الفن والديانة الكنعانية

الفن والديانة الكنعانية.. إيل وبعل وعشتار رمزية المطر والماء والورد، أين يلتقي الدين والأدب الكنعاني وأين يتصارعان؟ موقع الفن في العصورالقديمة.

المحور الأول: 

غسان الشامي:أحيّيكم، ترك الكنعانيون بصمتهم وإرثهم وشِعرهم وشذراتٍ من ديانتهم وبقايا لهجتهم في هذه المنطقة من العالم، والإضاءة على جوانب من الإرث الكنعاني تمنح المُهتمّ بُعداً ثالثاً في اكتناه تواصُل الحضارات والتُراث واستمراريّتهما. الدين والفن في كنعان وعلاقتهما والصراع بينهما وتأثير الكنعانيّة في اليهودية والمسيحية، إيل وبعل وعشتار، رمزيّة الماء، رمزيّة المطر والماء والورد في كنعان والدين والأدب في هذه الحضارة. في هذا الإرث المديد والبهيّ سنبحث مع الدكتور جوزيف لبّس الأستاذ في الجامعة اللبنانية والمُحاضِر سابقاً في معهد الآداب الشرقية في جامعة القدّيس يوسف وصاحب العديد من المؤلّفات والدراسات والأبحاث والمقالات في مواضيع شتَّى واهتمامٍ خاص بالإرث الكنعاني سنحاوره بعد تقريرٍ عن الديانة الكنعانية. 

تقرير:

قدَّست الديانة الكنعانية مظاهر الطبيعة والكون كباقي الديانات القديمة وتنوَّعت مثلها، فالإله إيل الأب كان يُعرَف بعدَّة أسماءٍ وصفات، ما يدلّ على التبجيل، وعُرِفَ ببعل لبنان وشميم أي سيّد السماوات، وبعل حمون وبعل صافون لأن البعل أصبح صاحب العرش وله أبناءٌ آلهة من ذكورٍ وإناث.

اعتقد الكنعانيون أن الإلهة يم هي الإلهة الأمّ لأن الماء هو الأمّ الأولى التي خلقت الكون، بينما عشتار أو عشتروت فهي إلهة الحب والإخصاب والربيع، ومن الآلهة الأخرى أشمون وهو إله الشفاء، والإله رشف إله الحرب وسيِّد الصواعِق، وشميم إله السماء الأوّل وأديم إلهة الأرض.

صحيحٌ أننا لا نعرف تسلسلاً دقيقاً لمراحل الخَلْق والتكوين الكنعانية من جرّاء تلف بعض الألواح الفخارية، لكنّ ما عُثِر عليه يُنبئنا أن الحياة وعناصرها الأربعة كانت محور عقيدتهم، وهناك آلهة لعناصر النار والتراب والهواء والماء، وقد نقل الإغريق عنهم مُعتقداتهم.

في نظرية الخَلْق الكنعانية نجد أساطير البعل وعلاقته مع بقيّة مجمَّع الآلهة وضمنها أسطورة التكوين، ونجد ملحمة كرت وملحمة أقهات، واعتقدوا أنه قبل بداية الكون كانت حال العماء تمثّلها يم، نشأ منها بعد صراع بعل إله الخصب الذي بدأ بتنظيم الكون ووضع أُسُس الحضارة وطلب مساعدة حبيبته عناة، واعتقدوا بوجود حياةٍ بعد الموت، وكانوا يُقيمون طقوساً جنائزية خاصة لحماية الميت من قِبَل الآلهة عند انتقاله إلى العالم الآخر.

غسان الشامي: تحيّةً لكم من أجراس المشرق، أهلاً بك دكتور لبّس ضيفاً عزيزاً سيّدي.

جوزيف لبّس: شكراً أهلاً بكم.

غسان الشامي: لنأخذ وقتنا معك ونقتنصه في هذا الموضوع الذي يُقاربه قليلون وهو الموضوع الكنعاني، ما هي علاقة الفن الكنعاني بالديانة الكنعانية؟

