الصدام العسكري في ليبيا

 

كمال خلف: سلام الله عليكم، الصِدام في (ليبيا) هل يكون مباشراً بين (مصر) و(تركيا) وتنتهي الحرب بالوكالة؟ أم أنّ ما يحصل تلويح بأوراق القوّة والضغط تمهيداً لاتّفاقٍ سياسي؟ لا يُعرَف حتّى الآن أيّ مسارٍ سيسبق الآخر، القتال أم المُفاوضات؟ لاسيما أنّ الحشود العسكريّة عند (سرت) غير مسبوقة وكذلك الاتصالات الدبلوماسيّة في الكواليس. الرئيس المصري "عبد الفتّاح السيسي" كرّر في غير مناسبة تأكيده أنّ معركة (سرت – الجفرة) تُعدّ خطّاً أحمراً للأمن القومي المصري مُعرباً عن استعداد بلاده للتدخّل العسكري في شكلٍ مباشِر في (ليبيا) في الوقت الذي فوّض فيه البرلمان الليبي (مصر) بالتدخُّل العسكريّ في المعارِك الدائِرة في (ليبيا) منذ سنوات

الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي: (سرت - الجفرة)، هذا أمر بالنسبة لنا خطّ أحمر، خطّ بالنسبة لنا خطّ أحمر. وفي المناسبة، نحن في عُمرِنا لم نكن غُزاة لأحد ولا مُعتدين على سيادة أحد، ولو كنّا نحن نُفكِّر هكذا لكنّا قمنا بهذا منذ سنة وسنتين وثلاث وأربع سنوات لكننا احترمناكم لأننا نُحبُّكم ولم نتدخّل لأننا لا نريد أن يذكُر لنا التاريخ أننا تدخّلنا في بلادكم وأنتم في موقف ضعف. لكن الموقف الآن يختلف، الموقف الآن مختلف. الأمور اليوم هو أن معادلة الأمن القومي العربي، الأمن القومي المصري والليبي تهتزّ وإذا لم نكن مُدركين لذلك ومُستعدّين لتقديم التضحيات اللازمة والمواقف الشريفة اللازمة منّا كلّنا، وأقول: عندما نقول لهذه القوات أن تتقدّم فهذه القوّات ستتقدّم 

كمال خلف: هل تفويض البرلمان المصري لما يحتاجه "السيسي" هو للتدخّل العسكري في (ليبيا)؟ كلّ الدلائل تُشير إلى ذلك على الرغم من أنّ موافقة البرلمان على قرارٍ يُجيز قيام الجيش بمهمّاتٍ قتالية في الخارِج لم يذكُر (ليبيا) في الإسم، في المقابل تعتبر (تركيا) دخول (مصر) الميدان الليبي عسكرياً غير شرعيّ  

الرئيس التركي رجب طيّب إردوغان: خطوات (مصر) في (ليبيا) ووقوفها إلى جانب الانقلابي "حفتر" يدلّان على أنّها تدخل في نهجٍ غير قانوني، وعلى الأخصّ فإنّ (أبو ظبي) تتصرّف كالقرصان من خلال دعم الانقلابيّ بالسلاح والأموال وهذا يدلّ على موقف الدولتين 

كمال خلف: هل تقع الحرب بين الجيشين الأقوى في الإقليم؟ فالجيش المصريّ يُصنّف التاسع عالمياً والجيش التركي في المرتبة الثالثة عشرة وفقاً لموقع "غلوبال باور"، وما التداعيات؟ وكيف توزّعت المواقف الاقليميّة والدوليّة من الصراع؟ وما التداعيات على المنطقة وشرق المتوسّط؟  "لعبة الأُمم"، حيّاكم الله 

المحور الأول 

كمال خلف: معنا في هذه الحلقة من (القاهرة) الكاتب السياسي الأُستاذ "عبد الحليم قنديل" والباحث في دراسات الشؤون المغاربيّة في مركز دراسات الشرق الأوسط في (أنقرة) الأُستاذ "عبد النور تومي" أحييكما ضيفيّ العزيزين وأبدأ من (القاهرة)، أُستاذ "عبد الحليم" حيّاك الله. إذا ما أردنا أن نأخذ في بداية هذه الحلقة تقدير موقف لـ (القاهرة) حالياً في ما يجري في (ليبيا)، هل (القاهرة) حزمت أمرها للتدخُّل أم أنّها تلوِّح بهذا التدخُّل العسكري منعاً لوقوع الحرب؟ 

عبد الحليم قنديل: (القاهرة) حزمت أمرها. مجلِس النوّاب قبل أيام اتّخذ قراراً جماعياً بتفويض القوّات المُسلّحة للتحرُّك على اتجاه استراتيجي نحو الغرب، وبديهي أنّ هذا أمرٌ مُرتبط بتقديرات قيادة القوّات المُسلّحة وخططها وغُرَف عمليّاتها، وبالطبع (مصر) تُراقب الموقف بدقّة على مُجمل الأراضي الليبيّة من (السلّوم) على حدود (مصر) إلى (راس البير) على حدود (تونس) وتعرِف حركة النملة إن جاز التعبير في ما يجري في (ليبيا) وأهدافها واضحة جداً. هي أعلنت بوضوح أنّ ما يهمّ (مصر) هو ضمان وفرض السلام من أجل الشعب الليبي ومن أجل استعادة الدولة الليبيّة وعدم السماح بوجود وضع فاشل أو دولة فاشلة على حدود (مصر) 

كمال خلف: أُستاذ "عبد الحليم"، الأمور في تقديرك تذهب في اتجاه الصِدام العسكري أكثر أو ترجّح إمكانيّة فتح مُفاوضات في هذه الحال؟

عبد الحليم قنديل: من المعروف أنّ هناك مُفاوضات تجري في طريق غير مباشِر غالباً عبر (روسيا) لكن أتصوّر أنّ المُفاوضات لم تصل الآن إلى نُقطة يُمكن التوافق عليها. (القاهرة) ترفع مبدأ أنّ (سرت – الجفرة) خطّ أحمر وهي تقصد بذلك الوضع العسكري وتجميد الوضع العسكري عند الأوضاع الحاليّة لكنّها لن تسمح في أيّ وضع في أيّ تصوُّر ينطوي على أيّ تقسيم لـ (ليبيا) في صورة مؤقتة أو في صورة مُستديمة 

كمال خلف: أُستاذ "عبد النور تومي"، حيّاك الله 

عبد النور تومي: أهلاً 

كمال خلف: هنا الحشود في المقابل الآن كما تقول الأنباء هي حشود لحكومة "الوفاق" في (طرابلس) استعداداً لمعركة (سرت)، هل يبدو أنّ (أنقرة) وأيضاً حكومة "الوفاق" ماضيان قدماً في السيطرة على (سرت) كما أعلنا من دون الأخذ في الاعتبار هذه الجديّة في (القاهرة)؟  

عبد النور تومي: أكيد موقف وتفويض البرلمان المصري والغطاء القانوني للقوات المصرية لإرسال قواتها إلى (ليبيا) بات أمراً واضحاً لكن المواجهة أو الصِدام يبدو الآن في تصوّري بعيداً

