"مقامرة آيزنهاور".. صعود أميركا إلى الهيمنة في الشرق الأوسط

يتحدث الكاتب مايكل دوران، هو المستشار السابق للبيت الأبيض في الشرق الأوسط ونائب مساعد وزير الدفاع في عهد الرئيس جورج دبليو بوش في كتابه "مغامرة آيزنهاور: صعود أميركا إلى الهيمنة في الشرق الأوسط" عن نهوض الهيمنة الأميركية في منطقة من خلال المبادئ التي تبنّاها آيزنهاور.

 كتاب "مقامرة آيزنهاور: صعود أميركا إلى الهيمنة في الشرق الأوسط"

يسلّط الكاتب الضوء على مقامرة آيزنهاور ودعمه للرئيس المصري جمال عبد العبد الناصر إبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 من أجل استمالة الزعيم العربي المصري الى المعسكر الغربي ضد الاتحاد السوفياتي. كما يسقط الكاتب الأحداث والسياسات خلال أزمة السويس عل مشاهد الصراع الحالي حيث دور إيران مشابه للدور المصري في خمسينيات القرن العشرين، وخطورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين توازي خطورة الاتحاد السوفياتي أنذاك، في رأيه.

يقول الكاتب: "نشهد الآن انهيار العصر العالمي القديم ونهوض شي جديد، فالحركة الإسلامية تهز المنطقة بطريقة مشابهة للمد القومي العربي الذي أطلقه الرئيس جمال عبد العبد الناصر، من حيث الشكل والأساليب المستخدمة حيث أن عبد العبد الناصر استخدم الإعلام "راديو القاهرة" لإيصال رسائله، بينما الآن نشهد ثورات الفيسبوك وتوتير التي تستخدمها هذه الحركات. من المؤكد أن هناك فرقاً الآن ..، الرئيس بوتين يشكّل تهديداً رئيسياً للولايات المتحدة، وإن لم يكن  بالقدر نفسه في حقبة الاتحاد السوفياتي أنذاك. كما أنه لا توجد شخصية عربية حالياً بمستوى عبد العبد الناصر، إلا أن الدور الذي لعبته مصر في الخمسينيات يشبه الى حد ما الدور الذي تلعبه إيران الآن".

 ويرى الكاتب أن  آيزنهاور هو الرئيس الأميركي الأول الذي أرسى استراتجية شاملة للولايات المتحدة في الشرق الاوسط، من خلال خبرته الشاملة والمعقدة في رسم السياسات الدولية والقيام بمراجعات عند حدوث الأخطاء وبأن الدروس المستفادة من أزمة السويس هي كبيرة ومثقلة، قد لا تزودنا بطريق للخروج من متاهة الشرق الأوسط اليوم، وإنما ستجعل منا أكثر حكمة وذكاء  في التعامل والتفاوض للخروج من هذه المتاهة، وبأن تاريخ العلاقة ما بين آيزنهاور وعبد العبد الناصر هي لا شيء إن لم تكن درساً بخطورة المعايرة والتمييز ما بين الصديق والعدو بشكل خاطئ".

في الفصول الأولى يسلط الكاتب الضوء على إشكالية العلاقة واختلاف الرؤية ما بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل منذ بداية التغيرات الجيوسياسية في الخمسينيات والتي شهدت وصول عبد النصر الى السلطة (ثورة الضباط الاحرار).

وفي رأي الكاتب فإن نموذج آيزنهاور هو الأول للولايات المتحدة في الشرق الأوسط  باتباعه منهج  الوسيط لحل الأزمات في المنطقة. يعتقد آيزنهاور، ويلقب بـ"آيك"، أن الولايات المتحدة، من خلال مناهضتها الاستعمار القبيح، يمكنها استمالة المد القومي العربي ضمن تحالف يخدم المصالح الأميركية وبعيداً عن المجال السوفياتي من خلال مساعدة القوميين العرب على استخراج تنازلات من القوى الاستعمارية و"دولة إسرائيل" التي أنشئت حديثاً.

بينما كان التهديد الحقيقي لرؤية تشرشل في الشرق الأوسط هو التقارب الأميركي مع القوميين وبالأخص مع سلطة الضباط الأحرار في مصر بعد ثورة 23 يوليو تموز 1952، والذين طالبوا برحيل القوات البريطانية التي تحتل قواعد على طول قناه السويس ويشكل غير مشروط. وقد تجاوب الأميركيون مع القادة الجدد في مصر، لإيمانهم بأن مصر الدولة الأكبر والأكثر تأثيراً في العالم العربي هي المفتاح لتسليم العالم العربي للغرب في فترة  الحرب الباردة.