جوزيف لبّس: بالفعل الكنعانية قلَّما حظيت باهتمام، نعرف أنها واسطة العقد، هي بين بلاد ما بين النهرين ووادي النيل، الحضارتان الأولتان بلاد ما بين النهرين، سومر وأكاد وآشور وبابل حظيت باهتمامٍ وكذلك الفرعونية مع الفرعونيات وخصوصاً في فرنسا، ولكن بلاد كنعان لم تحظَ بالاهتمام وأنا أتيت إلى هذا المجال من باب الفضول ومن باب الشوق لمعرفة بعض التفاصيل. بدايةً أحبّ أن أميِّز بين كلمتين: الفن والدين والديانة، الدين غير الديانة، الدين في نظري هو الاعتقاد بإلهٍ واحد في حين أن الديانة هي الاعتقاد بتعدّدية، في لسان العرب نؤمن بأكثر من ديانة والدين الإسلام وكذلك في القرآن الكريم "إن الدين عند الله الإسلام". ما العلاقة بين الديانة الكنعانية والفن الكنعاني؟ في الحقيقة هناك علاقة مُزدَوِجة، أولاً هي علاقة تجلٍّ وثانياً هي علاقة تلازُم، أعني بعلاقة التجلّي أن الديانة الكنعانية لم تكن لتظهر وتصل إلينا من دون الفن، وهنا يمكن الحديث عن فنّين أساسيين هما الأدب والنحت، وصلنا شيء من الديانة الكنعانية، عقائد وشعائر وطقوس من خلال الأساطير والملاحِم وهما جسر من الأدب الكنعاني. 

غسان الشامي: وهما المُعبِّران عن حيويّة المجتمع أيضاً.    

جوزيف لبّس: تماماً، ملحمة البعل وعناة وأسطورة أدونيس وعشتروت من ناحية، أما النحت فبالفعل ربّما فن العمارة انقرض، العمارة الكنعانية. 

غسان الشامي: ولكن موجود في أوغاريت في رأس شمرا، المدينة توضِح لنا كيف كانت البيوت. 

جوزيف لبّس: نعم ولكن المتاحف المُنتشرة في العالم حفظت لنا إرثاً إلهياً كنعانياً، على سبيل المثال في المتحف اليهودي في نيويورك نجد تمثالاً لعشتروت، في اللوفر نجد تمثال البعل يُكافِح الجفاف، هناك تمثال الباروك في روما، وتمثال ملكارت إله صور وإله النار، في المتحف الوطني في بيروت نجد جزءاً من معبد أشمون إله صيدا والشفاء، ويتجلّى في هذه البقيّة الباقية من المعبد فنّا الرقص والموسيقى.  

غسان الشامي: أنت مررت على البعل وعناة كيف تحضر الآلهة الكنعانية في الفن بمعنى كيف تقرأ سِمات هذه الآلهة في الفن الكنعاني؟ 

جوزيف لبّس: قبل أن أُجيب على هذا السؤال ذكرتُ أن ثمّة علاقة مزدوجة، العلاقة الأولى هي علاقة تجلٍّ وعلاقة استدلال، أستطيع أن أستدلّ على الديانة الكنعانية من خلال فنّها أدباً ونحتاً، لكن العلاقة الثانية شديدة الأهميّة وهي علاقة يمكن أن نُطلق عليها إسم علاقة التلازُم أو العلاقة الجدلية. هيغل يتحدَّث عن مرحلة في تطوُّر الشعوب والأمم تطغى الديانة على الحضارة، تصبح الديانة هي الحضارة وبالتالي تتجلّى الديانة في جميع الميادين ومن بينها الفنون.

غسان الشامي: إذا أخذنا ثلاثة نماذج عطفاً على ما سألتك إياه، تبدّيات الآلهة الكنعانية أو سِماتها، إذا بدأنا بتبدّيات إيل فنياً، جدلياً، أدبياً في الديانة أو في المجتمع الكنعاني.

جوزيف لبّس: إيل معناه الإله الأوّل والإله الأوّل هنا له رمزيّته، فإيل في المُعتقد الكنعاني هو الناموس الكوني الذي يضبط إيقاع الوجود وإيقاع الطبيعة، والقوى الطبيعية هي أبناؤه، البعل مثلاً، عناة، عشتروت، عشيرة وهلمَّ جرَّاً تجسّد قوى الطبيعة لكن أهميّة إيل أنه الإله العالمي، الرحيم، وإذا شئنا يمكننا أن نُقارِن بين إيل الإله الكنعاني ويهوه الإله اليهودي، نلاحظ أن يهوه إله قوم أو إله عنصر في حين أن إيل إله عالمي مسكوني، وامتدّت جذور إيل إلى خارج كنعان.  