كمال خلف: تراجع 

عبد النور تومي: هذا أكيد. حتّى نضع الصورة أمام المشاهدين، (ليبيا) وعندما نتكلّم عن (ليبيا) نتكلّم عن البحر المتوسّط عامةً، والمتوسّط كما قال "فرناند بروديل" الفيلسوف والمؤرِّخ الفرنسي: "المتوسّط هو أكثر من مجرَّد بحر"، حتّى (تركيا) كسبت الكثير في التطوّرات الأخيرة على الميدان وهذا بفضل الإنجازات التي حقّقتها قوّات "الوفاق". فأكيد كما تفضّل الأُستاذ الكريم أن (مصر) تضع (سرت) و(الجفرة) على خطّ أحمر، (تركيا) أكيد لن تتعدّى الخطّ الأحمر في (سرت) لأنّها تعلم أنّ هذا استفزاز 

كمال خلف: إعلان حرب

عبد النور تومي: أكيد، وبالتالي هو استفزاز. فأكيد هناك أطراف كثيرة في النزاع 

كمال خلف: هنا ما هي البدائل أُستاذ "عبد النور" إذا كانت (أنقرة) لن تذهب في اتجاه معركة مع (سرت) لأنّ ذلك هو إعلان حرب مع (مصر). البدائل عن عدم الحرب ما هي؟ 

عبد النور تومي: البديل هو كما قالت (أنقرة) منذ بدء النزاع وخاصةً بعد الاتفاقية مع حكومة "الوفاق" في خريف 2019، هو أنّ (أنقرة) تُطالب وتساند الحلّ السلمي، وأنا أيضاً حينما أتحدَّث عن دولة محورية في المنطقة كـ (مصر)، يجب ألّا ننسى أنّ (الجزائِر) حضّرت وراجعت الملفّ الليبي بجديّة والآن السياسة الليبية واضحة على عكس ما كانت عليه

كمال خلف: أُستاذ "عبد النور" إسمح لي أيضاً أن آخذ رأيك في أهميّة (سرت) بالنسبة لكلا الأطراف، وأيضاً آخذ رأي الأُستاذ "عبد الحليم". (سرت)، هذا الخط أُستاذ "عبد النور" تُرسَم حوله الخطوط الحمر، أولاً نأخذ فكرة عن استراتيجية (سرت). تقع (سرت) في مُنتصف الساحل الليبي وتبعُد 450 كيلومتراً شرق العاصمة ونحو 600 كيلومتر غرب (بنغازي). نجد قاعدة (الجفرة) أيضاً الجويّة بموقعها الاستراتيجي وسط (ليبيا). الأهمية الاستراتيجية لـ (سرت) في أنّها تتوسّط (ليبيا) وتربط بين الشرق والغرب والجنوب، ومَن يُسيطر على المدينة يُسيطر على منطقة الهلال النفطي شرق البلاد. أُستاذ "عبد الحليم"، عندما نتحدَّث عن (سرت) نتحدَّث عن الموارِد، هل يُمكن أن تقبل حكومة (الوفاق) وحليفتها (تركيا) بأن تبقى (طرابلس) محرومة من الموارِد؟ (سرت) نفط وماء أيضاً وبالتالي لا مُستقبل لأيّة دولة أو أيّ وجود في (طرابلس) ن دون أن تكون مرتبطة في (سرت) والعكس صحيح أيضاً بالنسبة لشرق (ليبيا) وبالتالي نُقطة الصراع هذه يجب أن تُحسَم في طريقة أو في أُخرى أليس كذلك؟ 

عبد الحليم قنديل: سريعاً، أولاً لا توجد دولة في (ليبيا)، حكومة "الوفاق" ليست حكومة شرعيّة بمعنى أنّها ليست مُنتخبة من الشعب الليبي، الجهة الوحيدة المُنتخَبة من الشعب الليبي في آخر انتخابات عام 2014 هي مجلس النوّاب الليبي الذي استدعى الجيش المصري إلى التدخّل لإنقاذ (ليبيا). حكومة "الوفاق" مُجرَّد تدبير إجرائي تمّ التوصّل إليه من خلال بعثة الأُمم المتّحدة في عام 2015. كان مقرّر لها أن تقوم بعدد من الإجراءات خلال عام ينتهي في أواخر عام 2016 قابل للتمديد حتّى نهاية 2017 ونحن الآن نقترب من نهاية عام 2020. فالأُسطورة المتعلّقة بوجود حكومة شرعيّة هي كذبة كبيرة جداً، وحسبما ما ذكر ضيفكم من (تركيا) عن موقف (الجزائِر) وموقف (تونس) الكلّ يعلم أنّ الرئيس التونسي "قيس سعيِّد" قال في (باريس) قبل أسابيع إنّ حكومة "الوفاق" ذات شرعيّة مؤقّتة وأنّه آن الأوان لإيجاد حكومة أكثر تمثيلاً. قال الرئيس الجزائِري "عبد المجيد تبون" بعده إنّ حكومة "الوفاق" قد تجاوزتها الأحداث وفي المُجمل هي ليست حكومة وليست حكومة "وفاق" من باب أولى ولم تحصل كما يقضي اتفاق "الصخيرات" على أيّ تصديق من مجلِس النوّاب الليبي، الجهة الشرعيّة الوحيدة المُنتخَبة في آخر انتخابات من الشعب الليبي 

كمال خلف: وضحت الصورة نعم، بالنسبة إلى "سرت"

عبد الحليم قنديل: ثانياً "سرت". من الطبيعي جداً أنّ الغزو التركي، وهو عمل احتلالي استعماري قادم من على بُعد آلاف الأميال إلى بلد لا علاقة له بالأوضاع في (تركيا) إلّا علاقة قديمة هي علاقة احتلال واستعمار انتهى بأن سلّمت (تركيا) (ليبيا) إلى الاستعمار الإيطالي في اتفاقية (لوزان) الأولى في عام 1912. ثالثاً، الفكرة الأساسية عند (مصر) عن الخطّ الأحمر، هناك فرق كبير بين الخطّ العسكري الأحمر والخطّ السياسي الأحمر. الخطّ السياسي الأحمر بالنسبة للسياسة المصريّة عند الجارة (ليبيا) العربية المُجاورة التي تنطبق عليها اتفاقيّة الدفاع المُشترك التي فوّضت من خلال مؤسّساتها الشرعيّة المُنتخَبة الجيش المصري الذي له حقّ التدخُّل بمُقتضى المادة 51 من ميثاق الأُمم المتحدة وألف مُقتضى ومُقتضى، منها هذا الامتزاج الاجتماعي الهائل بين الشعب المصري والشعب الليبي عبر التاريخ وخاصةً عبر العقود الأخيرة بحيث نصف الشعب الليبي الموجود سواء داخل (ليبيا) أو خارجها إمّا من أُمّ مصريّة أو من أبٍ مصري 

