الصين والإقليم

الصين والإقليم علاقات تاريخية وإمدادات بالطاقة مقابل تصدير بضائع، لكن من دون حضور عسكري أو تأثير سياسي واضح، في مقابل ذلك حكومات في المَنطقة تخشى التوجه شرقاً بسبب النفوذ الأميركي.

 

كمال خلف: سلام الله عليكم. (الصين) والإقليم، علاقات تاريخية وإمدادات بالطاقة مقابل تصدير بضائع لكن من دون حضورٍ عسكريّ أو تأثيرٍ سياسي واضح، في مقابل ذلك حكومات في المنطقة تخشى التوجّه شرقاً بسبب النفوذ الأميركي. السيّد "نصر الله" يدعو الحكومة اللبنانية إلى التوجّه شرقاً للتخلُّص من الحصار الأميركي

أمين عام حزب الله السيّد حسن نصر الله: أنا أيضاً ليس أنني تحدّثت قبل شهرين أو ثلاثة وقلت "الصين والتوجّه شرقاً" وخلص وإننا نُقيم الحُجّة على الحكومة وعلى المسؤولين ونقول للشعب اللبناني بوجود خيارات، لا، نحن تابعنا في الأسابيع القليلة الماضية في الحدّ الأدنى عندما هدأت قليلاً قصّة "كورونا". أنا اليوم لا أتحدّث كلام خطابات، أنا عندي معلومات قطعيّة وأكيدة، أكيدة، وأنا إذا لم أكن متأكّداً من شيء لا أحكي فيه، الشركات الصينية جاهزة لتبدأ في الإتيان بالمال بنفسها من دون كلّ هذه التعقيدات التي يُحكى عنها في (لبنان)، لسنا نحن مَن سيعطيهم المال، هم سيحضرون المال إلى البلد 

كمال خلف: ظلّت السياسة الخارجية الصينيّة محكومةً بالحياد الإيجابي ومُتمسّكةً بمبدأ الرئيس الصيني الراحل " دنغ شياو بنغ": " إخفاء قدرات وقضاء وقت". ولكن مع ازدياد قدرات (بكين) وقوّتها يبدو أنّها تخلّت عن تحفّظها الدائِم في شأن رغبتها في تشكيل النظام الدولي حيث صرّح الرئيس الصيني أخيراً بأنّ على (الصين) أن تقود إصلاح نظام الحُكم العالمي وأعلنت (بكين) توجهها نحو غرب (آسيا) عبر مبادرة "الحزام والطريق"

الرئيس الصيني شي جين بينغ: تحرص (الصين) على دعم التواصل مع الوطن العربي في شأن الخطط والاستراتيجيات والعمل معاً على بناء "الحزام والطريق" مما يدعم السلام والاستقرار في الشرق الأوسط ويُدافع عن العدل والإنصاف ويدفع التنمية المُشتركة 

كمال خلف: ماذا تريد حكومات المشرق العربي من (الصين)؟ وهل تبقى السياسات الصينية في طابعٍ اقتصاديٍّ فقط؟ هلّ تمتلك (بكّين) استراتيجية تجاه غرب (آسيا) وكيف يُمكنها أن توائِم في علاقتها بين (إيران) و(السعودية) مثلاً في المنطقة؟ هل تعمل (الصين) تحت حكم "شي جين بينغ" على ملء فراغٍ تُخلّفه (الولايات المتّحدة) في المنطقة؟ وما إمكانيّة مُساعدة الدولة الاشتراكية حكومات الإقليم وشعوبه على التخلُّص من الهيمنة الأميركية؟ باختصار، نسأل في "لعبة الأُمم"، أين (الصين) من اللعبة في ساحاتنا؟ وما الذي يعنيه الإقليم لـ (الصين) سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً؟ "لعبة الأُمم"، حيّاكم الله 

المحور الأول   

كمال خلف: معنا في هذه الحلقة الكاتب السياسي والباحث الأُستاذ "وليد شرارة"، ومن (بكين) الباحث والصحافي الصيني "لي قانغ". أُحييكما ضيفيّ العزيزين، أبدأ معك أُستاذ "وليد شرارة" من تصريح الأمين العام لـ "حزب الله" الذي أثار جدلاً في (لبنان) وبدأت نظرة جدية وتحليلية لما قاله حول التوجُّه أو الدعوة إلى توجُّه (لبنان) شرقاً واستعداد (الصين) لإنقاذ (لبنان) من الحصار الاقتصادي المفروض عليه الآن. نريد أن نفهم أُستاذ "وليد" أولاً عن مدى واقعيّة هذه الخطوة سواء استعداد (لبنان) لها أو تلبية (الصين) لها

وليد شرارة: أظنّ أنّ (الصين) مُستعِدّة للتلبية والمعلومات المُتداولة اليوم أنّه منذ السنة الماضية جاءت شركات صينية إلى (بيروت)، في شباط 2019، والتقت بمسؤولين وقدّمت جُملة من الاقتراحات لمجموعة من المشاريع التي تتعلّق بالبُنى التحتيّة في (لبنان)، هذا جزء من السياسة العامة لـ (الصين). (الصين) اليوم في تقرير صدر في عام 2014 للبنك الدولي، (الصين) هي التي أنجزت حوالى سبعين في المئة من مشاريع البُنى التحتية في دول الجنوب. هذه سياسة عامة لدى (الصين) ليس فقط في دول الجنوب. حتّى اليوم (الصين) ساهمت في تطوير وتُدير مرفأ في (أثينا)، مرفأ "بيريه"، وهي قامت بتوسيع وتطوير فرع مطار (تولوز) في (فرنسا)، هذا جزء من توجُّه عام لدى (الصين). (الصين) مستعدّة لتطوير البُنى التحتيّة في (لبنان) وليس على (لبنان) عقوبات اقتصادية أميركية أو غربية ليكون هناك ضغوط على (الصين) أو عقوبات على (الصين) في حال جاءت وأقامت 

كمال خلف: هنا تُطرح المسألة أُستاذ "وليد" بأنّه إذا قبِلَ (لبنان) أو إذا دعا (لبنان) (الصين) لتنفيذ مشروعات فإنّ هذا يؤدّي إلى خروج (لبنان) أو أيّة دولة تطرح هذا الموضوع من فضاء إلى فضاء. يعني دائِماً تترجِم بنفوذ

