الدولة المدنية في بلد الطوائف

الدولة المدنية قوامها وأسسها، وواقع الدولة الطائفي في لبنان... ماذا فعلت الدولة الطائفية في المجتمع؟ وما الخطوات المطلوبة لتحقيق الدولة المدنية؟؟ وهل سنشهد مستقبلاً على لبنان دولة مدنية؟

 

المحور الأول: 

غسان الشامي: أحيّيكم، "في هذا البلد الطائفية حتى في العدس، الطائفية في البرغل"، ربّما كانت السُخرية أكثر تعبيراً من التوصيف الكلامي، والسُخرية بالطبع موقف لذلك يبدو ما قاله زياد الرحباني قبل 40 عاماً أكثر راهنيّةً ودقّةً وتعبيراً عن الواقع اللبناني "الشي فاشل" خلال مئة عامٍ، ويلخّصه الراحل زياد أبو عبسي قائلاً "شعب بيتروّق كشك وقلقاس بدو يصير عِلماني؟". زُرعت الطائفية قبل الانتداب الفرنسي الذي كرَّسها ومَأْسسها في لبنان بينما كان يتغنّى بعلمانيّة دولته ومدنيّتها، ونحن كمَن غشيته الغاشية نسبح في أحقادنا وأوهامنا. لطالما طرحنا في هذا البرنامج الدولة المدنية ولا مَن يستجيب، الآن جاءتهم الواقعة فرحَّبوا بها، ما همّ، أهلاً بها وبهم شرط ألا يلعبوا بطائفياتهم تحت عباءتها. أرحِّب بالزميلة الناشطة ندى أيوب، بالمهندس الناشط جاد عيد، بالمحامية الناشطة رانيا غيث، وبالخبير في البَرْمَجة رياض الشويري لنتحدَّث معهم عن الطائفية والدولة المدنية لكن بعد تقريرٍ عنها.

تقرير: 

نشأ مفهوم الدولة المدنية على إثر ثورة فكرية هدفت إلى تحرير الإنسان من هيمنة الكنيسة، وتمّ الأخذ بهذا المفهوم بعد صراعٍ مرير مع السلطة الإلهية للملوك في أوروبا.

ساهمت الثورة الصناعية والحركات العمالية في تعزيز دور القوانين المدنية الحامية لحقوق العمال، ونمت فكرة تشغيل الدولة الحديثة وفق مبادئ كلٍّ من الثورة في إنكلترا والثورة الفرنسية وإعلان الحقوق المدنية بعد الثورة الأميركية، ما أنضج قيام السلطات المدنية على حساب سلطات الكنائس.

تُعدُّ الدولة المدنية نقيض الفوضى لأنها ترعى شؤون المواطنين من دون تفريق، ونقيض الدولة التسلّطية التي تتمركز فيها السلطات بيد الحاكم، ونقيض الدولة التي تكون فيها الإرادة الشعبية مُستَعْبَدة، ونقيض الدولة التي يسود فيها الفكر الإطلاقي في القول والفعل السياسييْن.

تتمثّل مقوّمات الدولة المدنية بالشرعية الدستورية على أساس العقد الاختياري المُبرَم بين الحاكمين بعضهم مع بعض وبين الحاكمين والمحكومين لتنظيم الحياة العامة وتأمين سلامة المجتمع وخدمة المصلحة العامة، وللشرعية السياسية على أساس التفويض الشعبي للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية للقيام بمهماتها، ومن مقوّماتها أيضاً أن تكون سلطة الشعب هي السلطة الأسمى مع صون حقوق المواطنين ومصالحهم تحت سلطة القوانين والدساتير.

وقد أثمرت تجربة الدولة المدنية في بلدان العالم قيام دولةٍ مُتقدّمة تؤمِن بحرية الأديان وتعمل على سنّ القوانين التي تضمن هذه الحريات، وحرية الإنسان بغضّ النظر عن دينه وعِرقه ولونه.

غسان الشامي: تحيّةً لكم من أجراس المشرق، ندى أيوب كيف تصفين الدولة ونظام الحُكم في لبنان؟ 

ندى أيوب: نظام طائفي عِلماً أن الدستور اللبناني لم يتحدَّث عن أية جهة دينية وإنما تحدَّث عن دولة مدنية، لكن ضمن الدستور هناك مادتان تعطيان للطوائف صلاحيات بما يتعلّق بقانون الأحوال الشخصية وبالتعليم الديني في المدارس. إذا كنّا نطمح بدولة مدنية ديمقراطية فيجب إلغاء هاتين المادتين، نحن لسنا بعيدين عن الدولة المدنية ولكن المهمّة شاقة، واقع الحال نحن في فدرالية مُقنَّعة. 

غسان الشامي: فدرالية مدنية أمْ طائفية؟ 

ندى أيوب: طائفية بالطبع لأن نظامنا طائفي قام على تحالف بين أمراء الحرب ورجال أعمال ومصرفيين، هذا النظام يعيش من أحزابنا الطائفية بمعظمها التي تعيش منه وتستمدّ قوَّتها، هذا واقع الحال. اليوم أشعر أنني في فدرالية طائفية مُقنّعة، صحيح أنه ما من حدود مرئية بين المناطق ولكن اليوم من منطقة إلى أخرى نرى الاختلاف الثقافي والفكري وحتى الخوف من الآخر لأن هذه المجموعات الطائفية تربَّت للأسف على الخوف من بعضها البعض لكي تحتفظ كل مجموعة طائفية بمُكتسباتها.