غسان الشامي: بمعنى أو بآخر أسماء قرى الآن تتبع لإيل، هو رئيس مجمع الآلهة الكنعانية، في لبنان أسماء قرى كثيرة تنتهي بإيل، برقايل، تعنايل، جبرايل، هل هو بمعنى أو بآخر نواة التوحيد الديني في هذه المنطقة من العالم؟ 

جوزيف لبّس: من دون شك، إيل يحتلّ رأس شجرة الآلهة أو قلبها، حتى أسماء العَلَم الموجودة في الكتاب المُقدَّس العبري اليهودي هي بالعشرات تنتهي بلاحقة إيل، جبرائيل، عمانوئيل، إسرائيل.

غسان الشامي: وحتى العربية إسماعيل. 

جوزيف لبّس: نعم، فإذاً نلاحظ بالفعل أن إيل هو نواة التوحيد عِلماً أن التعدّدية عاشت مع التوحيدية جنباً إلى جنب، التعدّدية كانت تبحث عن وحدانية مُعيّنة، هذه الوحدانية تجسَّدت بإيل عِلماً بأنه في الديانة الكنعانية هناك أيضاً صِلة وَصْل ما بين التعدّدية والوحدانية هي التثليث، ويمكن أن نتحدَّث كثيراً في هذا المجال. 

غسان الشامي: من قلب هذا التثليث لدينا البعل الذي هو بمثابة الإبن؟ 

جوزيف لبّس: تماماً، البعل معناه الزوج أو السيِّد، والبعل هنا استطاع أن يحتلّ محلّ أبيه، وفي نظرية فرويد النفسية الإبن يرث أباه ويجب أن يقتله معنوياً كي يستطيع أن يستمر. 

غسان الشامي: بمعنى التجاوز. 

جوزيف لبّس: صحيح، فإذاً يمكن القول إن بعل أخذ مكان والده وانتشرت عبادته في كل أنحاء كنعان، حتى أدونيس يُطلَق عليه "بعل"، حتى الأرض، مَن هو البعل، صحيح هو إبن إيل ولكنّه أيضاً سيِّد الأرض والسماء وهو إله المطر.

غسان الشامي: إله المطر والعاصفة والريح، سنأتي إلى مبحثك الهام في هذا الموضوع، ما هي صفات البعل دكتور لبّس؟ 

جوزيف لبّس: قبل أن أتحدَّث عن صفات البعل أو ربّما في أثناء حديثنا عن صفات البعل يمكن القول إن البعل هو تجسيد لأحلام الإنسان الكنعاني، مَن هو الإنسان الكنعاني؟ هو الذي يشقّ الوَعر كي يبني حدائق وجنائن، هو الذي يمخر عُباب اليمّ كي يتاجر ويسافر.

غسان الشامي: واليمّ كلمة كنعانية. 

جوزيف لبّس: اليمّ كلمة كنعانية تعني في الوقت عينه البحر والنهر، وبعل كان يناضل ضدّ النهر والبحر كي يطوّعهما لإرادته كما الكنعاني، وحتى اليوم ما زلنا نقول أرض بعل، يعني لا يزال البعل موجوداً بين ظهرانينا.

غسان الشامي: أو هذا بعلها.

جوزيف لبّس: نعم بمعنى الزوج، والأرض البعل بمعنى التي لا تعيش بالريّ، بالمياه الجارية من خلال النهر لأن الكنعانيين لم يعرفوا الأنهر العملاقة كما عرفتها بلاد ما بين النهرين، دجلة والفرات والنيل، عاشت أرض كنعان على الأمطار الموسمية والأنهر الصغيرة.

غسان الشامي: بعشتار أو عشيرة أو عشتروت، أسماء مختلفة لجسدٍ واحدٍ بطريقةٍ أو بأخرى، هل نحن أمام وراثة للألوهة المؤنّثة، للأموميّة، للعصر الأمومي دكتور لبّس؟

جوزيف لبّس: عشتار معناها الأمّ وتتَّخذ أسماءً مختلفة كما ذكرتم، أهميّة عشتار أنها الوجود الأنثوي في شجرة الآلهة الكنعانية، لا يمكن أن تذكر إيل من دون ذِكر عشيرة، لا يمكن أن تذكر البعل من دون أن تذكر عناة، لا يمكن أن تذكر أدونيس من دون أن تذكر عشتروت، فإذاً هذه الديانة ثُنائية.

غسان الشامي: ثُنائية بهذا المعنى وليست ثلاثية. 

