الممثلة رولا حمادة

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. لا القصائِد توقِف حرباً، لا الأغنيات تُرجِع الغائبين لكنّنا نكتب لنحيا ونحكي لنشهد ولنضمّ صوتنا إلى أصوات المحزونين والموجوعين، ولنُنادي مع المُنادين بضرورة مُحاسبة المُجرمين أيّاً كانوا ومُعاقبة الفاسدين والمُفسدين مهما علا شأنهم. ضيفتنا عالية الصوت دائِماً مثلما هي عالية المكانة والمقام، فنانة من طرازٍ رفيعٍ وقماشةٍ نادرة لا تحيا في برجٍ عاجيّ ولا تتصرَّف كنجمةٍ بعيدة المنال. هي نجمةٌ أرضيّةٌ إن جاز لنا التعبير. قدَّمت على المسرح وفي الشاشتين أدواراً مُتميِّزة جعلتها أكثر قُرباً ومودّةً وما استطاعت بعاداً عن (بيروت) وقد أمست علامة من علاماتها الفارِقة ووجهاً من وجوهها المُشعَّة على الرغم من عتمٍ وخراب. "بيتُ القصيد"، بيت المبدعين العرب يُضاء بحضور الممثلة القديرة "رولا حمادة" أهلاً وسهلاً وتعازينا في البداية لكِ ونعزّي أنفسنا طبعاً بكلّ الشهداء ونتمنّى الشفاء للجرحى في كارثة مرفأ (بيروت) 

رولا حمادة: أكيد. أولاً مساء الخير والحمد لله على سلامة الجميع، ونتقدَّم بالعزاء لكلّ أهالي الضحايا اللبنانيين وغير اللبنانيين طبعاً

زاهي وهبي: طبعاً، خصوصاً أنّ هنالك حوالى خمسين سورياً مثلاً من الضحايا 

رولا حمادة: أجل وهنالك فلسطينيون ومن (بنغلادش) والكثير

زاهي وهبي: هناك فلسطينيون ومن (بنغلادش) وأجانب، هنالك من (مصر) ومن (العراق) 

رولا حمادة: وفرنسيون، هناك الكثير 

زاهي وهبي: طبعاً العزاء لجميع أُسَر الضحايا والشهداء 

رولا حمادة: بالضبط والشفاء لجميع الجرحى 

زاهي وهبي: يا رب، الله يسمع منكِ. "رولا" أعلم أنّكِ عادة في المساء تتمشّين على كورنيش البحر في (بيروت)، أين كنتِ لحظة الانفجار وما هي المشاعِر التي عشتِها؟

رولا حمادة: كنت لتوّي دخلت إلى البيت وكنت ألمّ الغسيل وإبني يقف ويُحدثّني، أحسسنا البيت يهتزّ وسمعنا صوتاً، اعتقدنا أنه انفجار قريب من بيتنا، صرنا نركض وشغّلنا التلفاز وعرِفنا 

زاهي وهبي: عندما عرِفتِ وبدأتْ تصل التفاصيل والأنباء المُروِّعة عن هذا الانفجار الكارثي ما كانت الأحاسيس والتداعيات؟ ما الأفكار التي صارت تخطر في بالكِ؟ وأنتِ من الجيل الذي عاش 

رولا حمادة: كلّ الحروب

زاهي وهبي: نعم 

رولا حمادة: في البداية تقول، "ماذا حدث؟ مَن مات؟"، تتّصل بالناس الذين تعرِفهم والقريبين من منطقة الانفجار ولا تكون قد استوعبت بعد وَقْع ما حدث. تطمئن على الناس، هذا كان أهمّ شيء عندي، أن أطمئن على الناس 

زاهي وهبي: إن شاء الله لم يُصَب أحد من أصحابكِ أو من أقارِبكِ، من الناس القريبين جداً إلى حضرتكِ؟

رولا حمادة: لا الحمد لله، أغلب الناس تكسَّرت بيوتهم، لكن هل أقول لك إنني لستُ مفجوعة؟ أنا مفجوعة، لأنّ كلّ هؤلاء الضحايا هم أنا وهم إخوتي وأهلي. فنحن عندنا هذا الشعور، شعور أهل الفقيد 

زاهي وهبي: أيّ واحد منّا كان من الممكن أن يكون في مكان أيّ أحد من الضحايا 

رولا حمادة: مئة في المئة

زاهي وهبي: ربما يكون يمرّ في سيارته، ربما يكون يتّجه إلى مكان قريب من المرفأ 

رولا حمادة: صحيح 

زاهي وهبي: فعندنا هذا الشعور، إننا نضع أنفسنا في مكانهم 

رولا حمادة: أكيد، ليس فقط تضع نفسك في مكانهم، هؤلاء أناس تنفسَّت معهم في نفس المكان، مشيت على نفس الرصيف، دخلت إلى نفس الأماكن واشتريت الخبز نفسه. عندنا علاقة حتى لو لم نعرِف بعضنا، نحن متشاركون في نفس المساحة، هذه هي 

زاهي وهبي: "رولا"، حضرتكِ هاجرتِ إلى (كندا) أو جرَّبتِ الهجرة إلى (كندا) يوماً ما لكنّك رجعتِ بخفّي حنين كما يُقال، لم تتمكّني من العيش بعيداً عن (لبنان) وعن (بيروت) رغم كل مشاكلنا وكل خرابنا وكل قصصنا. لماذا لم تتمكَّني من العيش بعيداً عن هذا البلد؟ 

رولا حمادة: لأنني أحسّ أنّ هذا البلد فيروس لا ينتهي، يعني يُصيبك وتعيش فيه طوال حياتك. لا تستطيع، أنا لم أستطع أن أعيش في بلد الحضارة (كندا) الذي علَّمني الكثير، لا أنكُر، وقدَّم لي الكثير وأنا مُمتنّة وفضله دائِماً عليَّ وعلى أهلي وإبني وكلّ شيء، لكن عندي علاقة مثل "حبل الصرّة" الذي لم يُقطَع بعد بيني وبين (بيروت). لا يهمّني أن يقولوا لي: "لأنهم أصحابك"، لا، ليس لأنهم أصحابي. أنا عندي علاقة مع الجدران المُتّسخة المرسوم عليها غرافيتي، مع الطرقات. أنا عشت أول هجرة، كنت طوال أربع سنوات في كل ليلة قبل أن أنام وفي رأسي أمشي كل طريق (بيروت) إلى البيت مع حُفرِها وأكواعها كيلا أنسى. كنت أبكي ليلاً نهاراً وصارت المسألة عندي كما الأفلام، تقول لي أمّي مثلاً " لم أعد أستطيع أن أعيش معكِ لأنك تبكين دائماً فصرت أدخل إلى الحمام وأفتح الدوش وأبكي، هكذا كانت الأمور 

