• لا يمكن أن أهاجر لأنني تربّيت على فكرة أنّه من غير الممكن ترك هذه الأرض... أنا وُلدت هنا، تعلمت هنا، وكبرت هنا، لكي أعمل هنا ولكي أبقى هنا
    5:14 د.
  • الوضع الاقتصادي بالبلد هو الدافع لهجرة الشباب... وعلى الشباب أن يعمل على التغيير ويزيل الفساد لكي نعود ونبني لبنان
    6:36 د.
  • نحن مقدمون على مرحلة أصعب، وهذا الانهيار الاقتصادي الذي نعيشه سيكون أسوأ في مراحل لاحقة
    7:58 د.
  • هالبلد الصغير يلي بضم 18 طايفة هو غنى لبنان وميزته في الشرق الأوسط وفي كل دول العالم
    12:24 د.
  • عندما حصل الانفجار ورأيت المجتمع متعاضداً مع بعضه وخصوصاً الشباب... هذه الإرادة تعطيني أمل بأنّ هناك أمل في أن يتمكّن الشباب بالقيام بتغيير المستقبل في لبنان
    14:07 د.

الهجرة... هل هي حل أم أزمة؟

واقع الهجرة في لبنان منذ ما قبل تأسيسه ولغاية اليوم... العوامل الخارجية والداخلية التي أدّت إلى هجرة الشباب اللبناني وسبل مواجهتها... والأسباب التي تبقي الشباب في أرضهم.

 

 

المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم، أيامٌ ويحتفلون بمئويّة لبنان الكبير على مرأى من حفيد الجنرال غورو ومسمعه، يحتفل البعض بخفرٍ ويستجدي البعض الانتداب لكن من دون سؤالٍ حسابي بسيط كم من أحفاد لبنانيي المئة الأولى بقي صامداً، وكم سيبقى في المئويّة الثانية طبعاً إن وُجد، فخرائط الدول وديمغرافيّتها تتبدّل، تتبدّل، تتبدّل. لبنان ميشال شيحا مرفأٌ ومصرف والإثنان "كفّكم عالمعنّى"  و"تخبزوا بالفرح"، وطارت السياحة ومرض الاستشفاء، "حتى شلعات المعزة بطّلت تتعمشق عالجرود". أينما اتجّهتَ بعد كارثة المرفأ ستجد مَن يخبرك أن أبناءه سيهاجرون مثلما فعل أجدادهم في سفر برلك وقبل تأسيس لبنان الحالي. صحيحٌ أن الهجرة موتٌ للأمّ الوطن ولكن نسأل عنه الذين بقوا، نسأل عنه الجيل الصاعد، نسأل الباقين ماذا أبقيتم من لبنان، ولأننا ضدّ الهجرة ومع بناء وطن وقيامته ونعمل لأن يكون له دورٌ، نسأل شبابه عنها وعن دورهم الوطني، نسأل الناشطة الاجتماعية ربى حداد، والناشط المُتخصّص في العلوم السياسية شادي نشّابة، والمُتخصّصة في الإعلان والتسويق رولا عبّود، والناشط المُتخصّص في العلاقات العامة رامي أبو دياب، قبل أن نخوض معهم في الحوار تقريرٌ عن هجرة الشباب اللبناني.

تقرير: 

لم يكن الشباب اللبناني ينتظر كارثة انفجار مرفأ بيروت كي ترتفع أصوات الهجرة لأن الواقع الاقتصادي بعد الانهيار المالي والأمني والدولتي وفقدان الوظائف وكورونا كانت كفيلةً بأن يكون المطار وجهة الكثيرين، وأتت الكارثة لتُعمّق هذا التوجّه.

الهجرة في لبنان تعود إلى ما قبل تأسيسه بكثير قبل مئة عامٍ ورافقته خلالها من جرّاء الجوع والقلق والحروب وطمعاً في طلب الرزق والثروة، وتحوَّلت إلى اغترابٍ طويل، حتى إن البعض يرى أنها من ركائز اقتصاده ناسياً أن 46% من المُهاجرين هم حملة إجازاتٍ جامعية، وأن 83% من عددهم هم من الشباب.

بعد الكارثة فتحت أستراليا وكندا أبوابهما للهجرة وهي أصلاً لم تتوقّف، فيما ينزع الشباب من الجنسين لإيجاد فُرَص عملٍ في الخليج، وبما أن لبنان يكره الدراسات السكانية ولا إحصاء رسمياً فيه نجد شحّاً في الأرقام، حيث أشارت وزارة الشؤون الاجتماعية قبل نحو 20 عاماً إلى هجرة 44 ألف لبناني سنوياً، وارتفع الرقم قبل 15 عاماً إلى نحو 60 ألف مهاجرٍ سنوياً، في حين أن 37% من الهجرة حدثت بعد انتهاء الحرب الأهلية.

صحيحٌ أن الكثير من اللبنانيين حقَّقوا نجاحاتٍ في المال والأعمال والثقافة والسياسة في البلدان التي هاجروا إليها، لكنّ الكثيرين حقّقوا كفاف يومهم، فيما يعاني البلد من هجرة العقول والكفاءات.   