ويضيف الكاتب أن الاستراتجية الأميركية الجديدة قد رسمها آيزنهاور واستغل من خلالها أزمة السويس من أجل البناء لنهوض الهيمنة الأميركية في الشرق الاوسط، فانهيار الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية في المنطقة هي جزء من هذه الاستراتيجية، واستمالة الضباط الأحرار والعالم العربي للغرب ضد النفوذ السوفياتي في المنطقة هو الجزء الأهم من هذه الاستراتيجية.

 

الرهان الاول لآيزنهاور

يرى الكاتب أن رهان آيزنهاور الأول والكبير في الشرق الأوسط هو في انسحاب البريطانيين من مصر، هذا الرهان سيشبع شهية جمال عبد العبد الناصر القومية، وسوف يثبت له أن الولايات المتحدة تملك الإرادة والرغبة  لتكون شريك استراتيجي له، وهذا ما سيجعل من مصر متضامنة مع  النظام الأمني الغربي.

"الرهان الأول" لآيزنهاور وضعه على خلاف مع حليفه في زمن الحرب العالمية الثانية ونستون تشرشل، من خلال مواجه هذه المعضلة الدقيقة في مصر في عام 1954، عندما طالب القوميون المصريون بإنهاء الوجود العسكري البريطاني الكبير في ذلك مصر، وكان  آيزنهاور مقتنعاً بأن الإمبريالية البريطانية تضر بالموقف الأميركي في الحرب الباردة، وضغط على البريطانيين لقبول إنهاء التواجد العسكري القوي في مصر مع وعد بأن يسمح لهم بإعادة احتلال قواعدهم المصرية في حالة اندلاع حرب. كما أعتبر آيزنهاور أن عبد العبد الناصر يقدر تدخل الولايات المتحدة، وذلك سيجعله يدخل نظام الأمن الغربي ويوقع السلام مع إسرائيل.


خطة "ألفا" ورضوخ بريطانيا للتسوية

يشير الكاتب الى أن الضغوط الأميركية أدت الى رضوخ بريطانيا للتسوية، والتي تضمنت الانسحاب من مصر في عام 1956، وعقب حل النزاع القائم على منطقة القناة الأنكلو-مصرية في تشرين الثاني - نوفمبر 1954، وضعت إدارة آيزنهاور رؤيتها لاتفاق سلام عربي – إسرائيلي، حيث أصبحت خطة "ألفا" هذه أولوية قصوى لاستراتيجية أميركا للشرق الأوسط.

فقد أصبح سفير الولايات المتحدة  في مصر ومسؤولون أميركيون آخرون مقتنعين بأنه من خلال الضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات إقليمية أحادية الجانب وتمكين عبد العبد الناصر، يمكن تحقيق سلام دائم في المنطقة.

ومع ذلك يرى الكاتب دوران بأن عبد الناصر لم يكن مهتماً، واستخدم ذريعة المناوشات الحدودية المستمرة مع إسرائيل في انقلابه على خطة "ألفا" وعزز صورته من خلال الدعاية كمدافع عن جميع العرب.

الأميركيون عززوا بوعي الممثل الإقليمي الذي رأى أكبر ميزة في إدامة الصراع مع إسرائيل والذي كان يعمل على تقويض الموقف الغربي في الشرق الأوسط. 
خطة "الفا" والتي اعتبرت  الاستراتيجية الأميركية السرية حول الشرق الاوسط من  يناير - كانون الثاني 1955 لغاية مارس - آذار 1956 اعتمدت في جوهرها على مبادئ  للتسوية السلمية بين مصر وإسرائيل، والحد الأدنى من التنازلات الإسرائيلية  مع الدعم الغربي الاقتصادي والمعنوي لمصر الذي سيؤدي الى جعل العرب مع التسوية السلمية مع إسرائيل بضمان الولايات المتحدة وبريطانيا. وقد تضمنت هذه الخطة انسحاب إسرائيل من مناطق على حدود الأردن ومن النقب وفتح ممر لمصر الى الأردن وممر آخر لإسرائيل الى البحر الأحمر.

