لبنان والحياد

الحياد كمصطلح وفعل، هل من مكان له في السياسة الدولية؟ ولبنان، هل كان محايداً طيلة مئة عام، وما هو دوره وموقعه في المشرق والعالم العربي؟؟ وهل يجتمع الحياد مع الطائفية والاحتلال والفقر والأزمات؟

المحور الأول: 

غسان الشامي: أحيّيكم، لا تُطلَق المواقف جِزافاً ولا تأتي المُصطلحات في ليلةٍ مُقْمِرة. صحيحٌ أننا نعيش فوضى المُصطلحات وبؤس المعرفة وتدنّي المُمارسة السياسية وانهيار الاجتماع والاقتصاد، لكن ذلك لا يعني أن نبحث عن مُصطلحاتٍ جُرّبت وبان عدم حقيقتها وجدواها في مجتمعنا المأزوم حتى نُخاعه لكي نُعيد تظهيرها وتقميشها ودفعها للاستهلاك بعد نفاذ صلاحيّتها. هكذا هبط مُصطلح الحياد على لبنان المشقوف والمأزوم والموجوع والمُحاصًر الذي طحن مئة عامٍ من عُمره في طواحين الهراء فشاخ حتى الانعدام، وباتت الدولة شحّاذةً ومُتسكّعةً ومُترنّحةً بين أمراء الطوائف والصيارفة، مُصطلحٌ طُرح قبل ستّين عاماً وفشل، حياد بلدٍ ضعيفٍ وهشٍّ في منطقة يحتلّها الإسرائيلي والتركي ويرسم قدرها الكبار، حيادٌ خارج سياق التاريخ ولعنة الحروب والاحتراب الداخلي، حيادٌ في بلدٍ يعلّم طلابه تاريخ أوروبا وأميركا ولا يعلّم تاريخه كما يقول الدكتور جورج قرم الذي سنحاوره في موقع لبنان والمشرق ومسألة الحياد بعد تقريرٍ عن مُصطلح الحياد.

تقرير:

لم يكن الحياد معروفاً في العصور القديمة أو الوسطى لكنّه يُعرّف في العصر الحديث بأنه الوضع القانوني الناجم عن امتناع دولةٍ ما عن المُشاركة في حربٍ مع دولٍ أخرى والحفاظ على موقف الحياد تجاه المُتحاربين، ويرتبط ذلك باعتراف المُتحاربين بهذا الامتناع.

رأى المُنظّرون أنواعاً للحياد منها المؤقّت والتطوّعي والحربي الذي يقوم على عدم المشاركة في حروبٍ قائمة، والدائم الذي يحتاج إلى قبول الدول الأخرى، ما يقتضي إبرام مُعاهدات دولية ويُرتّب التزاماتٍ وحقوقاً، وتشمل الالتزامات كلّ حربٍ أو نزاع مُسلّح يقع بعد إعلان هذه الحال.

تمثّل سويسرا مثالاً للدول المُحايدة حياداً دائماً بعد معاهدات أبرمتها مقاطعاتها مع دولٍ أثناء الحروب الثلاثينية بين الدول الكاثوليكية والبروتستانتية، وانتهت بمعاهدة وستفاليا عام 1648، وأعادت معاهدة فرساي عام 1919 تأكيد حيادها الدائم رغم انضمامها مؤخّراً إلى الأمم المتحدة، فيما وُضِعت بلجيكا على الحياد وفقاً لبروتوكول لندن عام 1831 والذي أنهته معاهدة فرساي.

أما الحياد الإيجابي أو عدم الانحياز فقد جاء في خضمّ الحرب البارِدة بين المُعسكرين الشرقي والغربي، وهو مُجرّد نظرية سياسية ضعفت بعد انهيار جدار برلين، وهناك الحياد الموضوعي الذي تختاره إحدى المُنظّمات الدولية غير الحكومية مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

منذ أواخر القرن الثامن عشر ظهرت نظريات الحياد لكنّها سُرعان ما كانت تتهافت على الأرض في الحروب والصِراعات.

غسان الشامي: تحيّةً لكم، أهلاً بك دكتور قرم ضيفاً عزيزاً سيّدي.

جورج قرم: مساء الخير.