غسان الشامي: ولكن إذا كانت هناك مادتان فقط تؤكّدان على الطائفية وبقيّة المواد مدنية لماذا لهذا الحدّ يوجد هذا الكمّ من الممارسة الطائفية داخل بنية الدولة برأيكِ؟ 

ندى أيوب: المجتمع اللبناني اليوم هو مجتمع طائفي، تربّى ونشأ على هذا الأساس، اللبناني لا يشعر أنه لبناني، يعرِّف عن نفسه بطائفته ومنطقته.

غسان الشامي: ليس ذلك فحسب بل يبحث عن إسمك ليعرف من أيّة منطقة ومن أيّ جبّ.

ندى أيوب: بالضبط، وإذا كان إسمك مُحيّراً يسألك أسئلة أخرى ليعرف، فكيف بإمكانك أن تبقى مُتحكّماً بهذا الشعب إذا لم تستمر بتغذية هذا النفس الطائفي وإذا لم تبقَ المنظومة الحاكمة تمارس طائفيّتها وتحريضها وتجييشها وغيره. عند كل مفصل أساسي في البلد نرى زعماء الطوائف يلقون خطابات طائفية، تجييشية، مناطقية، غرائزية، في الانتخابات مثلاً وغيرها من الاستحقاقات يعودون إلى شدّ الناس بهذا النفس، ويعرفون أنهم بهذه الطريقة يحكمون الشعب.  

غسان الشامي: ولكن أليست هذه الطائفية مُمأسسة في بنية هذه الدولة، في صُلبها؟ 

ندى أيوب: طبعاً، اليوم في الوظائف نرى أن كل طائفة لديها عدد من الموظفين، رئيس الجمهورية يجب أن يكون من طائفة مُعيّنة ورئيس مجلس النواب، الرئاسات الثلاث، حتى أن موظّفي الفئة الأولى في مؤسّسة ما تذهب إلى الطائفة كذا أو كذا، فهذا الأمر أصبح مُمأسساً، وهكذا يرضون الطوائف وزعماء الطوائف، وهكذا بإمكانهم الاستمرار في حُكم هذا الشعب الذي تربّى على فكرة الخوف من الآخر لأن الأساس هو ثقافة وتربية تبدأ من المنزل ومن المؤسّسة التربوية التي للأسف اليوم كل مجموعة طائفية لديها مؤسّساتها، هي دولة، أنت لست مضطراً للخروج خارج صندوق وإطار هذه المجموعة الطائفية التي لها مؤسّساتها التربوية والطبية والخدماتية والاجتماعية، إذاً أنت لا تخرج خارج نطاقها كي تتعرَّف على الآخر. 

غسان الشامي: جاد عيد هل تريد أن تعلّق؟ هل أنت موافق؟  

جاد عيد: كلا، ليس على كل شيء.

غسان الشامي: لأنه إذا كان هناك مَن يتّفق مع الآخر في لبنان فهذا أمر جديد. 

جاد عيد: في تعريف الفدرالية المُقنّعة بالنسبة لي لا يوجد تعريف واحد لما نحن فيه، نحن أشبه بمزرعة أو كما قلتَ في افتتاحيّتك نحن خليط كبير من مجموعة مُكوّنات، لو كانت هناك فدرالية مُقنّعة لكنّا رأينا منطقة أكثر ازدهاراً من منطقة.

غسان الشامي:هي قصدت الفَدْرَلة بين الطوائف.

ندى أيوب: صحيح، اليوم المواطن اللبناني من طائفة مُعيّنة إذا أراد أن يسكن في منطقة أخرى أصبح الأمر ممنوعاً وصعباً، وهنا أتحدَّث عن تجربة في منطقة من لبنان يتمّ "تفييشه" لمعرفة مَن هو ولماذا يريد أن يسكن هنا، هذا الأمر صعب جداً، أنا لم أتحدَّث عن فدرالية مؤسّسات وإدارة خاصة بكل ولاية أو بكل منطقة وإنما بالنفوس وبالممارسة الاجتماعية.

غسان الشامي: جاد ما دور الانتداب الفرنسي في خلق هذا النموذج الدولتي الطائفي في لبنان؟ هل تعرف لماذا أسألك؟ لأنه مؤخّراً انبعثت رائحة الناس الذين يحملون على ظهورهم انتداباً جديداً. 

جاد عيد: دعني أجيب على السؤال الأول ومن ثم نتحدَّث عن الانتداب الجديد، إذا عدنا إلى نهاية الحرب وإلى تقسيمات سايكس بيكو طُرحت قوميات عديدة في المنطقة. بالنسبة لي الانتداب الفرنسي كان أقرب إلى بكركي وإلى الدور الماروني في المنطقة نتيجة روابط تاريخية بين الكنيسة الكاثوليكية في لبنان بعد الثورة الفرنسية والثورات في المنطقة.

غسان الشامي: مع أن الثورة الفرنسية قطعت.

جاد عيد: صحيح قطعت وذهبت باتجاه دولة علمانية بحتة، ولكن تبقى هناك جذور قديمة لم تكن موجودة عند الإنكليز، وهنا نتحدَّث عن كنيسة تابعة للملك بينما في فرنسا كانت هناك جذور قريبة للجذور الموجودة هنا. لبنان ذهب في اتجاه مُغاير للدول التي كانت تنتدبها إنكلترا ولم يكن هناك أيّ أمل للترابُط بين الدول التي تنتدبها فرنسا والدول التي تنتدبها إنكلترا. إذاً نحن كنا في هذا الاتجاه وكان هناك تقارُب بين بكركي والانتداب الفرنسي، طرح القومية اللبنانية فاز بطريقةٍ ما على القوميات الأخرى التي كانت مطروحة، أمّا هل أنه جسَّد الطائفية مع الوقت وبعد خلق كيانٍ مجاور طائفي في العام 1948 خاصّةً هل نعى قيام دولة مدنية في لبنان في عام 1943 وأوصل إلى ما وصلنا إليه خلال المئة سنة الماضية؟ هذه الأسئلة تبقى مُجرَّد فرضيات، بالنسبة لي إن خلق كيانٍ مجاور طائفي أدّى...