جوزيف لبّس: الثلاثية أمر مختلف، لكن هنا نعني بالثنائية أنها أعطت المرأة وجودها وحقّها وساوتها بالرجل، فهناك إله وهناك إلهة، ومعروفٌ أن عشيرة هي أمّ سبعين إلهاً وإلهة، وهنا يمكن الحديث عن خادمات أو كاهنات المعبد وعمّا يُسمّى بالبغاء المُقدَّس، والمؤرِّخون يعتبرون البغاء المقدّس خطوة مُتقدّمة إذ في اعتقادهم أن المرأة أو الفتاة التي تبذل طهارتها في سبيل الإله إنما تشارك البعلة في الأنوثة الكونية، في الخصب الكوني. 

غسان الشامي: هنا أريد أن أسألك لأعود إلى البعل، ما هي رمزيّة المطر في الديانة الكنعانية، الماء وإلى أين ينتمي؟

جوزيف لبّس: المطر هو ماء السماء أو الماء المُقطَّر الذي لم يتلوَّث بغبار أو بطين الأرض، وبالتالي هذا الماء الذي ينتمي إلى السماء إنما ينتمي إلى الإله إيل وبعل. إذا كانت اليهودية ترى أن الأرض هي ملك يهوه فإن الكنعانية تنظر إلى الماء على أنه مُلك إيل أو البعل. نعم كل الديانات والأديان عرفت الماء، مثلاً سَفْر التكوين يبدأ "في البدء كان روح الله يرفرف على المياه"، وفي القرآن الكريم في سورة الأنبياء "وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ"، ولكن في الديانة الكنعانية رمزيّة الماء تكثّفت، البحث عن الماء هو الذي دفع الكنعانيين إلى الهجرة من الجزيرة العربية نحو أرض الميعاد أو أرض كنعان.  

غسان الشامي: هل هذا مُثْبَت لأن هناك نظريات جديدة تقول إنهم كانوا هنا ولم يأتوا من الجزيرة العربية. 

جوزيف لبّس: هناك نظريات مُتعدِّدة لكن النظرية التقليدية الشائِعة التي يعتمدها المؤرِّخون تقول إن الكنعانيين ساميون أتوا إلى هذه البلاد بهجراتٍ موسمية سعياً وراء المطر، والمطر كما نعلم هو الذي أنبت شجرة الآلهة الكنعانية، وبالتالي هو الذي نسج أساطيرهم وحاكى ملاحمهم، وفي ظنّي وهذا رأي شخصي أنه لولا المطر ولولا إحاطة بلاد كنعان بالأنهار والبحار والأمطار لما ابتدعوا الأبجدية لأن المطر يُعلّم الإنسان الكلام، يُعلّم الإنسان الإصغاء، يُعلّمه التكرار.

غسان الشامي: سنضع خطّين تحتها ونتابع البحث فيها. سيّدي رموزيّة الورد في الكنعانية. 

جوزيف لبّس: يمكن أن نتحدَّث عن رمزيّتين للوَرد: رمزية دينية ورمزية دنيوية، الرمزية الدينية ليست فقط حكراً على الكنعانية، مثلاً بوذا يُقال إنه عندما لفظ أنفاسه انهمرت السماء ورداً، القدِّيسة تيريزيا الطفل يسوع عندما لفظت أنفاسها وعدت المؤمنين بأنها ستمطر عليهم مطراً من ورد، حتى مريم العذراء يُصلّي المؤمنون لها ما يُسمَّى بصلاة الورديّة.  

غسان الشامي: ويغتسلون بالورد في خميس الورود.

جوزيف لبّس: نعم.

غسان الشامي: هل هو خميس عشتاري بالأصل؟

جوزيف لبّس: قد يكون كذلك لأنه بين الكنعانية والمسيحية وشائج أكثر مما نتصوَّر.

غسان الشامي: سنأتي إليها.

جوزيف لبّس: فإذاً رمزيّة الورد في الدين ترمز إلى النِعَم والفضائل. أما في الديانة الكنعانية فنحن أعلم في أسطورة أدونيس وعشتروت أن الخنزير البري عندما انقضّ على أدونيس وأرداه قتيلاً هرعت عشتروت لكي تنقذه من الموت فداست على الأشواك وعلى الورد الأبيض الذي تلوَّن بدماء عشتروت فغدا أحمراً. فإذاً للورد رمزيّته، دنيوياً الورد هو رمز المرأة، رمز الحب الجسدي والروحي، رمز الجمال والأناقة لأن الوردة باستدارتها، بلونها، بعطرها توحي بالكمال.    

غسان الشامي: هل هناك وبقليلٍ من الوقت رمزيّة للأرجوان في الديانة الكنعانية؟ 

جوزيف لبّس: طبعاً، الأرجوان هو لون الملوك والآلهة.