غسان الشامي: تحيّةً لكم من أجراس المشرق، سأبدأ من عندكِ مباشرةً، لماذا لم تهاجري؟  

ربى حداد: مساء الخير أولاً، ربما ستكون إجابتي شاعرية ولكن هذا هو الواقع، أنا لا أستطيع أن أهاجر لأنني ترعرعتُ في منزلٍ علّمني أن هذه الأرض لي وإذا هاجرتُ فلمَن سأتركها. أنا وُلِدتُ هنا، تربّيت هنا، تعلّمت هنا وكبرت هنا لأعمل ولأبني هنا، وإذا هاجرتُ فإنني سأقدّم تعبي وجهدي لغريبٍ يستثمره، لماذا؟ بإمكاني أن أبقى وأن أبني وأن أغيّر، وهذا يحصل جيلاً بعد جيل.  

غسان الشامي: بعد كل هذه الكوارث تستطيعين أن تبقي وتبني؟ 

ربى حداد: خاصّةً بعد هذه الكوارث، إذا استسلمنا وهاجرنا فمَن سيبني ومَن سيبقى؟ أنا أؤمِن بأن هذه الكوارث ستستمر في بلادنا. 

غسان الشامي: بشّركِ الله بالخير.

ربى حداد: للأسف لأنها ليست كوارث غير مرتبطة بالأرض، طالما هناك مَن يطمع بأرضنا فسنكون من كارثة إلى أخرى ومن حربٍ إلى حرب ومن فاجعة إلى فاجعة كي نستسلم ونهاجر، ولكن لن أهاجر وسأبقى هنا وسأعمل.

غسان الشامي: في الواقع أم في الشعر؟ في الحلم أم في الحقيقة؟ 

ربى حداد: في الواقع.

غسان الشامي: ما هي أسباب الهجرة؟

ربى حداد: هناك أسباب كثيرة للهجرة: الوضع الاقتصادي في البلد هو بالتأكيد دافع لهجرة الشباب، الواقع المعيشي في البلد هو بالتأكيد دافع لهجرة الشباب. أنا لا أستطيع أن ألوم أحداً إذا استسلم وهاجر ولكنني لا أتمنّى حصول ذلك لأننا أولاد هذه الأرض، إذا لم نعمّر ونبني وإذا لم نغيّر، نحن نطالب بلبنانٍ جديد ولكننا ماذا فعلنا على الأرض لنغيّر، كي نقتلع هذا الفساد ونبني من جديد كما يجب.   

غسان الشامي: نفس السؤال لك أستاذ نشّابة، ألن تهاجر؟

شادي نشّابة: حتى اللحظة لا، في أكثر من مرحلة من حياتي فكّرت بالهجرة لكن في اللحظة الأخيرة أتراجع عن قراري.

غسان الشامي: شعرياً؟

شادي نشّابة: كلا، هذا ما حصل معي، بقيت لأنه لا زال لديّ ما أقدّمه لهذا البلد، وكما قالت زميلتي إننا مقبلون على مرحلة أصعب، حتى الانهيار الاقتصادي الذي نعيشه اليوم هو ليس الأزمة الفعلية، نحن في بداية الأزمة الاقتصادية ولكن عندما ينسدّ الأفق أمامك عندها قد تفكّر بالهجرة ولكن حتى اللحظة لا أفكّر في الموضوع، وأريد أن أبقى في هذا البلد، وانفجار بيروت عزّز فكرتي بالبقاء في هذا البلد لنبدأ بلبنانٍ جديد.  

غسان الشامي: شادي تعلم أن المشكلة بعد هذا الانفجار هو أنك إذا سألتَ أحدهم يقول لك إن البلد انتهى، أنت تمشي عكس السير، بمعنى أنه يسأل لماذا أبقى، هل سألتَ نفسك لماذا تريد البقاء؟   

شادي نشّابة: بصراحة رغم مأساة الانفجار والضرر الكبير الذي خلّفه ولكنني لمست اهتمام المُغتربين اللبنانيين بالبلد، اهتمام الكثير من الدول بلبنان والوقوف إلى جانب شعبه، ثقافة اللبناني تجعلك تتمسّك بهذه الأرض، بهويّتك. وفي الوقت نفسه دول الخارج ليست بأفضل حالٍ من لبنان، دول الخليج العربي اليوم في مأزق اقتصادي وتحاول جَذْب مواطنيها إلى العمل. الوضع الاقتصادي في أوروبا ليس بأفضل حال كثيراً، والوضع الاقتصادي في أميركا أيضاً وجائحة كورونا، إذاً صحيح أن أزمتنا كبيرة لكن الدول الأخرى ليست بأفضل حال. طبعاً التأمين الاجتماعي، الصحي، الواقع الاقتصادي ربما أفضل بكثير منا ولكن في الوقت نفسه ولكن هناك عوامل تدفعك للتمسّك بالأرض وهي الأمور التي ذكرتها سابقاً. 

غسان الشامي: أنت كناشط ومُتخصّص في الشأن السياسي أليس لهذه الهجرة أسباب سياسية؟ 

شادي نشّابة: للهجرة ثلاثة أسباب: سياسية وأمنية واقتصادية.

غسان الشامي: حدّثني عن السياسية وننتقل إلى الأسباب الأخرى في ما بعد. 

شادي نشّابة: طالما أنه لا توجد ثقة بأداء الدولة والسلطة في لبنان فإن نِسَب الهجرة في ازدياد. أنا أضمن لك اليوم أنه إذا كان هناك 80% من الشعب اللبناني بحسب آخر إحصاء لديه نيّة الهجرة إذا سنحت له الفرصة، إذا قدّمت السلطة في لبنان للشعب اللبناني رزمة من الإصلاحات وعقدت اتفاقاً سياسياً إقليمياً في المنطقة كما حصل في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف فإن هذا الرقم قد ينخفض حتى النصف. فاليوم السياسة تلعب دوراً رئيسياً، إذا تكلّمنا عن المركزية الإدارية في البلد، إذا اعتمدنا النظام اللامركزي.    