غسان الشامي: تقصد إسرائيل؟  

جاد عيد: نعم.

غسان الشامي: نحن نشير إلى الأمور بأصابعنا دائماً.

جاد عيد: بالتأكيد لا مشكلة، هذا أثّر في تركيبة الدولة اللبنانية التي كان يمكنها أن تكون دولة مدنية وهي نشأت على أساس المدنية، بالطبع هناك مُحاصًصة وربّما أُعطيت ضمانات شكلية عرفية لطوائف مُعيّنة والتي أصبحت بعد العام 1990 ميثاقاً مكتوباً في الطائف.

غسان الشامي: ماذا قدَّمت هذه الدولة خلال مئة عامٍ للمجتمع؟ 

جاد عيد: كانت هناك فترات جيّدة، فترات ازدهار كما أخبروني.

غسان الشامي: ازدهار مثل ماذا؟ 

جاد عيد: ازدهار اقتصادي، سياحة، لبنان كان سويسرا الشرق، هذه الأمور لم أختبرها في حياتي ولكن سأتحدَّث عما اختبرته خلال الثلاثين سنة الماضية، لقد اختبرتُ الحروب، المشاكل، نظام طائفي مُكبَّل لا يمكنه أن ينتج بأية طريقة ليس فقط بسبب العداوة بين طائفة وأخرى وإنما هناك مصالح بين الطوائف أدّت بالنسبة لي إلى سقوط التركيبة التي نشأ عليها لبنان منذ مئة سنة، ونحن إن شاء الله في المئة سنة الجديدة بوعينا كجيل جديد قادرين على إضفاء نكهة جديدة أو تعديل بسيط للتركيبة التي فشلت فشلاً مُحتّماً.

غسان الشامي: رانيا غيث سيِّدتي هناك مُطالبات الآن. 

رانيا غيث: هل تسمح لي أن أعقّب على ما قيل؟

غسان الشامي: عقّبي كما تريدين.

رانيا غيث: أريد أن أثني على ما قالوه وأضيف بعض النقاط. برأيي أن المشكلة ليست في النصوص لأن في مُقدّمة الدستور أقلّه هي دولة ديمقراطية برلمانية مُستقلّة تحفظ المساواة لكافة المواطنين، هذه النقطة لو ذهبنا إلى تطبيقها كنصّ يُفترض أن تكون لدينا دولة مدنية مستقلّة.  

غسان الشامي: كيف إذا كان البرلمان موزًّعاً بين الموارنة والأورثوذكس والشيعة.

رانيا غيث: صحيح ومن بعدها في العام 1998 جاء اتفاق الطائف الذي يُفترض بغضّ النظر عن هفواته.

غسان الشامي: 1988.

رانيا غيث: عفواً 1989، أيضاً كان هذا هدفه وكأنه محطة ما بعد الحرب الأهلية للانتقال إلى تأسيس الدولة المدنية، إلى أين ذهبت القوى السياسية؟ أخذتنا إلى مكانٍ بعيد جداً لأنه كان هناك سبق إصرار وتصميم على أن تبقى هذه الطوائف مسيطرة على مداخل ومخارج المؤسّسات الدستورية، لم يعد لدينا مؤسّسات دستورية لأن تفسير القوانين يكون على قياسهم، إضافة إلى أن الشعب اللبناني للأسف ليس ببعيد عن الدولة المدنية لأنني لا أؤمن بأننا ماضون نحو الفَدْرالية، نحن بعيدون عن ذلك والتاريخ يثبت، في العام 1843 حصل انقسام لأن الطائفية موجودة قبل الانتداب الفرنسي بكثير. 

غسان الشامي: من نظام الملّة العثماني.

رانيا غيث: صحيح، كان هناك الدروز والموارنة والانقسام الأفقي في ما بعد بين المسلمين والمسيحيين إلى آخره. لن نصل إلى فدراليات لأن الشعب بطريقة عيشه مرتبط في اقتصاده بهؤلاء السياسيين، مرتبط بالنظام الطائفي باقتصاده، بلُقمة عيشه، ليس لأنه يريد أن يكون في هذا النظام الفاسد.

غسان الشامي: أنا أتمنّى أن يكون هناك ورود في هذه اللوحة.

رانيا غيث: الحرب الأهلية كانت أكبر دليل، لو أردنا هذا النظام لكنّا ذهبنا نحو الفدراليات بعد الحرب الأهلية، لماذا لم نذهب نحو الفدرالية؟ لأنه لا غالب ولا مغلوب، لم تثبت أيّة طائفة أنها قادرة على السيطرة على طائفة أخرى.  

غسان الشامي: هذه لعبة الستّة وستّة مكرّر سيّدتي. 

رانيا غيث: صحيح. 

غسان الشامي: سأعود معكِ إلى المُطالبات الآن بالدولة المدنية، ما هي شروط الدولة المدنية برأيكِ؟ 

رانيا غيث: أولاً لا بدّ من وجود قانون انتخابي على أساس النسبية الحقيقية المعمول بها حتى اليوم، صحيح أنه صار هناك قانون انتخابي مؤخّراً ولكنها نفس الطريقة التي تُطرح فيها الآن الدولة المدنية، يحاولون إعطاءنا فتات ما بأيديهم، يحاولون إغراءنا بهذا المظهر، يطالبون اليوم بالدولة المدنية كما قدّموا لنا قانوناً انتخابياً مثهشّماً بالنسبية. لا بدّ من اللامركزية الإدارية التي تعطي الزخم للمناطق لتحقيق إنماء اقتصادي واجتماعي وغيره. يجب أن نركّز على القوانين وتعديل قوانين الإدارات، طريقة توزيع هذه الإدارات التي تؤدّي إلى استقلالية القضاء، دائماً نقول إن القضاء فاسد، هو فاسد بسبب غياب أيّ قانون أو آلية تطبيقية لقانون فصل السلطات الفعلي لأن هذه السلطات المُتداخِلة في ما بينها أدّت إلى وجود محسوبيات، وبالتالي يتمّ توزيع المناصب والوظائف على أساسٍ طائفي وليس على أساس النُخَب والكفاءات، ويجب أن يكون هناك مُمثّلون حقيقيون عن الشعب. 