ويرى الكاتب أنه لم تكن هناك فرصة مناسبة لمناقشة هذه الخطة فالتطورات الإقليمية  وتداعيات حلف بغداد والخشية من توسع هذا الحلف ليشمل سوريا والأردن كانت الهاجس الأول لعبد الناصر فركز سياساته من أجل إسقاط هذا الحلف.

 

الخداع

 

في 27 أيلول سبتمبر 1955، أعلن عبد الناصر أن مصر أبرمت صفقة أسلحة ضخمة مع تشيكوسلوفاكيا التي يهيمن عليها السوفيات. ومع الفشل الواضح للجزرة، "ألفا"، تحولت ادارة آيزنهاور إلى العصا، فكانت خطة "أوميغا"، أي السعى لتعديل سلوك عبد الناصر والضغط عليه للخروج من المجال السوفياتي.

ويرى الكاتب أن مع هذا التطور في سلوك عبد الناصر، بدأت معركة تمويل سد أسوان العالي "والتي كانت جزءاً أساسياً من خطة ألفا" والتي مثلت أول اختبار لنهج أميركي جديد أكثر حذراً تجاه عبد الناصر النبيل.

كما يشير دوران الى الصدمة التي أحدثها إعلان عبد الناصر عن صفقة الأسلحة مع تشيكوسلوفكيا، والمخاوف الأميركية والأسئلة التي طُرحت حول تحول عبد الناصر الى الحلف السوفياتي. فقد أدخل عبد الناصر الساسة الأميركيين والبريطانيين بذكاء في معضلة تلاعب. فمن ناحية أوحى للبريطانيين أنه مع السلام من حيث المبدأ، وفي الوقت نفسه كان يحاول كسب الوقت ليخرج آخر جندي بريطاني من مصر، بحسب اتفاقية عام 1954، وصولاً الى الجلاء في عام 1956 لكي يتلقى الدعم من المحور السوفياتي.

أوقف جون فوستر دولس، وزير خارجية الولايات المتحدة، الموافقة على تمويل السد بسبب تحدي عبد الناصر المستمر في المنطقة. وأدت أعمال عبد الناصر، ولا سيما صفقة الأسلحة التشيكية والتقارب مع الصين الشيوعية في أيار- مايو 1956، إلى تشكيل تحالف بين الحزبين في الكونغرس لصالح عزل مصر، مع تهديد الكونغرس بمنع تمويل سد أسوان العالي. فظهرت ادارة آيزنهاور عاجزة بسبب الضغط واللوبي المعارض للتمويل، وبالأخص بعد فشل محاولة انعاش استراتيجية خطة الفا الأميركية للوصول الى تسوية ما بين مصر وإسرائيل، تلك المهمة التي أوكلت إلى كيم رزفلت كبير مستشاري الاستخبارات الأميركية بعد أن أوفد الى القاهرة من أجل إقناع عبد الناصر.

 

الشطرنج ثلاتي الابعاد

بشير الكاتب الى الانقلاب في السياسات الأميركية وفي رؤية آيزنهاور تجاه عبد الناصر والمنطقة، ويلخص هذا الانقلاب بتبني استراتيجية اوميغا لتدمير عبد الناصر.

يقول دوران: "لقد فقد الأميركيون الأمل في احتواء عبد الناصر وبدأوا البحث عن الوسائل لتدميره، في الأسابيع التالية كان آيزنهاور يتباكي، للقوة والطموح اللذين اكتسبهما عبد الناصر من خلال تحالفه مع السوفيات، ليصبح القائد الحقيقي في العالم العربي، وهذا ما جعله يرفض الاقتراح المقدم كمقياس للتوفيق بين العرب وإسرائيل".

هذا الفهم الجديد لآيزنهاور بعد أن اعتقد في السنوات الثلاث الماضية أن عبد الناصر القائد المصري "كالرجل المحاصر في مبارزة مميتة". إلا أن القائد الجديد يصب اهتمامه على منافسيه العرب، ويستخدم تحديه لإسرائيل عسكرياً في هذا السياق فاللعبة هي لعبة شطرنج ثلاثية الأبعاد، بحسب دوران.