زاهي وهبي: هل تراودكِ لحظات نَدَم في أنّكِ رجعتِ واستقرّيتِ في (لبنان)؟

رولا حمادة: لا، بصراحة لا. أندم إنّ هذا البلد يستأهل أناساً يحكمونه أفضل من الموجودين، لكن لا، أبداً لا أندم على عودتي إلى (لبنان)

زاهي وهبي: حسناً، قبل أن أُتابع طرح أسئِلة على حضرتكِ نشاهد ربورتاجاً صغيراً في "قطع وصل" والقليل من المعلومات عنك، استعادة لبعض المفاصل في تجربتكِ، ثمّ نتابع 

قطع وصل - رولا حمادة: 

- أنا ممثّلة لأنني أهرب من حياة مُملّة إلى حياة أكثر جمالاً 

المُعلِّق: لو شئنا أن نذكر أجمل المُسلسلات التي قدَّمتها الدراما اللبنانية لوجدنا إسم "رولا حمادة" في مُعظمها. ثلاثون عاماً من التمثيل والشاشة لا تزال تعشقها. ثلاثون عاماً جعلت منها ممثلة يُجمِعُ على محبّتها وبراعتها اللبنانيون. مُصادفة ظهرت على الشاشة أوّل مرّة في بداية الثمانينات، التفتَ إليها المُنتجون والمُشاهدون بعدما منحها الفنان الراحل "إبراهيم مرعشلي" فُرصة تقديم برنامج "أغاني ومعاني". بعدها كرَّت سُبحة نجاحاتها وكان أكثر أدوارها رسوخاً في ذاكرة التلفزيونية اللبنانية دورها في مسلسل "العاصفة تهبّ مرّتين". أداؤها سهلٌ ممتنع، حياتها الشخصية خطٌّ أحمر. علاقتها بـ (لبنان) حبٌّ ممتزِجٌ بغضب؛ هجرَته إلى (كندا) مرّتين وعادت لتصالِحه في المرّتين 

- كلّ إنسان عنده مفاصل في حياته، أحياناً لا ينتبه إلى أنها كانت مفصلاً لكن عندما يرجع إليها ينتبه 

المُعلِّق: فنّانةٌ مهمومة بثلاثة أمور، أمومتها، فنّها، وتحقيق العدالة في وطنها. سيّدةٌ لا تخشى نفض غُبار النجومية حينما يناديها الواجب 

زاهي وهبي: وفعلاً اليوم تنزلين "رولا" و"زمن" إبنك ينزل إلى الشوارع والأحياء المنكوبة في (بيروت). ما هو الدافع؟ ما الذي يجعلكما تنزلان يومياً، أو ما الذي يجعل "زمن"، شاب عُمره سبع عشرة سنة، يندفع ليُشارك في مساعدة الناس؟ 

رولا حمادة: سأحكي لك عن "زمن" وعن الشباب الذين نجدهم هناك. أنا قلت لك إنّ علاقتي بهذه المدينة علاقة، يعني أنا وهي كأننا متماهون معاً، هكذا أحسّ. لكن إبني مثل كل الأولاد الذين هم في عُمره أو أكبر منه، لا علاقة صحيحة لديهم بهذا البلد. جاءت هذه الكارثة وهذه الفاجعة فأدركوا أنّ هناك أُناساً توجد علاقة بهم لكنهم لا يرونها ولا يلمسونها، فنزلوا إلى الشوارع ليُكنسوها ويلفّوا سندويشات ويقوموا بما هو لازم أن يقوموا به أو ما في استطاعتهم فعله، وأعتقد أنّه بذلك يصير عندهم علاقة بهذا الوطن. أصلاً هم نظّموا أنفسهم في طريقة أفضل من الدولة، يعني صاروا يعرفون مثلاً مَن يُكنس ومَن يلفّ سندويشات ومَن يساعد مثلاً مريضاً، صار عندهم System وهذا شيء جيّد جداً للمواطنة ولربما هذه الكارثة تؤسِّس في داخلهم (لبنان) يختلف عن الذي نعرِفه 

زاهي وهبي: يعني مُقابل مشهد الإهمال والفساد ومُقابل عجز الدولة والسلطة عن القيام بأيّ شيء حقيقي لمصلحة هؤلاء الناس نرى هذا المشهد، شباب يحملون مكانس ويحملون معاول ويحملون الرفوش. كم هناك تناقُض بين المشهدين؟ مشهد السياسيين الذين يقولون نفس الكلام، يجترّونه منذ عقود من الزمن، ومشهد هؤلاء الشباب الذين لا يقولون أيّة كلمة ربما، لكنهم يشتغلون 

رولا حمادة: مئة في المئة لأنّ هناك الحُكام الذين يُدمّرون الوطن وهناك الشباب الذين يرمّمونه ويُعيدوا بناءه، هؤلاء متناقضين لا يلتقيان أبداً وإن شاء الله كما قلت لك يظلّ عندهم هذا الاندفاع ويكون قد كبُر (لبنان) في داخلهم لأنه كان بذرة صغيرة لا يُمكنك أن تزرعه فيهم لأنّ تنشئتنا في المدارس ليست موجودة كمواطن

زاهي وهبي: وليست موحَّدة في الكثير من القضايا 

رولا حمادة: ليست موحَّدة، فيتّجهون إلى قصص أُخرى، يلتهون أعني في مثلاً الـ Net Flix، في الـ "يوتيوب" والـ Gaming، وهذا شيء يُبعدهم عن معنى الوطن الحقيقي. جاءت هذه الكارثة وقالت لهم: "لا، عندكم أرض تهدّمت"، فمن تلقاء أنفسهم قرّروا أن يساعدوا ويتضامنوا ويبنوا شبه وطن لهم 

زاهي وهبي: حلو هذا الشيء. عندما نزلتِ للمرة الأولى "رولا" إلى المناطق الأكثر تضرّراً، مثل (الجمّيزة)، و(مار مخايل) و(الكرنتينا)

رولا حمادة: أجل في اليوم الأول أنا نزلت 

زاهي وهبي: في أول يوم، عندما رأيتِ الآثار الفعليّة، النتائِج الفعلية لهذه الكارثة، ما كانت الأفكار؟ 

