أديان المشرق... من السحر إلى التديّن فالتوحيد

المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم، في المشرق في بلاد الرافدين والشام وفي مصر موطِن الحضارات الكُبرى في العالم القديم فيها تبلورت النهضة الروحية والعقائد منذ عصور ما قبل التاريخ. الدكتور خزعل الماجدي لم يترك زاويةً من هذا الإرث الحضاري تعتب عليه، محَّصها درساً وكُتُباً عديدة وتوّجها بكتاب "أديان المشرق" الموسوعي بتكليفٍ من مركز المشرق للأبحاث والدراسات، جامِعاً فيه خُلاصة نشوء وتطوُّر وصفات الأديان في هذا المشرق ومصر منذ مظاهر السحر وعبادة النار والطبيعة في عصور ما قبل التاريخ إلى بدايات الأديان وتطوّرها وتنوّعها في العصور التاريخية، من سَوْمَر وصولاً إلى الديانات التوحيدية وما حَفِلَ بينهما من مخاضٍ روحي وثقافي متنوِّع، عملٌ فريدٌ وجهدٌ موسوعي مشكور للدكتور الماجدي يُعدُّ إضافةً جامعة إلى المكتبة العربية، سنحاوره عبر الأنترنت من هولندا قَدْر الإمكان في متونه بعد تقريرٍ عن الكتاب.

تقرير:   

يخضع كتاب "أديان المشرق" الصادر عن مركز المشرق للأبحاث والدراسات إلى السياق الموسوعي، فعلى مساحة 780 صفحة فَرَضَ الدكتور الماجدي خطَّة بحثٍ صارِمة ومُتدرِّجة من خمسة أبوابٍ بينها فصل ومباحث تبدأ من السِحر والدين إلى مشرق عصور ما قبل التاريخ ونواة الدين وعبادة الطبيعة والخوف، ثم الأسلافية والأرواحية، ثم الدين في مشرق ما قبل التاريخ والخَصْب والآلهة الأمّ والتوحيد الأُنثوي، وأديان العصر الحَجَري والكتابة المُقدَّسة والأساطير، ثم أديان المشرق المُبكِّرة منذ سَوْمَر ومُعتقداتها وأساطيرها وشعائرها والطوفان وما قبله.

يأتي الماجدي إلى الديانة المصرية ومُرتكزاتها ومُعتقداتها وأساطيرها وشرائعها وسرديّاتها، ثم ينتقل في الباب الثالث إلى أديان المشرق القديم الوسيطة، فيبحث في الدين البابلي وأساطيره والميثولوجيا والأُخرويات، ثم الدين الآشوري واختلافه عن البابلي، وينتقل إلى الدين الكنعاني "دين شام" ومُعتقداته ومؤسَّساته وأساطيره في التكوين والعُمران والشرائع والأخلاق، وبعده الديانة الآرامية وأشكالها ومُعتقداتها.

في الباب الرابع يبحث في الأديان المشرقية القديمة المُتأخّرة في الشام والرافدين من عمّون إلى تدمر وغسان ومن آمد والرها إلى الحيرة، ويفرد الباب الخامس لأديان المشرق الغنوصيّة ومنها المندائيّة والمانويّة، أما الباب السادس والأخير فيبحث في أديان المشرق التوحيدية، اليهودية ومُعتقداتها ومؤسَّساتها والمسيحية ومُعتقداتها وطقوسها وشعائرها، والإسلام ومكوِّناته ومُعتقداته والمؤسَّسة الدينية والرموز.

"أديان المشرق" جعله الماجدي مرجَعاً في كتابٍ واحدٍ يهمّ كل باحثٍ عن المعرفة.

غسان الشامي: تحيّةً لكم من أجراس المشرق، تحيّة دكتور ماجدي، أهلاً بك ضيفاً عزيزاً سيّدي، سأبدأ مباشرةً لأن الكتاب كبير جداً، سيّدي ما العلاقة بين السِحر والدين في عصور ما قبل التاريخ المشرقية؟ 