غسان الشامي: هل هم اخترعوه ومن ثم أصبح عادة لدى الملوك أم أنهم ورثوه؟

جوزيف لبّس: الأرجوان هو من صدفة الموريكس وتسمَّى بالعربية "المريّق" وتُنسَب إلى ملكارت إله صور، اكتشف هذه الصدفة على شاطئ صور، وفي الحقيقة اليونانيون أطلقوا على الكنعانيين إسم الفينيقيين نسبةً إلى الأرجوان لأن كلمة فينيقيا تعني البلاد الحمراء أو الرجال الحمر نسبةً إلى الأرجوان الذي كان الفينيقيون يتاجرون به.   

غسان الشامي: إسمح لي أن نذهب إلى فاصل، أعزائي فاصل ثم نعود إلى هذا الحوار عن كنعان، انتظرونا مع الدكتور جوزيف لبّس.

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحيّةً لكم مُجدّداً من أجراس المشرق، دكتور جوزيف لبّس أين يلتقي الفن والأدب الكنعاني وأين يختلفان؟ 

جوزيف لبّس: يلتقيان في الأدب الديني.

غسان الشامي: عُدنا إلى الدين.

جوزيف لبّس: تماماً، عندما تمزج الدين والأدب ينبثق الأدب الديني، وطبعاً أهم مصدرين من مصادر الأدب الديني الكنعاني هما ملحمة البعل وعناة وأسطورة أدونيس وعشتروت التي أتتنا مرتديةً حلّة يونانية. لماذا نركِّز على هذين المصدرين؟ لأن مصادر الأدب الكنعاني لم تصلنا كاملةً، ابتداءً من العام 1929 بدأت حفريات أوغاريت ووصلنا القليل من هذه الملاحم والأساطير نسبةً إلى ما وصل إلينا من بلاد سومَر وبلاد النيل.

غسان الشامي: كيف يتبدّى الصراع لأنه في داخل العلاقة بين الفن والأدب تظهر نُذُر الصراع بين الفن والدين كنعانياً؟ 

جوزيف لبّس: إجمالاً كل الفنون والآداب القديمة هي خاضعة وخادمة للسلطة الدينية والسلطة السياسية، وبالتالي معظم الفنون والآداب ليس فقط في الحضارة الكنعانية، معظم الآداب والفنون القديمة وُلِدَت في حضن المعبد.

غسان الشامي: ولكن لنأخذها الآن في كنعان كيف رأيت هذا الصراع في كنعان؟ في حرب الأيقونات في المسيحية أو في غيرها ولكن في كنعان كيف تبدَّى هذا الصراع برأيك؟

جوزيف لبّس: لم يتبدَّ هذا الصراع كما يجب لأن النحت والأدب سُخِّرا في سبيل الدين ولكن ربّما يمكننا أن نستشعر كيف يُسيطر الدين على الأدب وعلى الفن، يطوِّع الفنانين، يجعلهم في خدمته، يرسم لهم أطراً لا يحيدون عنها، كيف يستطيع الفنان أن يتفلَّت؟ يحاول أن يتفرَّد بفنّه، يحاول أن يتجاوز المفروض عليه، ربّما حاول الفنان الكنعاني من خلال فنّه أن يثبت نفسه، أن يتحرَّر من القيود المفروضة عليه، وهنا أتذكَّر عبارة لشارل قرم في كتابه "الفن الفينيقي" يقول:"عندما ترى تمثالاً فينيقياً تلمح فيه إيماناً بالله واحتراماً لذاته وتشعر بأنه يتجاوز الأفق الإنساني"، ربّما هنا يمكننا أن نقول إن الفنان الكنعاني حاول أن يفرض نفسه من خلال التنوّع والاستقلالية.   

غسان الشامي: وفي الشعر دكتور لبّس، أنت تعلم أن الشعر في بلادنا يبدو أنه منذ الأزَل، هذه العلاقة مع الميثولوجيا، علاقة فيها وشائج ولكن بهذا الشعر، أغراض الشعر الكنعاني لم تقتصر إلا على المفهوم الديني؟  

جوزيف لبّس: أفهم بمُصْطَلح الأغراض الأجناس والأنواع الأدبية. 

غسان الشامي: أغراض الشعر، الهجاء، المديح.