غسان الشامي: سأنطلق من شيءٍ ذكرته في المُقدِّمة حول ما قلته أنت في معرض حديثك في إحدى المدارس على ما أعتقد عن أن لبنان يُعلّم طلابه تاريخ العالم ولكن لا يُعلّم تاريخ لبنان، لماذا لا يُعلّم لبنان تاريخ لبنان؟ 

جورج قرم: لا يُعلّم تاريخ لبنان وتاريخ عَظَمَة الثقافة السريانية التي كانت الثقافة المُنتشرة في المنطقة بشكلٍ كبير، والتي كانت قريبة أيضاً من الثقافة العربية أو أثّرت إيجاباً على الثقافة العربية، كان هناك تفاعُل كبير بين الثقافتين إنما يبدو أنه بالنسبة إلى المسؤولين التربويين كأنّ في أذهانهم أن الهجرة المسيحية نحو الخارج حتميّة. 

غسان الشامي: الهجرة أمْ التغريب؟

جورج قرم: والتغريب، بعدها التغنّي بقوّة الانتشار اللبناني إنما لا يتمّ التفكير بإعطاء جيل المدارس، الجيل الشاب جذوره الحقيقية السريانية والعربية بكل عَظَمتها، برامج المدارس تُحضّر للهجرة، تُعطي معلومات دقيقة ومُفصّلة عن الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا وبلاد المهجر. رجائي أن نتمكَّن في يومٍ من الأيام من قَلْب هذه الآلية المُدمِّرة. 

غسان الشامي: هل الهجرة حياد؟ هل تعليم التاريخ الغربي حياد؟

جورج قرم: كلا ليس حياداً.

غسان الشامي: ما معنى الحياد في بلادنا؟ كيف يمكن أن يُقرأ مفهوم الحياد؟

جورج قرم: منذ زمنٍ حصلت محاولات عديدة لتحييد لبنان عن محيطه، وبطبيعة الحال هناك أيضاً لسوء الحظ نُكران لدى البعض بعداوة دولة إسرائيل للبنان وللمسيحيين بشكلٍ خاص، وكأن هناك جهلٌ في الأدبيات الصهيونية الغزيرة بأنه من الضروري تحطيم لبنان. أنا أستغرب دائماً عدم الاطّلاع الكافي لدى العديد من المسؤولين في بعض الأحيان ومسؤولي التربية بالعداء الكياني بين الكيان الإسرائيلي الصهيوني وكياننا. نحن كيانان مُتضادّان، هناك بطبيعة الحال كما هو معروف مجتمع مبني على نُكران الحقوق الفلسطينية في الأرض وعلى نُكران التعدّدية الحضارية والإنسانية التي يُمثّلها لبنان، وأنا كنت أقول دائماً إننا عدو كياني للكيان الصهيوني. 

غسان الشامي: عدو وجودي.  

جورج قرم: تماماً.  

غسان الشامي: بمعنى أن هذه الحرب مع الإسرائيلي هي حرب وجود، إذا هو موجود نحن لسنا موجودين، هل عبر المئة عام الماضية فَقِه السياسي اللبناني هذه العلاقة المُرعبة بين وجود لبنان ووجود إسرائيل دكتور قرم؟ 

جورج قرم: بالأصل كانت هناك فئات شبه هامشية عند الموارنة كانت تنظر إلى الكيان الصهيوني كنموذجٍ يُحتذى به في لبنان، ولكنها أقلّيّة في نهاية الأمر لغاية اليوم.    

غسان الشامي: ولكنها موجودة. 

جورج قرم: نعم، العلاقات معروفة من دون تسمية، هنا يبدو لي أن هناك تجاهلاً أو جهلاً بالنسبة لما كتبته إسرائيل عن نيّتها بتدمير لبنان، بتفتيته، باستعباده، وهذا ما ظهر في الاجتياح عام 1982 وبفرض اتفاقية أيار 1983 على لبنان، وأيضاً يجب أن نذكر مذابح صبرا وشاتيلا الفظيعة والتي لسوء الحظ بعض المسيحيين الأقلّية ساهموا فيها، كما ساهموا في مُقاتلة الفلسطينيين أيضاً في صبرا وشاتيلا على سبيل المثال. نستطيع أن نقول إن الموارنة إجمالاً ليسوا كتلة واحدة مُتراصّة كما يظنّ الكثيرون، تجد كل الأهواء عند الموارنة وعند السنّة وعند الشيعة، الطوائف اللبنانية ليست أجساماً جامِدة وموحَّدة على الإطلاق، الحمد لله هناك تنوّع داخل كل طائفة.  

غسان الشامي: دكتور قرم أنت قرأتَ المنطقة المشرقية في أكثر من كتاب وبناءً على المُعطى الدولي هل من حيادٍ حقيقي في السياسة الدولية بعد الحرب العالمية الأولى؟  

جورج قرم: كلا وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية عندما أصبح هناك الاتحاد السوفياتي من جهةٍ والكتلة الغربية من جهةٍ أخرى. 