غسان الشامي: سنتحدَّث لاحقاً عن النظام. أولاً هل لديكِ تعليق على ما قالوه قبل أن أسألكِ لماذا بقيتِ؟

رولا عبّود: أنا أوافق على معظم الأفكار التي قالوها، إذا أردتَ أن أجيبك على نفس السؤال لماذا لا زلت في لبنان فأنا بالإضافة إلى ما ذُكر... 

غسان الشامي: رولا عبّود، أنتِ ما الذي يبقيكِ؟

رولا عبّود: هذا صراعٌ عشته في مراحل كثيرة من حياتي، أذهب أم أبقى في لبنان، وكان هناك العديد من المغريات من ناحية العمل ومن ناحية الحياة ورفضتها جميعاً. أعتقد أن الحياة في لبنان مختلفة عن العديد من دول العالم، لديّ انتماء للوطن، لديّ حبّ لبيروت، عشت تجارب في الخارج، طبعاً الحياة هناك أسهل، هناك تسهيلات وشعور بالطمأنينة لم نعشه على الإطلاق في لبنان، بإمكانك القيام بمشاريع، بإمكانك أن تعمل، أن تنجح، كل هذه الأمور صعبة في لبنان ولكن في الوقت نفسه الحياة الاجتماعية في لبنان، هذا الاختلاف، هذا البلد الصغير الذي يضمّ 18 طائفة.  

غسان الشامي: هذه هي مصيبته، البعض يقول إن هذه مصيبة البلد.   

رولا عبّود: على العكس أنا أرى في ذلك غنىً للبنان، هذه ميزة لبنان في الشرق الأوسط وفي كل دول العالم أن تجد هذا التنوّع.

غسان الشامي: ولكن كما قال زياد الرحباني " كل مدّة بطوفوا على بعضهم". 

رولا عبّود: ربما لأنه لم ينوجد بعد النظام الذي نستطيع أن نعيش جميعنا تحت ظلّه وتكون كل الأطراف فيه وكل الأديان وكل التوجّهات السياسية لا تشعر فيه بالخطر، ربما الدولة المدنية تكون هي الحل. 

شادي نشّابة: هذا الموضوع هو نعمة ونقمة، نعمة إذا عرفنا كيف نستغلّ موضوع التنوّع الطائفي في البلد، ونقمة بسبب نظام المُحاصَصة الذي نعيشه، فإذا طوّرنا النظام وحوّلنا هذه النقمة إلى نعمة فيمكننا بناء بلد يحترم مواطنيه. 

غسان الشامي: سنرى معكم كيف نحوّل النقمة إلى نعمة ولكن أريد أن أكمل مع رولا عبود، بلد مُفلس، بلد مُستلَب، بلد مُشلَّع، مساعدات، في ظل هذا الوضع ما هي مقوّمات بقاء شباب لبنان؟ 

رولا عبّود: في ظل هذا المشهد السوداوي ولكن بعد حصول هذا الانفجار الكبير وبعد أن رأينا تكافُل الشباب والمجتمع المدني وكل الناس والعمل على إعادة إعمار بيروت، هذه الإرادة الموجودة لدى الشعب اللبناني وبخاصّة لدى الشباب، هذه المرة الأولى التي يتحرّك فيها الشباب في لبنان بهذه الطريقة إنْ كان في الثورة أو وقت الكارثة تجعلني أمتلك الأمل بأن هناك شيئاً ما تغيّر وأن الشباب سيكون له دورٌ في تغيير وتحسين مستقبل لبنان.   

غسان الشامي: حين كنتِ تنزلين إلى الشارع هل سألتِ الشباب لماذا يريدون الهجرة؟ أليس لديكِ رفاق يهاجرون؟ 

رولا عبّود: بالتأكيد وحتّى المغتربين حينما يعودون إلى لبنان أتحدَّث معهم في هذا الموضوع. بالتأكيد بالدرجة الأولى هناك أسباب اقتصادية، حينما يفقد الشباب الأمل بإمكانية شراء مسكن أو بناء مستقبل فمن الطبيعي أن يُفكّروا بالهجرة، وهناك مَن يُفكّر بأنه يعمل حالياً ولكن في المستقبل لا يوجد ضمان للشيخوخة، هناك مشاكل اجتماعية صعبة في لبنان، حتى إذا وجد الإنسان وسيلة للعيش فإنه سيعيش مُتعباً طيلة حياته، حتى الذين هم في الخارج ربما يعيشون في أجواء مريحة ولكن دائماً ينقصهم لبنان. 

شادي نشّابة: حتى أسباب الهجرة الاقتصادية تختلف اجتماعياً بين طبقة وأخرى، لديك طبقة مُتعلّمة وطبقة غير مُتعلّمة، عاملون وغير عاملين، تختلف من فئة إلى أخرى في موضوع أسباب ودوافع الهجرة.