غسان الشامي: أنتم جميعاً بين الناس وتنزلون إلى الشارع وتطالبون بهدوء وبعيداً عن الصراخ والتكسير، كم نسبة الذين يعتبرون أن الدولة المدنية هي الخلاص سيّدتي؟ 

رانيا غيث: هناك نسبة لا يُستهان بها لأنه كما قلتَ ليس كل ما يظهر إلى العَلَن هو مَن يخرّبون، هناك رؤية وفكر، هناك ثقافة واطّلاع على تاريخ لبنان الذي يؤدّي إلى نتيجة أنه طالما هذه السلطة السياسية فشلت بالفعل في قيادة الدولة من خلال أحزابها الطائفية السياسية فلا حلّ إلا بالدولة المدنية التي هي الملاذ، لهذا السبب الشباب والشابات الناشطون يطالبون ضمن رؤية واضحة، أما عن كيفيّة وصول الصوت وكيف تتهشّم صورة الحراك وصورة الانتفاضة والثوّار على الأرض، الهدف هو تهشيم صورة هؤلاء، وهناك عدّة عوامل لعدم وصول أصواتهم بالشكل الصحيح، هناك الإعلام الذي هو جزء رغم أنه متواجد دائماً ولكنه لا يستطيع أن يكون مُلمّاً ويحصي كل الناس ويوصل صوتهم، ولا ننسى الإعلام المُسيّس والصورة التي يقوم بإيصالها إلى آخره، هناك عدّة عوامل لا يسمح لنا الوقت أن نذكرها. 

غسان الشامي: سنعود إليها، رياض الشويري كما قالت من شروط الدولة المدنية قضاء عادل، هل القضاء العادل مُتاح في لبنان في ظلّ الزبائنية السياسية والطائفية؟

رياض الشويري: من الصعب الإجابة على هذا السؤال، أنا أعتبر أن دور القضاء اليوم في جزء كبير مُغيَّب ليس فقط بسبب الطائفية والسياسيين الذين يضعون أيديهم على القضاء بل هناك نقص كبير في سنّ القوانين التي يعتمد عليها القضاء لممارسة دوره بشكل أساسي. السلطة القضائية بالتحديد يجب أن تستند إلى القوانين التي تُسنّ من المجلس النيابي، وأيضاً هناك مشكلة كبيرة في سنّ القوانين في المجلس النيابي. المشكلة ليست فقط في استقلالية القضاء، المشكلة أن جزءاً كبيراً من الماكينة في الدولة مُعطّلة ولا يمكن للقضاء أن يقوم بدوره بشكلٍ كامل إذا لم تكن الأمور تسير بالشكل الصحيح. 

غسان الشامي: هل هناك ملامح دولة مدنية في ذِهنك؟ البعض يتحدَّث عن دولة مدنية غائمة، هناك مَن يحاول أن يتلاعب بصفاتها، إذا أردتَ أن تطالب هل رسمتَ ملمحاً لدولة مدنية؟

رياض الشويري: في الحقيقة كما ذكرت رانيا دستورنا بالتحديد ينصّ على أن المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، وهذا هو معيار الدولة المدنية وإن كان من خلفية مختلفة نستطيع أن نعطي أبعاداً من ناحية فصل الدين عن الدولة كلياً أو إلى حدّ ما. أنا كمواطن لبناني أرى أنه إذا تغيَّرت الدولة المدنية أو بقي النظام على حاله فالمشكلة تكون في إطارٍ آخر، المشكلة هي أن اللبنانيين لديهم عجز في التواصُل مع بعضهم بشكل إيجابي، وهذا الأمر في أيّ نظامٍ كان سيؤدي إلى أزمات يصعب حلّها بسهولة. نحن في النهاية دولة مُكوّنة من مُكوّنات عدّة ومُركّبة.  

غسان الشامي: كل العالم فيه مُكوّنات عدّة ليس فقط لبنان.

رياض الشويري: صحيح.

غسان الشامي: ولكن كل الدول وجدت مخارج للتعايُش والتواطُن.

رياض الشويري: أنا لا أعتبر أنها وجدت مخارج ولكن أعتبر أنه في بعض الأماكن هناك مناعة اجتماعية، حينما تكون على القدر الكافي يمكنك أن تتجاوز الخلافات بين مُكوّنات الدولة، وحينما تضعف هذه المناعة حتى لو كانت الدولة لديها ممارسة طويلة في الإطار المدني تبدأ الخلافات بين المجموعات التي قد تكون ذات طابع ديني أو عرقي كما هي الحال اليوم في الولايات المتحدة التي بدأت فيها بوادر خلافات مبنيّة على أسسٍ عرقية.

غسان الشامي: نحن سنذهب إلى فاصل، على سيرة الدولة هناك مثلٌ مصري يقول "أسمع كلامك أصدّقك أشوف عمايلك أستعجب". أعزائي فاصل ونعود إلى الحوار عن الطائفية والدولة المدنية في لبنان، انتظرونا. 