جوزيف لبّس: أُكرِّر إن ما وصلنا من الأدب الكنعاني أدب قليل، وهنا لسُخرية القدر أن الكنعانيين وهم الذين ابتكروا الأبجدية، الكنعانيون الفينيقيون ابتكروا الأبجدية إلا أنّ ما دوَّنوه كان على وَرَق البُردي، وقد أتلفته المياه والرطوبة وبالتالي لم يصلنا. 

غسان الشامي: يعني غير ما كُتِب في بلاد الرافدين أو في مصر على الأحجار أو على الرقيمات الطينية؟ ورق البُردي المصري كانوا يستوردونه من مصر أم كان هنا؟ 

جوزيف لبّس: التجارة كانت جيِّدة ما بين وادي النيل وأرض كنعان، فإذاً لم يصلنا إلا شيء قليل من الأدب بسبب تلْف الماء لهذا الأدب. إذا سألنا ما هي الأنواع الأدبية يمكن أن نذكر نوعين أدبيين، الملحمة وهي تجسيد لطفولة الشعوب، كل الشعوب القديمة عرفت الملحمة لأنها تجسِّد طفولة الشعوب، وغرضٌ آخر هو الأسطورة التي هي جدَّة الأديان، كل الأساطير القديمة هي جدَّة الأديان بمعنى يفيء إليها الإنسان ليشعر بالطمأنينة لأنها حاجة وجودية عميقة جداً في النفس البشرية. 

غسان الشامي: الصراع بين الفن والدين تاريخياً كيف يمكن أن تصفه؟

جوزيف لبّس: من ناحية السلطة الدينية والدنيوية تستخدم الفن في سبيل خدمتها، وكما يقول المُفكِّر الفرنسي باسكال كينيار "الفن سلطة السلطة"، أي أنه تابع للسلطتين الدينية والدنيوية وفي خدمتها، تحاول أن تروّض الفنان، تحاول أن ترسم له إطاراً مُعيّناً ولكن الفنان يحاول أن يتفلّت ويتحرَّر. أحياناً إذا كان الفنان عنيداً ربّما يُطرَد ويُنفى، على سبيل المثال يمكن أن نذكر ميكيل انجيلو أو دانتي، دانتي زجّ ثلاثة بابوات في الجحيم، ميكيل انجيلو رمى بأحد الكرادلة في الجحيم. فإذاً يستطيع الفنان أن يقاوِم رجال الدين عبر النقد وعبر السُخرية منهم.  

غسان الشامي: هذا يطرح سؤالاً عن موقع الفن في سياق العصور القديمة دكتور لبّس، أين هو موقعه؟ 

جوزيف لبّس: لا يخرج موقع الفن والدين عن الموقع الذي تحدَّثنا آنفاً عنه، الفنون والآداب نشأت في حضن الدين الذي استوعبها وسخَّرها لخدمته لكن استطاع الفن في ما بعد أن يتفلَّت من هذه السيطرة وأن يستقلّ. 

غسان الشامي: بهذا السياق كيف يمكن أن تصف الفن الكنعاني في سياق تعبيره عن المجتمع الكنعاني؟ هل هناك بهذا الفن قراءات كيف كان المجتمع الكنعاني من خلال الفن دكتور لبّس؟ 

جوزيف لبّس: تحدَّثنا قليلاً عن رمزيّة إيل، رمزيّة البعل ورمزيّة كلّ من الماء والمطر، لم نتحدَّث وهذا أمر شديد الأهمية عن الثالوث أو التثليث الموجود في الديانة الكنعانية، وهذا أيضاً مهم لأن الفن جسَّد المُثلّث الإلهي: إيل، بعل وعشتروت. إذاً الفن نحتاً وأدباً عبَّر عن هذا المُثلّث الإلهي، ما يعني أن المجتمع الكنعاني عرف ثلاثة أنماط من العبادات، بدأ بالتعدّدية، ذكرنا أن ملحمة البعل وعناة تشير إلى وجود سبعين إلهاً وإلهة، فإذاً المجتمع الكنعاني عرف التعدّدية ثم مرّ بما يُسمَّى بمرحلة التثليث إذ كان لكلّ مدينة فينيقية كنعانية ثلاثة آلهة أساسيين وصولاً إلى الوحدانية مع إيل وبعل، وهذا التثليث موجود في أكثر من مظهر، ويمكن أن نلمحه ضمن القناطر المُثلّثة التي ما زالت موجودة اليوم في بعض قصورنا ومنازلنا وأديرتنا، حتى في نبعا أفقا هناك ثلاث قناطر تجري منها المياه. إضافة إلى الأبجدية الفينيقية التي تألَّفت من 22 حرفاً، أبجد، هوّز، حطّي، كلمن، سعفص، قرشت، ثخذ، ضظغ، 22 حرفاً زاد عليها العرب ستّة أحرف، هذه الأحرف ثلاثية. ليس عبثاً أن يرتبط الحرف الفينيقي بالثالوث، أي حرف لن يتجاوز الأحرف الثلاثة، ألف، باء، شين، كاف، حتى الحركات التي أضيفت لاحقاً هي أيضاً ثلاث: ضمّة، فتحة، كسرة، حتى الكلمة تتألّف من فعل، إسم، حرف، إذاً تكاد تكون اللغة الأبجدية الفينيقية ثالوثية.    