غسان الشامي: هناك علماء اجتماع واقتصاد فتفتوا أسباب الهجرة ويعتبرون أن 45% من أسباب الهجرة اقتصادية. سأنتقل إلى رامي أبو دياب، صديقي لديّ شعور بأنك مُتأهّب، هل جواز السفر في جيبك؟ هل ستغادر؟ 

رامي أبو دياب: أبداً، دائماً أُسأل هذا السؤال من زملائي في العمل، من أساتذتي في الجامعة، الهجرة هي أمر صعب، وأكبر عامل يدفعني للبقاء هو أهلي، أنا تربّيت في الجبل على مبادئ وقِيَم لن أجدها في الخارج، لماذا لا أستخدم ثقافتي وذكائي في لبنان؟ لبنان بحاجتنا نحن الجيل الصاعِد. لديّ حسّ وطني بغضّ النظر عمّا حصل من حروب مثل حرب تموز، مثل الانفجارات وأمورٍ أخرى عايشناها، من الصعب علينا أن نهاجر، ربما أنا أفكّر على عكس المجتمع.   

غسان الشامي: ألم يهاجر أحد من عائلتك؟ 

رامي أبو دياب: بالتأكيد، أخوالي جميعهم في المهجر ولكنهم لا يعيشون حياةً مريحة، حياة عمل والزمن يسبقهم، يكبرون بعيداً عنا، لا نعرف أبناءهم، فهذا الوضع صعب أيضاً على أهلهم في لبنان، ولا أريد أن أكرِّر هذه التجربة وأتسبَّب بحزن أهلي، أهلنا تعبوا من أجلنا لنساعدهم حينما نكبر فلماذا أترك أمّي موجوعة القلب وإبنها في المهجر. 

غسان الشامي: زملاؤك في الجامعة ماذا يقولون؟ ما هو تعليقهم على كل ما يحصل في لبنان؟ وماذا ينوون؟

رامي أبو دياب: لا يمكنك أن تنتظر من هذا الجيل كلاماً واقعياً، كلنا نقول إننا سنهاجر وأن الهجرة أمر سهل وإنما هي في الحقيقة صعبة جداً، من الصعب أن تذهب إلى مكانٍ جديد وتتعرّف على حياةٍ جديدة ومنطقٍ جديد، ربّما أنت تربّيتَ في لبنان على أمرٍ لا تجد من يساعدك عليه في الخارج، هذا كلام، الهجرة صعبة جداً على عكس ما يعتقد البعض بأنها حلم كبير.   

غسان الشامي: نتيجة إيجابيّتكم أنا مضطر أنا أتّخذ دور محامي الشيطان، بهذا الكمّ من الانتماء، بالفعل هذا شيءٌ يُسعدني ويسعدنا جميعاً. أريد أن أسألك برأيك هل العلاقات الطائفية المُتوتّرة، تعرف مشاكل 1958 و1975 وبعد 1975 نوعٌ من السلم الأهلي الذي لم يُجبر عظمه، ما علاقة هذا برؤية الشباب في أن يهاجروا؟ هل يعتقدون بأن هناك حروباً قادمة؟  

رامي أبو دياب: برأيي أن أهلنا لم يربّونا على مبدأ الحرب الأهلية التي حدثت في لبنان، نحن لم نتربَّ على هذه الطائفية وهذا التشدّد العصبي أننا ضد هذه الطائفة أو أن هؤلاء قتلونا أو غير ذلك. هذا الجيل الصاعد برأيي بعيد جداً عن هذه الأمور، نحن لم نحضر الحرب الأهلية، ولم تُذكَر في كتب التاريخ أو في مناهج المدارس والجامعات، نحن تربّينا على الفينيقيين وما إلى ذلك، إذاً نحن لم نتربَّ على هذا التعصّب، صحيح أن هناك طائفية في لبنان ولكن هذا الجيل الشباب بعيد عن هذا الأمر. يخافون حالياً من الحرب الأهلية وما يحصل في لبنان ولكن على العكس رغم كل ما مرّ به لبنان من حروب وانفجارات وصراعات سياسية من أبناء الجيل القديم ربّما من أهلنا أو من غير المُثقّفين، إذاً نحن بعيدون عن هذا الأمر بالتأكيد. بعد الانفجار الأخير رأينا المسيحي والدرزي والسنّي والشيعي كيف تكاتفوا مع بعضهم البعض وذهبوا إلى منازل بعضهم البعض.   

غسان الشامي: أرأيتَ عندما ذكرنا المسيحي والدرزي كيف عدنا إلى التقسيم.   

ربى حداد: أريد أن أضيف شيئاً، فعلياً نحن شعب جيّد لولا هذا التطرّف المُتأتّي من أرباب السياسة، الشعب مُتعايش ومرتاح ولا يفكّر بهذه الأمور. لا شك بأن هناك رواسب طائفية ولا شك أننا تربّينا على أخبار الحرب الأهلية، شئنا أم أبينا نحن نتيجة هذه الحرب ولكن إذا تخلّصنا من أخبار جدّي وجدّتي وإذا تخلّصنا من شدّ العصب الطائفي، المشكلة ليست بتعدّد الطوائف والمذاهب في لبنان، دين الله لا يأمر بقتل أخيك أو جارك ولكن شدّ العصب الطائفي الذي يُحرّكه مسؤولونا كلّما اهتزّت الكرسي تحتهم، فيحيون ذكرى الحرب الأهلية في ذاكِرة الناس، وكما قال زميلي بالفعل لا أحد يعلم ماذا حصل لأن كل حادثة لها وجهات نظر مُتعدِّدة وكل طرف يعتبر نفسه مُحقّاً. 