المحور الثاني: 

غسان الشامي: أُحيّيكم مُجدّداً من أجراس المشرق، ندى أيوب سأبدأ من حيث انتهينا ولكن سأسأل السؤال بطريقة أخرى، يحاول بعض بهلوانيي السياسة وأنتِ تعلمين أنه لدينا سيرك سياسي في البلد أنهم يريدون لبنان دولةً مدنية لكن في هذه الدولة المدنية كلٌّ يريدها على شاكلته، يخرج من الباب ويدخل من "الطاقة"، هل هناك دولة مدنية بالمباشر من دون قانون مدني للأحوال الشخصية؟ من دون فصل الدين عن السياسة؟  

ندى أيوب: حتماً لا، دولة مدنية من دون قانون أحوال شخصية يساوي بين جميع اللبنانيين هو أمر مُستحيل، نحن نطمح إلى تحرير الناس من صناديقها، من ألوانها، من طوائفها، هذا لا يعني أننا نحرّضهم ضد الدين، نحن نقول لهم إن الدين لكم وهو أمر شخصي، مارسوا طقوسكم في المكان الخاص بكم، أما حين نأتي إلى مفهوم الدولة فأنت مواطن، أنت لستَ شيعياً ولا سنّياً ولا كذا، أنت مواطن مثلي، حقوقي مثل حقوقك، واجباتي مثل واجباتك والقانون الذي يحكمني يحكمك. اليوم حينما نتحدَّث مثلاً عن سيّدة تواجه مشكلة في الحضانة لأنني ناشطة وأكتب في هذا المجال، هنا كل سيّدة تعود إلى طائفتها لتحكم، وبين الطوائف يختلف العُمر الذي يحقّ فيه للسيّدة حضانة أبنائها، لا نساوي بين لبنانية وأخرى ولا بين لبناني وآخر، فبالتأكيد من دون قانون أحوال شخصية لا وجود لدولة مدنية. 

غسان الشامي: والزواج المدني؟

ندى أيوب: والزواج المدني طبعاً، لماذا علينا أن نتزوَّج في الخارج ونعود إلى بلدنا، ما المانع؟ لأنهم يخافون، أنا مع قانون زواج مدني اختياري.

جاد عيد: ولماذا غير إجباري؟ 

ندى أيوب: لسبب،اليوم إذا كنت أريد اللبناني الآخر أن يحترم حريّتي بالزواج خارج المحكمة الدينية أو الروحية فيجب عليّ بدوري أن أحترم حقّه بالزواج في هذه المحكمة. كل شخص لديه الحق بالاختيار ولا أستطيع إجبار أحد على الزواج بالطريقة التي تتناسب مع قناعاتي إذا كنت إنساناً لا دينياً.

جاد عيد: في الدولة المدنية يجب أن يكون الزواج المدني فيها إجبارياً، أنا على سبيل المثال شخص مؤمِن أستطيع أن أتزوّج زواجاً مدنياً ومن ثم كنسياً.

غسان الشامي: النتيجة واحدة، الطريقان مختلفان ولكن المُحصّلة واحدة.

جاد عيد: البطريرك ألمح بالأمس إلى هذا الموضوع، قال زواجاً مدنياً غير اختياري. 

ندى أيوب: ولكن هذا لم يكن رأيه سابقاً.

جاد عيد: هو يرمي الكرة عند المشايخ أو ربّما يُبرّئ نفسه ولكن هذا الموضوع طُرِح منذ بضعة أيام.

ندى أيوب: ولكن هذا الكلام لم يكن سابقاً لأن كل رجال الدين كانوا يخشون من فُقدان تحكّمهم بالطوائف.

غسان الشامي: البطريرك والسيّد رفيق الحريري هما مَن أوقفا مشروع الزواج المدني الاختياري. 

ندى أيوب: عِلماً أن هناك مراجع دينية قالت بإمكانية ذلك من أمثال السيّد محمّد حسين فضل الله رحمه الله الذي كان يعتبره عقداً شرعياً ويمكن إتمامه. اليوم وجود الشيخ أو الكاهن أو الزواج في الكنيسة هو مُجرَّد سلطة إضافية وهي أعراف وطقوس، فإذا كان الطرفان مُتّفقين بإمكانهما إجراء العقد.  

غسان الشامي: جاد ما الارتباط بين الدولة المدنية وبين الديمقراطية وبين حقوق الإنسان؟ هل هذا الثالوث غير موجود في الدولة التي نحن فيها حالياً؟ 

جاد عيد:هذا الثالوث يمكنه أن يكون موجوداً في دولة علمانية أو في تركيبة دولة أخرى، الديمقراطية يطالب بها الجميع ولكن كلٌّ على مقياسه، الأمر نفسه في الدولة المدنية، ما من دولة مدنية في العالم تشبه الأخرى.

غسان الشامي: هناك صفات وشروط.

جاد عيد: بالتأكيد، الدولة المدنية لم تأتِ إلا نتيجة ثورات ودائماً جاءت لتُراعي هذه الثورات، يقولون إن الدولة المدنية غير الدولة العِلمانية ويصبح المعيار ضيِّقاً بينهما، الفرق ضئيل وربّما أن الدولة العلمانية مُخيفة أكثر، بعضهم يتوجَّس من الدولة العلمانية خاصة أننا في بلدٍ مُشْبَع بالطائفية.  

ندى أيوب: ولكن العلمانية لا تعني أننا نطلب من الناس أن يصبحوا مُلحدين، العلمانية هي فصل الدين عن الدولة. 

جاد عيد: فصل الدين عن الدولة موجود في الإثنين.

رانيا غيث: حينما نتحدَّث عن دولة مدنية فهذا لا يتعارض مع حقوق الإنسان لأن الدولة المدنية بشروطها تتناسب وتتماهى مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من ناحية الحق بالتعبير، حق الرأي، حق الدين والمعتقد.  

