الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي

الديمقراطية وحقوق الإنسان والتباس معاييرهما في العالم العربي، مفاتيح التغيير في المجتمع وقراءة في الفكر التكفيري وحظوظ العلمانية عند المسيحيين والمسلمين في البلدان العربية.

 

المحور الأول: 

غسان الشامي: أحيّيكم، لطالما عانت الديمقراطية في المشرق وبلاد العرب من التباسها بين النظرية والتطبيق، ولطالما كانت حقوق الإنسان في صيغتها العالمية حمّالة أوجه لا بل نقطة توجُّس لأن مَن يتكلّم بها فعل معكوسها في المنطقة، لا بل سمح وساهم في تدمير الإنسان قبل تدمير حقوقه، لكن هذا لا يمنعنا من البحث عن هاتين الأيقونتين المُعاصرتين المُلتبستين في شقّهما الإيجابي، وعن كيفيّة تغيير المجتمعات بعيداً عن النموذج السمج الدامي للفكر التكفيري وممارساته. ومن اللافت أن يتناول أبٌ أكاديمي هذه المواضيع المدنية إلى جانب تناوله المواضيع اللاهوتية وأقصد ضيفنا الأب الدكتور صلاح أبو جودة الراهب اليسوعي وأستاذ الفلسفة السياسية ومدير معهد الآداب الشرقية ونائب رئيس جامعة القدِّيس يوسف وصاحب المؤلّفات المُتعدّدة، قبل الحوار تقريرٌ عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي. 

تقرير:    

تكرَّست القِيَم الديمقراطية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، وللسُخرية هو العام الذي اعترف فيه أكثر دُعاتها باغتصاب فلسطين وتهجير قسم كبير من شعبها، لكن تجسَّد في الإعلان ما أتى بعده طائفةٌ كبيرة من الحقوق السياسية والحريات المدنية التي يجب أن تستند إليها الديمقراطية الصحيحة.

إذا كانت الديمقراطية هي حُكم الغالبية فإن إعلان حقوق الإنسان يُجسِّد معادلة التساوي بين المواطنين والحفاظ على كرامتهم والدفاع عن حقوق الأقلّيات التي لا تشارك في الحُكم، لذلك هما مُتلازمان ومُتمِّمان لبعضهما البعض.

أما الديمقراطية في العالم العربي فما تزال قَبْض الريح، حيث تقاومها أحزابٌ دينية وسياسية وحكَّامٌ مُطلقو الصلاحيات وأُسَرٌ وعائلات وإقطاعيات حاكمة بوجود مؤسَّساتٍ سياسيةٍ تبنَّت أفكاراً مُتقدِّمة تحاكي الديمقراطية لكنّها لم تتمكَّن من الدفع باتجاه التغيير.

أما حقوق الإنسان فتشهد تدهوراً في الدول العربية، حيث تتبدّى انتهاكات حقوق الإنسان الأساسية في انعدام المساواة بين المواطنين لا بل بانتهاك كرامتهم غالباً والسجن والتعذيب والإخفاء لمُجرَّد الاشتباه في كون أحدهم مُعارِضاً من دون توفّر محاكمات نزيهة للمُعارضين، إضافة إلى قَمْعِ حرية التعبير.

كما يسود التمييز على أساس الانتماءات الطائفية والسياسية والقبلية ما ساعد على استشراء الفساد والمحسوبية وانتهاك حقوق المرأة وعدم تساوي الفُرَص، بالإضافة إلى الانتهاكات المُتكرِّرة لحقوق الأقليات الدينية والإثنية في بعض الدول.

غسان الشامي: تحيّةً لكم من أجراس المشرق، حضرة الأب صلاح أبو جودة نذُر الديمقراطية، بداياتها تعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد في أثينا، 2500 عام في هذه السيرورة المُخيفة صعوداً ونزولاً، هناك كلامٌ كثير سُفح عن الديمقراطية، ما هي اليوم؟ 

الأب صلاح أبو جودة: وضع الديمقراطية اليوم من حيث الخطاب الديمقراطي شيء ومن حيث التطبيق شيء آخر، من حيث الخطاب الديمقراطي إذا عُدنا على سبيل المثال إلى وثائق الأمم المتحدة فالديمقراطية تُعدُّ قيمةً إنسانية يرافقها الكلام عن حقوق الإنسان، في وثائق الأمم المتحدة حالياً لا تُفصَل الديمقراطية عن حقوق الإنسان باعتبار أن الديمقراطية هي قبل كل شيء فرادة الإنسان، حرّيته التي لا تنفصل عن كرامته وعن حريّته في التعبير.   

غسان الشامي: ولكن نحن في هذه الحلقة سنبعدهما عن بعضهما للضرورة الأكاديمية لأننا سنأخذ موضوع حقوق الإنسان ونغوص فيه في العُمق، تفضّل. 

الأب صلاح أبو جودة: لو توضِّح لي السؤال، الفصل بين الديمقراطية وحقوق الإنسان؟

غسان الشامي: ليس فصلاً بمعنى أننا سندخل في فصل حقوق الإنسان ولكن هذه الديمقراطية التي عُمرها 2500 عام وأنت تعلم أن حقوق الإنسان موجودة منذ مئة عام. 