غسان الشامي: أنا قصدت الحرب العالمية الأولى لأنه بعدها تشكّل هذا المشرق بكياناته.  

جورج قرم: بعد الحرب العالمية الأولى استفردت كل من بريطانيا وفرنسا بلبنان ومن دون توافق في ما بينهما، ما أدّى طبعاً إلى قلاقل في لبنان نفسه. على كل حال تاريخ المطامِع البريطانية والفرنسية معروف، أنا دائماً أذكر رسالة من القنصل البريطاني في بيروت في العام 1840 إلى الخارجية البريطانية يقول لهم ما يلي: "انتبهوا، الدولة الفرنسية عبر ارتكازها على الطائفة المارونية التي اكتسبت عليها نفوذاً كبيراً أخذت حجماً إقليمياً خطيراً بالنسبة إلى مصالحنا، فالرجاء أن ترسلوا يهود إنكلترا إلى فلسطين لكي يكون لدينا أيضاً نقطة الارتكاز في الشرق".  

غسان الشامي: 1840 بمعنى قُبيل مجيء إبراهيم باشا المصري.

جورج قرم: صحيح، هذا بطبيعة الحال له دلالات عديدة، في العقيدة الصهيونية لم تكن هناك نيّة للعودة إلى الأراضي المُقدَّسة لأنه بحسب هذه العقيدة تأتي من مشيئة الله وليس من عمل الإنسان. 

غسان الشامي: المشرق كما ذكرنا دكتور قرم مُقسّم منذ العام 1916، انهيار الدولة، انهيار الرجل المريض العثماني، مُنتدَب ومُحتلّ منذ العام 1920 عند مجيء الجنرال غورو، لبنان منذ 1920 إلى 1923 تحت الانتداب الفرنسي، ما معنى أن يكون هناك حياد وأنت في ظلّ الانتداب في عِلم السياسة على الأقل؟  

جورج قرم: في الانتداب مُستحيل، الدولة التي تقع تحت الانتداب مُجْبَرة أن تتبع السياسة الخارجية للدولة المُنْتدِبة.   

غسان الشامي: فلسطين والعراق وسوريا الآن تحت الاحتلال، العراق تحت الاحتلال الأميركي، في سوريا هناك احتلال تركي واحتلال أميركي لأجزاء منها، فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي، لبنان الحالي نقطة تجاذُب بين السياسات الكُبرى ومُهدّد دائماً بالإسرائيلي، إذا أردنا أن نقول إن لبنان يجب أن يكون مُحايداً في ظلّ هذا الحضور لكل هذه القوى الاستمعارية مع التأكيد على كلمة استعمارية، في هذا المشرق كيف يمكن تخريج الحياد اللبناني؟ 

جورج قرم: الدولة التي تكون تحت الانتداب أو تحت نفوذ دولة كُبرى لا يمكنها أن تكون حيادية، هذا مُستحيل تماماً، هي تكون مُضطرَّة لأن تتبع سياسة الدولة الأكثر نفوذاً عندها، ودائماً أنا أشرح بأن الكيان اللبناني بدأ ينشأ في 1840 كنتيجةٍ لصراعٍ بين بريطانيا الاستعمارية وفرنسا الاستعمارية، وأولى المذابح التي حصلت كانت في العام 1840 وكانت انعكاساً للصِدام بين المصالح الاستعمارية الفرنسية والبريطانية، والبُرهان على ذلك أنه عندما اتّفقت الخمس دول الأوروبية الاستعمارية الكُبرى: روسيا، النمسا، إيطاليا، فرنسا وإنكلترا اتّفقت على استعمارٍ جماعي وأصبح لدينا نظام المُتصرّفية الذي ارتحنا خلاله لأن كل القوى الاستعمارية كانت مُمثّلة بهذا النظام وتعاونت في ما بينها ومع السلطنة العثمانية لكي تكون المُتصرّفية نظاماً ناجحاً، وصار ناجحاً بالفعل إنما بدأت الطائفية تتكرَّس. بعض المُثقّفين اللبنانيين الذين أحترمهم وأحترم آراءهم يرون في نظام المُتصرّفية بذور الديمقراطية اللبنانية.  

غسان الشامي: كيف؟ 

جورج قرم: لأنه كان هناك مُمثّلون عن الطوائف.  