رولا حمادة: لم أستطع بعد استيعاب المناظر. يعني أنت تُشاهد على شاشات التلفزة وتُشاهد في الجرائد، لكن عندما تنزل حقيقةً وترى بعينك لا تستوعب. فكانت ردّة فعلي في المكنسة، كأنني أكنس هذا الشيء، أزيل الزجاج، وكنّا كلنا مجموعة ممثلين ولم أكن وحدي. كنّا نشتغل ونعرق ونريد أن ننسى أو نريد أن نُزيل 

زاهي وهبي: نريد أن نمحي هذا المشهد، نعم 

رولا حمادة: أجل، وما زال منذ ذلك الحين في كلّ يوم يكبر بي هذا الشيء، هذا الغضب يكبر بي واستيعاب الكارثة يكبر عندي وأضع نفسي مكان تلك الأُمّ التي فقدت إبنها ولا تعرِف شيئاً عنه. هذا مؤلِم، يعني لا أستطيع أن أكنس حزني، عن جدّ. يخطر على بال أنه ماذا يجب أن يفعله المرء كي يخرج من هذه الكارثة ويمحوها وكأنها لم تحدُث؟ لا، هي حدثت، حدثت وما زالوا يحكون الشيء نفسه وهذا الذي يقهرك ويجعلك مُتشنّجاً 

زاهي وهبي: أجل تحسّين بعدم وجود أية خطوة على مُستوى الكارثة، ولو خطوة واحدة من قِبَل السلطة

رولا حمادة: ومَن اعتذر؟ مَن نزل وأمسك بمكنسة ووقف إلى جانب هؤلاء الشباب؟ مَن اعتذر؟ 

زاهي وهبي: لا يجرؤون على النزول 

رولا حمادة: إذاً فليعتذروا ويقولوا: "نحن أخطأنا في حقّكم يا شعب" فقط، وأن يبدأوا بهذا الاعتذار الذي لم يقله أحد أبداً 

زاهي وهبي: لم ينتبهوا إلى أنّ العالم تغيّر أيضاً، يعني اليوم الميديا الحديثة والشباب الجُدُد، نظرة الشباب للأمور وطريقة تعاملهم مع الأمور مُختلفة عن الأجيال السابقة، جيلنا وغير جيلنا 

رولا حمادة: صحيح، لأنّ العالم كلّه في أيديهم، في هذا الهاتف الصغير، يعني صار في إمكانهم أن يميّزوا الغلط من الصحّ. لماذا يقولون لك دائماً، وأحكي هنا عن الأولاد، إنهم يريدون أن يغادروا (لبنان) لأنه لا يوجد شيء هنا، أنظروا ماذا يوجد هنا وهناك؟ لأنهم يعرفون الفرق. مثلما كنّا نحكي تحت الهواء أنّ أكثر ما يقوله الناس، وهذه قصص نحن لا ننتبه إليها ولا نفهمها، يقولون: "الحمد لله أنّ هناك سقفاً فوق رأسنا"، يعني هناك أحد يحميك 

زاهي وهبي: الوطن من المُفترض سقف فوق رأس المواطن 

رولا حمادة: وحُكَّام الوطن هم أمّك وأباك، هم الذين من المفترض أن يعطوك الأمان. فجأةً تجد نفسك يتيماً بلا أحد، لا يوجد عندك إلّا الآخر الذي مثلك فتضع يدك بيده وتتشابكان لكي تتمكّنا من متابعة المشوار 

زاهي وهبي: صحيح، وعند العرب الحاكِم هو وليّ الأمر المُفترض، يعني مثل الأب ومثل الأُمّ 

رولا حمادة: هناك الكثير من الأقوال للإمام "علي" يتحدَّث فيها عن فساد الحُكَّام وكيف يكون الحاكِم جيّداً وكيف لا يكون جيّداً لكن لا أحد يقرأ أو لا أحد ينتبه، أو لا يريدون أن يعرِفوا 

زاهي وهبي: لا يريدون أن يعرِفوا ولا يُريدون أن يُطبّقوا. "رولا" عشتِ حروب وأزمات (لبنان) المُختلفة، ألم تراودكِ مشاعر إحباط ويأس وأنّه خلص، أُريد أن أترك البلد هذه المرة نهائياً ولا أُريد أن أرجع؟ 

رولا حمادة: بلى أقولها لكن للحظات. يعني كل يوم أقول لإبني، "هيا لأخذك إلى مدرسة داخلية في الخارج وأعود إلى هنا"، أنا لا أُريد أن أذهب معه وأبقى هناك، أُريد أن أؤمِّن عليه 

زاهي وهبي: توصلينه، تُؤمّني عليه وتعودين 

رولا حمادة: لكنّه لا يقبل، وأنا من جهة أفتخر ومن جهة أُخرى أخاف. أخاف لأنّك لا تدري ماذا سيحدُث. المرء على ماذا يخاف؟ يخاف على أعزّ شيء عنده وهم أولاده

زاهي وهبي: طبعاً

رولا حمادة: ماذا يوجد أهمّ من هذا؟ ويخاف على نفسه من أجل أولاده 

زاهي وهبي: يكون في البداية يخاف على نفسه عندما يكون لوحده لكن عندما يصير عنده أولاد يصير يخاف على نفسه من أجل أولاده

رولا حمادة: كم ترتقي إنسانيّتك عندما تصير تهتمّ بنفسك من أجل الآخر، وهذا ما يفعله أولادنا الآن لغيرهم 

زاهي وهبي: لكن كمّ يكبر القلب أنّه رغم المأساة نسمع من الناس في الشارع ونشاهدهم على التلفاز يقولون: "هذه بلدنا ولا نريد أن نغادرها، لن نتركه لهم"، يعني لن نتركه للفاسدين، لن نتركه للمُهملين، لن نتركه للناس الذين أوصلونا إلى المرحلة التي نحن فيها 

رولا حمادة: أجل، هذا انفعال اللحظة، لكن ما أخاف منه هو ما سيحدث عند الانتخابات، والانتخابات ليست قريبة بل بعيدة، فمنذ الآن إلى ذاك الحين ماذا سيحدث؟ ليس من زمان قاموا بإحصاء وكنّا في منتصف الثورة أو الانتفاضة وكان الناس يقولون إنّ الشعب يعود وينتخب نفس الشخصيات الموجودة