وليد شرارة: على الأقلّ نكون في انتقال من حصرية إلى تعدّد الشراكات. منذ نشأة دول عدم الانحياز، منذ الخمسينات، بعدما انتصرت حركات التحرّر الوطني على الاستعمار المُباشِر الأوروبي في شكلٍ أساسي في ما يُسمّى بالعالم الثالث كان الطرح أننا لا نريد أن ننحاز لأي محور من المحاور الدوليّة، نريد أن نُعدّد الشراكات، ألّا نكون أسرى لشراكة واحدة تؤدّي إلى استتباعنا أو إعادة إنتاج علاقات تبعيّة. فكرة التوجُّه شرقاً، والسيّد "حسن" أشار إليها في كلمته وقال: أنا لا أُطالبكم بقطع العلاقات مع الشُركاء الغربيين إن كان هؤلاء الشركاء مستعدّين لقبول أنّ يعدّد وينوِّع (لبنان) شراكاته. التوجُّه شرقاً هو جزء من منطق تنويع الشراكات لعدم البقاء أسرى لعلاقات التبعية للغرب ولـ (الولايات المتّحدة) وأصبح من الواضح اليوم على المُستوى الاقتصادي والمالي أنّ (الولايات المتّحدة) تُمارِس شتّى أنواع الضغوط لفرض شروط سياسية على (لبنان) تتعلّق بالمقاومة وبـ (إسرائيل) وبكذا، فهناك فُرصة فعلاً. نُقطة أُخرى يجب أن تؤخّذ في عين الاعتبار، اليوم (الصين) والشركات الصينية في حاجة لأسواق جديدة بسبب نتائِج جائِحة "كورونا"، فهناك أيضاً فُرصة لـ (لبنان) بأن يتعامل مع الشركات الصينية، نعم 

كمال خلف: سأعود إليك لأنّ هناك ردّاً  على هذا المنطق، هناك ردّ لمُساعِد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى "ديفيد شنكر"، وسأقول لك ما قاله "ديفيد شنكر" حول هذا الموضوع، لكن في سؤال سريع قبل أن أذهب إلى (بكين)، التوجّه شرقاً وغرباً أو تعدّد الخيارات يحتاج إلى قرار سيادي؟ 

وليد شرارة: نعم  

كمال خلف: موجود هذا في (لبنان)؟ 

وليد شرارة: حتّى الآن من الواضح أنّ هناك وجهات نظر مُتباينة في (لبنان) ولكن أظنّ أنّ للأسف تفاقُم الأزمة سيفرِض هذا الخيار باعتباره الخيار الأكثر واقعية لأنّ الخيار الآخر هو أن نغرق في أزمة متفاقمة قد لا نجِد بعدها أيّ شكل من أشكال الحلول لها 

كمال خلف: حسناً، سيّد "لي قانغ" من (بكين) مساء الخير. إسمح لي مُباشرةً أن أطرح عليك السؤال التالي: هلّ فعلاً تعمل (الصين)، تعمل (بكين) تحت حُكم "شين جين بينغ" على ملء فراغ تُخلِّفه (الولايات المتّحدة) في بعض مناطق العالم ومنها منطقة غرب (آسيا) أو المنطقة العربية في شكلٍ محدّد؟ هلّ فعلاً (الصين) تفعل ذلك؟ تريد ملء فراغ؟

لي قانغ: سيّدي الكريم، أولاً شكراً جزيلاً على دعوتكم 

كمال خلف: حيّاك الله 

لي قانغ: (الصين) تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني عندما تتحدّث عن منطقة الشرق الأوسط أو غرب (آسيا) أو شمال (أفريقيا) تنظر إليها كشريك استراتيجي. أنتم تعلمون أنّ هناك صداقة تقليدية وتاريخية ربطت بين (الصين) وبين دول المنطقة منذ القِدَم، منذ ذلك الحين بدأت العلاقة التجارية والتبادلات الشعبية بين الأُمّة الصينية وبين الأُمم الشرق أوسطية، وكما تعلمون هناك أيضاً مُعاناة مُتشابهة بين الجانبين مثلاً الاستعمار الغربي للجانبين. وفي العصر الحالي منذ طرح الرئيس الصيني "شين جين بينغ" مبادرة "الحزام والطريق"، باختصار في "طريق الحرير" براً وجواً كثّفت (الصين) التعاون مع دول الشرق الأوسط باعتبارها محطّة هامّة في هذه المُبادرة وأيضاً حلقة وصل مهمة بين (الصين) و(أوروبا)، وأنتم تعلمون أنّ تقريباً نصف واردات (الصين) للنفط من الشرق الأوسط لذلك تُريد (الصين) أن تبقى المنطقة آمنة 

كمال خلف: هنا سيّد "قانغ" كما يقال الآن ويسمعوننا في العالم العربي، دول في المشرق العربي أو دول عربية تحديداً تُعاني من الابتزاز الأميركي لأنّ الأميركيين يستخدمون الاقتصاد والعقوبات مقابل موقف سياسي، يعني يريدون من (سوريا) طلبات مُحدّدة كما قال "جيمس جيفري": "نريد من (سوريا) واحد إثنين ثلاثة أربعة" أو عقوبات اقتصادية، يريدون من (إيران) شيئاً فيفرضون عقوبات اقتصادية و(لبنان) وإلى آخره. هذه الدول وشعوبها يرون أو بدأوا يدقّقون في إمكانيّة أن يلجأوا إلى (الصين) للتعويض اقتصادياً مثلما قال الأمين العام لـ "حزب الله" السيّد "حسن نصر الله"، قال: لدينا خيار هو الشركات الصينية في (لبنان) مُمكن أن تُقدِّم مشروعات. هل فعلاً هذه الدول وشعوبها يمكنها التعويل؟ يعني هل ممكن أن تجد في (الصين) مخرجاً للهروب من الضغوط الأميركيّة؟ أم أنّ (الصين) لديها حسابات أُخرى؟

لي قانغ: سيّدي الكريم، أعتقد أنّ تلك الدول أو تلك الشعوب سوف تجد (الصين) مخرجاً للهيمنة الأميركية في المنطقة أو للتنمُّر الأميركي في المنطقة. أولاً هناك تنافس شديد بين (الصين) و(الولايات المتّحدة) في المنطقة ولكن أولاً مواجهة (الصين) العسكرية مع (الولايات المتّحدة) ليست خياراً متاحاً أمام (الصين) لأنّه حتّى في الوقت الحالي هناك فجوة كبيرة تفصل بين (الصين) و(الولايات المتّحدة) عسكرياً. ولكن اقتصادياً (الصين) الآن في صعودٍ اقتصادي ومن المُرجّح أن تتفوّق على (الولايات المتّحدة) في السنوات القادمة. الآن (الصين) تُعدُّ ثاني أكبر اقتصاد في العالم وفي هذا الجانب أعتقد أنّ (الصين) يُمكنها أن تلعب دوراً كبيراً في مساعدة دول الشرق الأوسط على تحقيق الاستقلال الاقتصادي. طبعاً على سبيل المثال من خلال دفع استخدام العُملة الصينية في التجارة أو دفع عمليّة التصنيع في منطقة الشرق الأوسط من خلال نقل التكنولوجيا على الأقلّ ستكون لدول المنطقة شريكاً آخر أو خطّة بديلة هي (الصين) 