كمال خلف: تماماً 

عبد الحليم قنديل: أخيراً، الخطّ السياسي الأحمر عند حدود (ليبيا) مع (تونس – مصر) مع توحيد (ليبيا). أمّا أنّ حكومة الوفاق تريد، أزاء ما يُسمّى حكومة "الوفاق" اصطلاحاً، تريد الذهاب بمعونة تركية وفي دعم تركي والمشاركة العسكريّة التركيّة المباشرة من خلال 25 ألف مرتزق جلبتهم (تركيا) إلى (ليبيا) ومن خلال آلاف الضباط والجنود والخبراء الأتراك، تريد الآن التقدّم عبر "سرت" إلى مناطق الهلال النفطي وهذه حقيقة عبّر عنها الأتراك بوضوح، عبّر عنها "أردوغان" بالخريطة المستورة التي أشار فيها إلى وجود حقول النفط في منطقة الهلال النفطي، في "سدرة" و" راس لانوف" وغيرها، وهو يقول ببساطة لسان حال الحكومة التركية: "إذا لم نصل في حملتنا العسكريّة على (ليبيا) إلى الاستيلاء على منطقة الهلال النفطي وحقول البترول نكون لم نفعل شيئاً. وفي وضوح أكثر يقولون: إنّ الحكومة التي ندعمها، الحكومة الافتراضيّة، حكومة الدُمى في (طرابلس)، إذا لم نصل عبرها إلى هذه المنطقة أو من وراء قناعها تكون حكومة من ورق، هم يريدون حكومة من بترول، حكومة من دولارات لا حكومة من ورق مُقيمة هناك بعيداً في (طرابلس) تحت حماية السيف التركي

كمال خلف: دعني أنتقل إلى (أنقرة) لأنّني رأيت ضيفي يبتسم عندما قلت حكومة دمى. أُستاذ "عبد النور"، طبعاً أسمع وجهة نظرك وأيضاً هناك عدّة نقاط ذكرها الأُستاذ "عبد الحليم" هي موضع جدل حالياً منها شرعيّة حكومة "الوفاق"، يعني حكومة "الوفاق" كانت ناتجة من "اتفاق الصخيرات"، وهذا الاتفاق فيه أطراف متعدّدة والآن هذه الأطراف مُتحارِبة، بمعنى أنّ الاتفاق أصلاً الذي أنتج الحكومة سقط، وبالتالي هناك تشكيك في شرعيّة حكومة الوفاق بينما التأكيد على شرعيّة البرلمان في (طُبرق). المسألة الأُخرى هي مسألة طرحها ضيفي في (القاهرة) وأنا سأختصرها في جُملة. ماذا تفعل (تركيا) في (ليبيا)؟ ماذا تُريد بالضبط؟ 

عبد النور تومي: هذا سؤال وجيه جداً ماذا تفعل (تركيا) في (ليبيا)! حتّى أردّ في عُجالة على ضيفكم الكريم، حكومة الوفاق هذه أكيد حكومة شرعيّة استلمت شرعيّتها من الانتخابات التي جرت في عام 2014، وبعدها كان هناك اعتراف دولي. حتّى أطراف الآن في النزاع الإقليمي الليبي تعترف صراحةً بحكومة الوفاق. الوجود التركي هو وجود شرعي قائِم على مُعاهدات بين حكومة الوفاق أو الحكومة الشرعيّة المُمثلة للشعب الليبي مع (أنقرة)، فالسؤال ماذا يفعلون مثلاً مرتزقة "فاغنر" وحتّى المخابرات الفرنسيّة مثلاً؟ هلّ هم هناك لسبب زيارة صلة الرحم أم هم هناك ليستمتعوا بالكسكس الليبي والشاي الليبي؟ أكيد لا. فالقضيّة هي قضيّة مسارات

كمال خلف: يعني أنت تقول: لماذا التركيز على (تركيا) واتهامها بينما هناك أطراف أُخرى موجودة في (ليبيا)؟ 

عبد النور تومي: أكيد. هذا ما زاد الأزمة تأزّماً وصارت الآن المسألة كما في برنامجكم 

كمال خلف: لعبة أُمم 

عبد النور تومي: لعبة أُمم، فصارت الآن لعبة الأُمم بين أيدي أُمم. المُشكل هو أنّ الآن (تركيا) مثلاً تصرّ على الحلّ السلمي وكذلك (الجزائر)، وأقصد (الجزائر) هنا لأنّ (الجزائِر) لا تريد أن ترى (ليبيا) تحوّل إلى دولة فاشلة أو دولة ميليشيات مثلاً ولا حتّى (تونس). حتّى التصريح الأخير للرئيس "قيس سعيِّد" في (باريس) تُرجِم كما يُحبّ الطرف الآخر أن يُترجمه عِلماً أنّ (تونس) منذ البداية وخاصّةً بعد انتخاب "قيس سعيِّد" تسعى إلى حلٍّ سلمي واعتراف كامل بحكومة الوفاق 

كمال خلف: حسناً أجبت عن النقطتين التي طرحناهما لكن هناك نُقطة ثالثة 

عبد النور تومي: في الآخر أريد أن أذكر زيارة وزير خارجية (الجزائر) "صبري بوقادوم" اليوم إلى (موسكو) حيث في لقائه "لافروف" أكّد في ندوة صحافيّة أنّه يسعى إلى حلٍّ سلمي ويصرّ على الاعتراف بحكومة الوفاق. وكان قد صرّح الرئيس "تبّون" قبل يومين أنّه لا يريد أن يرى (ليبيا) تتحوّل إلى (الصومال) عندما سمع أنّ هناك أطرافاً إقليمية تريد تسليح قبائِل ليبية. إذاً الحلّ يكمُن في دول الجوار وأقصد دول محوريّة كـ (مصر) و(الجزائِر) وأيضاً نضيف حتّى (المغرب) لأننا نتحدّث عن "اتفاق الصخيرات"، و"اتفاق الصخيرات" كما ذكر ضيفكم 

كمال خلف: انتهى

عبد النور تومي: انتهى. لكن الدول المعنية هي دول مغاربيّة وتبقى دول محورية أُخرى أوروبية أو حتّى عربيّة لا أطماع لها لكن لها مصالِح، المصالح في العلاقات الدولية هي أمر طبيعي 

كمال خلف: إسمح لي أن أطرح نقطة ثالثة فقط وبعدها آخذ رأي المعهد المصري للدراسات لو سمحت لأنّ له رأيه في النُقطة التي سنطرحها. في موضوع ما قاله وزير الخارجية ورئيس الوزراء التركي السابق "أحمد داوود أُوغلو" الذي قال: "فلنجلِس ونتحدّث مع (مصر) إذا لزِم الأمر"، وكان يخاطب الرئيس "إردوغان" حسبما نقل موقع "تركيا الآن"، "لا بدّ من أن أتحدّث عمّا يجري وراء الكواليس. مواجهة بين (مصر) و(تركيا) في (ليبيا) لن تكون جيّدة من أجل (تركيا). ليس من الصواب أن ننسحب من (ليبيا) لأنّ (مصر) أو غيرها أرادت ذلك". يعني هنا يطلب "أحمد داوود أوغلو" أن يتم حديث مباشر بين الرئيس "إردوغان" وبين (القاهرة)، بين (تركيا) وبين (القاهرة). هنا أُستاذ "عبد النور"، هل هذا ممكن؟ هل هذا من السهل في مكان؟ وأنت تعرِف أنّ العلاقات المصريّة التركيّة لا ترتبط بـ "سرت" ولا بـ "ليبيا" فقط، لها جذور منذ الثلاثين من يونيو/ حزيران في (مصر)، و(رابعة) إلى آخره. بالتالي، هل من السهل فعلاً خوض مُفاوضات مع (مصر) أم أنّ ترسّبات هذه العلاقة لا ترتبط بـ (ليبيا) وبالتالي هناك حاجز كبير لا يُمكن تجاوزه في المُفاوضات؟ 