زاهي وهبي: يعني القاعدة العريضة لم تتغيّر بعد، المزاج العام 

رولا حمادة: أخاف من ذلك، ليس لأنّ المزاج العام يريد ذلك، لا، لأنه محُتاج، وهم يحشرونك في نُقطة ضعفك لأنّك فقير وفي حاجتهم ويجعلونك دائِماً في حاجتهم لكي يظلّوا يستعملونك لمصالحهم الشخصيّة. لا يهمّهم إن متّ أو عشت، يهمّهم كم هو المردود الذي في إمكانك أن تقدّمه لهم. أتذكُر مسرحية "ناطورة المفاتيح"؟ 

زاهي وهبي: طبعاً. على كل حال مسرح "الرحباني" في الأُغنية وفي الاسكتش قال كلّ الأشياء التي يُمكن أن نقولها اليوم 

رولا حمادة: أليس كذلك؟ 

زاهي وهبي: مهما استرجعتِ أية مسرحية سواء للأخوين "الرحباني" أو لـ "زياد" تجدين أنّهم يحكونكِ اليوم 

رولا حمادة: وفي النهاية يتبيّن أنّه ليس لك سوى "فيروز" في الآخر، تحسّ أنّك حين تكون في المأساة لا يوجد إلّا "فيروز" لتعزيتك 

زاهي وهبي: من أجل هذا تجدين أنّ أُغنيات "فيروز" تُستعاد 

رولا حمادة: مئة في المئة

زاهي وهبي: عن (بيروت)، عن (لبنان)، عن الوطن إلى آخره. هناك مسألة الإصرار على الحياة عند اللبنانيين وعند (لبنان) المؤلَّف من تنوُّع 

رولا حمادة: تشكيلة أجل 

زاهي وهبي: تشكيلة، دعينا نقول تشكيلة، في كل مرّة ربما نقول إنّ هذه آخر مرّة، هذه المرة انكسرنا، هذه المرة ربما انتهينا، هذه المرّة تدمّرنا، هذه المرّة ضربة قاسِمة، ثم نعود ونجد أنّ الشعب اللبناني قادر على أن يتكيَّف وقادر على أن يتأقلم ويُكمِل حياته 

رولا حمادة: أجل، لكن ذلك غريب أليس كذلك، أنّ هذا الشعب اليائِس في لحظة في إمكانه أن يعود ويُعمِّر ويُنظِّف ويستمرّ لأنّ (بيروت) أكبر منّا كلّنا، (بيروت) ليست فقط للبنانيين، (بيروت) لكلّ العالم. كل مَن يأتي إلى (بيروت) ولو مكث يومين يتعلّق بهذه المدينة، فهي مدينة لا يليق بها إلّا الحياة 

زاهي وهبي: هناك مسألة أنا دائِماً أستشهد بها، أنّ هناك الكثير من الدبلوماسيين والسفراء الأجانب والعرب الذين يكون عندهم وظيفة في (بيروت) كسُفراء، عندما تنتهي مدَّتهم يبقون فيها ويختارون الإقامة الدائمة في (بيروت) وفي (لبنان)

رولا حمادة: أو يذهبون ويرجعون، وهناك الكثير من الصحافيين الأجانب أيضاً الذين يمكثون في (لبنان). يعني صعب أنّك، قلت لك "فيروس"، صعب أن تُصاب به وتشفى منه، لا يُمكنك أن تشفى من (بيروت) 

زاهي وهبي: ما أكثر ما تُحبّينه في هذا البلد وفي عاصمتنا في شكلٍ خاص؟ دعينا نتحدَّث قليلاً عن الأشياء الحلوة، الجانب الإيجابي 

رولا حمادة: كلّها حلوة (بيروت)، كلّها حلوة. الـ "غرافيتي" على الطرقات، واجهات المحلّات، الرصيف المُكسَّر أحياناً من جهة فتحفظه لأنك لا تريد أن تضع رجلك وتتفركش وتقع، شرطي السير الذي تشتمه لأنه يعرقل لك السير بدل أن يُسهّله 

زاهي وهبي: لأنه ملهي بالـ "واتس أب" 

رولا حمادة: أتفه الأشياء وأكبر الأشياء تجعلك مغروماً بهذا البلد. صيّاد السمك الذي يصطاد وأنت تمشي على الكورنيش، ذاك الذي يعزف، ذاك الذي يرفع صوت الموسيقي في سيارته ويزعجك، لكن لاحقاً تشتاق إليهم. يعني تكون مزعوجاً منهم في اللحظة لكن اللحظة التي تنفصل فيها عنهم تعود وتشتاق إليهم وتقول "أين هؤلاء؟"، تحفظهم غيباً وتشتاق إليهم. إذا مشيت في شارع أكثر من مرّة تصير تعرِف حتى البيوت، هذا الذي كلّ ليلة يُضيء بيته لماذا هذه الليلة لم يُضئه؟ 

زاهي وهبي: وأكثر ما افتقدناه ربما في فترة الـ "كورونا" وفترة الحجر عجقة السير وزمامير السيارات وكل تلك القضايا التي كنّا ننزعج منها 

رولا حمادة: أنا اكتشفت شيئاً مهماً جداً في فترة "كورونا"، كم اللمسة مهمّة! ونحن كنّا نعتبرها تحصيل حاصل، أن نضمّ ونُقبِّل. الآن لا أعرِف أيمتى سيُصبِح في إمكاننا أن نعبط ونُقبِّل بعضنا البعض وتعانق أكواع أيدينا بعضها البعض 

زاهي وهبي: عندما تنتهي الحلقة فوراً (يضحك). "رولا" لو سمحتِ لي سنسمع مقطعاً من "محمود درويش" في قصائِده عن (بيروت) ثمّ استراحة نتابع بعدها "بيت القصيد" 

المحور الثاني             

زاهي وهبي: "فجر بيروت" دائِم بإذن الله. كنّا نقول إنّ مسرحيات "الرحابنة" قالت أشياء يُمكننا اليوم أن نستشهد فيها، أيضاً شعر "محمود درويش" نفس الأمر.  دائِما الشعراء والفنانون إمّا عندهم هذا الحدس القوي والنبوءة أم أيضاً واقعنا يُعيد نفسه ويُكرَّر نفسه حتّى تظلّ الأشياء تصحّ في كل وقت 

رولا حمادة: صحيح، إذا أنت تقرأ "محمّد الماغوط" و"نزار قبّاني"، كل هؤلاء الشعراء الذين تحدَّثوا عن (بيروت) أو عن الوطن العربي ككل تحسّ كأننا فيلم يُعاد من دون توقّف. هل تذكُر صالات السينما التي كانت تعرِض ثلاثة أفلام متواصلة؟ 