كمال خلف: هناك مُشكلة قبل أن نعود إلى الأُستاذ "وليد" هنا، هناك مُشكلة سيّد "قانغ". بعض الحكومات تُمارِس عليها (الولايات المتّحدة) سطوة سياسية أو عسكرية إلى آخره. كما تعلم تُعتبَر منطقة غرب (آسيا) أو ما يُطلق عليه إسم الشرق الأوسط منطقة تقريباً مُعظمها تحت النفوذ الأميركي وبالتالي قد تمنع حكومات هذه الدول، بمعنى تُصدِر أنّه ممنوع التعامل مع (الصين)، وربما هذا ما جرى مع بعض دول الخليج على ما أعتقد، وجرى عندما أرادت (الصين) الاستثمار في موانئ داخل (فلسطين) المُحتلّة مع الحكومة الإسرائيلية، أيضاً أُغلِقَ الباب. هذا يعني أنّ الولايات المتحدة قادرة، حتّى هنا في (لبنان) بعض الحلفاء لـ (أميركا) بدأوا يقولون لا، لا يُمكن،(أميركا) حليفنا الاستراتيجي، بمعنى أنّه كيف يُمكن لـ (الصين) أن تتخطّى هذا الأمر إذا منعت (أميركا) بسطوتها العسكرية والسياسية وهيمنتها الكثير من حكومات هذه الدول من التعاون مع (الصين)؟ 

لي قانغ: أُستاذي الكريم، يجب أن نعلم إنّنا حاربنا قوة (الولايات المتّحدة) الجبّارة في كل أنحاء العالم لكنّها لا تُمثِّل إلّا جزءاً في هذا العالم. (الصين) ما زالت مصنع العالم وهي تُنتِج الكثير من المُنتجات وأعتقد أنّ في كل منزل عربيّ هناك مُنتجات صينية، بمعنى أنّ المُنتجات الصينية لا يُمكن الاستغناء عنها في هذه المرحلة وفي هذا العصر

كمال خلف: نعم

لي قانغ: دول المنطقة لا يُمكن أن تُحدّد سياساتها على حساب الإملاءات الأميركية فلديها مصالِح أيضاً وهي تحتاج إلى (الصين) و(الصين) مصنع العالم 

كمال خلف: حسناً، سنُكمِل في هذا ولكن رأيك أُستاذ "وليد" بما طرحته

وليد شرارة: نعم. أعتقد أنّ كلّ مواجهة (الصين) الاستراتيجية مع (الولايات المتّحدة) مرتبطة في مدى تطوُّر هذه المواجهة. من الواضح، إذا عُدنا سنوات إلى الحلف، أنّ الذي باشر إلى المواجهة وإلى اعتماد استراتيجية احتواء وتطويق لـ (الصين) هي (الولايات المتّحدة). منذ إعلان "أوباما" سياسة الاستدارة نحو (آسيا) التي هي بالفعل إعلان حرب بكلّ معنى الكلمة، بعد ستّة أشهُر من خطاب "أوباما" عن الاستدارة نحو (آسيا) زار وزير الدفاع الأميركي القسم الأكبر من دول جوار (الصين) ليبدأ في التفاهُم مع هذه الدول على إمكانيّة انتشار عسكري أميركي أو تسهيلات عسكريّة أميركية لإتمام مُحاصرة (الصين). وجاء طرح مشروع  "الحزام والطريق" في معنى من المعاني كردّ على استراتيجية التطويق الأميركية وطبعاً التوجُّه عند (الصين) لكن في جزء منه هو ردّ على استراتيجية تطويق (الصين). استراتيجية تطويق (الصين) الأميركية قسم منها استراتيجية تطويق بحرية وجاء الردّ الصيني ردّاً قاسياً والقسم الآخر الذهاب نحو الغرب، نحو الشرق الأوسط و(أوروبا) و(أفريقيا). المهمّ، (الولايات المتّحدة) هي التي بدأت بالتصعيد، (الولايات المتّحدة) في تقرير البنتاغون الاستراتيجي الذي صدر أوائِل عام 2018 اعتبرت أنّ (الصين) و(روسيا) منافسان استراتيجيان وأنّ المواجهة معهما لها الأولويّة، هي التي بدأت في سباق التسلّح. الولايات المتّحدة الأميركية هي التي اعتمدت سياسة هجوميّة تجاه (الصين). (الصين) كانت تعتبر أنّه من خلال الصعود السلمي والعلاقات الاقتصادية بما فيها العلاقات مع (الولايات المتّحدة) التي كان فيها بكلّ معنى الكلمة تبعيّة متبادلة على المُستوى الاقتصادي بين (الصين) و(الولايات المتّحدة) في المرحلة السابقة. (الصين) كانت تعتبر أنّها عبر تطوّرها الاقتصادي وتنمية علاقاتها مع بقيّة العالم ستُصبِح قطباً دولياً أساسياً، وهذا ما تحقّق إلى درجة كبيرة. (الولايات المتّحدة) تريد منع هذا الصعود في أي شكل من الأشكال. نحن بدأنا نشهد، إلى جانب المواجهة الاستراتيجية بين (الصين) و(الولايات المتّحدة) بداية فسخ شراكة على المُستوى الاقتصادي، بداية فسخ شراكة بين اقتصادين متداخلين إلى درجة كبيرة. هذا الأمر يعني أنّه أصبح لـ (الصين) مصالِح اقتصادية في البحث على تطوير شراكات مع خصوم لـ (الولايات المتحدة) كانت في المرحلة السابقة تتجنّب أن تُطوِّر معهم شراكات ولكن، في ملاحظة لي أُخرى، (الصين) طوّرت علاقات اقتصادية وشراكات اقتصادية مع حلفاء وثيقين لـ (الولايات المتحدة)، أنت ذكرت الكيان الصهيوني 

كمال خلف: والخليج

وليد شرارة: والخليج. في الكيان الصهيوني مثلاً حتّى الآن لم يُجمِّد الكيان الصهيوني مشروع إدارة شركة صينيّة لميناء (حيفا) وهناك شركة صينية تبني ميناء (أشدود). (الصين) شريك اقتصادي أساسي وهناك ضغوط أميركية كبرى على الكيان من أجل أن تتراجع هذه الشراكة 

كمال خلف: في منطقتنا أُستاذ "وليد" اليوم هناك دول فرضت عليها (أميركا) عقوبات وشعوبها ذاهبة في اتجاه الجوع نتيجةً لهذه العقوبات، مثل قانون "قيصر" على (سوريا) 

وليد شرارة: نعم 

كمال خلف: وتأثيراته على (لبنان)، مثل استراتيجية الضغوط القصوى على (إيران) وغيرها من الدول. الكثير من الدول، حتّى (روسيا) و(الصين) عليها عقوبات أميركية، لكن هذه الدول اليوم تبحث عن خيارات للخروج من هذه العقوبات

وليد شرارة: طبعاً 

كمال خلف: هل سنصل إلى مرحلة أنّ الحكومات والشعوب سيقولون: "نحن سنذهب في اتجاه الشرق مع (الصين) أو مع الخيارات الأُخرى"، أم أنّ الهيمنة الأميركية ستبقى جاثمة، بمعنى هلّ يُمكن كسر هذه المُعادلة؟ 