عبد النور تومي: أكيد الحاجز بدأ منذ انقلاب العسكر على الرئيس المُنتخب الشرعي في عام 2013، فأكيد العلاقات توتّرت بعد تلك الفترة. يجب أن نعلم جيداً أن الأتراك هم أناس براغماتيون، يعني يعلمون من أين تؤكَل الشاة ويعلمون متى يذبحونها، فهم أكيد منفتحون على أيّ لقاء أو تقارب أو حتّى حوار. بالطبع العلاقات الدبلوماسيّة لا تزال متواصلة بين البلدين وهناك تبادُل تجاري، علاقات يعني بين الشعبين 

كمال خلف: ألا تعتقد، أُستاذ "عبد النور" سأعود مباشرةً إذا سمحت لي فقط علِّق بسرعة لأنني أُريد أن آخذ رأي الأُستاذ "عبد الحليم". ألا تعتقد أنّ سوء هذه العلاقة بين (القاهرة) و(أنقرة) هو بسبب (أنقرة) وليس بسبب (القاهرة)؟ بمعنى أنّ (تركيا) تحتضن المعارضة المصريّة، (تركيا) تحتضن وسائِل الإعلام وتشتم (القاهرة) والرئيس والبرلمان وشخصيّات مصرية ليل نهار، بمعنى أنّ على (تركيا) أن تُحسِّن علاقاتها وليس (القاهرة). ليس هناك داخل (مصر) مُعارضين أتراك يشتمون الرئيس التركي أو يقودون سياسات تهدُف إلى إسقاط الحكومة أو الحُكم

عبد الحليم قنديل: بالطبع، (أنقرة) هي المسؤولة عن سوء العلاقات مع (القاهرة) لكن أودّ أن أقول شيئاً بسيطاً جداً. (مصر) بلد مُستقر وراسِخ في عُمق التاريخ وليس كالتاريخ التركي، جماعة من الرُعاة حملوا سيوفاً لدورة التاريخ على طريقة "هولاكو" أو غيره. الخلافة العُثمانيّة أو ما يُسمّى الخلافة العُثمانيّة كلّها هي جماعة حربيّة وليست جماعة حضارة ولا تاريخ ولا ثقافة، هذا أولاً 

كمال خلف: هذا كلام في التاريخ أُستاذ "عبد الحليم"، هذا كلام في التاريخ 

عبد الحليم قنديل: صحيح، هو تاريخ 

كمال خلف: عندما تكون العلاقات جيّدة مع (تركيا) نمدح الخلافة العُثمانية، عندما تُصبِح سيّئة نعتبرهم قبائِل وإلى آخره 

عبد الحليم قنديل: هذا كلام ليس صحيحاً. الثابت في مناهج التاريخ وفي غيره، في (مصر) إن كنت تقصد، منذ زمن طويل جداً الدولة العثمانية هي تاريخ من التخلّف فُرِضَ على المنطقة كلّها. ثانياً، كلام الضيف الكريم عن الانقلاب هو كلام خارِج التاريخ لسبب بسيط جداً. له أن يعلم إن كان يُحب أن يعلم ما دام دارساً أنّ هناك ثورة إسمها ثورة 25 يناير/ كانون الثاني التي تبعها حُكم "الإخوان" الذي رفض الشعب المصري في ثورة الثلاثين من يونيو/ حزيران المُتمّمة لثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 وبينهما صلة عروة وثقى خرج فيها الشعب المصري كما لم يخرُج أيّ شعب في امتداد التاريخ وفي امتداد الجغرافيا في 35 إلى 40 مليوناً. من ثمّ إذا كان يقصد بالانقلاب موقف الجيش إلى جوار ثورة الثلاثين من يونيو/ حزيران فقد وقف الجيش أيضاً إلى جوار ثورة 25 يناير/ كانون الثاني وخلع "مُبارك" وتوقّف وعاد إلى "مرسي"، عاد إلى حُكم "الإخوان" لأنّ استخدام تعبيرات ومُصطلحات غير مدقّقة، وهمية في صورة عشوائية، لا يُسمح به. ثالثاً، الكلام عن حكومة الوفاق على أنها مُنتخَبة، أنا مُتعجِّب جداً من هذا الكلام خاصةً أنّ ضيفك الكريم قُدِّم بوصفه خبيراً في الشؤون المغاربية. سيّدي، بعد انتخابات 2014، الذي يدرس ويعرف أو يُتوقّع منه أن يعرِف، شُكِلت أكثر من حكومة آخرها حكومة "عبد الله الثني"، ثمّ "الإخوان" في (طرابلس) حينما نشأت قضيّة الصِدام بين حركة الكرامة في الشرق بقيادة "حفتر" وحركة "فجر ليبيا" بقيادة "الإخوان" وغير "الإخوان" من جماعات الإرهاب في الغرب، في هذا الوقت شكّل "الإخوان" حكومة لشخص إسمه "خليفة الغويل" من (مصراته)، ثمّ جاءت حكومة "الوفاق" كترتيب لبعثة الأُمم المتّحدة، ولا توجد أيّة جهة في (ليبيا) انتخبتها. الكلام عن ترتيب إجرائي مؤقت لا يصحّ

كمال خلف: أُستاذ "عبد الحليم"، هذه الحكومة هي الحكومة المُعتَرَف بها في الأُمم المتّحدة، يعني في نهاية المطاف كل هذه التفاصيل

عبد الحليم قنديل: فلتعترف هذه الأُمم المتّحدة بما تُحب. الشعب هو مصدر السلطات ما دمتم تتكلّمون عن الديمقراطية، الشعب الليبي لم ينتخب هذه الحكومة بل فُرِضت عليه هذه الحكومة كحكومة انتداب. ثالثاً، من حيث أوضاع الأمر الواقع، حتّى بعد الغزو التركي والاحتلال التركي وحمله رأس مزوّرة إسمها حكومة الوفاق والاستيلاء على المنطقة الغربيّة وتراجع الجيش الوطني الليبي بنصيحة ملوّثة من الروس إلى الحدود العسكريّة الحاليّة، الوضع الحالي من حيث الأمر الواقع أنّ هناك مجلس نوّاب اختار قائِداً للجيش هو "خليفة حفتر"، ثمّ مجلس النواب هذا 

كمال خلف: ضيفنا أُستاذ "عبد الحليم" قال نُقطة أيضاً مهمّة أرجو أيضاً أن تُعلِّق عليها قبل أن نعود إلى (أنقرة) 