الأب صلاح أبو جودة: صحيح ولكن الديمقراطية على أنواع والديمقراطية السائِدة حالياً وخاصة التي بدأت تبرز في أوروبا في القرن السابع عشر، ومن ثم تطوَّرت تدريجاً هي الديمقراطية الليبرالية والتي مع بروزالتشريعات في فرنسا في القرن الثامن عشر وفي الولايات المتحدة وفي إنكلترا والتي هي أساس شُرعة حقوق الإنسان التي اُقرَّت في العام 1948، من الواضح أنه لا يمكن فصلها عن الكلام على الديمقراطية الليبرالية، والجامِع المشترك بينهما هو فرادة الإنسان بصفته حرَّاً، لديه الضمير والقدرة على القرار من دون وجود أي عامل خارجي يؤثّر عليه، إذاً هي كانت الانعتاق من المرجعية الخارجية التي تؤثّر على الإنسان وتحديداً المرجعية الدينية في الغرب والتي كانت تمثّلها الكنيسة.

غسان الشامي: بهذا المعنى أفهم منك أن الديمقراطية لم تستقم طيلة 2500 عام إلا عندما اقترنت بحقوق الإنسان؟

الأب صلاح أبو جودة: مئة بالمئة لم تستقم، وحين نتحدّث عن الديمقراطية لا نتكلّم عن نظام مثالي، ما من شيء مثالي، الديمقراطية لها إشكالياتها ولكن نستطيع القول إنه مع الوقت اتّضح أن الديمقراطية هي النظام الأفضل، وهذا ما دفع فوكوياما في العام 1992 بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ليقول إننا وصلنا إلى نهاية التاريخ، بمعنى أنه ما من بديل عن الديمقراطية الليبرالية التي لا تنفصل عن حقوق الإنسان وعن الاقتصاد الحر.

غسان الشامي: وهذه إشكالية لأن التاريخ لا ينتهي أو لم ينتهِ بهذا المعنى. 

الأب صلاح أبو جودة: برأيي إنها بداية التاريخ وليست نهايته ولأسباب مُتعدِّدة، أولاً لأن الديمقراطية الليبرالية لم تُعتمَد في جميع أنحاء العالم، إضافة إلى أن الديمقراطيات العريقة نفسها التي تُعتَبر حصون الديمقراطية الليبرالية لها أيضاً إشكاليات في الصميم ناتجة إما بسبب المُهاجرين واللاجئين وإما بسبب العوْلَمة وما رافقها من السوق الحرة التي خلقت نوعين من الإشكاليات: إشكالية التعاطي مع الجماعات داخل مجتمعات تؤمن بفرادة الإنسان والمؤسَّسة على الإنسان كفرد، ومن جهة أخرى المواطن كفرد والذي فَقَدَ إلى حدٍّ ما وفق ما يقول البعض بُعده التاريخي والسياسي باعتبار أنه غير مُنْخَرط في شؤون بلاده بسبب العولمة.

غسان الشامي: والديمقراطية في لبنان إذا صُنِّفت إلى أين تنتمي؟ 

الأب صلاح أبو جودة: بحسب العلوم السياسية الديمقراطية اللبنانية تُدْرَج ضمن ما يُسمّى الديمقراطيات التوافقية التي تقوم بالتأكيد على ما نعيشه هنا في لبنان، هناك نوع من المُساومة والتفاهُمات بين القوى والتي تجعل أمور البلاد تستقيم ويتوفّر الأمن بكل أبعاده، الأمن الغذائي والصحّي إلى ما هنالك، ويؤمِّن تقدّم المجتمع أيضاً. الديمقراطية إذاً هي توافقية في البلدان التي نجحت فيها مثل النمسا، هولندا، وسويسرا حالياً وبلجيكا التي لا تزال مُتأخّرة نوعاً ما. من الواضح أن الديمقراطية التوافقية تنجح حينما تنتقل إلى الديمقراطية الليبرالية، إذاً هناك نوع من المراوحة ضمن الديمقراطية التوافقية من دون أي تقدّم.

غسان الشامي: أتمنّى أن تشرح لنا أبونا أبو جودة، لبنان الحديث هذا بمئة عام، هذه التجربة من الديمقراطية كيف يمكن أن تستوي الديمقراطية التوافقية طائفياً، عائلاتياً، مذهبياً؟ وكيف يمكن أن تنتقل هذه التوافقيات إلى ديمقراطية حقّة؟  

الأب صلاح أبو جودة: سؤال صائب وفي مكانه وفي الوقت نفسه يُعبِّر عن واقعٍ مُعقّد، لا بدّ بدايةً من توضيح أمرين، أولاً أن النظام الديمقراطي التوافقي الذي يجمع بين مبادئ الديمقراطية الليبرالية وبين الحلول الطائفية، هذا المزيج المُخْتَلط في الواقع يجمع بين أمرين، بين الحلول التي كانت تعتمدها السلطة العثمانية لحلّ النزاعات في جبل لبنان القائمة أيضاً على التوازُنات الطائفية، وعلى المبدأ الذي تُرْجِم لاحقاً في الحياة السياسية الوطنية إلى لا غالب ولا مغلوب. 

غسان الشامي: أو ستّة وستّة مكرّر. 