غسان الشامي: ديمقراطية طوائفية، هل يمكن أن تكون طوائفية وديمقراطية؟

جورج قرم: بنظري لا يمكن بطبيعة الحال، هناك نظرية لتشارلز تايلور المعروف عالمياً وهو كندي الأصل ويعيش في كندا ونظّر للقوميات المختلفة في كندا، وكان يرى أيضاً أن النساء جزء من القومية، كان خليطاً غريباً عجيباً، والعنصر الأسود، العنصر الأبيض، من السكان الأصليين أو من غير السكان الأصليين.   

غسان الشامي: تايلور أخذ كندا وكندا بلد جديد بقوميات أو أعراق وديانات جديدة ولكن هنا بلد عُمره عشرة آلاف عام.

جورج قرم: وأكثر. 

غسان الشامي: سيّدي الحقيقة هناك تعابير دائرية: الحياد الإيجابي، الحياد البنّاء، عدم الانحياز، الآن غبطة البطريرك الراعي يتحدّث عن الحياد الناشط، كل هذه التعابير أين يمكن أن نقرَّشها، أن نصرِّفها؟ في أيّة بضاعةٍ معرفية سياسية؟ 

جورج قرم: للأمانة هناك مجموعة من اللبنانيين كنتُ منهم خلال الحرب عام 1982 إذا لم تخنّي ذاكرتي جرَّبنا أن نقدِّم لمجلس الأمن مشروع قرار يُحيّد لبنان عسكرياً لأنه في ذلك الحين 1982 - 1983.    

غسان الشامي: أوّل عاصمة في المنطقة تُحتَلّ.

جورج قرم: كانت مُحتلّة بجيوشٍ مختلفة وكانت هناك حال من الفوضى الفتّاكة، وبالطبع لم تتمّ الموافقة على الأمر في الأمم المتحدة بأي شكل من الأشكال. لبنان في نظري ما يُسمَّى "دولة حاجز"، وحتى أنه خلال السنوات 1840 و 1860 خُلِقَت في لبنان مناطق خاصة بالنفوذ البريطاني وأخرى خاصة بالنفوذ الفرنسي. إذا أردنا أن نبذل جهداً علينا أن نخرج من وضع دولة الحاجز، ونحن حالياً دولة حاجز. 

غسان الشامي: هل بقي للبنان حاجة الآن في السياسة الدولية دكتور قرم؟

جورج قرم: أنا لا أتصوّر أن لبنان كانت لديه أهمية، نحن لدينا نوعٌ من النرجسيّة، نحن تفصيل في السياسات العالمية ولدينا نرجسيّة غريبة من نوعها، أنا في بعض الأحيان حين أسمع اللبنانيين يتحدَّثون عن لبنان أقول ما هذه النرجسيّة. دعنا نأخذ سنغافورة وهي أصغر منّا بكثير، فيها من كل الأعراق ومن كل الأديان، فيها بوذيون ومسلمون ومسيحيون وهندوسيون ولكنّها لا تتغنّى بذلك طيلة الوقت، نحن لدينا نرجسيّة وبنينا نوعاً من الخطاب المُزعِج على أنفسنا في بعض الأحيان لأن واقعنا لا يُثبت ذلك.  

غسان الشامي: ولكنه خطابٌ مُتعالٍ. 

جورج قرم: نعم، هناك دول كما قلتُ أكثر منّا تعدّديةً بكثير وذكرتُ سنغافورة، هذا من دون أن نذكر الهند. 

غسان الشامي: ولكنّها دول مدنية.  

جورج قرم: سنغافورة ذات نظام مدني بالتأكيد. 

غسان الشامي: وليست مُحاصَصَة طائفية. 

جورج قرم: نظام المُحاصَصَة الطائفية بنهاية الأمر هو مشروع حرب أهلية متواصِل.

غسان الشامي: أنت تعتقد أن هذا النظام القائم حالياً يُقدِّم دائماً مشروع الاحتراب الداخلي؟ 

جورج قرم: لو كنّا تمسّكنا بما أسمّيه الدستور اللبناني الحقيقي الذي جاء عبر المجمع البطريركي الماروني الذي كان قد حضّر له الأب يواكيم مبارك رحمه الله، نصوص المجمع رائعة، مَن يذكر هذه النصوص؟ أنا أعتبر أن هذه دستور الكنيسة ويجب أن تُحتَرم.

غسان الشامي: معنى ذلك أنك تُلقي باللائِمة على المسيحيين في الوضع اللبناني. 

جورج قرم: نستطيع أيضاً أن نفتح ملفات الطوائف الأخرى. 

غسان الشامي: ولكن الأقربون أولى بالمعروف.

جورج قرم: لا شك سواء الشيعية أو السنّية ولكن نستطيع أن نفتح ملفاً، هل انفصال لبنان عن الداخل السوري، عن بلاد الشام أعطى للبنان الازدهار والاستقرار؟ لا أعتقد ذلك.