زاهي وهبي: أجل

رولا حمادة: هكذا وضعنا

زاهي وهبي: يقطع المُتفرّج أو المشاهد بطاقة ويشاهد ثلاثة أفلام. على سيرة الشعراء والأُدباء والمسرح، كامرأة مسرح، كممثّلة، المعنى الثقافي لـ (بيروت) وليس فقط المعنى الإنساني، هل تجدين أنّ (بيروت) ما زالت تلعب دورها الثقافي الطليعي الذي كان دائِماً دورها في المنطقة؟ 

رولا حمادة: فظيعة هذه المدينة. في أحلك الظروف، في أسوأ الظروف، في أية ساعة من اليوم حين تحسّ أنك تريد أن تذهب وتشاهد شيئاً فنياً تجد هذا الشيء، ليلاً نهاراً تجد هذا الشيء. فقط منذ وقت "الكورونا" إلى اليوم 

زاهي وهبي: تعطّلت الحياة إلى حدٍّ ما 

رولا حمادة: ثمّ الواقع الاقتصادي والمالي صار في غير مكان، لا أعلم، أنا خائِفة من أن يكون مشوار المسرح والفنون والثقافة طويلاً قبل أن تعود الحياة إلى طبيعتها. ربما المعارِض والرسم أوكي لكن لا أدري، أظلّ أُفكِّر هل سيدفع الناس؟ هل سيستطيعون دفع ثمن تذكرة ليشاهدوا مسرحية؟ لا أعتقد إذا ظلّت الحال المالية والاقتصادية هكذا في البلد لوقت طويل

زاهي وهبي: ربما أكثر شيء يتأثّر هو المسرح لأنّه يحتاج إلى دعم من الدولة. يعني في (أوروبا) وأماكن كثيرة في العالم المسرح مدعوم 

رولا حمادة: لكن نحن لا نريد دعم الدولة، أتعلم لماذا؟ لأنهم يصيرون يضعون عليك الشروط. نريد دعم الناس المُقتدرين والذين يحبّون الفنون لأنهم لا يضعون عليك الشروط، شرطهم الوحيد أن تقدِّم الفن لكن نحن في الفن متروكين كما في البلد متروكين، الأمر نفسه. اليتم أينما كان 

زاهي وهبي: دائِماً نسمع صرخات الفنانين دائِماً نسمع شكواهم خصوصاً الذين يتقدّمون في السن ولا يكون عندهم عمل 

رولا حمادة: حتى أنت كشاعر، هذه نعمة، أنت تكتب لنفسك

زاهي وهبي: طبعاً، طبعاً 

رولا حمادة: لكن هل في استطاعتك أن تنشُر في هذه الأيام؟ أعني هل في إمكانك أن تُصدر كتاباً؟ 

زاهي وهبي: منذ سبع سنوات نشرت آخر كتبي 

رولا حمادة: تفضّل 

زاهي وهبي: بسبب الأوضاع العامة، المرء يحتاج إلى مزاج أيضاً 

رولا حمادة: وليس فقط أنت بل غيرك وغيرهم، ونحن أناس لا نقرأ. أنت عندك قاعدة كبيرة على "تويتر" وعلى "إنستاغرام" وأنا من ملاحقيك ويحبّونك لكن هذه القاعدة هلّ تُترجَم عندما تُصدِر كتاباً؟ لا أدري، لم أعُد أعرِف 

زاهي وهبي: مسألة الكتاب مسألة شائِكة في العالم العربي في الحقيقة وتحتاج ربما إلى نقاش لوحدها 

رولا حمادة: صحيح 

زاهي وهبي: لكن آخر مسرحية قمتِ بها "رولا" كانت "آن فرانك" أليس كذلك؟ 

رولا حمادة: صحّ "رسالة إلى آن فرانك" 

زاهي وهبي: والتي هي 

رولا حمادة: تحيّة إلى (فلسطين) 

زاهي وهبي: ما عشناه في الأسابيع الأخيرة سواء أزمة البلد والانتفاضة و"كورونا" وصولاً إلى كارِثة المرفأ، وأنا أُسمّيها كارثة ومأساة 

رولا حمادة: صحيح 

زاهي وهبي: (هيروشيما)، يُذكّرنا "محمود درويش" بـ (هيروشيما)، شيء يُشبه (هيروشيما) قليلاً، هل يمكن أن يوحي لكِ بفكرة ما؟ في عمل مسرحي ما؟ ربما في التلفاز صعب لأنّ المُنتجين بالهم في غير مكان 

رولا حمادة: أجل، توجد فكرة لنفس كاتبة "رسالة إلى آن فرانك" وهي "سميّة شمالي"

زاهي وهبي: نُمسّيها بالخير 

رولا حمادة: مساء الخير، لكن لا أدري، حلوة كثيراً الفكرة لكن لا أدري إن كنا سنتحمّس وننفّذها في الواقع، مثلما قلت لك لأنّ المرء يضع مثلاً تعبه ومجهوده كي يشاهد الناس. لا يُمكنك أن تُقدِّم شيئاً 

زاهي وهبي: لكن في النهاية دورة الحياة ستُستعاد 

رولا حمادة: إن شاء الله 

زاهي وهبي: وروّاد المسرح سيظّلون يرتادون المسرح 

رولا حمادة: إن شاء الله، لكن أيضاً هناك "كورونا"، "كورونا" يقتل الدنيا. لربما في المستقبل عندما يتوافر له اللقاح 

زاهي وهبي: أنا لا أتحدَّث بالضرورة في الفترة القريبة لكنها كفكرة موجودة عندك، ممكنة، لأنني أعتقد أنّ حدثاً من هذا النوع ملهماً

رولا حمادة: أصلاً إذا تتذكّر حضرتك، عند بداية مسرحية "رسالة إلى آن فرانك"، هذه المرأة بيتها مُهدَّم وتحمل حجراً تلو الأُخر بعد أن رقّمتهم لأنّ بيتها هُدِمَ ثلاث مرّات وأعادت بناءه ثلاث مرّات، فرقّمت الأحجار كي تعود وتضعهم مكانهم، فهذه هي أيضاً قصّتنا في هذا البلد، دائماً يُهدّمونها ودائِماً نعاود الإعمار وإن شاء الله لا نصل إلى مكان نرقّم فيه الأشياء كي نتمكّن من إعادتها إلى مكانها 

زاهي وهبي: "رولا" حضرتكِ تنزلين إلى الشارع وليس فقط تكتبين على "تويتر"، ترفعي صوتكِ في قضايا لها علاقة بالحياة، حياة الناس اليومية، حياتنا كمواطنين ولست مُكتفية بدوركِ كممثلة أو كفنانة وأنكِ والله تقومين بعملك فقط. تعتقدين أنّ للفنان دوره في المُجتمع أبعد من أن يُقدِّم فقط أعماله؟