الأب صلاح أبو جودة: كلا ستّة وستّة مكرَّر هو تقاسُم الحصص ولكن اللاغالب ولا مغلوب يعني ألا يغلب أحدٌ الآخر، ولكن هذه أيضاً تخفي إشكاليات ومسائل بالرغم من وجهها الإيجابي الذي يسمح ببقاء هذا التوافق ولكنها تخفي سلبيات كثيرة منها أنها تمنع إقامة العدالة، ومجرَّد أن نقول إن الناس في بلدٍ ما يشعرون بالغُبن وبالظلم بسبب الأحداث فمن المستحيل أن نتحدَّث عن مجتمعٍ قابلٍ للتطوّر والتقدّم، وهذه تتوضّح من تجارب جنوب أفريقيا، زائير وكل البلدان التي شهدت حروباً وكوارث نتيجة الانقسامات داخل مجتمعاتها، لا يمكن حصول مصالحة حقيقية من دون أن تكون هناك عدالة، ومبدأ لا غالب ولا مغلوب عندنا منذ زمن الحُكم العثماني وحتى اليوم يخفي كل ما يُسمَّى عدالة، على سبيل المثال إذا أخذنا مسألة المفقودين في الحرب، إذا لم يكن هناك جواب يشفي غليل أهاليهم فمن المستحيل أن نعتبر أنّ مجتمعنا سليم.

غسان الشامي: ولكن أيضاً مفهوم اللاغالب ولا مغلوب هو مفهوم خطير بمعنى أنه يستبطن ويُغضِّن كل الخلافات بقشرة من الديمقراطية، بمعنى أنه حتى اللحظة أبونا لم تكن هناك أيّة قراءة لمُجريات الحرب ومُسبّباتها داخل مجتمع واحد ودائماً هناك مشكلة إلصاق القضية بالغريب.  

الأب صلاح أبو جودة: صحيح والأخطر من ذلك زيادةً على ما قلته حضرتك هو غياب ذكرى الحروب، مَن يتابع عمل وزارات التربية في أوروبا يلاحظ الجهد الذي تبذله وخاصة في ذكرى الحربين العالميتين الأولى والثانية يستطيع أن يفهم مدى أهميّة إثارة الذكرى بطريقةٍ سليمةٍ وموضوعيةٍ لأنها تُسبِّب صدمة إيجابية لدى الناس، وتخلق نوعاً من الرادِع الشخصي لدى الإنسان من اللجوء إلى العنف حين يرى نتائج هذه الكوارث أمام عينيه. نحن للأسف لا نمتلك هذا والكثيرون يقولون وعن صواب برأيي إن كل الأسباب التي أدّت إلى الحرب قد تؤدّي إليها مرة ثانية. ذكرى الحروب هي مسألة أساسية جداً، والمسألة لدينا مقموعة ربّما عن جهلٍ ولكن ربّما أيضاً عن سابق تصوّر وتصميم وخصوصاً أن اللاعبين هم أنفسهم تقريباً.

غسان الشامي: بمعنى أننا شعوب لا تريد أن تضع مِلحها على جُرحها؟

الأب صلاح أبو جودة: إذا تحدّثنا عن وضع لبنان. 

غسان الشامي: كلا أنا أريد أن أنتقل معك إلى المشرق بكامله والعالم العربي. 

الأب صلاح أبو جودة: برأيي لا يمكننا أن نُعمِّم نظراً إلى خصوصيات البلدان، إذا عدنا إلى السؤال الذي طرحته حضرتك في ما خصّ الديمقراطية أو هذا المزيج من الديمقراطية والطائفية، إذا عدنا إلى مسألة الديمقراطية التوافقية ونجاحها كنموذجٍ فإن نجاحها هو حين تتجاوز نفسها، ما معنى أن تتجاوز نفسها؟  يعني أن تنتقل إلى الديمقراطية الليبرالية وهذا يعني أن هناك رؤية وطنية، هناك أناس يعلمون بالانقسامات داخل البلد، يعرفون الحال النفسية والخلفيات الثقافية التي قد تحول من دون انصهارٍ حقيقي ولكن لديهم رؤية وبالتالي مُخطّط منهجي واضح يقود تدريجاً إلى الانصهار الوطني. للأسف نحن على العكس لا نتّجه إلى الأمام، لو ترى المشهد السياسي في لبنان منذ أيام الرئيس شهاب وبعد الأحداث في أواخر الخمسينات مع الرئيس شمعون ترى أنه بعد الرئيس شهاب في الواقع الأمور عادت إلى الوراء وتحديداً منذ الطائف. موضوعياً نلاحظ أنّ ما من خطابٍ من الخطابات يُعدّ خطاباً وطنياً، كلّها خطابات طائفية ومذهبية تخفي بالنتيجة طموحات شخصية ومصالح شخصية وفئوية، ربّما أكون مُخطئاً في هذا الموضوع ولكن منذ التسعينات حتى اليوم لم أسمع خطاباً من مسؤولٍ يتضمَّن رؤية وطنية.  