وليد شرارة: الهيمنة الأميركية تتراجع رغم العدوانيّة الأميركية الزائدة منذ عدّة سنوات. يُمكن أن أقول إنّ الاتّجاه الثقيل في العلاقات الصينية الأميركية هو اتجاه احتدام المواجهة. احتدام المواجهة يعني انفتاح (الصين) أكثر على الأطراف العربيّة والإسلامية التي تواجه (الولايات المتّحدة). هذا الأمر ربما ليس في السرعة والوتيرة التي نحن نتبنّاها 

كمال خلف: نتصوّرها 

وليد شرارة: لكن هذا هو الاتجاه العميق للأحداث لأنّ هناك إجماعاً بين النُخب الأميركية على اعتبار (الصين) العدوّ الاستراتيجي رقم واحد ما يعني أنّه مهما كانت هويّة الإدارة التي ستأتي بعد "ترامب" ستعتمد سياسة عدائية تجاه (الصين) 

كمال خلف: إسمح لي فقط لأنّ حضرتك ذكرت مشروع "الحزام والطريق" وضيفي أيضاً "لي قانغ" ذكر المشروع، أو "طريق الحرير"، سنعرِض هذه الخارطة، نُشاهد خارطة "طريق الحرير" وكيف يمُرّ في منطقة غرب (آسيا). نُلاحظ أنّ "طريق الحرير" من (الصين) في اتجاه (الهند) إلى غرب (آسيا) إلى (إيران) (سوريا) البحر المتوسّط، في اتجاه (إيطاليا) أيضاً، من البحر الأحمر يمرّ كما نُشاهِد في الخارطة. هنا في (جيبوتي) أوّل قاعِدة صينية في منطقة غرب (آسيا) في (جيبوتي) أنشأتها (الصين) عام 2017 في هذه المنطقة، يمر هذا المشروع عبر المُحيط الهندي. أُستاذ "وليد" حسب هذه الخارطة لمشروع "الحزام والطريق" أو "طريق الحرير"، هذا المشروع الضخم إلا يحتاج إلى حماية صينية أو زيادة في القوّة العسكرية الصينية؟ يعني ألا يحتاج إلى 

وليد شرارة: تطوير شراكات استراتيجية 

كمال خلف: نفوذ لحماية هذا الخط؟

وليد شرارة: تطوير شراكات استراتيجية مع أطراف إقليمية وازنة كفيل بأن يحمي هذا الطريق. ليس من سياسة (الصين) حتّى الآن التحوُّل إلى قوّة عسكريّة مُهيمنة على المُستوى الدولي. أعني لا يوجد عند (الصين) الهاجس الموجود عند (الولايات المتّحدة) منذ أن تحوّلت إلى قوّة دوليّة بعد الحرب العالمية الثانية وبدأت في نشر قواعدها في أرجاء المعمورة. عند (الصين) وجود عسكري في (جيبوتي) وقد يصبح لها وجود عسكري في مناطق أُخرى ولكن توجُّه الصين ليس الانتشار عسكرياً. حسبما يبدو حتّى الآن منطق (الصين) العسكري هو منطق دفاعي،  (الصين) تطوُّر قدرات صاروخية 

كمال خلف: لكنها في حاجة إلى قوّة أُستاذ "وليد"؟ 

وليد شرارة: في حاجة إلى قوّة وإلى شراكات مع قوى إقليمية وازنة ترى أنّ لها مصلحة في تطوير شراكة مع (الصين). مرّة أُخرى، المنطق الصيني يعتبر أنّ الزمن يعمل لمصلحته ويعتقد أنّه حتّى الدول المتحالفة اليوم مع (الولايات المتّحدة) من المُمكن أن تُشرع في تغيير سياساتها في السنوات القادمة عندها ستجد أنّ (الولايات المتّحدة) هو طرف تتراجع قدراته ولا يُمكن الاعتماد عليه وأن له مصلحة في تنويع الشراكات. نرى هذا الاتجاه اليوم حتّى عند حلفاء (الولايات المتّحدة)، حتّى عند بعض بلدان الخليج، حتّى في الكيان الصهيوني هناك حوار حول هذا الموضوع منذ زمنٍ طويل. الجيش الإسرائيلي يرفض تطوير شراكة مع (الصين) لأنّه يعتبر أنّ العلاقة مع (الولايات المتّحدة) علاقة وجوديّة، ولكن هناك قطاعات أُخرى لها رأي آخر. المقصود أنّ (الصين) فرضت نفسها على الساحة الدوليّة، (الصين) اليوم في طريقها لأن تُصبح من أهم شركاء الاتحاد الأوروبي على المستوى الاقتصادي. في كلام آخر، قوّة (الصين) الاقتصادية فرضت (الصين) كشريك على أغلب الأطراف الدوليّة بما فيها (الولايات المتّحدة) 

كمال خلف: ننتقل إلى (بكين)، إلى "لي قانغ". سيّد "قانغ" عندما سمع مساعِد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى "ديفيد شنكر" أنّ (لبنان) يريد أن يتوجّه شرقاً وبدأ يبحث في خيارات تعاون مع (الصين) ويوافق على المشروعات التي تريد (الصين) إقامتها في (لبنان)، ماذا قال، وأطلب من حضرتك أن تردّ على هذا الكلام. قال: الدعوة لتوجُّه (لبنان) نحو الشرق وتحديداً نحو (الصين) و(روسيا) و(إيران) هي دعوى صادمة. فهل يُخبرنا أحد، والكلام لـ "ديفيد شنكر"، عن حجم المُساهمات الماليّة والتقديمات الصينية لـ (لبنان)؟ كم قدّمت (روسيا) من مُساهمات مالية لـ (لبنان)؟ (الولايات المتّحدة) في عام 2019 قدّمت مُساعدات لـ (لبنان) قيمتها أكثر من 750 مليون دولار أميركي، مساهمات اقتصادية وتنموية وأمنية. كم قدّمت (الصين) لـ (لبنان) مساعدة في مواجهة فيروس "كورونا"؟ (الولايات المتّحدة) قدّمت مُساعدات بقيمة 25 مليون دولار لمواجهة "كورونا". ماذا قدّمت (الصين) في النظر إلى (جيبوتي)، لم تُقدِّم (الصين) سوى الفخاخ والديون المرتفعة وعقود الاستثمار غير الشفافة وجميعنا يرى كيف تسعى (الصين) للاستحواذ على أيّة دولة تُقصِّر في دفع مُستحقات الديون كما فعلت في بعض الحالات حيثُ استحوذت على المرافئ لمدة 99 سنة وقدّمت للعالم عدم الشفافية في موضوع فيروس "كورونا". هذا ما قدّمته (الصين) يقول "ديفيد شنكر"، كيف ترُدّ على هذا الكلام؟ 