جاد عيد: حتى الأديان لا تتناقض مع حقوق الإنسان. 

رانيا غيث: بإمكان الإنسان أن يُعبّر، هناك لغط حول العلمانية في بعض الدول والتي لا يمكن تطبيقها في لبنان وهي العلمانية التي لا ترعى الدين وهناك العلمانية التي هي الدولة المدنية والتي تحترم الدين وتحترم حرية المُعتقد وتحترم الآخر، هذا ما نطالب به لأننا كدولة مُكوَّنة من 18 طائفة. 

غسان الشامي: ما عدا الطائفة العلمانية.

رانيا غيث: 18 طائفة المُعترَف بها والطائفة 19 التي هي نحن العلمانيون ممَّن لدينا طريقة أخرى في التعبير أو في علاقتنا مع الله.إذا قلنا دولة علمانية لا يعنيها الدين فكيف ستمارس هذه الطوائف الثمانية عشرة شعائرها الدينية. نحن لا نقترب لا من الكنيسة ولا من المسجد ولا من أية طقوس دينية مُعيّنة، هذه تكملة لما تحدَّثنا عنه سابقاً كما قالت ندى إنه حتى تكون هناك دولة مدنية يجب أن تكون هناك شروط وهي وجود قانون أحوال شخصية موحَّد لكل الطوائف ننطلق منه لأنه لا يمكنك إقامة دولة مدنية مع وجوب الرجوع إلى الطوائف.

غسان الشامي: هذا مربط الفرس.

جاد عيد: هنا دور رجال الدين الذين عليهم أن يدعموا الفكر المدني، الأديان السماوية ليست فرضاً أو بطشاً أو قمعاً، هي أديان محبَّة وتسامُح. 

ندى أيوب: ولكن هذاغير موجودة في الممارسة، ما من رجل دين سيكون مع الدولة المدنية لأنه إذا كان رجال الدين يخدمون السياسة بمكانٍ ما والسياسة تخدم رجال الدين فسيظلون ممسكين بهذه المجموعات، لن يدعك تفكّر مدنياً وإنما طائفياً ودينياً لكي تبقى داخل الصندوق ويستطيع أن يؤثّرعليك.

جاد عيد: هذا ينتهي بأمرٍ واحد،عندما تصبح هناك ثقة بالدولة ينهارون جميعاً، المشكلة هي في عدم وجود ثقة بقيام دولة، حينما توجد هذه الثقة يصبح كل ما تبقّى ثانوياً.

غسان الشامي: دعونا نسمع رأي رياض إذا سمحتم.

رياض الشويري: الأزمة التي نعيشها اليوم ونُعاني منها هي أزمة قِيَم بالدرجة الأولى، وأنا أرى أنه للدين دور إيجابي يمكنه أن يلعبه في هذه النقطة بشرط أن يكون هناك فَهْم صحيح له وليس مجرّد شعارات تُرفع بوجه الآخر لأن الأديان جميعها تساعد في جوهرها على التلاقي وعلى التوجّه نحو الآخر إذا تمّ فَهْمها جيّداً.  

غسان الشامي: هذا يدفعني لأن أسألك عن موقع الدين في الدولة المدنية برأيك.

رياض الشويري: برأيي إن فصل الدين كلياً عن الدولة المدنية هو جريمة لأن منبع القِيَم التي نحن بحاجة إليها نستطيع أن نجدها في التعاليم الدينية الصحيحة، الحضارية، الراقية، ومشكلتنا الكُبرى اليوم أننا تمسّكنا بالشعارات وتركنا جوهر الدين، أصبح الشعار كسلاحٍ نستعمله في وجه الآخر ونهمل جوهر الدين الذي يدعونا للتلاقي مع الآخر.  

رانيا غيث: ولهذا السبب يُفترَض فصل الدين عن الدولة لأنه أصبح مُجرّد شعارات، أنت ناقضتَ نفسك، قلت إنها جريمة، الجريمة هي بقاؤها.

رياض الشويري: إلغاء الدين هو الجريمة. 

غسان الشامي: ما من عاقل يُلغي الدين لأنه مُعطىً ثقافي أنتروبولوجي عُمره آلاف السنين وهو وريث ديانات ما قبل التوحيدية، سُلّم القِيَم تحدّده الديانات، ولكن سؤالي كان مُحدّداً رياض أنه في دولة مدنية أين موقع الدين؟

رياض الشويري: يجب أن نعرف مفهوم الدولة المدنية والخلفية التي يُطرَح فيها الموضوع، يمكنك أن تذهب إلى دولة مدنية علمانية إلى أقصى الدرجات ودولة مدنية تحترم خصوصية الأديان وتستنبط منها القِيَم، ولا تكون في حال قطع أو انفصال كلّي عن الدين، وأنا أعتقد أن الدين بإمكانه أن يلعب دوراً إيجابياً جداً في الدولة المدنية خاصةً في بلدٍ مثل لبنان يتمسَّك الناس فيه بالدين. 

ندى أيوب: أنا إنسان لا ديني وأنت إنسان مُتدّين، واضح من الحديث.

غسان الشامي: هذا كلام واقعي أمْ افتراضي؟

ندى أيوب: واقعي، أنا أتحدّث عن نفسي،أنت تعتبر في كلامك أن القيم تتأتّى فقط من الدين، أنت قلتَ إنه سلّم القِيَم ولكن ليس هو فقط، إذا كان كل إنسان لديه منظومة أخلاقية وأنا أعاملك كإنسان ولا أؤذيك ولديّ مبادئ فمن منطلق إنساني غير ديني ماذا أختلف عنك سوى بالطقوس الدينية التي تمارسها؟

رياض الشويري: أنا لم أقل إن القِيَم تتأتّى من الدين فقط.