رامي أبو دياب: هذا الأمر يعود إلى التربية في المنزل والأهل والجذور، نحن جيل لم نعش الحرب الأهلية، صحيح إننا نطّلع على الأخبار والمقالات ونحبّ أن نعرف تاريخنا. 

شادي نشّابة: الموضوع حالياً ليس موضوع حرب أهلية، نحن نعيش كارثة اقتصادية، الإسكوا تقول إن 55% من الشعب اللبناني في العام 2020 أصبح دون خط الفقر، إذاً موضوعنا اليوم ليس الحرب الأهلية أو الطائفية، لدينا مشكلة رئيسية علينا أن نواجهها، مشكلة الفقر والبطالة هي مشكلة كبيرة جداً، إذاً ليست الطائفية هي التي تؤدّي إلى الهجرة.

غسان الشامي: هذا في الشأن الاقتصادي، سأعود إليك بهذا الخصوص، الكلام على أن هذا الجيل لم يتربَّ على حربٍ أهلية ولكن كل ما نعيشه الآن هو لأننا طمرنا الحرب الأهلية من دون أن ننقدها.   

ربى حداد: ليس فقط لأننا طمرنا الحرب الأهلية بل لأننا طمرنا حقدها معها، فعلياً المصالحة التي حدثت بعد الحرب الأهلية وقرّر فيها الزعماء التسامُح في ما بينهم. 

غسان الشامي: هم مَن استلموا السلطة.

ربى حداد: هذا ما أردتُّ قوله، تصالحوا في ما بينهم واستلموا السلطة واتّفقوا أنه في حال أخطأوا نحاسبهم على كل ما مضى، ولكن هل هم فعلاً أعدّوا قاعدة اجتماعية واعية لتتعايش في ما بينها؟ هل بحثوا قضية المفقودين وإعادتهم إلى أهاليهم؟ حتى اليوم لا يزال هناك أهالٍ ينتظرون عودة أبنائهم المفقودين ولا يمكنك أن تقول لهم لا تنتظروا، الجميع يقول إن فلاناً أخذ فلاناً وفلاناً خطف فلاناً، على سبيل المثال حين أذهب إلى الجبل مع أمّي تتذكّر كل حادثة حصلت معها في كل زاروب خلال الحرب الأهلية. هذه الذاكرة الاجتماعية التي نحن بحاجة إليها كي نشفى من الحرب ونكمل، وبالطبع نحن عشنا صدمات، أهلنا عاشوا صدمات يجب أن يشفوا منها كي يكملوا ويربّوا جيلاً واعياً على المواطِنة وهذا لم يحصل، الساسة طمطموا الأمر وأنهوا الحرب وتركوا الباقي للشعب. 

غسان الشامي: إسمحوا لنا أن نذهب إلى فاصل، أعزائي سنتابع بعد الفاصل موضوع هجرة الشباب اللبناني، انتظرونا.

المحور الثاني: 

غسان الشامي: أحيّيكم مُجدّداً من أجراس المشرق، رولا عبّود هناك سفارات بعد الكارثة التي حلّت بالمرفأ مباشرةً طفح لديها الكَرَم وقالت إنها فتحت باب الهجرة، أحدّد أستراليا وكندا، وفرنسا أمّنا الحنون بدأت بإعطاء التأشيرات وعلى الأغلب هي للطلاب، هل هذا مقصود؟ كيف قرأتِ أنتِ كشابّة في هذا المجتمع أن يُقال لكِ هذا باب الهجرة مفتوح؟ 

رولا عبّود: أعتقد أن هذا له أسباب سياسية ويستهدف طائفة مُعيّنة في لبنان، لا أعلم إذا كان المقصود منها الشباب المسيحي، تغيير هوية لبنان، تفريغ الأرض أو أسباب أخرى.  

غسان الشامي: ألهذا الحدّ الشباب المسيحي هشٌّ وبمُجرّد أن نقرع الجرس يجمعون حقائبهم ويهاجرون؟

رولا عبّود: إذا كنتَ تسألني كشابّة فأنا لست هشّة ولكن الواقع اليوم الذي عاشوه بعد حرب التحرير، حرب الإلغاء، بعد سلسلة مآسٍ في الشارع المسيحي أعتقد أن الشباب المسيحي تعب من كل هذه المآسي. أسمع كثيراً من الناس أنهم يريدون الرحيل من لبنان ولم يعد لديهم إيمانٌ بالتغيير وبأن هذا البلد ليس لهم وبأنهم أصبحوا أقلية. هناك أمور نسمعها اليوم في الشارع لم نكن نسمعها من قبل، هذا الشعور بالخوف ننا أصبحنا أقليات وغير محميين أعتقد بأنها تدفع الأكثرية نحو الهجرة، لا عِلم لديّ بالإحصائيات ولكن أغلبية الهجرة الحاصلة اليوم هي من الطائفة المسيحية خاصة في الأشهر الأخيرة.  

غسان الشامي: لديكَ رأيٌ آخر على ما أعتقد. 

شادي نشّابة: خلال الحرب الأهلية، بعد اتفاق الطائف كانت الهجرة المسيحية أعلى من الهجرة الإسلامية، منذ 1994 وحتى اليوم تشير الأرقام إلى أن هجرة المسلمين أعلى من هجرة المسيحيين، وفتح السفارات ليس من أجل هجرة الشباب المسيحي، أولاً كندا وأستراليا فتحتا باب الهجرة منذ وقتٍ طويل.  