لي قانغ: أولاً سيّدي الكريم (الصين) شفافة جداً في التعامل مع أزمة "كورونا". ليس لديّ معلومات دقيقة أو أرقام دقيقة للمساعدات التي قدّمتها (الصين) لـ (لبنان) ولكن يُمكن أن أقول لكم أنّ (الصين) منذ تفشّي الوباء قدّمت مُساعدات إنسانيّة طبيّة إلى أكثر من 180 دولة بما فيها دول عربية وأيضاً أرسلت فرقاً طبيّة إلى تقريباً عشرين دولة منها (إيطاليا) و(إيران) و(العراق) و(الجزائِر)، الكثير من الدول. بالنسبة إلى مبادرة "الحزام والطريق" هذه المبادرة ضخمة جداً وتخدم منطقة الشرق الأوسط. حسبما أعرِف هناك ثماني عشرة دولة عربيّة انضمّت إلى هذه المبادرة وهذا يدلّ على مدى إقبال هذه المبادرة لدى دول الشرق الأوسط. عموماً هناك ثلاثة أنواع من الدول في الشرق الأوسط تستفيد من هذه المُبادرة أولها الدول المُصدِّرة للنفط. هذه الدول تُسرع في تنويع اقتصادها فهناك تلاقي والتقاء كبير بين مبادرة "الحزام والطريق" ومبادرة أو رؤية 2030. (الصين) سوف تُساعِد هذه الدول على تنويع اقتصادها وأيضاً في مجال التعاون التكنولوجي. النوع الثاني من الدول هي الدول ذات الكثافة السكانية والعمالة الكبيرة مثل (مصر) و(المغرب). هذه الدول تحتاج إلى صناعات و(الصين) تنقل الصناعات إلى هذه الدول لتحقيق عمليّة التصنيع في تلك الدول. والنوع الثالث من الدول هي الدول التي تُعاني من الحروب وما بعد الحروب، وهي تحتاج إلى إعادة الإعمار، الشركات الصينية تُسهِم في تطوير البنى التحتية مثل بناء وتشييد الطرق والجسور ومحطات توليد الكهرباء

كمال خلف: إذاً أنت تعتقد سيّد "قانغ" بأنّه ليس لديك أرقام ضدّ أرقام "ديفيد شنكر" ولكن تعتقد بأنه لا يقول الحقيقة في هذا المجال 

لي قانغ: أية حقيقة أستاذ؟ 

كمال خلف: عندما تحدّث "شنكر" عما قدّمته (الولايات المتحدة) لـ (لبنان) ودول أُخرى في مقابل ما قدّمته (الصين). يقول: "(الصين) لم تُقدِّم أيّ شيء سوى أنها تريد الاستثمار وتوريط الدول في الديون" 

لي قانغ: لا لا أُستاذ، لا. (الصين) تُقدِّم الكثير لدول المنطقة عبر نقل الصناعات إلى دول الشرق الأوسط، عبر تشييد الطُرق والمساجد أيضاً والسكك الحديدية وكلّ هذه المشاريع التي ترفع مُستوى المعيشة للسكان وأيضاً خلقت فُرَص عمل كثيرة، مئات الآلاف 

كمال خلف: أنا سأذهب إلى فاصل لكن قبل الفاصل بثوانٍ أُستاذ "وليد"، ما يقوله "ديفيد شنكر" هو عكس ما سمِعناه في وسائِل الإعلام، أنّ (أميركا) لم تُساعِد إنّما بدأت تشتري مُساعدات لـ (الولايات المتحدة) بينما (الصين) بدأت تُرسِل أطباء وإلى آخره. ما يقوله "شنكر" عكس ما كنا نراه في تقارير وسائِل الإعلام أثناء أزمة "كورونا" 

وليد شرارة: "شنكر" وقسم كبير من فريق الإدارة الحالية خبراء في بثّ الشائِعات والأكاذيب واعتماد الـ Fake News كجزء من استراتيجية التضليل الإعلامي والتعبئة والشحن. الإدارة تقول إنّ فيروس "كورونا" هو اختراع وكان "ترامب" يطلُب من الأجهزة الأمنيّة أن تجد له دليلاً على أنّ (الصين) اخترعت فيروس "كورونا"، على أنّ فيروس "كورونا" إختراع إنساني. عندما قالت له الأجهزة الأمنيّة الأميركية إنه لا يُمكن إثبات ذلك بدأ يقول إنّ (الصين) لم تتعامل بشفافية وهي في معنى من المعاني مسؤولة عن الانتشار. نحن أمام إدارة لا تتورّع عن اختراع الأكاذيب وعن استخدام الأكاذيب، وهذا ثابت من ثوابت السياسة الأميركية منذ عقود 

كمال خلف: إسمح لي أُستاذ "وليد" أن أذهب إلى فاصل ثم نعود مرّة أُخرى لبحث عناوين أُخرى وطرح أسئلة أُخرى تتعلّق بهذا الملفّ. بعد الفاصل 

المحور الثاني

كمال خلف: تحيّة من جديد مُشاهدينا في "لعبة الأُمم" نتحدّث فيها عن (الصين) وغرب (آسيا)، تحديداً المنطقة العربية. في بحثٍ أُعِدّ مُشاهدينا لـ "البنتاغون" صادر عن مؤسّسة "راند" للباحثين "أندرو سكوبيل" و"علي رضا نادر" بعنوان "(الصين) في الشرق الأوسط – التنين الحذِر". هل تملك (الصين) استراتيجية في الشرق الأوسط؟ هذا سؤال البحث، يقول الباحثان إنّ الجواب البديهي هو أنّ (الصين) لا تمتلِك استراتيجيّة في الشرق الأوسط لأنّ (بكين) لم تُصرِّح علناً عن أيّة استراتيجيّة، لماذا؟ يعود ذلك لرغبتها في تجنُّب الخلافات في المنطقة لاسيّما مع الولايات المتّحدة. تُحافظ (الصين) على علاقات جيِّدة مع بلدان الشرق الأوسط كافّةً وتُفضِّل عدم المُخاطرة في هذا الوضع عن طريق الإعلان عن مواقف سياسية ويهمّها الحفاظ على إمدادات الطاقة والعلاقات والمنافع التجاريّة. يقول الباحث: حرصت (بكين) على ألّا يُنظر إليها وكأنّها تتدخّل في الشؤون السياسية الداخلية لدول الشرق الأوسط أو أنّها تتخذ مواقف في شأن مسائِل إقليمية مثيرة للخلافات إذ لم تتدخّل على سبيل المثال في عمليّة السلام الإسرائيلي الفلسطيني وتجنّبت الانضمام إلى التحالف ضدّ "داعش". إذاً يُشكِّل "عدم التدخل" أحد المبادئ الشاملة للسياسة الخارجيّة الصينية. ما رأيك أُستاذ "وليد"؟