غسان الشامي: هناك تأجيج للخطاب الشَعْبَوي للأسف الذي يُقَطْعِن المجتمع، إذا استخدمنا هذا التعبير يمكن أن يكون سيّئاً ولكنه تعبير في علم الاجتماع، يُقَطْعِن المجتمع، ولكن أنا أريد أن أسألك عن الديمقراطية في المشرق وبلاد العرب في أيّة صورة تراها؟ 

الأب صلاح أبو جودة: الديمقراطية غائبة باستثناء التجربة التونسية التي برأيي تبشّر بالخير، بمعنى إذا كان هذا التحوّل التدريجي بالخبرة التونسية إلى ديمقراطية ليبرالية يمكن أن يخلق نموذجاً لأنه قبل الخبرة التونسية كانت الأنظار مُتَّجهة نحو الخبرة التركية باعتبار أنها تؤمِّن نموذجاً، ولكن للأسف منذ مجيء إردوغان تراجعت الديمقراطية إلى الوراء، إضافة إلى أنها ديمقراطية بحدّ ذاتها تنطوي على التباس باعتبار أنّ مَن يحمي الديمقراطية التي لا تُفصَل عن العلمانية بالنتيجة هي المؤسَّسة العسكرية، هذا الأمر لا يصحّ، هذه يُفتَرض أن تكون ثقافة مجتمع، الديمقراطية هي ثقافة، لا شيء يُفرَض بالقوَّة. في البلدان العربية الخبرة الوحيدة التي نعتبرها خبرة ديمقراطية هي الخبرة التونسية، نتمنّى أن تنجح، في البلدان الأخرى هناك الأنظمة المُحافِظة التي تحظى بدعمٍ دائم من الولايات المتحدة سابقاً أثناء الحرب الباردة وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي لا تزال على نفس الخط ولم تعرف الخبرة الديمقراطية أبداً، وهناك البلدان الأخرى التي عاشت خبرة ديمقراطية إلى حدٍّ ما في ظلّ الانتداب وللأسف لم تؤتِ ثمارها بسبب مصالح الانتداب من جهةٍ وفساد الطبقات الي وصلت إلى الحكم من جهةٍ أخرى، ليس لديها رؤية وطنية وقناعة بالثقافة الديمقراطية.

غسان الشامي: سآتي إلى حقوق الإنسان، أب صلاح أبو جودة حقوق الإنسان هي قيمة تاريخية بدأت مع الإنسان، هي قيمة مُرتبطة بالحرية أصلاً لأن الإنسان خُلِقَ حراً، أين هي الآن في مجتمعاتنا؟ وهل الديمقراطيات الغربية بين قوسين تساهم في تثبيت حقوق الإنسان؟ 

الأب صلاح أبو جودة: الديمقراطيات الغربية هل هي تساهم في نشر حقوق الإنسان في العالم العربي، هل تقصد ذلك؟

غسان الشامي: نعم.

الأب صلاح أبو جودة: بالتأكيد لا، هذه إحدى المشاكل. 

غسان الشامي: هذا نفاق الديمقراطية. 

الأب صلاح أبو جودة: نحن هنا أمام مسألة دقيقة جداً وصعبة، بشكل عام العالم العربي إذا كان لديه نوع من التحفّظ على تبنّي كل ما هو مُتأتٍّ من الغرب فهذا نتيجة سياسة الغرب، هذه السياسة التي بدأت قبل انهيار الإمبراطورية العثمانية، حيث حصلت مواجهات فكرية غنية جداً بين تيارات إحياء الإسلام مع الكواكبي وغيره وبين العلمانيين مثل شبلي شميّل وغيره، للأسف لم تصل إلى النهاية بسبب السياسة الغربية التي كانت تفرض شروطها على الرجل المريض حينها وتتسابق على وراثته من جهة، ومن جهة ثانية الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية التي لم تسمح لهذه المواجهة الفكرية أن تقدّم نموذجاً قابلاً للحياة في المشرق العربي. هذه المواجهة لم تصل للأسف، ومنذ ذلك الحين نستطيع أن نقول إن العالم العربي عاش سلسلة صدمات نفسية جعلته أكثر حَذَراً من كل ما هو آتٍ من الغرب، منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية إلى انهيار حلم تأسيس دولة عربية واحدة، وبعدها تأسيس دولة "إسرائيل" التي خرَّبت كل شيء، ومن ثم الحروب المتتالية وصولاً إلى حرب الخليج الأولى في التسعينات ومن ثم اجتياح العراق، كل هذه الأمور سبَّبت صدمات نفسية.

غسان الشامي: هذه جعلت الإنسان في منطقتنا يتوجَّس من هذا المفهوم النبيل الذي إسمه حقوق الإنسان؟ 

الأب صلاح أبو جودة: مئة بالمئة، الديمقراطية وكل ما هو قادم من الغرب، ولكن في الوقت نفسه برأيي هناك نوعٌ من عدم الموضوعية، حين تقول الأمم المتحدة إن الديمقراطية هي قيمة إنسانية لا تُفْصَل عن حقوق الإنسان، لماذا نحن في العالم العربي لا نفصل هذه القيمة الإنسانية عن سياسات الغرب الخارجية الميكافيلية، هم لديهم مصالحهم بالنتيجة، لماذا لا تنفصل؟ لماذا لا نأخذها كقيمةٍ إنسانية؟ تطوَّرت في الغرب لا مشكلة في ذلك، الغرب استفاد أيضاً فكرياً قبل الثورة الصناعية من العالم العربي الذي كان له الفضل الكبير في نهضة الفكر الغربي. الثقافات تتفاعل، الشعوب تتفاعل، لماذا لا نرى هذه الناحية الإيجابية أيضاً؟  

غسان الشامي: أين ترى حقوق الإنسان في لبنان؟ 

الأب صلاح أبو جودة: حقوق الإنسان في لبنان لا زالت مقبولة بالمقارنة مع بلدانٍ أخرى في العالم العربي.