ندى أيوب: كل الحديث كان يتمحور حول أنه إذا فصلنا الدين عن الدولة جريمة والقِيَم من الدين وهو سلّم القِيَم.

رياض الشويري: أنا لا أريد أن أذهب بالحديث في هذا الاتجاه، أنتِ تقوّلينني ما لم أقله.الدين هو مصدر للقِيَم لا يجب أن نتخلّى عنه.

ندى أيوب: لم أقل نتخلّى عنه ولكن أيضاً غير المُتديّنين الذين لديهم منظومة أخلاقية وإنسانية أيضاً لديهم قِيَم.

رياض الشويري: ولكن حتّى القانون المدني الذي يُعطي الإنسان حقّه ويًعطي قيمة له تجد جذوره في القيمة التي أُعطيت للإنسان من المنطلق الديني، هذا الأمر في أساس وفي صُلب القوانين، حتى أن الدولة المدنية إذا خرجت من هذه الجذور ربما تعيش بلا مشاكل لفترة مُعينّة. 

ندى أيوب: ولماذا ليس العكس؟ لماذا كل هذه القِيَم التي جاءت بها الأديان، لا تسرق، لا تفعل كذا وكذا هي من المُسلّمات في تعامل الناس في ما بينهم إذا كانوا لا يعيشون في غابة. 

غسان الشامي: دوري أن أكون مُستمعاً لآرائكم وأن أدير اختلافات الرأي وهذا حق مُقدَّس، كنتِ تريدين أن تقولي شيئاً رانيا في هذا الموضوع؟ 

رانيا غيث: كنتَ تسأل أين الدين من الدولة المدنية، هناك آلية للوصول إلى الدولة المدنية، نحن لا نريد أن نقول شعارات، حين نريد أن نحفظ الطوائف بإمكاننا انتخاب مجلس شيوخ يُدير شجون ومشاكل وهموم الطوائف، لا نذهب إلى السياسة ومن خلال السياسة نمارس الطقوس الدينية السياسية كما يحصل الآن. خوفنا ليس من موقع الدين في الدولة المدنية، الموقع هو الدين بمكانه الصحيح، الدين يجب أن يكون ممارسة للطقوس الدينية، علاقة ربّانية لا دخل لها بالسياسة كلياً، لذلك عندما نتحدَّث عن دولة مدنية لا نرفع شعارات، نحن نعلم أن هذا مشروع متكامل يُفترض حينما نبدأ به أن نكون على دراية، نحن لسنا أدوات يتمّ تحريكها، ولا يعني أنهم حين بدأوااليوم بالحديث عن الدولة المدنية أن نقول إننا حقّقنا انتصاراً وبدأوا بالكلام عن نفس شعاراتنا، الأمر ليس كذلك، نحن مُلمّون بكل التفاصيل.   

غسان الشامي: ولكن المهم هو ألا تتحوَّل الشعارات إلى معنَّى وقرَّادة ومُخمَّس مردود، وهو نوع من الزجل اللبناني المداوم.

ندى أيوب: يتحدَّثون منذ سنوات عن إلغاء الطائفية.  

رياض الشويري: مُداخلة صغيرة لو سمحتم، أنا أرى إن مجلس الشيوخ غير ضروري، علاقة الدين بالدولة لا أريدها أن تمرّ عبر المؤسَّسات وإنما عبر آلية استنباط القِيَم. 

غسان الشامي: عبر أفراد.

رياض الشويري:بالتأكيد، هي علاقة شخصية بين الإنسان والله ولا علاقة لأحد بها.

رانيا غيث: أنا لا أختلف معك بهذه النقطة حين نجد أكثر من صيغة، برأيي هذا مفهوم شكلي عن الطريقة ولكن لا يجب أن نقول أين سنذهب بالأديان أو كيف سنتعامل معها.

غسان الشامي: لا نستطيع القول أين سنذهب بالأديان لأن الأديان موجودة من السابق وإلى اللاحق وإلى دهر الداهرين.

جاد عيد: هذا لا يجب أن يكون موضوع خلاف، الأمور واضحة جداً، يجب أن نفصل الدين عن الدولة، أنا مؤمِن وأطالب بدولة مدنية وهذا نابع من إيماني لأنني كمسيحي أعتبر أن المسيحية هي طريقة عَيْش وليست دين أصلاً، وطريقة العَيْش هذه لا تتجسّد إلا بدولة مدنية، أنا أعيش مع الآخر ولا أستطيع العَيْش وحيداً. طُرحت قضية المخاوف وحديث الشارع، هناك حديث في الشارع اليوم ليس فقط عن الفدرالية وإنما عن التقسيم وهذا يتعارض تماماً، إذا كان هو مُتديّناً فهذا يتعارض مع ديني وإذا كان من ديني فهذا يخالف كل المُعتقدات التي نشأت عليها، وحتى تاريخياً من أيام قسطنطين ورؤيته ونبوَّته أنه يجب عليه وضع إشارة صليب ويقاتل ليُقيم دولة، ليس هناك ما يُسمّى دين ودولة عند المسيحيين ويُمنع ذلك، يجب الذهاب إجبارياً إلى دولة مدنية تفصل هذا الأمر وتعطي أفقياً وعمودياً.