عبد الحليم قنديل: لو سمحت لي، لو سمحت 

كمال خلف: قال ضيفي الأُستاذ "عبد النور" لماذا اعتبار (تركيا) تتدخّل، الحديث عن تدخُّل تُركي، الحديث عن احتلال تركي كما أسميته حضرتك، بينما هناك أطراف دوليّة أُخرى تتحدّث عن "فاغنر"، كلّ التقارير والدنيا تتحدّث عن "فاغنر" الآن في (ليبيا)، وهناك أيضاً (الإمارات) كما تعرِف وهناك (فرنسا) كذلك في (ليبيا)، وحتّى قوّات "خليفة حفتر" دُعِمت من الكثير من الدول. بمعنى أنّه لماذا القول إنّ (تركيا) تتدخّل بينما يتمّ غضّ النظر عن كلّ المُتدخلين الآخرين في (ليبيا)؟ 

عبد الحليم قنديل: سأُجيبك. الفكرة الأساسيّة التي كنت أودّ أن أستطرد فيها أو أُنهيها هي أنّه لا وجود لأيةّ شرعيّة لهذه الحكومة من أيّ نوع لأنّ المصدر الوحيد للشرعية، سواء الأمم المتّحدة تعترف أو لا تعترف، الأمم المتّحدة اعترفت اعترافاً إجرائياً في نطاق خطّة إسمها "اتفاق الصخيرات" التي لم تتم ولم يُصادق عليها مجلس النواب الليبي طبقاً لـ "اتفاق الصخيرات". الشرعيّة الوحيدة المُنتخَبة التي شكّلت حكومة قائِمة هي حكومة "عبد الله الثني"

كمال خلف: إسمح لي اُستاذ "عبد الحليم" 

عبد الحليم قنديل: هنا النقطة التي يُشير إليها ضيفك وهي وجود أطراف أُخرى، من المؤكّد أنّ القرار 1970 الخاص بحظر تصدير السلاح إلى (ليبيا) الذي اتُّخذ بعد حملة "الناتو" وتهديم (ليبيا) وتشويه عظيم لثورة الشعب الليبي التي بدأت من (بنغازي) في عام 2011، كلّ الأطراف، أطراف كثيرة تدخّلت في (ليبيا) لكن التدخّل من وراء ستار أو من وراء حجاب. بالنسبة إلى ما يُسمّون مرتزقة "فاغنر"، أنت تعلم أنّ (تركيا) وغيرها يُركّزون كثيراً على هذه المسألة لكي يُضخّموا لدى الأميركيين فكرة وجود نيّة روسيّة لإقامة قواعِد عسكريّة في (ليبيا) واستفزاز (أميركا) 

كمال خلف: وبالتالي جاءت (أميركا) للتدخّل إلى صفِّهم. أُستاذ "عبد الحليم، إسمح لي أن أذهب إلى فاصل قصير وبعد ذلك أسمع وجهة نظر أستاذ "عبد النور"

عبد الحليم قنديل: لا يوجد دليل ولا شُبهة دليل على وجود أيّ شيء إسمه "فاغنر"، يعني هذه حرب وليست نزهة 

كمال خلف: فاصل نُكمِل بعده مباشرةً في "لعبة الأُمم" 

المحور الثاني

كمال خلف: تحيّة من جديد مُشاهدينا في "لعبة الأُمم". أعود وأُرحِّب بضيفيّ من (القاهرة) و(أنقرة). قبل أن أسمع طبعاً وجهة نظر أُستاذ "عبد النور" هناك الكثير من القضايا التي طرحها الأُستاذ "عبد الحليم" من (القاهرة). على ذِكر (الولايات المتّحدة الأميركية)، لأنّ أُستاذ "عبد الحليم" ذكر موقف (الولايات المتّحدة) في نُقطة غاية في الأهميّة. مُشاهدينا، صحيفة "واشنطن بوست" عنوَنت: "لا تزال الولايات المتّحدة على هامش الصراع في (ليبيا) بينما توسِّع (روسيا) نطاقها". تقول الصحيفة: "ذكر مصدر من (البيت الأبيض) يضع في نفس الوقت مُشاركته في الأزمة الليبيّة في خانة الحياد النشِط. نُقلَ عن المصدر الدبلوماسي قوله في معرِض تعليقه على الوضع في (ليبيا): "أولاً وقبل كلّ شيء هذه مُشكلة أوروبيّة"، وقال دبلوماسي غربيّ: إنّ (الولايات المتّحدة) من حيث الجوهر خارِج اللعبة، ويعتمد الليبيّون في شكلٍ كامل على كياناتٍ أجنبيّة، ومن غير المُرجّح أن تُكثِّف إدارة "ترامب" نشاطها في (ليبيا) بالنظر إلى سعي "ترامب" إلى الحدّ من المُشاركة الأميركيّة في الصراعات الخارجيّة، وهذه الخطوة من قِبَل (الولايات المتّحدة) تتيح لـ (روسيا) منبراً لتوسيع نفوذها في البحر المتوسِّط. هذا رأي صحيفة "واشنطن بوست". أُستاذ "عبد النور" أريد أن أسمع رأيك في كلّ القضايا التي طرحها الأُستاذ "عبد الحليم" خاصّةً موضوع "فاغنر". (تركيا) وحلفاؤها وآلتها الإعلامية العربيّة التي تعرِفها تُركِّز على (روسيا) لاستفزاز (الولايات المتّحدة) وبالتالي جرّها إلى الموقف التركي، وهذا ربما حصل. آخر موقف أميركي يقول للأوروبيين: لماذا توقفون فقط السُفن التركيّة المُحمّلة بالسلاح بينما السفن الأُخرى تمرّ؟ هذا آخر موقف أميركي ما أبدى أنّ (أميركا) بدأت تقتنع، أو بسبب وجود (روسيا) المُستفِزّ بدأت (أميركا) تقتنع بوجود خطر روسي وبالتالي بدأت تتدخّل شيئاً فشيئاً

عبد النور تومي: أريد فقط أن أرجع إلى نُقطة مهمّة وهي أنّ ضيفكم الكريم من (مصر) عندما يتحدّث عن تاريخ وكأننا في درس للقسم الثانوي في مادة التاريخ. نحن الآن في مناقشة موضوع الساعة وهو موضوع جيو سياسي يهُمّ المنطقة ويهمّ (مصر)، يعني (مصر) بلد عظيم وبلد ذو قوّة وبلد محوري في المنطقة. دعني أستاذ أُبدي نُقطة فورية وهي أنّه يعلم جيداً ما دام يتحدّث عن التاريخ، يا أُستاذ (تركيا) 1920 ليست (تركيا) 2020. في ما يخصّ نقطة الدور الأميركي أو السياسة الأميركيّة في (ليبيا)، (أميركا) لم تُغادر (ليبيا) رغم أنّه كان هناك نوع من التراجع. سواء كان هذا الحياد إيجابياً أو سلبياً لا تزال فكرة وفاة سفيرها في عام 2012 موجودة ولم تنساها أبداً علماً أنّ (أميركا) تُراقب عن بُعد كلّ ما يجري في المنطقة سواء من الاتحاد الأوروبي والدول الثلاث المعنيّة أو المتدخّلة 