غسان الشامي: قياساً على حقوق الإنسان أولاً. 

الأب صلاح أبو جودة: كي نكون موضوعيين مع أنفسنا، نحن في لبنان نعيش في بيئةٍ تسمح لنا بحريّة التعبير، هناك بعض الظروف الاستثنائية، هناك حالات من القمع والتمادي في كمّ الأفواه ولكن بشكلٍ عامٍ يمكننا اعتبار أن حرية التعبير لا زالت موجودة. إذا عدنا إلى مفهوم حقوق الإنسان كما ورد في وثائق الأمم المتحدة بأنها لا تُجزَّأ نستطيع أن نقول إننا لا نعيشها كحقيقة واحدة لا تُجزَّأ لسببٍ بسيطٍ جداً وهو أننا نعيش مشكلة أساسية في لبنان بدأت تتغيّر قليلاً والبرهان على ذلك الانتفاضة التي حصلت في 17 تشرين الأول الماضي وهي أن الفرد في لبنان غائب وخاضع لجماعته، لا يوجد ما يسّمى إنسان لبناني مستقل موالٍ لوطنه.

غسان الشامي: أنا سأذهب في المحور الآخر إلى ما كتبته "هوية لبنان الوطنية" بمعنى الهوية الوطنية للبناني التي تتحدَّث عنها، ولكن إسمح لنا أن نذهب إلى فاصل أبونا أبو جودة، أعزائي فاصل ونعود إلى الحوار مع الأب صلاح أبو جودة، انتظرونا. 

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحيّةً لكم مجدَّداً من أجراس المشرق، أب صلاح أبو جودة سأنتقل من بعض ما أشرت إليه في كتابك "مخاض الديمقراطية في لبنان والشرق الأوسط" إلى بنية المجتمع ثم لنتكّلم عمّا ذكرته في "هوية لبنان الوطنية والسنون العِجاف". سيّدي نحن مجتمعات مأزومة، علينا أن نعترف أن مجتمعاتنا تعيش فعلاً موضوع مخاض كبير ونحتاج فعلاً إلى التغيير حتى لا نبقى أسرى الماضي ونحن أسرى، ما هي برأيك مفاتيح التغيير في مجتمعنا؟ 

الأب صلاح أبو جودة: مجتمعنا العربي ككل؟

غسان الشامي: العربي ونأتي إلى لبنان.

الأب صلاح أبو جودة: ينبغي أن نسأل أولاً لماذا نحن في الماضي، في الواقع حين ننظر إلى أسباب هذا الركود أو عدم تطوّر المجتمعات فهناك نظرتان: نظرة ظرفية تنسب الأسباب إلى عوامل محلية وإقليمية ودولية نتيجة السياسات وطريقة التعاطي السياسي ونتيجة أزمات الحُكم إلى ما هنالك، وهناك النظرة الجوهرانية التي تُعيد الأسباب إلى ما يُسمّيه محمّد الجابري "الموروث الثقافي الديني"، ونحن في الواقع لا نستطيع أن نفصل بين الأمرين كي تكون لدينا نظرة موضوعية على قَدْرِ الإمكان مع العلم أنه من مُقارَبة يمكن أن تحيط بالواقع بكل جوانبه، مستحيل، الواقع الإنساني مُعقّد دائماً، لا يمكننا أن نفصل بين الأمرين بل علينا أن نحاول التوفيق بينهما. في ما خصّ النظرة الجوهرانية التي تنسب الأسباب إلى هذا الموروث الثقافي الديني، في الواقع أين المشكلة تجاه انعتاق الإنسان الذي هو أساس حقوق الإنسان والديمقراطية الليبرالية، الفرد، لماذا لا يُخلَق الفرد في مجتمعاتنا؟ الإشكالية الكبرى هنا هي العلاقة في ما خصّ البحث عن الحقيقة ودور الإنسان في بناء مجتمعه. في الموروث الثقافي الديني تأتي الحقيقة من علو، ودور الإنسان أن يطاوع نفسه، يبرّرها أو يدافع عنها عن طريق التلقين وإذا لزم الأمر عن طريق فرضها على الآخرين، وبالتالي الإنسان دائماً يعود إلى الماضي الذي يُسمِّيه أركون "الزمن الواقف"، أصبحنا خارج الزمن، مجتمعاتنا هي خارج الزمن، هذا الأمر فيه مُبالغة.

غسان الشامي: تقصد محمّد أركون. 

الأب صلاح أبو جودة: نعم، أصبحت مجتمعاتنا خارج الزمن بمعنى أن الزمن يمشي ونحن نُراوِح مكاننا بسبب هذا الموروث الثقافي الديني، نحن لم نتحرَّر بعد من دور المرجعية الدينية تحديداً في تقرير مَن هو الإنسان ودوره في البحث عن الحقيقة، قدراته ودوره في بناء مجتمعه، في حين أن الديمقراطية الليبرالية لا تُفصَل عن العلمانية وحقوق الإنسان، الإنسان هو الذي يبحث عن الحقيقة تبعاً للمبادئ العلمية الصارِمة التي يضعها لنفسه، وهو الذي يختار شكل مجتمعه انطلاقاً من القوانين التي يسنّها لنفسه، ومن أجل ذلك هو يطيعها.