في لعبة المبارزة، رأى آيزنهاور نفسه كوسيط بحيث يقدم حزمة من الحوافز والامتيازات من إسرائيل كي تومن للقائد المصري مخرجاً مشرفاً، لكنه توصل الى قناعة بأن عبد الناصر لا يرغب في إنهاء الصراع بل الى إطالة الصراع. لذلك فإن عمل آيزنهاور وآيدن(رئيس وزراء بريطانيا الجديد) بعد الفهم المتطابق لعبد الناصر وتصرفاته تجاه إسرائيل، كان من خلال التعامل معه بنمط جديد أي خطة "أوميغا"، والتي تتضمن تغيير سلوك النظام وليس تغييره، من مبدأ أن عبد الناصر لا يمكنه أن يوثق التعاون والعلاقات مع السوفيات مع التمتع في الوقت نفسه بمعاملة مميزه من الولابات المتحدة.

وتضمنت "اوميغا" دعوة لإيقاف المساعدات لمصر بالتزامن مع مضاعفة المساعدة للدول التي تناهض عبد الناصر في المنطقة، من دون أن  تصل الأمور الى المواجهة المباشرة ، على أمل أن يعود عبد الناصر إلى العلاقات المميزة مع الغرب. كما تضمت الخطة العمل إبعاد السعودية عن مصر ودعم الملك السعودي وإظهاره كقائد عربي بديل، فأصبحت الرؤية الأشمل لآيزنهاور بألا تلعب واشنطن دور  الوسيط بين العرب وإسرائيل، وإنما أن تكون قوة توزان في المنطقة العربية.

 

نهاية الإمبريالية البريطانية  

على أعتاب إعلان عبد الناصر في 31 يوليو - تموز 1956 تأميم قناه السويس  أحدث ذلك صدمة لرئيس الوزراء البريطاني آيدن في عام 1955 بعد استقالة تشرشل، فقرر الحرب وتصفية عبد الناصر. وبدأت رسائل آيدن تصل إلى آيزنهاور طالباً الدعم، وكان خيار آيدن يتمحور حول خيارين وهي هزيمة في متناول اليد لعبد العبد الناصر أو الحرب. أما آيزنهاور فقد اقترح استراتيجية "أوميغا" للحد من قوة عبد الناصر.

ويشير الكاتب الى صدمة الغرب من قرار عبد الناصر. يقول: "لقد بدأ عبد الناصر، الذي تم تمكينه بانتصاره على البريطانيين، على الفور في تقويض نظام الأمن الغربي بأكمله في الشرق الأوسط. فقام ببث رسالته العربية في جميع أنحاء المنطقة. أدت هذه الحملة الدعائية إلى تآكل النفوذ البريطاني في المملكة الأردنية الهاشمية وأطاحت بالنظام الهاشمي الموالي للغرب".

ويشير الكاتب الى أن الفكرة المفضلة لآيزنهاور كانت استراتيجية أوميغا، والتي تضمنت إبعاد السعودية عن مصر وبناء مركز قوة جديد، وزرع وتدين بين مصر وسوريا، وتدبير انقلاب للتخلص من الحكومة السورية الهشة والضعيفة، وتركيب سلطة منسجمة مع تركيا والعراق مما سيؤدي إلى توازن قوى ليس في صالح عبد الناصر.

واعتقد آيزنهاور بأن الحرب سوف تقوي عبد الناصر وستجعل منه قائداً للقوميين العرب وسينتصر إعلامياً وكتب: "إذا تركنا الدراما وتم التركيز على مهمة لإضعافه وتفكيكه من خلال إجراء أبطاً ولكن مؤكد.. أعتقد أن النتائج المرغوبة سوف تتحقق على الأغلب".

توجّه آيزنهاور غير المباشر بدا معقداً واحتوى بالنسبة لآيدن عيوباً صارخة، وبالأخص الفشل في حل مشكلة قناة السويس التي تعتبر المفتاح الأساسي في السياسية الداخلية البريطانية، إضافة إلى أنها لا تحتوي أي عرض لمساندة لندن في الأردن. "ببساطة كانت استراتيجية آيزنهاور المفضلة أن يفعل لا شي لتمكين بريطانيا في الشرق الأوسط".

برغم موقف آيزنهاور من أزمة السويس ورفضه شن الحرب على مصر، وتحذيره بريطانيا وحكومة آيدن بضرورة اتباع سياسية بعيدة المدى ولكن مضمونة، إلا أن آيدن كان مُصراً على هزيمة عبد الناصر ولو بالحرب، للحفاظ على ما تبقى من نفوذ لبريطانيا في المنطقة، وبدأ آيدن يحضر للحرب ضمن حلف ثلاثي يضم فرنسا وإسرائيل.

