محميات النفط.. التطبيع بحد ذاته

ارتبطت الرجعيّة النفطية بالحركة الصهيونيّة ارتباطاً وثيقاً، وسعى تحالفهما الموضوعي إلى ضرب مراكز الأمة، لاسيما الناصريّة التي حاولت تطويق التحالف المذكور بمبادرات شجاعة.

  • محميات النفط.. التطبيع بحد ذاته
    ارتبطت الرجعيّة النفطية بالحركة الصهيونيّة ارتباطاً وثيقاً

امتداداً لكامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، وبعد الاعتراف بالعدو الصهيوني مقابل وهم السلام (حلّ الدولة أو الدولتين)، وفتح أول قنصلية للعدو في الدوحة عام 1996، نسأل: هل كان التطبيع الخليجي أمراً مفاجئاً وصادماً للرأي العام؟ أم أن المفاجىء في هذا التطبيع هو تأخّره كل هذا الوقت عن مثيلاته (كامب ديفيد، أوسلو ووادي عربة)؟

فعلى مدار عقود طويلة ومنذ تأسيس كيان العدو الصهيوني، والأدبيات السياسية والفكرية لعموم حركة التحرّر العربية والعالمية، تربط بين نشأة هذا الكيان وبين المصالح الإمبريالية، وفي مقدّمها النفط ومحميّاته، حتى صار الحديث عن ذلك مرادفاً للحديث عن الكيان الصهيوني، كذراع أمنيّ – عسكريّ للإمبريالية ومصالحها وأداوتها.

بهذا المعنى، ارتبطت الرجعيّة النفطية بالحركة الصهيونيّة ارتباطاً وثيقاً، وسعى تحالفهما الموضوعي إلى ضرب مراكز الأمة، لاسيما الناصريّة التي حاولت تطويق التحالف المذكور بمبادرات شجاعة، عبر التدخل في اليمن، الخط الجنوبي للنفط وموانئه، مروراً بسوريا - الوحدة التي تشكل مع مصر أهم قوس استراتيجي يُمسك بموانئ النفط وطرقه وممراته.

في هذا السياق، ظلت القاهرة – دمشق – بغداد، موضع استهداف طيلة مراحل الصراع المعروفة ومحطاته المريرة، لا سيما في عهد الانفصال السوري عام 1961 ثم العدوان الصهيوني في حزيران 1967.

 فهذه المناخات الرجعية والأميركية التي أعقبت العدوان لم تأتِ هباءً، إذ اشترطت على عبد الناصر رفع يده عن منظمة التحرير واستبدال قياداتها المقربة منه، ووقف الحملات على الرجعية النفطية بداعي وحدة الصف، عوضاً عن شعاره السابق، وحدة الهدف.

وكانت الطامة الكبرى على الأمة بأسرها الوفاة المفاجئة لعبد الناصر 1970، قبل أن يستكمل مراجعة التجربة الناصرية لذاتها والعمل على تعميقها. وعند سقوط مصر في قبضة السادات، الذي ثبت أنه أحد الرجال السرييّن لكمال أدهم والمخابرات الأميركية، سارع لاستبدال السياسات الناصرية بأكملها بسياسات مضادة تماماً (الأسرلة، الخصخصة، الأمركة ودعم جماعات الإسلام الأميركية) تحضيراً لمرحلة السقوط المدوّي في الحضن الصهيوني الذي أدى إلى طيّ الدور المحوري لمصر ونقل قرار الأمة من مراكزها الحضرية التاريخية (القاهرة ودمشق وبغداد) إلى محميات النفط والغاز وثقافة الإسلام الأميركي والتبعيّة الكاملة للإمبريالية العالمية.

 إن هذا البُعد الثقافي الحضاري المزعوم، ما لبث أن انتشر ولاقى رواجاً في أروقة المهرجانات والجوائز والمناسبات الثقافية الموزعة بين المحميات، مثال الإعلام وقنواته وشبكاته ورجاله.

جرى كلّ ذلك جنباً إلى جنب مع تهميش مراكز الأمة. حصل خلط للتناقضات واستبدال التناقض التناحري مع العدو الصهيوني بتناقض موهوم مع إيران، مقدمةً لتعزيز التحالف الموضوعي النفطي الصهيوني، كما لاحظ الصحافي الكبير الراحل، محمد حسنين هيكل.

وهو التحالف الذي تريده تل أبيب لسببين: مرّةً لبناء ما يسمى بـ"إسرائيل الكبرى" وتمويل بنيتها التحتية، كما كتب بيريز في (الشرق الأوسط الجديد)، ومرةً للاقتراب من الحدود الإيرانية.

بالمقابل، على معسكر المقاومة والممانعة الذي يواجه شكلاً جديداً من قواعد الاشتباك أن يعمل على مستويين: 

الأول، على مستوى الإقليم، من خلال رصّ الصفوف بدلالة قانون التناقضات، الأساسي مع الإمبريالية العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة، والرئيسي مع العدو الصهيوني وتجلياته المختلفة (التبعية والرجعية) وترجمة ذلك في استراتيجية مقاومة شاملة.

الثاني، على مستوى الأمة، بإعادة الاعتبار لثقافة الاشتباك، كما لمراكز الأمة وحواملها التاريخية ممثلة في هذه اللحظة بسوريا وخط المقاومة.

صحيح أن دمشق اليوم جريحة ومستنزفة، لكن محنة النار العظيمة التي مرت بها، أعادت انتاجها كقوة مركبة بين الدولة والمقاومة، تماماً كما حدث مع عبد الناصر بعد جزيران 1967، عندما اكتشف أن (الحرب في برّ مصر) وهو اسم رواية ليوسف القعيد، تتزامن مع الحرب التي شنّها العدو الصهيوني على حدودها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
موفق محادين

كاتب ومحلل سياسي أردني

إقرأ للكاتب

لماذا يحاصرون إيران ويصمتون حيال تركيا؟

ما الذي يفسر حصار العالم الرأسمالي، الأميركي – الأوروبي، لدولة قاتلت الإرهاب نيابة عنه، والصمت...

التّوطين الصحراويّ للفلسطينيين

مقاربة السّيناريو الجديد تستدعي قراءة نظرية لمفهوم الأرض والصحراء في العقل الصهيوني، وتستدعي...

المقاومة أو البربرية

عربياً، ما نحن أمامه أولاً أشكال مستجدة لشركة الهند الشرقية تسمح لدولة العدو الصهيوني بتجديد...

صورتان لفرنسا.. إلى ماذا يحنّ عربها؟

إذا كان معروفاً حجم الجرائم التي اقترفتها الإمبريالية الفرنسية في العالم فإن حصة العرب منها...

الصّراع المصريّ– التركيّ وجذوره

ما يبدو شكلاً من الاصطفافات السياسية الراهنة بين مصر وتركيا، ليس سوى تعبير عن استراتيجية ممتدة،...

شريط إخباري 1949.. ما أشبه اليوم بالبارحة!

في الشأنين الأردني والفلسطيني، يصحّ عليهما القول الدارج: "ما أشبه اليوم بالبارحة!"، وبوسع...