غسان الشامي: هذا كلام ملفت من كاهن، أنت تتدخّل جيّداً في الشؤون العلمانية.

الأب صلاح أبو جودة: ربّما حدنا قليلاً عن الموضوع.

غسان الشامي: أبداً، هذا كلام هام جداً. سنأتي إلى العلمانية والكنيسة ولكن بهذا الموضوع أمر مهم.

الأب صلاح أبو جودة: مشكلة الموروث الديني واضحة، البُعد الجوهَراني في المشكلة لا يمكننا تجاوزه والذي يُسمّيه البعض "الإيتوس الإسلامي" أي مجموعة المُعتقدات، أنماط السلوك، المُثُل التي تكوِّن روح الإنسان. هذه الأمور لا تزال لها خلفيات دينية، على سبيل المثال الإنسان ليس حراً في الزواج مدنياً أو دينياً وهذا لا يجوز، الإنسان الذي يُفكِّر بمسائل فلسفية أو علمية نرى أن المرجعية الدينية تتدخّل أيضاً وتقول له لا، وهذا لا يجوز. هناك ما يُسمَّى الأغورا أي مكان النقاش العام أو الساحة العامة، لكي يتّخذ الدين موقعه الطبيعي في المجتمع وفي حياة الإنسان عليه أن يقبل بكل تواضع أنه يشارك في نقاش عام مثل غيره، إذا بقي مُمْسِكاً بالسيف وهذا ما تجاوزه الغرب، هناك نظرية السيفين، السيف الروحي وهو بيد البابا والسيف المدني بيد الملك ولكن السيف الذي يحمله الملك خاضع للسيف الروحي الذي هو أسمى منه، هذا الأمر تجاوزه الغرب وهو ما أدّى إلى نهضته. 

غسان الشامي: أين تقف الكنيسة الكاثوليكية من العلمانية؟

الأب صلاح أبو جودة: الكنيسة الكاثوليكية واضحة في تعاليمها، أولاً العلمانية هي على أنواع، هناك فرق بين العلمانية المُناهِضة للدين وبين العلمانية الإيجابية التي تعني حياد الدولة في ما خصّ حرية ضمير الإنسان، وبالتالي دور الدولة هنا أن تحمي الإنسان في حرية اختيار مُعتقده وفلسفته بشرط عدم المساس بالمصلحة العامة وأمن المجتمع إلى ما هنالك، هذه العلمانية الإيجابية. 

غسان الشامي: أين تقف الكنيسة منها؟ 

الأب صلاح أبو جودة: الكنيسة تؤيّدها وتطالب بها وحتى في ما يخصّ حقوق الإنسان أخذت الكنيسة مساراً طويلاً، وتطوُّر المجتمعات في الغرب سبق الكنيسة في هذا الإطار وتحوّلت الكنيسة إلى موقعٍ دفاعي، ولكن نستطيع القول إن تحوُّل الكنيسة بشكل جذري إلى الديمقراطية كان سنة 1944 حينما ألقى البابا خطابه الشهير وقال إن المآسي التي يعيشها العالم هي بسبب غياب الديمقراطية، ومنذ ذلك الحين تحوّل الخطاب الديمقراطي الكَنَسي تدريجاً إلى أن أصبحت الكنيسة في بعض الحالات رأس الحربة في المُطالبة بالديمقراطية.  

غسان الشامي: هذا يدفعني إلى أن أسألك ما هي حظوظ العلمانية عند المسيحيين وعند المسلمين في بلادٍ مثل بلادنا في ما يعتمل بها الآن وفي غرب يبدو أن الإشكالات فيه ستكون كبيرة بين الدولة والمسلمين؟ 

الأب صلاح أبو جودة: برأيي أنه لا يمكننا أن نطرح مسألة العلمانية فقط من زاوية مسيحية وإسلامية لأنه في المجتمعات التي ليس فيها حضور مسيحي الموضوع مطروح ولكن بأفرقاء مختلفين، في المجتمعين التونسي والجزائري الموضوع مطروح بشدَّة ليس على مستوى إسلامي مسيحي وإنما على مستوى المجتمع نفسه، هناك قسم مُتَعَلْمِن من المجتمع ويرفض أن يعود إلى نظام خاضع كلياً للمرجعية الدينية، هناك أيضاً يوجد صراع على العلمانية لا يمكننا إنكاره وهذا ما يجعل النهضة في تونس أكثر براغماتيكية. هناك علامة استفهام كبيرة حول مدى التحوّل على المستوى العقائدي ولكن من الواضح أن هناك تحوُّلاً براغماتيكياً، وعلينا أن نقبل بأن هناك قسماً من المجتمع مُتَعَلْمِن.

غسان الشامي: ولكن حظوظ العلمانية عند المسيحيين وعند المسلمين. 