رولا حمادة: أكيد، شغلي ليس ممثلة فقط لا غير، هذا ليس شغلي، شغلي هو الناس. أنا أعكِس حياتهم على الشاشة وعلى المسرح فمن اللازم أن أكون موجودة معهم وأتحدَّث باسمهم لأنّ صوتي ربما يُسمع مرة أو مرة ونصف المرة أكثر أو ربما أكثر أو أقل لا يُمكنني أن أجزم، لكن أنا أقوم بواجباتي، أنا كإنسان ومواطن عندي واجب. هناك الكثير من الناس من أمثالي يقدِّمون أكثر منّي، هذه حقيقة، الكثير من الممثلين والفنانين ملتزمين أكثر من غيرهم 

زاهي وهبي: في الحقيقة أنا سألتكِ لأُمهِّد لتقديم "قطع وصل" مع الممثلة المُتميّزة والصديقة العزيزة "ندى بو فرحات". نسمع رأيها في هذا الموضوع، يعني حول دور الفنان في الأزمات، ثمّ نعود إليكِ 

قطع وصل – رأي الممثلة ندى بو فرحات: 

- أعتقد أنّ من اللازم أن يستفيد الفنان من إسمه ومن مُعجبيه لكي يقوم بعمل خير، هذا في الأيام الطبيعية، فكيف تكون الحال عندما يكون عندنا مُصيبة ضربت قلب (بيروت)، يعني قلب (لبنان)، يعني قلبنا نحن؟ منهم كثيرون يقولون لي: "لماذا تقومين بهذا الشيء؟ هذا ليس دورك بل دور الدولة وإذا أنت أخذتِ دور الدولة حينها ستظلّ الدولة تتّكل عليكِ، فأقول لهم إننا خلقنا هكذا، هذا ما ورثناها عن أهلنا أنه لا يوجد أمل مع هكذا مؤسّسة في أن يكون هناك مجال ليساعدوا الشعب. ما داموا يضربونه بقنبلة نووية، كيف سيساعدونه؟ 

المُعلّقة: "ندى" كم في استطاعة الفنان إعطاء بسمة أمل لهؤلاء الناس في هذه المرحلة؟ 

- سأخبركم فقط خبرية واحدة تُلخِّص كلّ شيء. الـ Positive Vibes عند كلّ المُتطوّعين وعندنا نحن تجلب لنا أشياء حلوة جداً. بالأمس كنّا عند "شوغيك ددريان"، دخلنا لعندها في المنزل وكان البيت مُكسّراً كلّه، قمنا بـ evaluation لبيتها ورأينا الزجاج وكلّ شيء وعندما أردنا أن نُعطيها المال طبعاً لم تقبل، أردنا أن نعطيها أكل قبلت وأردنا أن نعطيها ماء ولم تقبل، قالت لنا "عندي ماء"، وحتّى لم تطلب للفترة المتبقية من الأسبوع وقالت: Please أعطوهم لأحد آخر. أعطيناها المال بالقوّة حتى أخذتهم، تخيّلي كم هي في حاجة فأعطيناها المال بالقوّة حتّى أخذته. في اليوم التالي أرسلت لي message تشكرني فيها وكانت رفيقتي في مقابلي وأنا كنت قد رفعت الـ voice عالياً وكنت أقول لها: "أنظري كيف يشكرون من قلبهم"، فقالت لي: "مَن هذه؟" فأخبرتها وأريتها صوَر بيتها: فقالت لي، أنا سأُقدِّم لها donation كي أُصلِّح لها كلّ بيتها. أرسلت لها هذا الـ message وشكرتني كثيراً، لا أستطيع أن أُخبركِ كم شكرتني، فنحن هكذا نشتغل وفقط 

- (بيروت) ولد من أولادنا، أي شيء يحدث فيها كأنّه صار معنا. نحن الآن في مرحلة عزاء، وكلّما بعدتِ عن الشيء الذي راح من أرواح وأولاد وكبار في العُمر وصغار في العُمر وذكريات، لأننا أيضاً نودِّع ذكرياتنا التي راحت كلها أيضاً، كلّما بعدتِ عن الموضوع كلّما تأثرتِ أكثر 

- أنا في مجموعة We Help ونحن لسنا جمعية ولسنا مسجّلين، ولا يهمّني. أنا يهمّني أن أذهب إلى باب كل بيت وأعطيه مالاً بيده وأعطيه الحليب بيده وأُطعم الولد بيدي إذا استطعت، فأُريد أن أشكُر كلّ المتطوعين. عن جد لولا مساعدتهم لما تمكّنت من فعل أي شيء، وأُريد أن أشكر كل الـ Donators الذين يعطونا المال والذين يعطونا الأكل، عن جد لولا مساعدتكم لما كنّا استطعنا أن نفعل شيئاً. أموالكم يا جماعة التي تتبرّعون بها أنا أسلّمها يداً بيد لأهل البيت ولا توزَّع في مكان آخر والأغراض التي تتبرّعون بها نسلّمها يداً بيد إلى الأهالي في منازلهم

زاهي وهبي: مؤثّرة 

رولا حمادة: أنا أشهد على هذا الشيء، أنا أشهد على هذا الشيء. الشغل الذي تقوم به "ندى" مع "نَغم لِبُّس" و"نَغَم أبو شديد" والكثير من الممثلين مثل "نيللي معتوق" و"مارينا سركيس"، الكثير الكثير من الممثلين والكثير الكثير من الشباب لدرجة إننا نذهب ولا نجد لنا عملاً لأنهم يكونوا قد أنهوا الشغل كلّه، إلى هذا الحد. طوال النهار لغاية الليل، عندهم Shifts يعني من السادسة صباحاً لغاية الساعة 10 أو 11 ليلاً. يقومون بشغلٍ رهيب 

زاهي وهبي: يعني نقول لها يعطيها ألف عافية "ندى بو فرحات" لها ولكل زملائِها وأصدقائها. فعلاً مؤثِّر وتتحدّث بصدق شديد، ودمعتها 

رولا حمادة: لأنها لا تعرِف، عليك أن تذهب لعندها لأنهم أيضاً يتنقّلون من مثلاً مطعم يعطيهم عشرة أيام إلى مطعم آخر، يُقطِّعون ويطبخون ويعلّبون ويضعون مثلاً مواد غذائية في صناديق وهناك شباب يأخذونها ويوصلونها 