غسان الشامي: إذا لاحظتَ بعد الكارثة مباشرةً أعلنتا جهاراً نهاراً.

شادي نشّابة: قرأتُ تقريراً اليوم عن موضوع كندا بالتحديد، 30 ألف تقدّموا بطلباتٍ للهجرة في العام 2020 اختير منهم ثلاثة آلاف. كندا وأستراليا هما دولتان بحاجة للسكان بسبب فتح مدن جديدة والحاجة إلى اليد العاملة اللبنانية وغير اللبنانية، أما بخصوص فرنسا فالموضوع سياسي لأننا نعرف الصراع الفرنسي - التركي في المنطقة وتريد فرنسا أن تُظهر أن لها دور رئيسي في لبنان، هذا بمواجهة حرب الشرق المتوسّط بينها وبين تركيا، إذاً هناك تسابق بين الدولتين في الملف اللبناني. أما بخصوص الهجرة بشكل عام قبل وبعد 4 آب، قبل 4 آب كان هناك 2300 قادم إلى لبنان و 3100 ألف مغادر، بعد 4 آب أصبح الرقم 2100 قادم و 4100 مغادر، إذاً نسبة الهجرة تزداد يوماً بعد يوم، وهناك 80 ألف لبناني يمتلكون جوازات سفر أخرى غير اللبنانية. 

غسان الشامي: ما رأيك بالموضوع رامي؟ 

رامي أبو دياب: أنا مع رأي زميلي بالتأكيد، ولكن أنا أخالفكِ الرأي ليس من بابٍ طائفي، في زمن رئيس الجمهورية ميشال عون دخل الكثير من الطائفة المسيحية إلى السلك العسكري ورأيتهم يجرون مقابلات على الطريق في الغولف، هو أدخل الكثير إلى السلك العسكري.

غسان الشامي: سأسألكِ عن أمرٍ تكلّمتِ عنه ولا يجب أن نمرّ عليه مرور الكِرام، هل بعد 4 آب كان لديكَ إحساس بأن هناك مؤامرة لسحب الشباب اللبناني بمعنى ما كما سحبت الحرب في سوريا الشباب، سحبت الناس المُختصّين، وكذلك الأمر في الحرب العراقية، هل أحسستم أن هذا الأمر معروض عليكم لتهاجروا؟ 

رامي أبو دياب: أعرف الكثيرين من النوابغ في لبنان هاجروا للأسف ويستخدمون هذه النابغة في غير بلدهم. برأيي أن حادثة انفجار المرفأ هي أمرٌ متّفق عليه من قِبَل الكثيرين، أنا لا أعرف الكثير من التفاصيل ولكن برأيي أن هذه الحادثة جعلت الناس أكثر تكاتفاً وخلقت لدى الشباب الحسّ الوطني من معماريين ومهندسين بقوا في لبنان ليُعيدوا بناء مار مخايل، الجمّيزة، ربّما في الخارج لديهم فُرَص أكبر ولكن بسبب الدمار والخراب في لبنان بقوا، أنا أعرف الكثير من المهندسين تطوّعوا لإعادة ترميم الجمّيزة ومار مخايل. 

غسان الشامي: ذكرتِ أمراً، قلتِ إنكِ لستِ هشّةً ولكن الواقع هشّ وقلتِ إن الشباب المسيحي لديه هذا الشعور المُتأصّل منذ الحروب التي حصلت، ولكن أين هم هؤلاء القادة الدينيون الذين يتنطّحون ويقولون لبنان ولبنان، أين هم من هؤلاء الشباب؟

رولا عبّود: برأيي أن القادة الدينيين لا يقومون بالدور الذي يُفترض عليهم القيام به في المجتمع خاصة تجاه الشعب المسيحي، لا أحبّ أن أتحدّث بطريقة طائفية ولكن هناك عائلات مسيحية أصبحت على باب الفقر، يموتون على أبواب المستشفيات، لا يستطيعون إطعام أبنائهم، ليس لديهم مسكن، لم تُفتح باب الأديرة لهم لاحتضانهم ومساعدتهم بالرغم من أننا نعرف أن الكادر الديني لديه القدرة المادية والتنظيمية لتقديم المساعدات والوقوف إلى جانب الشعب المسيحي، أعتقد أن هذا الدور خجول. لو تسمح لي أن أضيف فكرة في قضية الشباب المسيحي، إذا ربطنا المشهدية الحاصلة في لبنان بما حصل في المحيط العربي، في العراق، في سوريا نجد أن الهجرة كانت بنسبة كبيرة من المسيحيين.  

غسان الشامي: ليس بالضرورة، ربما في العراق أكثر ولكن سأعطيكِ الأرقام، هناك 8 ملايين سوري خارج سوريا منهم 600 ألف مسيحي، طبعاً إذا أخذتِ النسبة والتناسب فالأمر مختلف.

رولا عبّود: إذا قلنا المسيحيين الذين غادروا سوريا إلى ألمانيا أو كندا أو فرنسا وأسّسوا حياةً جديدة في الخارج هل سيعودون إلى سوريا؟ 

غسان الشامي: لا أعلم، أنا شخصياً لا أعلم بالغيب.

رولا عبّود: غير النازح من سوريا إلى لبنان، هذا يجعلنا نشعر بالخوف على الوجود المسيحي في الشرق ككل. 

ربى حداد: لديّ تعليقان لو تسمح لي.

غسان الشامي: باختصار لو سمحتِ لأنني أريد أن أسألكِ شيئاً آخر.