الأب صلاح أبو جودة: المسألة بالنسبة إليّ هي مسألة قناعة وثقافة، إذا فكّرنا على هذا المستوى فعلينا الرجوع إلى استخدام مُصطلحات للدفاع عن خصوصيات مع إفراغها من مضمونها، على سبيل المثال الكنائس في الشرق بشكل عام بصفتها أقليات قبل انهيار الإمبراطورية العثمانية بفضل انفتاحها على الغرب استخدمت المُصطلحات السياسية التي نشأت في الغرب في ما يخصّ الدولة الوطنية، الديمقراطية، المساواة، العدالة، استخدمتها في الواقع ليس لأنها اعتنقت هذه الفلسفة التي نشأت في الغرب وإنما لتُدافع عن خصوصيّتها، وهذا ما يجعل خطابها غير مقبول أو يحمل علامة استفهام وكأنها مُجرَّد مُناورات، مثلاً في لبنان حين يطالب البعض بإلغاء الطائفية السياسية، هل هذه المُطالبة جدِّية أم مُناورة؟ الكل يعلم أنها مُناورة، ماذا يكون الجواب المقابل؟ إلغاء الطائفية السياسية هو خطوة لإلغاء الطائفية من أساسها من المجتمع أي عَلْمَنة المجتمع، وبالتالي تصبح مسألة مُناورات فارِغة المضمون، لذلك ليس المهم مَن يُطلِق الخطاب سواء كان مسيحياً أم مسلماً وإنما المهم أن يكون هناك خطاب صادق ينشد هذه الثقافة الديمقراطية كي يصدِّق كل مَن يسمعه لا أن يكون الأمر مُجرَّد مُناورة للدفاع عن خصوصيّته بالتلطّي خلف المُصطلحات الجميلة، هذا إنسان صادق، المشكلة هنا وقد تحدَّثنا في البداية أنه ليست لدينا رؤية وطنية بهذا الاتجاه. 

غسان الشامي: سآتي إلى هذا ولكن برأيك وأنت صاحب تجربة في الأكاديميا وفي النشر وفي الكتابة، والأكاديميا دائماً يجب أن تفرز معها سنوياً نُخَباً تتنكَّب هموم وطن، تتنكَّب الدَمَقْرَطة، تتنكَّب حقوق الإنسان، هذه النُخُب لماذا هي مُنكفئة في وطنٍ مثل وطننا؟ 

الأب صلاح أبو جودة:على مستوى النُخَب نستطيع القول إن هناك انكفاء إن كان على مستوى لبنان إلى حدٍّ ما أو على مستوى العالم العربي. العالم العربي على سبيل المثال لا ينقصه مُفكّرين مسلمين ليبراليين واللائحة تطول من الطالبي إلى الشرفي إلى محمود طه الذي أعدمه النميري في العام 1985، فرج فودة، فؤاد زكريا. المشكلة أنهم لم يجدوا مكانتهم في مناهج التدريس، وهنا المشكلة على مستوى الحكومات، يجب أن يكون هناك قرار سياسي، يجب أن نُدخِل هذا الفكر شأنه شأن التيارات الفكرية الأخرى في مناهج التدريس وحينها تأخذ الأمور مكانها، ولكن ما دامت هذه النُخَب مُهمَّشة أو إلى حدٍّ ما مرفوضة فبالتأكيد لن تكون هناك نتيجة وستبقى على الهامش. في المقابل على مستوى لبنان صحيح أنه ليس للنُخَب الفكرية هذا الدور الكبير في صوغ المشهد السياسي والسياسة العامة ولكن لها نتائج هائلة على مستوى الشبيبة، والمسألة تستلزم وقتاً لأن الوعي الوطني أو انعتاق الفرد هو مسألة تراكمية ولكن هذه الثقافة التي تُبثّ في الجامعات تؤتي نتائجها تدريجاً، مجتمعنا المدني في لبنان شأن مجتمعات مدنية أخرى حيوية قائمة في الواقع على الشبيبة الجامعية، وهذه علامة جيّدة.

غسان الشامي: هذه المجتمعات أفرزت فكراً ورائياً مُلتصقاً تماماً بوراء مُتخلّف، فكر تكفيري، لبوس هذا الفكر يمكن أن تكون داعش ومَن تدعْوَش معها، إذا كان هناك هذا الشقّ التنويري في المجتمع من أين أتى هذا الشقّ الظلامي دكتور؟   

الأب صلاح أبو جودة: المشكلة أن البُعدين موجودان في الإنسان، كي نبسِّط الموضوع نعود إلى مستوانا في لبنان، الإنسان اللبناني هو في نفس الوقت طائفي ويلعن الطائفية لأنه يرى نتائجها، هذه الحال ليست انفصاماً وإنما تناقض يعيشه الإنسان، لا يستطيع أن يخرج من الطائفية وفي نفس الوقت يرى نتائجها الكارثية عليه، هذه ذات وجهين، وجه إيجابي يستطيع الإنسان البناء عليها ليتقدَّم، ووجه سلبي أنها يمكن أن توظَّف في ناحيتها المُظلمة لتُفاقم الأوضاع، وهنا يأتي البُعد الظرفي والمسؤولية الهائلة المُلقاة على ضمائر المسؤولين. ما حصل على مستوى داعش هو هذا بالضبط، نحن أمام شخصية عربية في الواقع لديها هذان الأمران، ما حصل أنه بسبب الاجتياح الأميركي ومن ثم المدّ الإيراني وما سُمّي لاحقاً بالصراع السنّي الشيعي والتي هي برأيي تسمية خاطئة لأننا هنا أمام صراع مصالح دول وليس أمام صراع سنّي شيعي جعلت الولايات المتحدة نفسها تشجّع وتموّل هذه الجماعات المُتطرّفة التي وُلِدَت منها داعش لمواجهة المدّ الإيراني، هكذا هي الأمور. نحن أمام إنسان عربي يتوق إلى الحرية والديمقراطية ولكنه في الوقت نفسه أسير هذه الرواسب التي تجعله ينساق إليها. 