غسان الشامي: في تنظيرك الأساسي تأخذ المشرق وبهوى بلادٍ شامي ولكن الآخرين لا يرون ذلك.

جورج قرم: وهل هناك أجمل من تعبير بلاد الشام!

غسان الشامي: أنت تحكّ على جربٍ لي. إسمح لي أن نذهب إلى فاصل، أعزائي فاصل ثم نتابع الحوار مع الدكتور جورج قرم، انتظرونا إذا أحببتم.

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحيّةً لكم مُجدّداً من أجراس المشرق، دكتور قرم إذا تابعنا، فرضاً نحن نؤمن بالحياد ومصلحة لبنان الحياد، هذا اللبنان كما أشرت هو جزء من المشرق، جزء من بلاد الشام والعرب، هل يقبل الإسرائيلي بهذا الحياد؟   

جورج قرم: كلا بطبيعة الحال وهذا ما ذكرناه قبل قليل، حلم الإسرائيلي هو تفتيت لبنان، والكتابات الإسرائيلية عديدة وكتبنا حولها وغيري كتب عنها، الأطماع الصهيونية بتفتيت الكيان اللبناني معروفة. 

غسان الشامي: دعني أسألك، أنا أعرف أنك تريد أن تقول شيئاً من الأب يواكيم مبارك.

جورج قرم: هذا دستور الكنيسة اللبنانية، هو المجمع البطريركي الماروني الذي حصل بين عامي 2003 و 2006.

غسان الشامي: الذي لم يكتمل.  

جورج قرم: اكتمل ولكنه لم يُطبَّق، مثلاً العيش المُشترك "إبراز العيش المُشترك ضرورة للمحيط العربي لتبقى العروبة رابِطة حضارية قائمة على الحرية والمُساواة، تعزيز العيش المشترك ضرورة في بلاد الانتشار من أجل تفاعُل خلاَّق بين الديانات"، فإذاً لا يوجد أجمل من هذا الكلام. 

غسان الشامي: هذا يقود إلى ما كنت أريد أن أسألك عنه، معرفياً كيف ترى أنه يجب أن يكون موقع لبنان في هذه المنطقة من العالم؟ 

جورج قرم: لبنان جزء من مشرقية تتطوّر والشعور بالانتماء إلى المشرق، والمشرق من دون الموارنة لا معنى له، والموارنة من دون البُعد المشرقي لا معنى له أيضاً. هذا المَيْل عند أوساط الطائفة بالانغلاق على النفس قاتِل للطائفة وللعقل الماروني ذاته. يجب ألا ننسى أننا في أنطاكيا، جذورنا في سوريا، في شمال سوريا، في أنطاكيا التي وهبتها الأمّ الحنون فرنسا، فرنسا الكاثوليكية وهبتها للدولة التركية، كيف ذلك؟ 

غسان الشامي: سيّدي لأستكمل هذا الموضوع، دائماً يذكِّروننا بالنموذج السويسري للحياد، وهناك مقولة أن لبنان سويسرا الشرق، أولاً ما وجه الشبه بين لبنان وسويسرا؟   

جورج قرم: لا شيء وسأشرح لك لماذا، أولاً في سويسرا الضرائب التي يدفعها المواطنون هناك عالية للغاية، صحيح أن هناك سرّية مصرفية ولكن السلطات الضريبية تعرف كيف تُحلّل وتصل إلى المدخول الحقيقي للمواطن. ثانياً هناك سنوياً خدمة عسكرية، كل سويسري يتحوَّل بدقيقةٍ إلى جندي، السويسري يمتلك السلاح في بيته، أما في لبنان فنحن غير مُستعدّين لدفع الضرائب العالية. 

غسان الشامي: وهل يمتلك اللبنانيون الأموال لدفع الضرائب؟    

جورج قرم: نتحدَّث عن السابق، لقد شرحتُ في عدَّة مُحاضرات أنه لا يجوز ألا يكون لدى لبنان جيش ليدافع عن حدوده خاصة أمام الأطماع الإسرائيلية المعروفة، ولكن هذا يتطلّب دفع الضرائب. كانن هناك شخصية اقتصادية بارِعة هو غابرييل منسّى الذي كتب خطّة إعادة إعمار لبنان بعد الحرب العالمية الأولى، وهو كان من التجّار الأثرياء، كتب فيها أنه إذا استمرّ الأثرياء في لبنان بالاستنكاف عن دفع ضريبة الدخل في لبنان بمستوى محكوم فإن لبنان لن يعيش بالشكل المُستقل والصحيح. 