ربى حداد: في موضوع العراق والشام ولبنان والهجرة الموحّدة لا شك كما قلت من قبل إن هناك صراعاً على الأرض، هناك مُخطّط لتحويل هذه الأرض إلى إيديولوجيا جديدة وصراع جديد فمن الطبيعي حصول كل هذه الكوارث لتهجير الشباب. أما موضوع أنه فقط لتهجير المسيحيين فهو غير دقيق لأنه وفقاً للإحصائيات فإن عدد المسيحيين هو أقل من عدد المُحمّديين في البلاد، وأنا لا أرى أيّ رابط بينهما. أما في ما يخصّ موضوع رجال الدين فإن عبارة واحدة جالت في خاطري وأتمنّى أن تتحقّق وهي فصل الدين عن الدولة لأنه لو اهتمّ رجال الدين برعاياهم وبالصلاة وبما يجب عليهم فعله ويتركون السياسة وأوضاع البلد جانباً فإننا سنكون بألف خير. اليوم حين يقول رجل الدين أنا أريد الحياد فهو قد باع الأرض، حينما يقول رجل الدين إن فلاناً خط أحمر فهو قد باع الأرض، عندما يتكلّم رجل الدين في السياسة ويُجاهِر في الوقت الذي يجب عليه كما قالت زميلتي أن يفتح الدير ويُقدِّم المساعدات، في حين أن مدرسة تابعة لديانة مُحدّدة تطرد المُعلّمات تعسّفياً ولا تعطيهم حقوقهنّ وتعتاش هي والدير على رواتب الأهل ولا يُطبّقون دين الله فأنا لا أريدهم. 

غسان الشامي: ربما أوافقكِ الرأي كثيراً ولكن أريد أن أعود إلى موضوع الهجرة، ذكرتِ المدارس، هل التعليم والتغريب في لبنان عامل من عوامل استسهال الهجرة؟

ربى حداد: لنكون صريحين المنهاج التعليمي في لبنان هو منهاج قديم وخاطئ، هو برنامج غير كُفء للتعامل به، البرنامج التعليمي الأكاديمي في لبنان لا يدعو إلى المواطنة ولا ينشر الوعي في ما يخصّ البلاد. نحن ندرس جغرافيا مغلوطة، وندرس تاريخاً عبارة عن حشو كلام لا يفيدنا في الواقع كما قال زميلي في بداية الحلقة، لا يفيدنا في الواقع لأنه لا يعطينا إلا ما يريدون هم أن نعلمه، هذا أولاً. ثانياً حينما نتخَّرج من المدرسة أو عندما نكون في مرحلة الشهادة المتوسّطة لا يتمّ إخبار الطالب بأن لديه خيار التعليم المهني في الوقت الذي نفتقد فيه في لبنان التعليم المهني ونفتقد المِهَن الحرة لأنه وفق الراسِخ لدينا ووفق الثقافة التي نحملها من فرنسا أمّنا الحنون أننا يجب أن نكون مهندسين وأطباء لأجل "البرستيج"، وأن نسافر إلى الخارج ونتخصّص ونعود في الوقت الذي لا يطلب سوق العمل في لبنان هذه الاختصاصات، فمن الطبيعي في هكذا نظام تعليمي ألا نجد فُرَص عمل. التغريب هو ثقافة، حين أتقن عدّة لغات فهذا فخر لي وهو ثقافة عامة ودليل غنىً وليس دليل فقر، ولكن هذه اللغة لا تصنع الإنسان، أخلاقك وعملك وتعبك هو الذي يصنع إنساناً كفوءاً ومواطناً صالحاً. 

غسان الشامي: تماماً.

رولا عبّود: ولكن لا بدّ من أن نشير إلى أن التعليم العالي اليوم خاصة في بلاد الغُربة أقل كلفة من لبنان، وهذا ما يدفع الطلاب إلى الهجرة طلباً للعلم لعدم قدرتهم على تغطية تكلفة التعليم في لبنان. جميعاً نعرف أن الجامعة اللبنانية أصبحت مُكتفية ولا تحتمل المزيد من الطلاب.

ربى حداد: أنا خرِّيجة الجامعة اللبنانية وأفتخر بذلك ولكن الجامعة اللبنانية غير أنها مغبونة الحق وتحصل على نفس المُخصّصات من الدولة كما الجامعات الخاصة، الجامعة اللبنانية مبنيّة على مُحاصَصة طائفية شاء مَن شاء وأبى مَن أبى، في الفرع الأول يتمّ تحديد عدد المسيحيين والمسلمين، في الفرع الثاني كذلك الأمر.  

غسان الشامي: في البرغل هناك طائفية.

ربى حداد: الحمد لله، غير أن الجامعة اللبنانية لا تأخذ حقّها، أبنيتها مُهترِئة، أساتذتها يعطون من قلوبهم، الجامعات الخاصة أكلت الجامعة اللبنانية وكل ذلك بالمُحاصَصة.  