غسان الشامي: في كتابك "السنوات العِجاف" أتساءل مئة عام، لو وضعتَ كل هذا المجتمع في معجن وحاولتَ عجنه كان يجب أن نجد عجيناً واحداً، لماذا لم يتمّ التوصّل إلى هوية وطنية جامعة أبونا أبو جودة؟ 

الأب صلاح أبو جودة: السبب هو أن طريقة التعاطي السياسي والتعاطي بالشأن الوطني العام في لبنان أخذت اتجاهاً ميثاقياً وليس دستورياً. لو عدنا إلى الدستور نجد أن الترتيب الطائفي يُفترض أن يكون ترتيباً مؤقتاً بانتظار التخلّص منه، هنا عدنا إلى نفس المسألة وهي تجاوُز هذه الديمقراطية التوافقية إلى الديمقراطية الليبرالية أي انعتاق الإنسان من الجماعة، أنا أريد أن أعيش كلبناني، ولائي لوطني وليس لمرجعيّتي التي هي في الوقت نفسه ضمانتي، فإذاً التوجّه كان دائماً بانتهاج سياسة ميثاقية لدرجة أن الدستور إلى حدٍّ ما أصبح مُهمَّشاً بل مُسخَّفاً أحياناً، ويمكن للإنسان أن يتجاوزه بسهولة أو يُعدِّل فيه، في الوقت الذي الدساتير فيه في الواقع هي مرجعيّة الدول ولا يمكن أن تقام أنظمة من دون احترام الدستور والشعور برهبته، الدستور بالنتيجة هو كلام بشري غير مُنْزَل، يُعدَّل ولكن بأصول. لماذا ذهبنا في لبنان باتجاه الميثاقي فقط مع العِلم أن الميثاق الوطني غير مدوَّن ولذلك فهو قابل للتفسيرات المختلفة، وعند حصول أية أزمة داخلية أو خارجية، كلّما حصل تغيير في وضع الطائفة أو من الناحية الديموغرافية أو لسببٍ آخر يوضَع هذا الترتيب التوافقي الميثاقي موضِع تساؤل لأنه غامِض، ومنها على سبيل المثال ما حصل مؤخراً في لبنان وهو إسناد وزارة المالية إلى الطائفة الشيعية، هناك مرجعيات شيعية عدَّتها ميثاقية، مَن يستطيع أن يقول لا، لا يوجد نص. 

غسان الشامي: هل ستبقى الهوية اللبنانية هوية مُشلَّعة، مُشتّتة واختلافية برأيك؟ 

الأب صلاح أبو جودة: برأيي لا ولكن الأمر يتطلّب وقتاً لأننا أمام تعقيدات إقليمية وداخلية تدلّ على قلَّة مسؤولية من قِبَل القائمين على السلطة، المجتمع المدني أظهر حيويةً في الواقع.  

غسان الشامي: ولكنها حيوية مؤقّتة أخذت أياماً ومن ثم انفلتت الغرائز من جديد. 

الأب صلاح أبو جودة: صحيح، أُخضعت.

غسان الشامي: ليّ عنق.

الأب صلاح أبو جودة: تعرَّضت لانحرافات وخروقات وتوظيفات من قِبَل الأحزاب، إذا أخذنا ما يُسمَّى عادةً روح الشعب في الأيام الثلاثة الأولى تبيّن أن في لبنان روحاً جديدة. عندما ترى أن الانتفاضة عمَّت لبنان من الجنوب إلى الشمال من دون أن تسجّل حادثة عنف واحدة أو خلاف بين إثنين فهذا يعني أن روحاً جديدة خُلِقَت لا يمكن لأحد أن ينفيها، مَن ينزعجون منها ومَن يعيشون من التفكير الإقطاعي السياسي ومن الطائفية بعدّة حقول مالياً، سلطوياً إلى ما هناك سيحاولون مُحاربتها ولكنها خُلِقَت، هذه المسألة لا يمكن قمعها، هي بحاجة إلى الوقت كي تتراكم ولكنها خُلقَت، وهي قائمة على أن ثقافتنا نحن في لبنان تخلق أفراداً مواطنين وليس جماعات. 

غسان الشامي: أنا أشكرك لأن وقتي انتهى. 

الأب صلاح أبو جودة: وأنا أشكرك.

غسان الشامي: المستقبل مقطور بأعلى نسبة من الحرية التي هي سِمةٌ إنسانية منذ فجر البشرية، وقد دفعت ثمنها البشرية دماء كثيرة، والحرية هي ضمانٌ حقيقي لحقوق الإنسان كإنسانٍ وإلا فخلاص هذه البشرية مستحيل. شكراً للأب صلاح أبو جودة على حضوره وإضافاته في أجراس المشرق، شكراً لزملائي في البرنامج والميادين على جهدهم، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم. 

البرنامج

إعداد
غسان الشامي
تقديم
غسان الشامي
المنتج
هشام الهاشم
الايميل