غسان الشامي: قرأتُ بياناً عن اجتماعٍ مسيحي حصل مؤخّراً أن الحياد تلازَم مع نشوء الكيان اللبناني، إسمح لي أن أعيدك إلى نشوء الكيان اللبناني، بمعنى أخذوا نصّاً من المُتصرّفية في 10 تموز 1920، كيف نشأ الحياد مع نشوء الكيان اللبناني؟ أيّة أخيولة هذه برأيك؟   

جورج قرم: في المُتصرّفية ذكرتُ أنه كانت هناك الخمس دول الأوروبية الاستعمارية التي تُدير المُتصرّفية مع السلطنة العثمانية. 

غسان الشامي: حتى المُتصرّف لم يكن لبنانياً. 

جورج قرم: أبداً، كانوا من الطائفة الأرمنية.

غسان الشامي: مسيحي من الطائفة الأرمنية.

جورج قرم: ولكن هناك لبنانيين كُثر أحترمهم لهم كتاباتهم يعتبرون أن الديمقراطية في لبنان نشأت في نظام المُتصرّفية. 

غسان الشامي: أنت تريد أن تتابع بشيءٍ من الكتاب؟

جورج قرم: "إبراز العيش المشترك كضرورةٍ للمحيط العربي لتبقى العروبة رابطة حضارية قائمة على الحرية والمُساواة"، حسب هذا النصّ وهو نصّ مجمعي نحن يجب أن نبقى قريبين من العرب ومن العروبة، لا يجب أن يخرج لبنان من العروبة. 

غسان الشامي: أيّ عربٍ يجب أن نبقى قريبين منهم؟ 

جورج قرم: هذه هي مشكلة اتفاق الطائف.

غسان الشامي: الكلام الموجود في هذا النصّ يتكلَّم عن العروبة بشكلها الحضاري ولكن نحن اخترنا نوعاً مُعيّناً من العرب بعد 1990 لنصبح قريبين منهم، وكأن العراقي مثلاً ليس عربياً كي لا نقول السوري. 

جورج قرم: السلطات الفرنسية، سلطات الانتداب شجَّعت كثيراً الخلاف بين لبنان وسوريا، وأيضاً ما فاجأ الفرنسيين أن الدروز والعلويين والمسلمين السنّة لم يكونوا يريدون إقامة دول مُنفصلة في سوريا، هذه كانت الخطّة، وصار الانتداب في سوريا وحشيّاً، كم مرة ضُرِبَت الشام بالمدفعية من قِبَل القوات الفرنسية؟  

غسان الشامي: والسويداء.

جورج قرم: طبعاً بطبيعة الحال. هذا النص واضح الذي أعتبره دستور الكنيسة المارونية اللبنانية الذي يتحدَّث من دون أي حياء عن العروبة كرابطةٍ حضارية، لا ينفي العروبة.   

غسان الشامي: سنعود إلى نصوصٍ أخرى ولكن في ميثاق 1943، أيضاً يقولون في هذا اللقاء إن لبنان اعتمد سياسة الحياد، منذ أسبوع كان هناك اجتماع للبطاركة والمطارنة غاب عنه البطريرك اليازجي والبطريرك أفرام الثاني خرج بهذا الكلام ولم آت بشيء من عنديّاتي.

جورج قرم: كلامٌ غير واقعي، في العام 1943 كان معروفاً أن اتجاه البطاركة كان نحو العروبة ولم يكن الاتجاه مُطلقاً نحو الحياد.  

غسان الشامي: أريد أن أسأل بعيداً عن البطاركة، في السياسة هل كان بشارة الخوري أو كميل شمعون أو فؤاد شهاب حياديين مثلاً قبل أن تحلّ لعنة الحرب الداخلية؟ 

جورج قرم: أبداً، فؤاد شهاب أجرى اتفاقاً مع جمال عبد الناصر وجزء من الموارنة اتّهموه بالخيانة بين مزدوجين. فؤاد شهاب أعطى استقراراً وازدهاراً للبنان قلّ نظيره، وعلى العكس الرئيس كميل شمعون كان في المحور الإنكليزي في المنطقة. 

غسان الشامي: دخل المارينز في عهده إلى لبنان.

جورج قرم: نعم، لبنان لم يكن بمقدروه أبداً أن يكون حيادياً، لا أتذكّر أن فكرة حياد لبنان طُرِحَت يوماً ما، لبنان ينأى عن الدخول في محاور في المنطقة، نعم هذا الأمر كان موجوداً. 