غسان الشامي: إسمحي لي أن أنتقل إلى أستاذ شادي، الدولة والاقتصاد، ماذا يجب على الدولة أن تقدّم للشباب؟ ماذا يجب على عتاة الاقتصاديين وعتاة الذين أثروا من عرق اللبنانيين وتحديداً في الثلاثين عاماً الماضية أن يُقدِّموا؟

شادي نشّابة: أولاً نظامنا الاقتصادي هو نظام رَيعي منذ ثلاثين عاماً حتى اليوم، هو نظام اقتصادي خاطئ مبني على تحصيل المال من الخارج، ليس لدينا نظام اقتصادي مُنتِج، أولاً يجب أن نذهب باتجاه نظام اقتصادي مُنتِج، أن ندعم الزراعة المحلية، الصناعات المحلية، أن ندعم المُبادرات الشبابية والمؤسَّسات الصغيرة، أن ندخل في صناعة تكنولوجيا المعلومات وغيرها من الصناعات، هذا في الشقّ الأول في نوع الاقتصاد الموجود في البلد. ثانياً على الدولة أن تدعم وتُسهِّل وتقدِّم القروض المُيسَّرة للشباب المُتخرِّج حديثاً من الجامعات لتقديم الأفكار، وأن نُحدِّد القطاعات التي يحتاجها البلد والمنطقة، وأن نبدأ بتحديد القطاعات التي نريد أن ندعمها. ثالثاً النُخَب الشبابية، تحدَّثت زميلتي عن موضوع القطاع المهني وهو أهم قطاع في ألمانيا، يجب أن نذهب إلى مدارس التدريب المهني ونختار الاختصاصات المبنية من ضمن استراتيجية تضعها الدولة للاقتصاد اللبناني على خمس سنوات مقبلة مثلاً، إلى كم شخص أحتاج في هذا القطاع وفي ذاك.    

غسان الشامي: هناك عداوة بين الدولة والدراسات.

شادي نشّابة: بالتوازي مع تشريعات وإصلاحات من قِبَل الحكومة ومن قِبَل البرلمان اللبناني ربّما نستطيع التوجّه بالاتجاه السليم، هنا تحدَّثنا عن الحل أما إذا تحدَّثنا عن الواقع فللأسف بعض الزعماء في لبنان المُسيطرين على السياسات العامة في البلد ليس لديهم اهتمام أو استراتيجية أو خطة للشباب اللبناني لوضعه على المسار الصحيح وعلى الطريق الصحيح والتخفيف من هدر الأموال والفساد الموجود في الدولة اللبنانية، وبالتالي يتوجّه الشباب إلى الهجرة كحلٍ رديفٍ عن تقصير هذه السلطة السياسية.

غسان الشامي: رولا ما هو شكل الدولة التي تفكِّرون بها؟

رولا عبّود: بالتأكيد دولة مدنية، حُلمنا بأن تكون دولتنا مدنية يعيش فيها جميع المواطنين بحريّة، نظام ديمقراطي حر، حرية إعلام، وأيضاً التخلّص من نظام الوراثة السياسية، من هذه العقلية، وأن يدخل الشباب لإفراز قيادات سياسية جديدة، وأن نرى لبنان الجديد وليس العجوز.  

غسان الشامي: ما هو شكل الدولة التي ترى مكاناً لك فيها؟

رامي أبو دياب: بصراحة نحن في لبنان نُعتبر دولة ديمقراطية تحترم الحرية الشخصية، فيها حرية إعلام، نحن كمواطنين تعلّمنا في كتب التربية.. 

غسان الشامي: في لبنان هناك حرية إعلام؟

رامي أبو دياب: نحن في لبنان ندّعي بأننا دولة ديمقراطية تحترم حرية الرأي والتعبير كما درسنا في كتب التربية، ولكن في الحقيقة لا توجد ديمقراطية ولا حرية إعلام ولا حتى حرية شخصية. نحن ثرنا من أجل بلد زاهر ومن أقل الواجب أن يُقدِّموا لنا الطبابة والتعليم الذي هو واجب الدولة تجاه الأشخاص في العالم كلّه. نحن نزلنا لنُبدي رأينا بهذا القانون الذي هاجمونا وضربونا بسببه، فلا أعرف في أيّ بلد أريد أن أكون ولكن أنا أريد لبنان كما أحبّه لا كما يريدوه هم، فبإلغاء الطائفية والسياسيين الذين يحكمون منذ ثلاثين عاماً ونحن صامتون، لماذا نحمِّل المسؤولية للسياسيين فقط، نحن مذنبون لأننا سكتنا طيلة هذه الفترة. 

غسان الشامي: بكلمة واحدة قبل أن أختم، كما سألتكم لماذا لم تهاجروا، ما الذي يُبقيكم في لبنان؟

ربى حداد: هويَّتي.

شادي نشّابة: طموحي.

رولا عبّود: بالإضافة إلى هذين الأمرين نظام جديد للبنان.

رامي أبو دياب: بالتأكيد وبكل فخر أهلي.

غسان الشامي: لكم جزيل الشكر. أعزائي على غير العادة سأتوجَّه إلى ضيوفي، كذب مَن قال إن للإنسان وطنٌ ثانٍ، يكفي فقط أنه يمكن ذلك في التأثير الثقافي اللغوي كما قالت زميلتنا، لكن للمرء وطنٌ واحد، إما أن يكون معه وبخاصّة في مرضه أو لا يكون. دوركم أعزائي في التغيير ضروري وأساسي كي يبقى الوطن لكم ولنا وللأبناء القادمين حتّى لا نقول تصبحون على وطن والعوَض بلبنانكم. شكراً لكم على تلبية دعوة أجراس المشرق، شكراً لكل مَن ساهم في هذه الحلقة، شكراً لزملائي الأحباء في الميادين الذين يقرعون معي أجراس البقاء، أجراس المشرق، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم، شكراً.