وليد شرارة: أعتقد أنّ هذا كلام واقعي إلى درجة كبيرة لكن لا أعتقد أنّ هذا الأمر يعني غياب رؤية استراتيجيّة. (الصين) في المرحلة الماضية كانت ترى أنّ الاتجاه الثقيل في السياسة الدوليّة في العقود القادمة هو تراجع النفوذ الأميركي وأنّها قوّة صاعِدة وأنّ تمتّعها بعلاقات جيّدة مع مُختلف الأطراف في الإقليم قد يسمح لها في مرحلة لاحقة أن تتمكّن من أن تؤثِّر في شكلٍ من الأشكال في شكلٍ أكبر وأن تكون، حتّى ممكن أن تكون في مرحلة لاحقة وسيطاً. لذلك كان الرهان الصيني ولا زال حتّى الآن هو رهان تنمية العلاقات مع الجميع. الطرف الذي يتدخّل لمنع (الصين) من الاستمرار في تطوير علاقات وشراكات مع مُختلف أطراف المنطقة هو (الولايات المتّحدة). (الولايات المتّحدة) تُمارس ضغوطاً على الكيان الصهيوني حتّى تتراجع علاقاته مع (الصين)، تضغط على دول الخليج في نفس الاتجاه لأنّ (الولايات المتّحدة) ترى أنّ هذا التسلّل، بين هلالين، الصيني وتطوير العلاقات والشراكات مع الجميع قد يسمح لـ (الصين) في مرحلة لاحقة أن تلعب دوراً سياسياً أكبر. فطبعاً في هذه الحال، بمعنى إذا شهِدنا في المرحلة القادمة تجميداً لعلاقات (الصين) مع الكيان الصهيوني، تراجُع دول الخليج عن تنمية العلاقات، هذا الأمر سيدفع (الصين) في رأيي إلى تطوير علاقاتها في شكلٍ أكبر وبناء رهانات أقوى على أطراف محور المُقاومة. بمعنى العمليّة من اللازم أن نرى أنّها عمليّة مرتبطة بالفِعل وردّ الفِعل لدى القطبين المُتنافسين. الصيني كان حريصاً على أن يبني علاقات جيّدة مع الجميع ولكن الطرف الأميركي الذي يسعى إلى حصاره وإلى خنقه يريد أن يقطع العلاقات والشراكات التي بناها الصيني 

كمال خلف: تماماً

وليد شرارة: أنا أُوصِّف بمعزِل عن رأيي في الموضوع، أُحاول أن أُوصِّف في أكبر قدرٍ من الموضوعية، لذلك أنا أوافق على التوصيف الذي ذُكِرَ في التقرير ولكن لا أعتقد أنّ هذه السياسة ليست نابعة من رؤية استراتيجيّة متوسّطة الأمد

كمال خلف: وبالتالي ستتغيّر 

وليد شرارة: ستتغيّر حُكماً لأنّ (الولايات المتّحدة) تسعى إلى تخريب هذه الاستراتيجية، أي لقطع صلات (الصين) المتنامية مع مُختلف الأطراف الإقليمية في المنطقة 

كمال خلف: هنا سيّد "لي قانغ" أيضاً هناك تقديرات غربيّة وأميركيّة تقول بأنّ انسحاب (الولايات المتّحدة) أو تراجع النفوذ الأميركي في المنطقة، تحديداً في منطقة غرب (آسيا) أو المنطقة العربية لن يخدُم مصالِح (الصين) لأنّ (الصين) تعتمد على ضبط (الولايات المتّحدة) للأمن في هذه المنطقة لمصلحتها اقتصادياً، بالتالي هي لا تُريد أن تتولّى هي مسؤولية الأمن في المنطقة وفي النزاعات القائمة أو أن تكون المنطقة فوضى وبالتالي هذا يؤثِّر على المصالِح الاقتصادية. وبالتالي هناك مصلحة صينيّة بأن تبقى (الولايات المتّحدة) ضابطة للأمن في هذه المنطقة لتستفيد هي من الهدوء، هذا التقدير صحيح أيضاً؟ 

لي قانغ: أستاذي الكريم، أعتقد أنّ الوجود الأميركي في الشرق الأوسط هو السبب الرئيس للفوضى في المنطقة. مثلاً هي غزت (العراق) وحتّى الآن (العراق) يُعاني من الانفجارات والتدهور الأمني، و(الصين) في شكلٍ عام تُريد تعاوناً مربحاً للجانبين مع كلّ دول العالم خاصةً في الشرق الأوسط. من خلال تنفيذ مبادرة "الحزام والطريق" وأيضاً تنفيذ أو بناء ما تتحدّث عنه (الصين) من بناء مُجتمعي أو المصير المُشترك للبشريّة أو المصير المُشترك الصيني العربي، (الصين) تريد تطوير العلاقات مع دول المنطقة في كافّة المجالات، وهذا التعاون يفيد الجانبين. عندما تكون هناك تنمية مُستقرّة في المنطقة هذا سيفيد في جلب الأمن إلى المنطقة 

كمال خلف: نعم. عندي سؤال أُستاذ "قانغ"، لو كنت حضرتك الآن تحاور صانع قرار عربي أي رئيس حكومة عربية أو رئيس دولة عربية ماذا كنت لتسأله حول العلاقات العربية الصينية في هذه المرحلة؟ 

لي قانغ: أول سؤال، أودّ أن أسألهم ما هو مدى استفادتهم من مبادرة "الحزام والطريق"، هذا أهم سؤال 

كمال خلف: هذا سؤال مهم أُستاذ "وليد" أليس كذلك؟ 

وليد شرارة: نعم 

كمال خلف: أُستاذ "وليد" هناك موضوع تغيُّر السياسات الصينية، قلت إنّه على المدى المتوسِّط هناك سيناريو مثير وهو أن تتعرّض إحدى المصالِح الصينيّة لهجوم إرهابي 

وليد شرارة: نعم 

كمال خلف: أو يتعرّض مشروع (الصين) لهجمات إرهابيّة معيّنة وهذا احتمال. هل تعتقد أنّ هذا سيكون تحولاً في نظرة (الصين) إلى المنطقة العربيّة أو إلى غرب (آسيا)؟ 