غسان الشامي: دكتور قرم بعد هذه الإحاطة برأيك أين يكمُن الخطأ؟ هل هو عدم قراءة تاريخ لبنان المُعاصِر؟ هل هو خضوع لبنان بشقّيه الروحي والسياسي لأجنداتٍ خارجيةٍ تاريخياً؟ هناك مكان ما فيه فراغ معرفي، من أين أتى؟

جورج قرم: الفراغ المعرفي غير موجود، العديد من اللبنانيين من كل الطوائف ومنهم طبعاً الموارنة لديهم اطّلاع واسع على تاريخ لبنان وعلى المشاكل في لبنان لأن لبنان كما ذكرتُ نشأ كدولة حاجز بين تيارات مُتناقِضة في المنطقة، ليست المرة الأولى التي يتحمَّل فيها لبنان تناقُضات المحيط العربي أو حتى الأوسع من العربي، لبنان مُعتاد، وفي الماضي كانت هناك قدرة على التعامُل مع تناقُضات المنطقة أو التناقُضات العالمية أكثر من اليوم. 

غسان الشامي: ما العمل برأيك لتثبيت الحقائق التاريخية للانطلاق منها إلى رَسْمِ أفقٍ للبنان؟  

جورج قرم: نحن لدينا مؤرِّخون كبار، يوسف إبراهيم يزبك على سبيل المثال الذي أرَّخ لفتنة 1840 – 1860، لدينا الدكتور مسعود ضاهر الذي كتب كثيراً حول هذا الموضوع. هذه إيديولوجيا وليست مطالب أو مواقف مبنيّة على دراية مُعمّقة أو على معرفة مُعمّقة بالواقع اللبناني، هناك لبنانيون كُثر يجهلون الواقع اللبناني. 

غسان الشامي: أنت كيف تقرأ هذا الواقع اللبناني؟ 

جورج قرم: اليوم لبنان دولة حاجز أكثر من فترات أخرى عشناها لأنه لا شكّ أن الصِراع في المنطقة بين إيران والولايات المتحدة هو صِراع يؤثّر سلباً على لبنان.

غسان الشامي: ولبنان الآن الكثيرون يقولون إنه في حال من الانهيار الاقتصادي الدولتي، خروجه هل يتمّ بنفس الآلية السياسية التي هو فيها حالياً؟  

جورج قرم: كلا إنما نحن خرجنا من أكثر من 30 سنة من سياسات طُبِّقت في لبنان بمُباركة الدولة الفرنسية، الرئيس شيراك أيَّد كل السياسات الخاطِئة التي طُبِّقت من قِبَل الرئيس الحريري الأب رحمه الله، وأنا وغيري كنا مُعادين لهذا الأمر، والرئيس الحص أطال الله بعُمره وقف بوجه الرئيس الحريري وبعد ذلك الرئيس لحود أيضاً وقف بوجه الرئيس الحريري. كانت سياسات ندفع ثمنها غالياً حتى اليوم وكلّه بمُباركة فرنسا، حتى وزير خارجية فرنسا يُبارِك ويدعونا للعودة إلى مشاريع سيدر التي هي تبذير، نحن نعرف أن في لبنان ما يُكلّف نصف مليون دولار يصبح مليار ليرة لأن المقاولين في لبنان يأكلون الأخضر واليابس.    

غسان الشامي: ولكن وزير الخارجية الفرنسي أثنى على مسألة الحياد، هل مقبول أن يكون لبنان مُحايداً وفرنسا غير مُحايدة حتى تجاه لبنان؟ 

جورج قرم: هذه الأمور غير جدّية ولا تستحق حتى المُناقشة، نحن خارج العقل السليم في العلوم السياسية، بمعرفة تاريخ المنطقة وأوضاعها، نحن نتحدَّث إيديولوجياً.   

غسان الشامي: دكتور قرم كل الأمم التي مرَّت بأزمات، الأمم المأزومة أو المُحتربة تخلص إلى عقدٍ اجتماعي جديد، هل ترى أن لبنان بعد مئة عام من هذه الدولة الوظيفية يحتاج إلى عقدٍ اجتماعي جديد؟  

جورج قرم: لا شك بأننا سنعود إلى اتفاق الطائف، حينها أنا والأستاذ جون ميلر كتبنا تحليلات بأن هذا الاتفاق لا يمكن أن يؤمّن الاستقرار والسلام والبحبوحة للبنان لأنه مُحاصَصة طائفية جديدة، والرئيس الحص أيضاً رأى فيها مُحاصَصة، وكان هناك كلام عن "التريو" الذي كان مُستفيداً. طالما نحن في مُحاصَصات طائفية فلا خلاص للبنان، لبنان يجب أن يُقيم دولة مدنية. 