كمال خلف: تعني ليست في حاجة إلى معلومات من (تركيا) أو من غير (تركيا) لمعرِفة ما يجري في (ليبيا)

عبد النور تومي: بالطبع. ثانياً أنّ "ترامب" الآن مشغول بجائِحة "كورونا" على الصعيد الصحّي أو على صعيد الرعاية الصحيّة للأميركيين كما أنّه الآن في حملة انتخابيّة في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني وهو يعلم جيداً أنّ حظوظه بدأت تتراجع على عكس ما كان في السابق، في الشهر الثاني مثلاً أو فبراير/ شباط الماضي. الأميركيون عندما يتحدَّثون في السياسة يقولون لك مُفاجأة أكتوبر/ تشرين الأول أن تأتي انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني في (أميركا) في الشهر الرابع من السنة القادمة أي في شهر أبريل/ نيسان. إذاً الدور الأميركي، الأميركيون يُتابعون عن قُرب الملفّ الليبي حتّى لا أقول إنّهم يُديرونه مع (تركيا)، لكن كلّ شيء كما نقول متوقّف إلى ما بعد الانتخابات، يعني لا نتحدَّث عن (أميركا) قبل شهر يناير/ كانون الثاني 2023.أنا أُلِحّ على الموقف التركي في (ليبيا)، الأُستاذ تحدَّث عن أنّ الأتراك جاؤوا كغزاة أو كمُستعمِر جديد، هذه كلّها تبقى كلمات للمقاهي أو 

كمال خلف: الحقيقة ما هي؟ 

عبد النور تومي: في الحقيقة (تركيا) شعرت أن المكان تركته دول إقليمية ومنها الدول المُجاوِرة، وأُلِحّ على (مصر) و(الجزائِر). (الجزائِر) عندما سقط نظام "القذّافي" في عام 2011 كان تركيز (الجزائر) حينها وحتّى عام 2013 على أمنها القومي وتأمين الحدود 

كمال خلف: تماماً. لكن الحقيقة هنا أُستاذ "عبد النور"، عندما سألت عن العداء أو ترسّبات لن نقول العداء، سنقول الخصومة حالياً أو العلاقات المُتوتّرة حالياً بين (القاهرة) و(أنقرة). عندما سألت عن مسؤولية (أنقرة) عن ذلك كان السؤال موجّهاً لحضرتك حينها

عبد النور تومي: أوكي

كمال خلف: هنا تبدو (تركيا) المسؤولة عن سوء العلاقة مع (القاهرة) لأنّ ببساطة كما يقول المصريون وكثير من العرب، إنّ (أنقرة) انحازت إلى تنظيم "الإخوان المُسلمين" في مُقاربة قضايا المنطقة، بمعنى أنّ الآن الرئيس "إردوغان" ينظُر إلى المنطقة بعيون جماعة "الإخوان المُسلمين" وليس بعيون مصالِح (تركيا)

عبد النور تومي: دعنا نتحدَّث بصراحة أُستاذ "كمال"

كمال خلف: تفضّل

عبد النور تومي: لكم الفضل. حتّى الرئيس "إردوغان" في حدّ ذاته ليس إخوانياً، لا ينتمي إلى تنظيم "الإخوان المُسلمين". صحيح أنّ هناك مبادئ تُعرَف باسم الإسلام السياسي وإذا كان مثلاً لـ (تركيا) مصالِح في المنطقة فهذا ليس ذنب (تركيا)

كمال خلف: تمام

عبد النور تومي: إنما لماذا دول أُخرى، دول الجوار مثلاً، لم تنفتح أو لم تقوم بإصلاحات جدّية أقصد اقتصادية وسياسية. ما حدث في (تركيا) لا نقول إنّه كان في سنة 2002 عند مجيء "حزب العدالة والتنمية" للحُكم بل كان قبل ذلك، فكلّ الأنظمة العربية للأسف، يعني ممكن أن نقول باستثناء (لبنان)، كلّها كانت أنظمة شموليّة وشاهدنا ما حدث وما زال يحدث. حتّى الآن التجربة التونسيّة صارت في عُنق الزجاجة، يعني التونسيون صاروا لا يستطيعون أن يتنفّسوا لسبب وحيد أو بسيط، هم يريدون أن يعيشوا في استقرار وفي مسار ديمقراطي، والتجربة التونسيّة الآن صارت تجربة ناجحة في المنطقة. فالآن عندما نقول إنّ الرئيس "إردوغان" له مصالِح وأطماع عُثمانية واستعماريّة وشيء من هذا القبيل، فهذا يعني بات شيئاً والله يؤسِف 

كمال خلف: ما هو التوصيف الذي يُمكن أن تستخدمه للتدخّلات التركية في (ليبيا)، في (العراق)، في (سوريا)، ما هو التوصيف؟ 

عبد النور تومي: التوصيف هو أنّ (تركيا) باتت دولة محوريّة ودولة إقليمية ودولة لها نفوذها، يعني دولة، مرة أُخرى أُكرِّر إنّ (تركيا) 1920 ليست (تركيا) 2020 

كمال خلف: إسمح لي أن أنطلق من هذه النُقطة وأعود إلى (القاهرة) لكن قبل ذلك أستاذ "عبد الحليم قنديل"، "العلاقات المصرية التركية: القضايا والإشكاليّات" هذا ما عنوَن به المعهد المصري للدراسات، ماذا يقول المعهد المصري للدراسات حول هذا الأمر؟ " تشهد منطقة الشرق الأوسط صراعاً مُركّباً بين ثلاثة محاور إقليميّة مركزيّة، المحور الإيراني، المحور التركي القطري، والمحور السعودي الإماراتي المصري. وفيما تُعطي (السعودية) الأولويّة للمواجهة مع (إيران) فإنّ (الإمارات) و(مصر) تركّزان على المواجهة مع (تركيا) في ظلّ توافق أولوياتهما حول المواجهات مع حركات الإسلام السياسي وداعميهم في الإقليم مع دعمٍ سعوديّ لـ (الإمارات) و(مصر) في هذه المواجهة. تُعدّ هذه التوازنات والتحالفات المُعوِّق الرئيسي أمام عودة العلاقات بين (مصر) و(تركيا)، فقد تعمّقت سياسة المحاور الإقليمية أُفقياً ورأسياً على وقعِ عدّة أزمات كالأزمة الخليجية ومقتل الصحافي "جمال خاشقجي" والأزمة السورية وصراع شرق المتوسّط". القصّة أُستاذ "عبد الحليم" هي صراع نفوذ، كلّ طرف، كلّ حلف يُعطي نفسه الحقّ حالياً في ظلّ هذه الفوضى في المنطقة بأن يُعزِّز نقاط نفوذه. ليست (تركيا) هي مَن تتدخل في هذه الدول فقط، المسألة مسألة صراع محاور قائِم الآن في المنطقة. (تركيا) مع تحالفها مع (قطر) وجماعات الإسلام السياسية، جزء في مواجهة عدّة محاور أُخرى. هذه هي البيئة السياسية في المنطقة، كيف تُعلّق؟ 