  ويرغم تحذير آيزنهاور لآيدن لم يكن لدى البريطانيين والفرنسيين أي مخاوف من موقف واشنطن. ففي ليلة 5 نوفمبر - تشرين الثاني، قامت قواتهم بغزو مدينة بورسعيد في منطقة القناة في محاولة لكسر السويس من سيطرة عبد الناصر، بالتوزاي مع غزو إسرائيلي عبر سيناء. كان آيدن يعوّل على الرئيس الأميركي لدعم أفعاله، أو على الأقل أن يكون محايداً، وصُدم في المقابل عندما رد آيزنهاور بدلاً من ذلك بالغضب القطعي. وكانت المفاجأة الأميركية من خلال خطاب آيزنهاور الذي بيّن فيه عدم شرعية هذه الحرب.

ويسرد الكاتب كيف استطاع آيزنهاور من خلال مواقفه من تطبيق ما يسمى عقيدة آيزنهاور من خلال الضغط على دول العدوان التي عبّر عنه في خطاباته، وفي دعوته الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إصدار قرار ملزم بانسحاب القوات الغازية من مصر. وازداد الضغط على بريطانيا عندما رفضت الولايات المتحدة تزويد القوات البريطانية بالوقود أو الأسلحة أو الدعم اللوجستي، بالتوزاي مع قطع عبد الناصر الإمدادات عبر قناه السويس وقطع إمداد النفط من سوريا إلى دول العدوان. وهذا ما أدى الى صعوبات كبيرة في أوروبا والى انهيار الجنيه الاسترليني.

بشير الكاتب غلى أن آيزنهاور الذي وقف نظرياً مع عبد الناصر لم يكن بصدد التدخل العسكري ضد بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ورفض أيضاً قبول اقتراح رئيس الاتحاد السوفياتي خروتشوف بالتدخل العسكري سوياً لإعادة الوضع الى ما كان عليه. فهدف آيزنهاور كان واضحاً وهو التأسيس للهيمنة على المنطقة العربية، وإضعاف عبد الناصر والمد القومي العربي، واستمالته ليكون حليفاً للغرب ضد  الاتحاد السوفياتي والنفوذ الشوعي في المنطقة من خلال سياسات تناهض الاحتلال العسكري وتعزز ثقة المنطقة بالولايات المتحدة، إضافة الى تسديد الضربة القاضية لبريطانيا وفرنسا لتحل محلهها الولايات المتحدة.

يبيّن الكاتب أن سياسات آيزنهاور كانت حازمة وأدت الى امتثال بريطانيا وفرنسا وإسرائيل لقرار الأمم المتحدة من دون أن تحفظ ماء الوجه لها ومن دون الاستجابة لمطالبها المتمثلة في إرسال قوات دولية لتشرف على القناة. وتلك السياسات والمبادئ والتلويح بمعاقبة إسرائيل، أجُبرت إسرائيل على الانسحاب من سيناء ومن جزر صنافر وتيران التي حاولت التمسك بها.

ويرى الكاتب أن رهان رئيس الوزراء الإسرائيلي أنذاك ديفيد بن غوريون على التأثير والضغط على الرئيس من خلال اللوبي الصهيوني في الكونغرس الأميركي لم يكن في محله، وأن المواقف والإجراءات الأميركية بالتوزازي مع الضغط السوفياتي  أجبرت إسرائيل على الانسحاب والرضوخ.

وفي رأي الكاتب فإن موقف الولايات المتحدة الحاسم تجاه العدوان الثلاثي هو من ساهم في انتصار عبد الناصر وكان من نتائج هذا الانتصار أيضاً انهيار الإمبراطورية البريطانية ومقدمة للهيمنة الأميركية على المنطقة.