غسان الشامي: ما هي أبرز السِمات التي يمكن أن تنقذ لبنان برأيك فكرياً، معرفياً وفلسفياً؟  

جورج قرم: حالياً لسوء الحظ الحال الإعلامية في لبنان، تحالف المصارف مع الإعلام ومع الخارج بنهاية الأمر كما هو، المواطن اللبناني اليوم لم يعد مواطناً لأنه يصبح مُضطراً أن يرجو المصرف أن يُعطيه ألف دولار من حسابه الذي يبلغ مئة أو مئتي ألف دولارٍ، أنا أسميتها "البنكوقراطية"، هذا نظام سياسي جديد في العالم، حُكم المصارف على المواطن وهذا مُخالِف لحقوق الإنسان، وبنظري يجب أن نتحرَّك ونذهب إلى المراجع الدولية المُهتمّة بحقوق الإنسان. 

غسان الشامي: هل لهذه الدرجة حقوق الإنسان معدومة في لبنان؟ 

جورج قرم: معدومة بشكلٍ لا مثيل له، حتى في الدول التي حصلت فيها قلاقل داخلية على سبيل المِثال الأرجنتين لم يحصل كما حصل اليوم مع المواطن اللبناني الذي يشحذ أمواله من البنك وينتظر لساعات.

غسان الشامي: ولكن هذه البنوك هي مُحاصَصة عائلاتية، طائفية، إقطاعية، سياسية، هل هذا النظام القائم يمكنه أن يستمر في لبنان دكتور قرم؟ 

جورج قرم: إن شاء الله لا ولكن هناك مصالح إقليمية تريد استمرار هذا الأمر.

غسان الشامي: مستقبل المشرق، هذه المنطقة المشرقية كيف تراه؟  

جورج قرم: أراه لسوء الحظ ساحة صِراع بين الدول الكُبرى: روسيا، الولايات المتحدة، تركيا، للأسف لا ترى في الأفق إمكانية الاستقرار في المشرق العربي.

غسان الشامي: الروس مثلاً دكتور قرم اخترعوا شيئاً إسمه "الفضاء الأوراسي"، هناك تكتّلات تحصل، هناك كلام الآن عن مصالح تربط إيران بالصين بروسيا، يبدو أن هذا سيحصل قريباً، ألا يمكننا أن نُدير فضاءً مشرقياً يرتبط بمَن لهم مصالح معنا؟ 

جورج قرم: ولكنها ممنوعة أميركياً، هذا واضح. أتذكَّر من عشر سنوات أو خمس عشرة سنة اقترحت الصين أن يصبح معرض طرابلس الدولي منطقة صناعية تستثمر فيها هي وتمّ رفض الفكرة. 

غسان الشامي: ألا يقتضي الحياد أن نكون على علاقة جيّدة مع الصين كما نحن على علاقة مع أميركا؟ 

جورج قرم: ولكن لا حياد في لبنان، متى كان هناك حياد؟ 

غسان الشامي: لا حياد.

جورج قرم: أعطني فترة حياد في لبنان.

غسان الشامي: وهل من حياء في السياسة في لبنان؟ لنخرج من الحياد.

جورج قرم: كلا.

غسان الشامي: أنا كنت أتمنّى دكتور قرم أن يكون هناك ضوء في آخر هذا النفق.

جورج قرم: لا شك أن الاتجاه شرقاً هو أمنيتي أيضاً وأمنية العديد ولكن هذا يتطلَّب تغيير موازين القوى داخل لبنان.

غسان الشامي: ألا تتطلَّب أيضاً شجاعة من القائمين على هذا البلد؟ 

جورج قرم: هنا نعود إلى الحلقة المُفرَغة، هم مُرتبطون أيضاً بمصالح خارجية بانتظار صوغ بروز المواطن اللبناني العِلماني.

غسان الشامي: إن شاء الله. أعزّائي "إعرف نفسك تنجو"، المعرفة هي القوّة، إنّ الجهل هو أخطر عدوٍّ تواجهه الشعوب في طريقها إلى الاستقلال الحقيقي والارتقاء، وها نحن في بلادٍ تُساس بالجهل العميم والغايات الفردية والمُصطلحات الغيبية حتّى باتت مثل سيركٍ قُطِعَت عنه الكهرباء. شكراً للدكتور جورج قرم على حضوره في أجراس المشرق، لزملائي في البرنامج والميادين شُكري ومحبَّتي، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.