عبد الحليم قنديل: دعني أتساءل أولاً عن هذا المعهد المصري للدراسات الذي تُشير إليه

كمال خلف: تفضّل

عبد الحليم قنديل: إن كان ظنّي في محلّه فهو هذا الشيء الشائِك الذي أنشأه "الإخوان" أو جماعات "الإخوان" في (تركيا). لا يوجد شيء أعرِفه إسمه "المعهد المصري للدراسات"، هذا المعهد المصري للدراسات تحدّث مرّة على سبيل المثال عن أنّ عدد الذين شاركوا في انتخابات الرئيس "السيسي" الأخيرة هو خمسمئة فرد. يعني "هذا هزل في مقام الجِدّ، وأنت تعرِف أنّ "الإخوان" قليلاً ما يعلمون. هم فقط تحوّلوا إلى تتريك بمعنى العمل في خدمة الجيش التركي أو المُخابرات التُركيّة وانتهت قصّتهم على هذا الأساس في إطار تيّار عارِم يقتحم المنطقة مفاده ببساطة ضعف وتراجع وانحسار الطلب الاجتماعي على تيار يميني ديني وفي قلبه "الإخوان". لماذا؟ لأنّ هؤلاء أوحوا بأنهم يُمكن أن يكونوا بديلاً عن نُظم الاستبداد والفساد والتوريث ثمّ أثبتت التجربة وهي خير برهان أنّهم القرين وليسوا البديل بل القرين الأفسد من الأصل. هذا جوهر التحوُّل في المنطقة وكانت ثورة 30 يونيو/ حزيران في (مصر) هي الفاتحة، والقاعِدة في المنطقة العربيّة هي أنّ ما يجري أولاً في (مصر) يعود فيطبع بطابعه المنطقة كلّها العربيّة أقصد في نظرية الأواني المُستطرَقة "الإخوان" تحوّلوا إلى أتراك فليذهبوا إلى حيث ألقوا مع إردوغانهم. ثانياً، حديث ضيفك الكريم عن الثانوي أو حديث المقاهي، أنا أقول لك لو صحّ تطبيق هذه القاعدة التي يفتعلها فإنّ أكبر متحدّث عن المقاهي هو الرئيس "إردوغان". الرئيس "إردوغان" بلسانه وفي صفة وجاهة منذ عام 2011 كرّر أُكذوبة أنّ اتفاقية (لوزان) الثانية تنتهي عام 2023 وأنّ هناك فرقاً بين (تركيا) بحدودها الحالية و(تركيا) بحدودها العاطفية التاريخية التي تشمل من (الموصل) إلى (حلب) إلى (مصراته) إلى (طرابلس)، فالنزعة العثمانيّة في السياسة التركيّة الحديثة

كمال خلف: لكنّه يُطبِّق أُستاذ "عبد الحليم"، هو لا يتحدَّث فقط، هو يُنفِّذ 

عبد الحليم قنديل: هو يُنفِّذ طبعاً 

كمال خلف: موجود الآن في (العراق)، موجود في (سوريا)، موجود في (ليبيا) 

عبد الحليم قنديل: ينفِّذ وموجود في كلّ الأماكن لسبب بسيط، أنّ المنطقة العربيّة تحوّلت إلى فراغ استراتيجي في غياب قيادة مصرية منذ عُقِدت مُعاهدة "كامب ديفيد" عام 1979 ما سمح لـ (إيران) ويسمح لـ (تركيا) ويسمح لغيرها بإحياء أشباح الأزمنة السوداء وفرض ظلالها على المنطقة العربيّة خاصّةً في منطقة المشرق العربي. يختلف الأمر في (ليبيا) لأنّ (ليبيا) مجاورة بالذات لـ (مصر) التي تسعى الآن حثيثاً لاستعادة دور في المنطقة. (مصر) دولة دور، دولة دور في نطاق عربي. الوطنيّة المصريّة هي الوطنيّة الوحيدة في العالم العربي التي حين تنكفئ إلى الداخل تنفتح على القومية العربية. حتى لو افترضنا لو لم توجد القوميّة العربيّة لخلقتها الوطنيّة المصريّة خلقاً. هذه خلاصة قانون (مصر) منذ "محمّد علي" إلى "جمال عبد الناصر" إلى الآن حيث يتجدّد. بوضوح شديد، "الإخوان" هم أداة "إردوغان" الذي في فترتين أوّلها صنع فيها نجاحاً اقتصادياً هو امتداد لنجاح "تورغت غوزال". "تورغت غوزال" كان عثمانياً أيضاً لكن اتجه بعثمانيّته إلى جمهوريات آسيا الوسطى عقب سقوط (موسكو) الشيوعية. "إردوغان" منذ عام 2012 إلى الآن تخّيل أنّه يُمكن إعادة بعث ما يُسمّيه الإرث العُثماني أو إرث أجداده أو أبنائه وتحدَّث عن أتراك هنا أو هناك

كمال خلف: هنا سأعود إلى (ليبيا) لأننا رحنا إلى التاريخ أُستاذ "عبد الحليم" 

عبد الحليم قنديل: مثلاً لو تحدّثت (بريطانيا) في طريقة "إردوغان" لطالبت بالعالم كلّه الآن. هذا عبث، وهذا العبث يتمّ في لحظة من تاريخ العالم أعتبرها لحظة فوات، ماذا يعني فوات؟ يعني لا يُمكن لمَن يحمل السيف الآن أن يصنع أوضاعاً على الأرض في ظل كلّ هذا التناقض القائِم 

كمال خلف: تماماً 

عبد الحليم قنديل: بين مقولة هجينة إسمها المُجتمع الدولي ومقولة متداعية إسمها النظام الدولي الموروث عن الحرب العالميّة الثانية 

كمال خلف: أُستاذ "عبد النور"

عبد الحليم قنديل: بالنسبة إلى (ليبيا) لو سمحت لي في النهاية 

كمال خلف: تفضّل 

عبد الحليم قنديل: (ليبيا) في بساطة شديدة توصيفها أنّها تتعرّض لاحتلال تُركي مُستعاد، وفي بساطة السياسة المصرية سلماً أو حرباً، وتستطيع كلاهما (مصر)، (مصر) لا تذهب إلى حرب، (مصر) وجيشها الذي هو تاسع أقوى جيش في العالم له عقيدة دفاعيّة محضة. جزء جوهري من عقيدته الدفاعيّة هو تأميم (مصر) من كافة الاتجاهات إضافة إلى المعنى القومي العربي الذي تتضمّنه النزعة المصرية الجديدة، فهنا الأمر في (تونس)

كمال خلف: إسمح لي أُستاذ "عبد الحليم" أن أُناقش في الختام إشكاليات 

عبد الحليم قنديل: حتّى في "تونس" نحن نشهد الآن تهاوي "الإخوان" وفي (السودان) وفي (العراق) وفي كلّ مكان 