غسان الشامي: دكتور لبّس هل كان هذا الفن أو هذا الأدب وسيلة للترويج للدين أو ربّما السلطات الدينية والسلطات السياسية توسّلت أن يكون هذا الفن مطيّةً لها؟ 

جوزيف لبّس: نعم، هذا الأمر أيضاً يتحدَّث عنه المؤرِّخون ولا يقتصر فقط على الكنعانيين، هو ينسحب على سائر الشعوب القديمة بل ينسحب أيضاً على الأديان التوحيدية، فعلى سبيل المثال نعم عرفت الكنيسة حرب الأيقونات التي دامت 116 سنةً بين 700 و 800، ولكن في ما بعد طوّعت الأيقونات، سخّرتها لعامّة الناس، كانت تعتبر أن الأيقونة أو التمثال إنجيلاً من حجر أو من لون يستطيع أن يساعد الأمّي على التمسّك بإيمانه. حتى أن عبد الرحمن الكواكبي في كتابه المهم جداً "طبائع الاستبداد" يتحدَّث أيضاً كيف أن أئمّة الدين سخّروا الزُخرف والعِظة لجَذْبِ المؤمنين وخصوصاً في عصر الدول المُتتابعة، فإذاً نعم يمكن أن يُشكّل الفن وسيلة جَذْب لعامّة الناس وللمؤمنين. 

غسان الشامي: في موضوع الأيقونات لا توجد أيقونات خارج الإطار الكَنَسي حتى وقت مُتأخّر أليس كذلك؟ لنأخذ مثلاً المدرسة المُقدَّسية أو الأيقونات في أوروبا، هل كان رجال الدين يتوسَّلون الأيقونة أيضاً لجَذْبِ المؤمنين؟ 

جوزيف لبّس: من دون شك للأيقونة طقوس، الأيقونة لا تُرسَم بل تُكتَب، وقبل أن ينكبّ كاتب الأيقونة على أيقونته لا بدَّ من طقوس مُعيّنة، صلوات أو أدعية إلى ما هنالك، لكن ما يمكن قوله إن فن الأيقونات أيضاً هو فن رائع لكنّه مرّ بانحطاطٍ إذ باتت الأيقونات تتشابه ويُقلّد بعضها بعضاً، وهذا أيضاً حدث في الفن الإسلامي في الخط.

غسان الشامي: وفي الزُخْرُف "أرابيسك".

جوزيف لبّس: وفي الزُخْرُف، يصل أحياناً الفن الديني إلى ذروة لكن يرسف في ما بعد بالقيود ولا يستطيع أن يبتكر خارجها، من هنا دفاع الفنان في سبيل الخروج عن هذه الأطر في سبيل الإبداع والحرية. 

غسان الشامي: ما يلفت بما كتبته علاقة الفن الكنعاني بالتجارة، وهذا خارج السياق الديني بالكامل، ما علاقة هذا الفن بالتجارة؟ 

جوزيف لبّس: إذا أردنا الحديث عن التجارة يجب أن نتحدَّث عن البحر، وإذا أردنا أن نرسِّم الحدود بلغة اليوم فأرض كنعان امتدّت من شواطئ سوريا غرباً، شمالاً، سوريا الغربية شمالاً مروراً بشواطئ لبنان حتى فلسطين. 

غسان الشامي: من الإسكندرون إلى غزَّة.

