها بديلاً من الرّؤية الدينيّة في إدارة شؤون المجتمع، والتزمت بفصل الدين عن الدولة بوضوح، ثم التزمت - وهذا هو الأهم - بعدم تدخّل أيّ من الدين أو الدولة في تنظيم شؤون الآخر، فشلت في التعامل مع مكوّن دينيّ بات جزءاً رئيسيّاً من نسيجها الاجتماعي، من دون أن تعمد إلى محاولة إحداث تغيير بنيويٍّ فيه. 

لا يهمّ إذا كان الإسلام في مأزق أم لا، ذلك أنّ الإسلام "إسلامات" متعدّدة، وليس مستبعداً أن تكون نسخة أو عدة نسخ منه في مأزق عابر أو عضال، فإنّ نسخة منه يقول أحد كبار علمائها: "إن الأرض مسطّحة لا كرويّة، وإنّ القائل بغير ذلك كافر"، لا تختلف كثيراً عن كنيسة شنقت غاليلي (Galileo Galilei) عندما أعلن أنّ الأرض تدور، فكلاهما في مأزق، ولكنّ الثابت غير المنطوق به في كلام إمانويل ماكرون عن الإسلام برمّته، وكذلك كلام ساركوزي قبله، أنّ العلمانية بنسختها الفرنسية باتت في "مأزق" بدأت تتّضح معالمه، وأنّ المجتمع الفرنسيّ لن يتأخّر كثيراً في طرح سؤال: "متى يعاد النظر في بنية العلمانية الفرنسية؟".

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
علي المحجوب

دكتور في الهندسة البيولوجية وحاصل على ماجستير في الحضارة العربية والإسلامية- تونس

إقرأ للكاتب

كورونا وممالك.. كائنات وكيانات مستطيعة بغيرها

هل تعجب من مستطيع بغيره يحتلُّ فريسته، حتّى إذا ماتت يموت، وإذا شفيت يموت؟ 

كيف نجح التّونسيّون في ما فشل فيه آخرون؟

إذا كان لا بدّ من استدعاء شواهد خارجيّة لفهم الظّاهرة التّونسيّة، فإنّ مقارنة النّموذج التّونسيّ...