زاهي وهبي: كم هذا الشيء هو إشارة أمل في المُجتمع اللبناني؟ يعني نحن عندما نقول إنّ الدولة فاسدة، في النهاية هؤلاء الناس الذين في الدولة هم من هذا المُجتمع سواء أكانوا سياسيين أم مدراء عامين أو موظّفين في الدولة. مُقابل هذا المشهد، أطرح هذا مرة أُخرى ولكن هذه المرة من زاوية الأمل، هذه الأعمال وهذه المُبادرات كم تُعيد لنا ثقتنا بمُجتمعنا وإنساننا؟

رولا حمادة: سأقول لك وسأقسّم سؤالك إلى نصفين. هؤلاء الذين يحكموننا والمدراء ليسوا من هذا المُجتمع وسأقول لك لماذا، لأنّ دراسة أُجريت تقول إنّ الفقراء عندما يُصبحون أغنياء ويمر الوقت يفقدون إحساسهم مع الناس الفقراء، يعني لا يعود عندهم نفس التعاطُف. فهذا الذي صار في مكان آخر لم يعُد عنده ذاك التعاطُف مثل الإنسان الذي إذا كان أحدهم مُحتاجاً يقول لك، لا تعطيني ماء بل أعطي جاري لأنّ عندي ماء أما جاري فلا ماء عنده، أليس كذلك؟

زاهي وهبي: لأنه يحسّ بهذا ويعيشه بينما الآخر لا يعيشه 

رولا حمادة: هذا ما أُريد أن أقوله، فهذا التعاطُف يكون في الشارع وليس من هؤلاء الناس الذين 

زاهي وهبي: كم هذا الشيء يُعطينا أملاً؟ يجعلنا لا نيأس ولا نقول أنّ، هناك مثل عامي يقول: إذا خلت الدنيا فنيت" أو خربت 

رولا حمادة: صحيح 

زاهي وهبي: كم يُعطينا أملاً هذا الشيء؟  

رولا حمادة: أكيد لأنه مثلما صار لنا منذ أول الحلقة نقول، هذا التضامُن كلّه يخلق فكرة إننا مُجتمع واحد، ولا تعود تنظر إلى الجزيئيات التافهة التي يربّونك أو يحيطونك بها زعماؤك أو رجال الدين، خلص لا يعود هذا الشيء يهمّك، يصير يهمّك الأساس، والأساس هو الإنسان، أن تنظّف له بيته، أن تطعمه، أن تُدفّئه، أن تُلبِسه، أن تعطيه أساسيّاته 

زاهي وهبي: وللأسف نتحدَّث عن البديهيات التي من المفترض أن يعرفها أيّ إنسان في العالم 

رولا حمادة: ويقولون لك: أنظروا نحن أين وغير ناس أين، يخترعون اختراعات. لكن يا حبيبي أنت أيضاً عندك دور وليس فقط أن نظلّ قاعدين وننقّ على غيرنا. نحن الناس الذين ننتخبهم ونحن الناس الذين نسلّمهم رقابنا أليس كذلك؟ فمن اللازم أن نعي نحن أيضاً 

زاهي وهبي: يعني حاكِمْه، عندك فرصة عندما تضع هذه الورقة في صندوق الاقتراع، حاكِم هذا السياسي ولا تضع له إسمه 

رولا حمادة: خيارك ليس للمدى القصير ولأنه سيوظّف لك إبنك. توظف إبنك وبعد ثلاث سنوات ستكون حالتك بالويل لأنك انتخبته. يعني ماذا يفيد إبنك إذا توظّف وفي مقابله مئة ألف شاب بلا وظيفة؟ لا، ليت في استطاعتنا أن ننتخب أُناساً يمكنهم أن يؤسّسوا لدولة فيها عدالة اجتماعية ويكون الإنسان المناسب في المكان المناسب وليس من الضروري أن يكون عندنا واسطة لنتوظّف، لا، شهاداتنا توظّفنا ونخلق دولة، نؤسّس 

زاهي وهبي: والعدالة هي ميزان الاستقرار في الحقيقة، العدالة الاجتماعية وأن يشعُر المواطن بأنّه ليس مغبوناً وليس مظلوماً وليس حقّه ضائعاً، هذا الذي يجعله ينتمي 

رولا حمادة: لأنّ المظلوم والمغبون والذي حقّه ضائع يمكن أن يُصبح مجرماً، أليس كذلك؟ 

زاهي وهبي: طبيعي 

رولا حمادة: كي يتمكّن من إطعام أولاده ويعيش 

زاهي وهبي: "رولا"، هذه المشاهد الحلوة، المُبادرات الشبابية، مُبادرات الفنانين، مًبادرات المجتمع الأهلي إلى آخره، هذه المُبادرات المُتنوِّعة ومن كلّ المناطق التي تأتي إلى (الجميّزة) وإلى (مار مخايل) وإلى (الخندق الغميق)، عندما نذهب إلى وسائل الإعلام ووسائل التواصُل الاجتماعي نجد أشياء أُخرى، نجد الحروب الطاحنة ونجد التحريض الطائفي. لماذا لا ينعكس هذا المشهد الحلو الإيجابي في شكلٍ دائم على حقيقته؟ 

رولا حمادة: أنا لا أظن أن الشعب اللبناني هو مَن يقوم بالحرب الإلكترونية، يعني ليس فقط الشعب اللبناني 

زاهي وهبي: هناك أجهزة وهناك مخابرات 

رولا حمادة: هناك أجهزة وهناك أناس هذا عملهم، هذا إسمه الذباب الإلكتروني، ذباب عن جدّ. يحدثون حروباً ويجعلونك تفقد معنوياتك، أو إذا أحدهم قال كلمة يهاجمونه ويحطّمونه. على المرء أن يكون واعياً ومُنتبهاً ويتجاوز، لكن هذه من اللازم أن تكون على مُستوى شعب وليس فقط على مُستوى فردي 

زاهي وهبي: طبعاً، يكون هناك وعي وأيضاً تُمارِس وسائِل الإعلام والجهات، لا أدري، والأُسَر والمدارس والجامعات، كل مَن يؤثِّر يُمارِس دوره في بثّ الوعي وفي نَبْذِ المشاعر الطائِفية والمذهبية والمناطقيّة وإلى آخره. طبعاً "رولا"، الإنسان هو الأهمّ وهو الأولوية. الأرواح التي زُهِقَت هي أكثر ما نزعل عليه ونفتقده ولكن في نفس الوقت هناك جزء من ذاكرة، العمارة، العُمران، حضرتكِ طالبتِ على التويتر بالحفاظ على المباني التراثية 