غسان الشامي: وهذا الأمر في الإسلام كرَّسه مصطفى عبد الرازق رحمة الله عليه بالإسلام وأصول الحُكم. ندى أيوب لماذا برأيك أخفق اللبنانيون في إنشاء دولة بمعايير حَداثية، دولة ديمقراطية مدنية بعيدة عن العشائرية والإقطاعية والعائلية والطوائفية؟ 

ندى أيوب: إذا تحدَّثنا عن اللبنانيين للأسف ننطلق من نقطة أنهم لا يثقون بالدولة وبمؤسّساتها، كل فرد اليوم يجد حمايته بمجموعته الطائفية أو المناطقية أو العشائرية. اليوم إذا أراد اللبنانيون خدمة فسيتوجّهون إلى زعيم الطائفة أو مُمثّلهم السياسي أو مُمثّل المنطقة في مجلس النواب. إذا واجهوا مشكلة ما فسيتوجّهون إلى رئيس العشيرة أو المنطقة ليحميهم لأنهم لا يثقون بالدولة وبمؤسَّساتها لأن القضاء غير نزيه وهناك محسوبيات، وإذا كنت مدعوماً لا تُحاسب وإذا لم تكن مدعوماً تتمّ محاسبتك، أو تدفع ضريبة أو لا أو تدخل إلى المستشفى أو يتمّ تعبيد الطريق أمام منزلك، وحتى في الاقتصاد ورانيا تحدَّثت عن الاقتصاد، اقتصاد الدولة اليوم  

 رَيْعي وخدماتي غير مُنتج وهذا برأيي مقصود ليبقى الأفراد مُرتبطين بأحزابهم وجماعاتهم، قسمٌ منهم يتحزَّب ويقبض المال وقسمٌ آخر يعمل لدى مؤسَّسات تابعة لأحزاب أو ذات ولاءات مُعيّنة ليستمروا في العيش، بينما إذا أصبح لديك اقتصاد مُنتِج ومشاريع صغيرة تصبح مُستقلاً.

غسان الشامي: باختصار ندى.

ندى أيوب: باختصار هذا اللبناني الذي لا يمتلك أية مصطبة يستند عليها غير الطائفة والعشيرة اضطر بمكانٍ ما أن يكون زبائنياً لأنه لا يثق بهذه الدولة، ومن هنا لم يستطع بناء دولة ولم يخرج إلى المجتمع ليقول أنا لبناني وأريد دولة ديمقراطية.  

غسان الشامي: جاد يتحدَّثون عن عَقْدٍ سياسي جديد، هل المطلوب هو عَقْد سياسي أم عَقْد سياسي اجتماعي جديد، ما هو برأيك بأقل وقت ممكن.

جاد عيد: بالنسبة لي هناك ثلاث مقّومات لإنشاء دولة أو مجموعة: العامل الاجتماعي، العامل الاقتصادي والعامل السياسي وهم مُترابطون جميعاً وبفُقدان إحدها تفشل، هذه العوامل الثلاث يجب تأمينها، يجب أن تكون هناك خطة اقتصادية للمستقبل حول كيفيّة التحوّل إلى نظام مُنتج، لا أعرف إذا ما كان هذا ممكناً في لبنان، عبر التاريخ لم نكن مُنتجين أبداً بل كنا تجاراً، ويجب أن نعمل على دولة مدنية مع لامركزية، وأن تكون لدينا سياسة خارجية موحَّدة.   

غسان الشامي: كيف ترين مستقبل لبنان في الدولة المدنية بأقل وقت.

رانيا غيث: إذا نجحنا بالوصول إلى الدولة المدنية أولاً سيكون لدينا نظام برلماني ديمقراطي فيه تمثيل حقيقي للشعب، ليس تمثيل دمى، بل ممثلون حقيقيون للشعب أي أن يتكون هناك فعالية بالتمثيل، يجب أيضاً أن تُلغى الطائفية من المراكز ومن وظائف الدولة، وهذا هو الهدف كي نصل إلى إنماء اقتصادي واجتماعي. إذا تمكّنا من الوصول إلى اللامركزية الإدارية نستطيع تحقيق إنماء اقتصادي عبر المناطق، الحديث يطول في هذه النقطة. 

غسان الشامي: بقي لديّ دقيقة سأعطيها لرياض إذا سمحتِ. كيف ترى مستقبل لبنان إذا كانت دولته مدنية؟

رياض الشويري: المشكلة الأساسية في لبنان ليست في النصوص وإنما في الذهنية السائدة في مجتمعاتنا المُتعدّدة التي لا تسمح بالبناء الإيجابي ولا تسمح ببناء دولة مُنتِجة اقتصادياً.

غسان الشامي: بمعنى أو بآخر أنت مع أو ضدّ الدولة المدنية؟

رياض الشويري: أنا مع الدولة المدنية. 

غسان الشامي: لأنني شعرت أنك متوجِّس منها.

رياض الشويري: إطلاقاً، أنا أشدِّد على أنه بغضّ النظر عن نظامنا يجب أن يكون تشخيص المشكلة دقيقاً جداً كي نستطيع إيجاد الحل المناسب، والمشكلة هنا لا أوصّفها بالنص الدستوري بقدر ما هي بالذهنية السائدة والممارسة الفعلية عند الجميع.

غسان الشامي: لقلب هذه الذهنية نحن بحاجة إلى حلقة خاصة، انتهى الوقت. يتذاكى أو يتساذج علينا البعض فيُنادي بحقوق مذهبه فيما يعلن أنه مع الدولة المدنية، تصوّروا أن البعض يرى في القانون الأورثوذكسي مثلاً معبراً للمدنيّة، ولتكتمل الثُعْلبة يقذفون بكرة رفضهم الضمني لمدنّية الدولة على بعضهم البعض كطوائف. لا مجال للحَداثة والمُعاصرة إلا بدولة مدنيّة تامّة، إفهموها، إهميها أيتها القبائل. شكراً لندى أيوب، وجاد عيد، كنت أتمنّى أن يكون لديّ المزيد من الوقت، ورانيا غيث، ورياض الشويري، كل الشكر لزملائي الأحبّاء في أجراس المشرق والميادين، تصبحون على دولة مدنيّة، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.