خزعل الماجدي: تحيّاتي لكم وشكراً جزيلاً على هذا الحوار، الحقيقة حضرتك تعرف أن السِحر نشأ قبل الدين، والحقيقة أنه استغرق ما يقرُب من 98% من عصور الإنسان بأكملها، منذ أن ظهر الإنسان إلى يومنا هذا، 98% كان من عصور ما قبل التاريخ، كل هذا الزمن تقريباً باستثناء الثمانية آلاف سنة الأخيرة كلّها كانت للسِحر والحقيقة أن السِحر مفهوم مُلْتَبِس عند الناس، وأنا فوجئت عندما كنت أتحدَّث مع كثيرين بأنهم يظنّون أن السِحر هو هذه الأعمال الخارِقة، والحقيقة ليس هذا هو المقصود منه، السِحر هو قوانين فكرية وعقلية بدائية بسيطة يتعامل بها الإنسان لقضاء أو لتفسير أشيائه وأموره، ولكن هذه القوانين التي هي بالدرجة الأولى قانونان أساسيان هما قانون التشابُه وقانون الاتصال، للأسف يعمل بها الإنسان بطريقةٍ خاطئةٍ، عندما يربط المُسبِّبات مع النتائج يربطها بشكلٍ خاطئ، على سبيل المِثال في التشابُه كان يرى الإنسان بأنه عندما يصنع دميةً لعدوِّه ويضربها فذلك العدو سوف يتأثّر، وهذا شيء غير صحيح لكنَّه يأخذ من باب أن الدمية تُشبه العدو وبالتالي التأثير عن طريق الإبَر التي يضربها أو السكين الحادَّة سيذهب هذا التأثير إلى الأصل. هذا الأمر متأتٍّ وحتى قانون الاتصال أن الأشياء المتّصلة مع بعضها تبقى على تأثير بعضها بالآخر عندما تنفصل، فإذا أخذنا جزءاً من النهر وتعاملنا مع هذا الجزء فإنّ النهر سوف يتأثَّر، هذا أيضاً قانون الاتصال، وفي الحقيقة هو متأتٍّ من أن القُدرات الدماغية ما زالت بسيطة أي أنه ما زال الرَبط بين المُسبّبات والنتائج بسيط.   

غسان الشامي: هنا أين تكمُن نواة الدين في عصور ما قبل التاريخ دكتور خزعل؟ 

خزعل الماجدي: يكمُن في فكرة أن الإنسان كان يعتقد أن هناك قوَّة ليست إلهية وإنما هي قوَّة الطبيعة كانت تؤثّر عليه وعلى الأشياء بطريقةٍ أو بأخرى، على سبيل المَثل البراكين والزلازِل والحرائق هي بسبب هذه القوى. كان لا يستطيع أن يفهم بالضبط ما الذي يحصل في حياته، حتى عندما كانت تظهر الحيوانات أمامه كان يعتبرها جزءاً من القوَّة الطبيعية، كانت قُدراته على تفسير الطبيعة بسيطة جداً، والحقيقة هذا بقي معه لكن مع هذا أقول إنه في تلك العصور كانت هناك بداياتٌ للدين الذي كان يعتمد على فكرة الخوف والعبادة تتمّ لأن الإنسان خائف من هذه الأشياء، وهو نوع من الرَهْبة والخضوع لها بطريقةٍ أو بأخرى عن طريق العبادة، لكن هذا الشيء، هذه النزعة الدينية عند الإنسان قياساً إلى السِحر كانت بسيطة جداً وكانت تنمو ببطءٍ شديدٍ جداً مع الزمن إلى أن وصلنا إلى العصر الحَجَري الحديث الذي هو العصر النيولي.

غسان الشامي: أنت تقصد العصر النيوليتي، معنى ذلك عبادات الخَصْب، الآلهة الأمّ، التوحيد الأُنثوي تقصد؟ 

خزعل الماجدي: بالضبط الذي هو بحدود ثمانية آلاف قبل الميلاد.   