كمال خلف: المعوقات التي تُعيق تحرُّك الدولتين. إسمح لي أن أبدأ من عند أُستاذ "عبد النور" في مسألة البُعد الجغرافي. يُحكى كثيراً عن موضوع خطوط الإمداد عبر المتوسِّط أو البُعد الجغرافي بين (تركيا) وبين (ليبيا) وهذا لا يُعطي أفضليّة لـ (تركيا) في أيّة معركة مُقبلة أو حتّى فرض إرادة سياسيّة في (ليبيا). هل تعتقد أنّ هذه المقولة صحيحة. كيف سيُعالِجها الأتراك إذا كانوا مُصمّمين على لعب دور في (ليبيا)؟

عبد النور تومي: أكيد، الاتفاقيات الأمنية والبحرية التي وقّعتها مع حكومة "الوفاق"، الحكومة الشرعية الليبية، في خريف 2019 تمنح كل الصلاحيات وكل المُعطيات، وأكيد أنّ الأتراك لهم استراتيجية بعيدة المدى في هذا السياق. يبقى عندنا أن الدور التركي ليس استعمارياً وإنّما هو دور، وكان قد قال ضيفك الكريم من (مصر) 

كمال خلف: ملء فراغ

عبد النور تومي: إفراغ الدول الإقليمية في المنطقة هو الذي أعطى الفرصة لـ (تركيا) كي تملأ هذا الفراغ، يعني Vacuum Power. فالآن كنتم قد قلتم إنّ (تركيا) موجودة في (سوريا)، في (العراق). وجودها في (سوريا) وفي (العراق) أكيد كي تحمي أمنها القومي. لها حدود مع هذين البلدين اللذين يعانيان من أزمات فيها حروب آليّة وعليها أن تؤمِّن حدودها وتؤمّن أمنها القومي واستقرارها الداخلي السياسي. يبقى الكلام هو أنّ (تركيا) الآن، مثلاً التقارُب الجزائِري التركي الذي حدث في فبراير/ شباط 2020 وهو أمر إيجابي للأزمة الليبية

كمال خلف: باختصار قبل أن أنتقل إلى (القاهرة) باختصار. (تركيا) الآن في تقديرك أُستاذ "عبد النور" كيف ستفرِض إرادتها في (ليبيا) مع وجود (مصر) على الحدود مع قوّة عسكريّة مصريّة جادّة جداً، مع البُعد الجغرافي؟ بمعنى أنه يُقال إنّها معركة خاسرة بالنسبة لـ (تركيا)، أنت مع هذا أم لا؟ هل هناك علاج؟ هذا الكلام يُمكن أن يُناقَش؟ 

عبد النور تومي: أنا لستُ مع هذا الكلام لأنني كما قلت من قبل أو في بداية البرنامج إنّ (تركيا) لا تدخُل في مواجهة مع (مصر) وهذا أقوله مرة أُخرى، لولا إصرار أطراف

كمال خلف: دفع الأمور، أطراف مثل مَن؟

عبد النور تومي: تدفع الأمور وتأخذ (مصر) إلى ما لا يُحمد عُقباه، ناهيك عن أنّ (مصر) الآن تعيش في أزمة اقتصاديّة خانقة 

كمال خلف: هنا إسمح لي أن أنتقل اُستاذ "عبد النور" إلى أُستاذ "عبد الحليم" لأختِم معه

عبد النور تومي: بالإضافة إلى أزمة سدّ النهضة، وسدّ النهضة هذا بات سدّ الانتكاس 

كمال خلف: تعني هناك مشكلة سدّ النهضة مع (أثيوبيا) وهناك الأزمة الاقتصادية وهناك الإرهاب في (سيناء)، هناك مشاكل لدى (القاهرة) كبيرة جداً، كيف يُمكنها أن تواجه على جبهتين أو على جبهات متعدّدة في (ليبيا)؟ هناك نُقطة أُخرى أُستاذ "عبد الحليم"، أيضاً (سرت) و(إدلب). هل ما يجري يُمكن أن يُقرِّب (القاهرة) من (دمشق)؟ هلّ ستكون مُقاربات جديدة لدى هذه العواصم في ما يتعلّق بما جرى في (سوريا)؟ أرجو أن تُجيبني باختصار، معي ربما أقل من ثلاث دقائِق. تفضّل

عبد الحليم قنديل: في الدقيقة الأولى (مصر) تواجه مخاطر ومُشكلات من كلّ اتجاه، هذا صحيح، لكنّ القاعدة الأساسية هي أن تعيش في خطر أفضل من أن تموت. (مصر) لديها مُشكلات وأنا شخصياً أُعارِض بعض الاختيارات الداخلية وهذا أمر، لكن حين يتعلّق الأمر بالوجود المصري والأمن المصري والأمن القومي العربي فلا توجد في (مصر) لا حكومة ولا مُعارضة، (مصر) كلّها قبضة واحدة لا تنفكّ أصابعها إلى يوم يُبعثون. ثانياً، سدّ النهضة له علاقة أيضاً بالغزو التركي والاحتلال التركي لسبب بسيط. لاحظ أنّ قبل أُسبوع تقريباً، يعني يوم الخميس الماضي بالذات، ذهب مبعوث خاص من "أبي أحمد" رئيس الوزراء الأثيوبي، هذا المبعوث الخاص كان رئيساً سابقاً لـ (أثيوبيا) وسفيراً سابقاً لـ (أثيوبيا) في (تركيا)، وناقش مع "داوود جاويش أوغلو" وزير الداخليّة قضايا بينها كما أُعلِن "سدّ النهضة"، ومعروف أنّ بين (أديس أبابا) و(أنقرة) اتفاقيّة أمنيّة إسمها دفاع مُشترك بين (تركيا) وبين (أديس أبابا) منذ عام 2013. القضية مترابطة والخطر مترابط 

كمال خلف: بالنسبة لـ (إدلب) و(سرت)؟ 

عبد الحليم قنديل: وهناك عضو ثالث مع (أثيوبيا) و(تركيا) هو (إسرائيل)، نفس العلاقات في العُمق مع (تركيا). و(تركيا) كما هو معروف كانت أوّل دولة في العالم الإسلامي تعترف بـ (إسرائيل) منذ نكبة 1948. أخيراً بالنسبة إلى الحرب، (مصر) لا تقول شكل للبيع، أكيد كما نقول عندنا في (مصر)، لكن (مصر) لا تريد الحرب مع أحد لكنّها تستعدّ ومُستعدّة تمام الاستعداد للحرب 

كمال خلف: سنختم بهذا الكلام أُستاذ "عبد الحليم" 

عبد الحليم قنديل: ونحن ليست لدينا أيّة مُشكلة مع الشعب التركي، مُشكلة الشعب التركي مع "إردوغان" هو كفيلٌ بها 

كمال خلف: أشكرك جزيل الشكر أُستاذ "عبد الحليم قنديل" الكاتب السياسي كنت معنا مباشرةً من (القاهرة). اُستاذ "عبد النور تومي" الباحث في دراسات الشؤون المغاربيّة في مركز دراسات الشرق الأوسط من (أنقرة) أشكرك جزيل الشُكر، و"لعبة الأُمم" انتهت. إلى اللقاء