وليد شرارة: أعتقد أنّ (الصين) أساساً ترى أنّ هناك مثل هذا التهديد، وهناك أساساً مجموعات تقوم بعمليّات في مُقاطعة (سينغ يانغ) في (الصين) وهذه المجموعات مثل "الحزب الإسلامي التركستاني" في (سوريا) تنشط في منطقة (سينغ يانغ). من المُمكن أن تلجأ هذه المجموعات أو مجموعات شبيهة إلى هجمات من هذا النوع، وقد تندرِج هذه الهجمات في إطار استراتيجية عامة تهدِف إلى محاولة التخريب على مشروع "الحزام والطريق". ولكن أظنّ أنّ الدافع الرئيس للسياسة الصينية الأكثر هجوميّةً فلنُسمِّها، هو التحوّل المتسارِع في السياسة الأميركيّة تجاه (الصين)، العدائيّة الزائِدة وكذلك مسار فسخ الشراكة لأنّ هذا الموضوع لم نتناوله ولكنّه موضوع رئيسي. تقول التقارير الأميركية اليوم وتتحدّث عن بداية فسخ شراكة بين (الصين) و(الولايات المتّحدة)، تراجُع لاستثمارات كلّ طرف لدى الطرف الآخر، تراجُع في العلاقات التجاريّة، بداية حديث عن احتمال وضع (أميركا) يدها على الاستثمارات الصينية في (الولايات المتّحدة) رداً على جائِحة "كورونا" ومفاعيلها. نحن نشهد بداية لمسار شديد الخطورة. إذا هذا المسار تفاقم هذا الأمر وسيزيد أيضاً من حدّة الصراع الاستراتيجي، لأنّ المصالِح الاقتصادية المُشتركة عنصُر يضبط حدّة المواجهة الاستراتيجية. إذا هذه المصالِح الاقتصاديّة المُشتركة تفككت، ما يُسمّونها Take Up link، إذا تفاقم فسخ الشراكة، هذا الأمر سيُعزِّز من حدّة المواجهة الاستراتيجية 

كمال خلف: أُستاذ "وليد" أنا سألت "لي قانغ" إذا كان أمام صانع قرار عربي ماذا كان يُمكن أن يسأله، قال: ما هو حجم الفائِدة، فائِدة دولتك من مشروع "الحزام والطريق"؟ لو عكسنا السؤال وحضرتك كنت أمام الرئيس الصيني أو أمام رئيس حكومة أو صانِع قرار صيني ما هي الأسئِلة التي يُمكن أن تخطُر في بالك أمام (الصين)؟ أنا أطرح هذا الموضوع لأنّ الحقيقة فيه هي معرفيّة بين العالم العربي وبين (الصين) في شكلٍ كبير

وليد شرارة: نعم 

كمال خلف: بمعنى الكثيرون من بلدان العالم العربي عدا فئة من النُخبة يجهلون (الصين)، يجهلون لغة (الصين) وحضارة (الصين) وبالتالي هناك نوع من الحذر والتوجُّس في أن تكون (الصين) هي الملجأ أو الخيار الآخر لدى الكثيرين، حتّى بعض السياسيين في (لبنان) وبالأمس سمعنا أحدهم كان يتحدّث ويقول: "إلى أين تريدون أن تأخذوننا؟ إلى أين؟"، في هذا المعنى وكأنّ شيئاً يجهله ولا يعرِفه

وليد شرارة: نعم. السؤال الذي يُمكن أن أطرحه 

كمال خلف: الأسئِلة التي يُمكن أن تطرحها 

وليد شرارة: الأسئلة في تقديري هي أسئِلة سياسيّة مباشرة، طبعاً هذا من وجهة نظرنا ومن وجهة نظري كعربي. أنا أعتقد أنّ المصلحة الاستراتيجية لـ (الصين) هي في دعم القوى المُناهِضة للهيمنة الأميركية في هذه المنطقة وفي اتّخاذ موقف أكثر حزماً تجاه السياسات الإسرائيلية. فالسؤال الذي يُمكن أن أطرحه هو، متى تُحاول (الصين) أن تستخدِم نفوذها في شكلٍ أكبر للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني؟ متى سيكون لها سياسة أكثر حزماً في موضوع مواجهة سياسة الحصار على (إيران) و(سوريا)؟ أي أسئِلة تتعلّق بمصالِحنا المُباشرة

كمال خلف: نعم 

وليد شرارة: أنا طبعاً مُدرِك أنّ لـ (الصين) مصالِحها وأنّها تخوض مواجهة صعبة ولكن أنا أعتقد أنّه على المُستوى الاستراتيجي وتطوُّر الأمور كما نراها مصلحة (الصين) هي في تطوير شراكاتها ورهاناتها مع الأطراف المُقاوِمة للهيمنة الأميركيّة. نُقطة أُخرى أنّ (إسرائيل) لن تُصبِح أبداً شريكاً استراتيجياً لـ (الصين)، (إسرائيل) طرف له علاقة عضويّة بالغرب وبـ (الولايات المتّحدة)، هو جزء من (الولايات المتّحدة). لا يُمكن أن تذهب (إسرائيل) شرقاً في المُستقبل 

كمال خلف: لكن (إسرائيل) عبر التاريخ أُستاذ "وليد" تُوائِم تحالفاتها مع القوى الصاعِدة، هي كانت حليفة (بريطانيا)  

وليد شرارة: كانت حليفة لـ (بريطانيا) واقتربت من (فرنسا) ثمّ عادت واقتربت من (الولايات المتّحدة) ولكن هي على نفس المُستوى، لأنّ هنا توجد أبعاد مُتداخلة وهناك البُعد الاستراتيجي وهناك البُعد الثقافي والإيديولوجي. (إسرائيل) هي نتاج غربي وهي جزء من الغرب وهي تنظُر بعيون غربيّة خائِفة من صعود القوى غير الغربيّة، لأنّ هذا البُعد في الصراع الدولي قائِم وتحدّث عنه الأُستاذ "لي قانغ" حين حكى عن مسألة الاستعمار الغربي. (إسرائيل) هي نتاج للاستعمار الغربي وهي جزء عضوي من هذا الاستعمار، لا تستطيع أن تنظر إلى (الصين) كما تنظُر إلى (الولايات المتّحدة) 

كمال خلف: هذا يقودنا إلى سؤال سيّد "لي قانغ"، كيف ستتعامل (الصين) مع صراعات المنطقة، هذه المنطقة محكومة بالانقسام والصراعات، بمعنى كيف يُمكن لـ (الصين) أن تكون على علاقة ممتازة بـ (إيران) وبـ (السعودية) في نفس الوقت؟ كيف يُمكن أن تكون على علاقة ممتازة بـ (تركيا) و(مصر) في ذات الوقت؟ كيف يُمكن أن تكون على علاقة بـ (إسرائيل) وبـ (العرب) من جهة أُخرى في ذات الوقت، أو قوى المُقاومة التي تسعى لتحرير الأرض العربيّة من الاحتلال الإسرائيلي؟ المنطقة هنا منطقة انقسامات ومنطقة صراعات، كيف تستطيع (الصين) أن توائِم علاقاتها مع هذه المتناقضات؟ 

لي قانغ: بالنسبة إلى الصراع الإسرائيلي العربي، أعتقد أنّ هذا الصراع في جوهره القضيّة الفلسطينية الإسرائيلية وهي القضيّة المركزيّة الأولى للعرب وللفلسطينيين