 

الصراع على سوريا

كان آيزنهاور على حافة التدخل العسكري المباشر في سوريا بعد فشل انقلاب عام 1956، الا ان تحذير نائب الرئيس نيكسون ومدير الاستخبارات ألين دالاس له من أن هذا التدخل سيؤدي الى نتائج عكسية والى الإساءة لصورة واشنطن في العالم الثالث أدت الى تراجع آيزنهاور. ويشير  الكاتب إلى أن إحساس آيزنهاور بأن عبد الناصر قد مرغ عقيدة آيزنهاور في الأرض. "فالعراق تغيّر ومخطط الانقلاب في سوريا قد فشل، حيث اخترق عبد الحميد السراج محطة الاستخبارات الأميركية في دمشق وكشف مخطط الانقلاب الأميركي في سوريا، الانقلاب الذي خطط له بدافع  قلق واشنطن من دفء العلاقات بين سوريا والاتحاد السوفياتي، وبدأت الاستخبارات الأميركية بتنفيذ الخطة وافتعال المشاكل على الحدود، والتحضير للتدخل بحجة أن النظام في سوريا يزعزع استقرار الدول المجاورة ونشرت الولايات المتحدة الأسطول السادس في المتوسط وقواتها في مدينة أضنة التركية، وأرسل آيزنهاور رسائله الى الملكين الأردني والسعودي يحذرهما من خطورة أن تكون سوريا ضمن الحلف الشيوعي، إلا ان السعودية والأردن لم تكونا بوارد التدخل في تغيير النظام عسكرياً، وإنما كانتا تحثان الولايات المتحدة على القيام بالمهمة، ولم يكن أمام آيزنهاور إلا التراجع، وبالأخص بعد أن أرسل عبد الناصر قواته الى اللاذقية وهدد نيكيتا خروتشوف بالتدخل في حال الهجوم على سوريا.

 

الاعتذار

في الفصل  الأخير  يشير  الكاتب  الى الدروس المستفادة  من أزمة السويس والى التوصيات والضمانات التي قدمها آيزنهاور في نهاية الأزمة لإسرائيل، والى آسف آيزنهاور لمواقفه الداعمة لعبد الناصر في مراحل الأزمة الأولى. تلك الدروس والتوصيات هي التي أسست لعهد جديد من السياسات الأميركية فيما بعد، وبالأخص بعد الانقلاب في العراق. عندما ذهب آيزنهاور الى الفراش في ليلة 13 يوليو تموز 1958 كان العراق موالياً وكتب آيزنهاور في مذكراته "هكذا كنا نراهن على حصن من الاستقرار والتطور في المنطقة". عندما استقيظ في الصباح التالي، رأى أن الحصن قد ولى. حصل الانقلاب في العراق بقيادة عبد الكريم قاسم وسليم عارف وسيطرا على مفاصل الدولة وكانت النهاية المأساوية للحكم الهاشمي في بغداد. وأيقن آيزنهاور أن هذا الانقلاب هو انتصار لعبد الناصر، وأبرق السفير الأميركي من بغداد بأن قاسم وعارف يُعرّفان نفسيهما "بالضباط الأحرار" وملامح ارتفاع الحس القومي العربي واضحة وهي منسجمة مع عبد الناصر.

كان الصدى في واشنطن كبيراً جداً بأنه انتصار استراتيجي لعبد الناصر في الوقت الذي كانت فيه واشنطن تسعى إلى عزله.

انقلاب العراق وظهور الجمهورية العربية المتحدة ما بين مصر وسوريا وتنامي المد القومي العربي، هذه الاحداث المتلاحقة والتغيرات الاستراتيجية في المنطقة، كانت وراء سقوط مبادئ  آيزنهاور اللأولى، وصقل التوجهات الاستراتيجية الجديدة والتي فتحت الباب أمام نهوض الهيمنة الأميركية على الشرق الاوسط .

ويشير  الكاتب إلى أن هذه التغيرات التي طرأت على الاستراتيجية والتي اتبعت فيها الولايات المتحدة سياسات فيما بعد، تضمنت سياسة "فرق تسد" في المنطقة العربية،  مستغلة سلوك العرب الانقسامي والتنافس الحاد، وما اتبعه آيزنهاور فيما بعد من خطة "أوميغا" بالعمل على التفرقة بين عبد الكريم قاسم في العراق وعبد الناصر، إضافة الى أن الشعور بالندم في ما يخص أزمة السويس، دفعه الى دعم إسرائيل وتقديم ضمانات سرية لمساندتها ضد سوريا ومصر. وكان لتوصيات آيزنهاور دور مؤثر ومهم في سياسات الإدارات الأميركية التالية وبالأخص إدارتا الرئيسين جونسون ونيكسون.