رولا حمادة: الأثرية التراثية، وهذه الصوَر لم ألتقطها أنا بل أحضرتها من أحدهم. هناك قطع مُكسَّرة وعلى الأرض فلا ترموها، التقطوها لأننا نريد أن نعيدها إلى مكانها ونعيد إعمارها. أصلاً أنت تعرِف أنّ في (الحمرا) هناك "هنري" الذي أخذ من كذا بيت في (بيروت) وأنشأ بيتاً يأخذ العقل في (البترون)، بيت بيروتي تُراثي، هو أنشأه بيده، هو رسمه بيده. فكنت أفكّر فيه كثيراً في هذه الفترة وأقول: "ماذا حدث له"؟ ربما بيته في (بيروت) تهدَّم لكن يهمّنا شخصه معنوياً. نحن في النهاية لم نفقد فقط أناساً بل فقدنا عُمْراً. يعني أنت عندما تشتغل مثلاً لنقول قصيدة وتحترق قصيدتك، لا تزعل على الورقة، أنت تزعل على العُمر الذي أمضيته لكي تكتب هذه القصيدة على هذه الورقة. يعني يصير عندك هذا التعلّق العاطفي بالأشياء، ليس اللوحة في حدّ ذاتها، بل كم أنت استثمرت من نفسك وعواطفك في هذه اللوحة، وهكذا دوليك 

زاهي وهبي: من أجل هذا، مهم جداً الحفاظ على ذاكِرة المكان، يعني إبقاء المكان كما هو، عدم هدمه، عدم بيعه

رولا حمادة: أولاً. ثانياً إعادة إعمار المنطقة كما كانت، في بيوتها التراثية. لم يعُد عندنا هوية معالم في هذا البلد وصرنا نشبه كلّ العالم، مبان طويلة وكذا. لماذا مُكتظّة هذه المنطقة، لأنها لا تشبه مناطق أُخرى في المدينة، لأنها لا تشبه إلّا نفسها الذي يشبه الناس وحضارتنا وتُراثنا وعمارتنا. فأتمنّى يا ليت 

زاهي وهبي: أنظري إلى البيوت البيروتية القديمة كم هي جميلة 

رولا حمادة: أترى كم هي جميلة؟ أتريد أن تجلس في علبة ليس أفقياً بل عامودياً ليكدّسوا المال؟

زاهي وهبي: "رولا" نحن اليوم على سيرة المباني والمباني التي تهدَّمت، نحن غداة ذكرى "عدوان تمّوز" وانتصار (لبنان) والمقاومة على العدوان الإسرائيلي الغاشِم الذي تعرَّضنا له. كيف تستعيدين "عدوان تمّوز" في حرب الـ 2006؟ 

رولا حمادة: أنا فخورة جداً بانتصارنا على العدوّ الإسرائيلي، وهذا نيشان فخر على صدر الوطن، أرجَعوا لنا كرامتنا ورفعوا لنا رأسنا. هذه كلّ سنة أقولها وأُعاوِد قولها وإعادتها ولن أملّ من إعادة قولها، وإن شاء الله ليس فقط انتصار واحد، إن شاء الله انتصارات. وإن شاء الله نذهب كلنا ونُصلّي في (القدس) 

زاهي وهبي: يا رب، الله يسمع منكِ. آخر عمل مسرحي مثلما قلنا وسبق أن تحدَّثنا عنه، الوقت وصادف أن اليوم الحلقة مخصَّصة كتحيّة لـ (بيروت) و(لبنان) وللضحايا وأُسَر الضحايا، ولكن آخر عمل مثلما قلنا "رسالة إلى آن فرانك" كان تحيّة إلى (فلسطين) والقضيّة الفلسطينيّة، لا نزال في زمن تُطمَس فيه قضية (فلسطين) ومحاولات محوها من الذاكرة ومن الوجدان وأنت تريدين أن تقولي وتُذكّري 

رولا حمادة: مع أنّ هذا من غير اللازم أن ينطمس من الذاكرة ولا من الوجدان. هذه هي البوصلة، (فلسطين) هي البوصلة، وعندما تُصبح (فلسطين) حرَّة كل المنطقة ترتاح

زاهي وهبي: إذاً مفتاح حرية المنطقة هو حرية (فلسطين) 

رولا حمادة: مئة في المئة. أيضاً أُريد أن أُذكّرك بشيء آخر عندنا، عندنا عيد مئوية دولة لبنان الكبير. إن شاء الله بعد أن أمضينا هذه المئة سنة التي كانت سنوات بشعة وعُمراً ليس جيّداً ويؤلِم، إن شاء الله يكون موت هذه السنوات المئة ولادة جديدة لمئة سنة جديدة مختلفة، عين جديدة كما كنّا نتحدَّث

زاهي وهبي: بحُبّ بفرح، باستقرار وهناك دولة 

رولا حمادة: دولة حقيقية 

زاهي وهبي: وعدالة اجتماعية وهذه أهم مسألة 

رولا حمادة: صحيح، وأياد نظيفة تقوم بهذا الشعب وتخدمه بدل أن يخدم الشعب الدولة ويخدم مصالحها 

زاهي وهبي: "رولا حمادة" دائِماً أنا أستمتع بالحوار مع حضرتكِ، وأعتقد أن مشاهدينا ولو أنها مناسبة حزينة وهي كارثة مرفأ (بيروت) و(لبنان) بسبب الانفجار الذي حصل في مرفأ (بيروت)، لكن الكلمة الطيّبة دائِماً تُبلسِم الجرح ودائِماً تُكَفْكِف دمعة. شكراً لأنك شاركتِنا هذه التحية 

رولا حمادة: شكراً لك وشكراً على كلماتك الحلوة التي تظلّ تُتحفنا بها على كل مواقع التواصُل الاجتماعي بمُعزَل عن العلاقة الشخصية 

زاهي وهبي: أعتزّ بصداقتكِ "رولا"، أهلاً وسهلاً 

رولا حمادة: وأنا أيضاً 

زاهي وهبي: شرّفتِ "بيت القصيد". شكراً لفريق العمل والشُكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كل أنحاء العالم. نلتقيكم الأسبوع المقبل على خير بإذن الله 

 

             

           

 

البرنامج

إعداد
زاهي وهبي وغادة صالح
تقديم
زاهي وهبي
المنتج
غادة صالح
إخراج
علي حيدر
الايميل