جوزيف لبّس: نعم، فإذاً أرض كنعان مُنْفتِحة على البحر، والبحر دفع بهم إلى التجارة والتجارة بحراً تحتاج إلى صناعة السفن، وصناعة السفن من خشب الأرز، فإذاً خشب الأرز إضافةً إلى البحر فتح الآفاق البحرية للفينيقيين، وبالتالي في فنّهم جمعوا بين ما يُسمَّى الفن الصناعي والفن الجميل، هو فن يُسْتعَمَل في الحياة اليومية لكنه مُمْتِع ومُبْهِر للنظر. طبعاً لم يتاجروا فقط بالأرجوان، تاجروا بأقراط الزينة، بالأقمشة، بالأواني، بالصحون، بالخَزْف إلى ما هنالك، وجمع فنّهم بين الفائدة والمتعة. 

غسان الشامي: بقي لديّ سؤالان في أقل من خمس دقائق ولكنّهما زبدة حديثنا، التأثير الكنعاني في اليهودية والمسيحية.

جوزيف لبّس: في اليهودية يمكن أن نذكر لاحقة إيل، هذا الجزء من كلمة إيل الذي دخل في عشرات الأسماء المُقدَّسة الموجودة في الكتاب المُقدَّس. 

غسان الشامي: وديانة البعليم، ديانات البعل موجودة لدى سليمان وداوود. 

جوزيف لبّس: صحيح، حتى يُقال إن سليمان كان يعبد عشتروت والبعليم هي جمع بعل، يمكن أن نجمعها بالعربية "بعول". كذلك في اليهودية نلاحظ أن اليهود عبدوا بعل وإيل بدلاً من أن يعبدوا يهوه وهذا ما أثار سخط الأنبياء، مثلاً إيليا النبي.  

غسان الشامي: وهو آتٍ من إيل.

جوزيف لبّس: تماماً، بالإضافة إلى التضحية بالأطفال، نلاحظ أن ملكارت على سبيل المِثال كانوا يُقدِّمون له ذبائح بشرية، ونتذكَّر هنا قصة إبراهيم وإسحاق أو إبراهيم وإسماعيل، فإذاً التضحية بفلذات الأكباد كانت موجودة أيضاً. 

غسان الشامي: في المسيحية؟ 

جوزيف لبّس: يمكن أن أتوقَّف هنا عند ثلاث مُقارنات، كما ذكرنا الإله الواحد ثم الثالوث لكن الأمر الذي لم نذكره هو القيامة، كما أدونيس الذي يموت ثم يعاوِد الحياة مُجدَّداً مع الربيع، قيامة المسيح، وهذا أمر يتحدَّث عنه المؤرِّخون بوفْرة.

غسان الشامي: والتأثير الكنعاني في اليونانية؟

جوزيف لبّس: التأثير الكنعاني في اليونانية بادئ ذي بدء يتجلّى في إعجاب اليونان بالفينيقيين، هوميروس يتحدَّث في الإلياذة عن فينيقيا وعن صيدا ويمدح مهارتهم في الصناعة. هيرودوت في الكتابين الأول والخامس يتحدَّث عن مهارة الفينيقيين في السفر وفي التجارة ويتحدَّث عن قدموس وعن الأبجدية، ويعترف بأن اليونانيين مدينون للكنعانيين الفينيقيين بالحروف الأبجدية، لكن المهم أيضاً هو أن شجرة الآلهة أي الميثولوجيا اليونانية نسخت شجرة الآلهة الكنعانية.   

غسان الشامي: كيف؟ 

جوزيف لبّس: مثلاً يمكن أن نُقارن إيل الكنعاني هو كرونوس اليوناني، البعل هو زيوس، أدونيس هو ديونيزوس، عشتروت هي أفروديت، عناة أو عشيرة ربّة الزواج وربّة المرأة هي هيرا.

غسان الشامي: ولكن أليس للبعل مقام عند اليونان؟ 

جوزيف لبّس: بلى هو زيوس سيِّد الآلهة وسيِّد البشر، فإذاً نعم اليونانيون مدينون للكنعانيين بكل حضارتهم تقريباً.

غسان الشامي: ونحن مدينون لك بالشكر.

جوزيف لبّس: العفو.

غسان الشامي: مَن لم يطّلع ويستفد من الإرث القديم والثري لهذه المنطقة يفوته الكثير من معرفة نفسه ومجتمعه وحضارته شرط ألا يأخذه القديم بل أن يستهدي به للآتي. شكري للدكتور جوزيف لبّس على حضوره وإضاءاته في أجراس المشرق، لزملائي في البرنامج والميادين على جهدهم، أيامكم معرفةٌ ومطرٌ ووردٌ منذ فجر كنعان، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.

 

 

البرنامج

إعداد
غسان الشامي
تقديم
غسان الشامي
المنتج
هشام الهاشم
الايميل