كمال خلف: نعم

لي قانغ: وموقف (الصين) تجاه هذه القضيّة واضح جداً. (الصين) تريد سلاماً عادلاً وشاملاً ودائِماً يلبّي حقّ الفلسطينيين في الحريّة وإقامة دولة مُستقلّة فلسطينية عاصمتها (القدس) الشرقيّة على حدود عام 1967 وفقاً لحلّ الدولتين. هذا الموقف الصيني لن يتغيّر وأيضاً تُعارِض (الصين) احتلال (إسرائيل) أو ضمّ الأراضي الفلسطينية وبناء المُستوطنات وقمع المُتظاهرين الفلسطينيين، أيضاً هذا الموقف لن يتغيّر. تعارض (الصين) أيضاً "صفقة القرن" الأميركية، وأنا أعتقد أنّ هذه الصفقة لن تجلب السلام للمنطقة ولكن في الوقت الحالي يبدو أنّ هذه القضيّة ليست في يد (الصين)، وحلّ هذه القضية يحتاج إلى تظافُر الجهود في المُجتمع الدولي وليس إلى جهود (الصين) فقط، و(الصين) موقفها واضح وهي تُريد السلام في المنطقة وهذا سيفيد (الصين) ويفيد شعوب المنطقة أيضاً 

كمال خلف: نعم. طبعاً مواقف (الصين) ربما لفتت انتباه العالم العربي عندما رفعت (الصين) الفيتو في مجلِس الأمن في عام 2012، فيتو مزدوِج مع (روسيا)، ضدّ العزو الغربي أو إطلاق يد "الناتو" في (سوريا)، والكثير من المُراقبين قالوا إنّ هذا بداية انخراط صيني في قضايا المنطقة واهتمامها بالمنطقة العربيّة وقضاياها. لكن بعد ذلك وجدنا أنّ الأمر توقّف عند هذا الحدّ أُستاذ "وليد"

وليد شرارة: نعم، مرّة أُخرى هذا الأمر مُرتبِط كذلك بتطوُّر المواجهة بينها وبين (الولايات المتّحدة). (الصين) طبعاً كانت معنيّة بإفشال تدخُّل ثانٍ لـ (الناتو) بعد التدخُّل الذي حصل في (ليبيا) حيثُ تعرّضت (الصين) للخداع هي و(روسيا) عندما وافقا على قرار لمجلِس الأمن استُخدِمَ لتبرير تدخّل "الناتو" في (ليبيا) وإسقاط النظام في (ليبيا)، فهما أرادا إفشال تدخل آخر لـ "الناتو" في (سوريا)، ولكن مرّة أُخرى (الصين) توازِن بين جملة من الاعتبارات في حساباتها العامّة ومن الواضح أيضاً أنّه كان لـ (الصين) موقف متقدّم ضدّ التصعيد الأميركي الحالي حيال (إيران). عندها مواقف سياسية جيّدة ولكن مثلما تفضّل الضيف هم يُعارِضون المواقف ويؤيّدون العودة إلى الشرعيّة الدوليّة، يؤيّدون التمسُّك بالاتفاق النووي الإيراني ولكن إلى أيّ مدى يذهبون في هذه المُعارضة أو التأييد؟ إلى أيّ مدى يستخدمون نفوذهم للتأثير؟  هذا مُرتبط بالمواجهة العامة بينهم وبين (الولايات المتّحدة) 

كمال خلف: في موضوع التكامل مع (الصين)، اليوم يُطرَح أو يُنظَر إلى أنّ (الصين) بالتعاون مع (روسيا) قد تسدّ الجانب العسكري والسياسي بمعنى أنّ (الصين) و(روسيا) قد يُشكّلان مع بعضهما قوّة عسكريّة وقوّة اقتصادية معاً، هذا الكلام واقعي؟ 

وليد شرارة: هناك تطوُّر لشراكة بين (روسيا) و(الصين)، هذا أمر مؤكّد، هناك تعاون عسكري واقتصادي وإلى آخره ولكن هلّ تصل هذه الشراكة إلى مُستوى تشكيل حلف دولي في مواجهة (الولايات المتّحدة) والمحور الغربي الذي تقوده؟ هذا الأمر مرتبط كذلك بتطوُّر المواجهة. حتّى الآن هناك شراكة استراتيجية من دون أدنى شك وتعاون ومناورات مُشتركة وعلاقات اقتصادية متنامية وشراكة على مُستوى الطاقة مُتعاظِمة بين الطرفين ولكن لم يصل الأمر إلى تشكُّل حلف دولي في مقابل الحلف الدولي الآخر 

كمال خلف: إسمح لي أن آخذ رأي "لي قانغ" في هذا الأمر، العلاقة بين (الصين) و(روسيا) خاصةً وأنّ (روسيا) تمتلِك القُدرة العسكرية وانخراطاً أكبر في قضايا شرق أوسطية والقضايا العربية، أم أنّه لا، (الصين) اليوم كما سمعنا قبل فترة عندها زيادة في الإنفاق العسكري وبالتالي قد تسُدّ (الصين) الحاجة العسكرية لوحدها من دون الحاجة إلى شريك آخر مثل (روسيا)؟ 

لي قانغ: سيّدي الكريم، هناك علاقة متينة بين (الصين) و(روسيا) واليوم يُصادف أعتقد أو بعد أيام سنستقبل الذكرى الخامسة والسبعين لانتصار دول في الحرب العالمية الثانية. هناك في (موسكو) استعراض عسكري وشاركت (الصين) في هذا الاستعراض. بالنسبة إلى سؤالكم، أعتقد أنّ (الصين) سوف تتعاون مع (روسيا) في جلب الأمن والاستقرار إلى منطقة الشرق الأوسط، وهذا الأمن يصبّ في مصلحة البلدين وأيضاً يصبُّ في مصلحة شعوب المنطقة. نعم 

كمال خلف: في ختام الحلقة سنعرِض سؤال هذه الحلقة على صفحات التواصل الاجتماعي للبرنامج: هل تستطيع (الصين) إخراج دول الشرق العربي من الهيمنة الأميركية؟ كان هذا سؤال حلقة اليوم. تقريباً النتائِج متشابهة على "فيسبوك" و "تويتر" و"إنستاغرام"، 72 % على "فيسبوك" نعم و28% كلّا؛ أكثر من 65 % على "تويتر" نعم وأكثر من 34% كلّا؛ 73 % على "إنستاغرام" نعم و27 % كلّا. أستاذ "وليد" هناك تفاؤل كبير في الشارع العربي حسب هذا الاستطلاع 

وليد شرارة: نعم، تفاؤل واقعي على المدى المتوسّط دعنا نقول 

كمال خلف: أشكرك جزيل الشُكر "وليد شرارة" الكاتب السياسي على حضورك هنا في الاستديو. من (بكين) "لي قانغ" الكاتب السياسي والصحافي الصيني شكراً جزيلاً لك، و"لعبة الأُمم" انتهت. شكراً للمتابعة وإلى اللقاء 

 

                   

        

                

                  

              

         

             

         

          

البرنامج

إعداد
كمال خلف
تقديم
كمال خلف
المنتج
زاهر أبو حمدة
إخراج
بترا أبي نادر
الايميل