غسان الشامي: كيف توصِّفها دكتور خزعل؟ 

خزعل الماجدي: استبدل هذه القوَّة الخفيّة التي هي قوَّة طبيعية فيزيائية نُسمِّيها"القوَّة السارية"، استبدلها بأن هناك إلهاً هو الذي يُحرَّك الطبيعة وهو الذي يُعطينا الخَصْب والتكاثُر والزراعة، فرأساً تمثّلت في ذِهنه فكرة المرأة باعتبارها هي التي اكتشفت الزراعة وربط الإنسان قوَّة إخصاب المرأة وتكاثرها لأنها هي المُنجبة بأنها هي التي تستطيع أن تزرع، وهنا بدأت أوّل فكرة للدين عن طريق الإلهة الأمّ التي هي مُناظرة للمرأة بشكلها الخصيب، وبذلك نشأت للمرة الأولى فكرة اعتقاد الإنسان بالألوهيّة، ليست المرّة الأولى بالمعنى الحاسِم كما قلت لك لأن بذرة الدين الأساسية هي الخوف، والآن أضيف إلى الخوف التكاثُر، فأصبح للإله الأمّ هيبة وسطوة ونتج من هذا أن المرأة في فترة العصر الأمومي أصبحت حاكِمة المجتمع، هي التي تتزعَّم المجتمع، واستمرّ هذا العصر ما يُقارِب الثلاثة آلاف سنة في العام 5000 قبل الميلاد.  

غسان الشامي: كيف حصل التوحيد الأمومي؟ 

خزعل الماجدي: هذا ما نُسمّيه عصر التوحيد الأمومي، بعد الخمسة آلاف عرف الرجل دوره في التكاثر وانقلب على المرأة، وأصبح الإله هذه المرة ذَكراً، الإله الرئيسي على الأقل أصبح ذَكراً وهُمِّشت المرأة، أصبحت ثانوية.

غسان الشامي: كيف حصل هذا الانقلاب؟ 

خزعل الماجدي: عندما اكتشف الرجل دوره في الإنجاب، أنه بسبب المني الذي شبَّهه بالمطر على الطبيعة هو سبب الإنجاب وليس المرأة بذاتها إنما لأن الرجل يُعطي ما يُسمَّى "ماء القلب" يُسبِّب الإخصاب، وسُمِّي هذا العصر بالعصرالباترياركي الأبوي مقابل العصر الأمومي، وأصبحنا للمرة الأولى أمام الإله الأب ثم الإله الإبن.

غسان الشامي: وما زلنا فيه. 

خزعل الماجدي: وما زلنا فيه، سُمِّي أيضاً بالانقلاب الذكوري واستمرّ لفترةٍ طويلةٍ ونشأت عن ذلك مجموعة هائلة من الآلهة لأن الإله الأب والإله الإبن ثمّ تفريعات أخرى، الحفيد وغيره أصبحنا أمام إله الماء وإله السماء وإله التُراب وإله القوَّة وإله الجمال، أصبحنا أمام آلهة كثيرة ونشأ ما يُسمَّى بتعدُّد الآلهة بعد أن كان هناك إلهة واحدة تُعْبَد في العصر الذي سبقه. 

غسان الشامي: متى ظهرت المعابد إذاً والكتابة المُقدَّسة في المعابد دكتور ماجدي؟ 

خزعل الماجدي: في الحقيقة ظهرت المعابد للمرة الأولى في العصور القديمة وحتى في العصر الأمومي ظهر ما يُسمّضى بالمزارات وليس المعابد، المعابد ظهرت مع مدينة أوروك التي نرى فيها مساحة كاملة لإله السماء والإلهة إنانا ملكة السماء، قطاع كامل من مدينة أوروك الأولى بشكلٍ خاصٍ التي تتبع تقريباً لعصر"البروتوليتاريت" الشبيه بالكتابي أو التاريخي. في هذه الفترة التابعة لعصر العُبيد ثم البروتوليتاريت كانت المعابد في مدينة أوروك، وهناك أيضاً معبد ظهر في مدينة إريدو وهو معبد الإله إنكي أو إيا كما سُمِّي في ما بعد "إله الماء"، بين 5000 و 3000 ظهرت أولى المعابد المُنظَّمة التي فيها قُدْس الأقداس والمدخل والقاعة الرئيسية والأبواب الجانبية وأماكن الكَهَنة، لم تعد مزارات إنما هي معابد حقيقية ورُفِعت على تلّة لأنهم كانوا يعتقدون أنهم يتقرَّبون بذلك أكثر إلى السماء، ثمّ حتى ترتفع أكثر صنعوا الزقّورات في هذه الفترة وأصبحنا أمام صيغة جديدة للمعابد لها هيبة، وهذه المعابد توسَّطت المدينة ونشأت مُنشآت الحكومة للمرة الأولى ثم بقيّة بيوت الناس حول المعبد، فالمعبد أصبح وكأنه المكان المركزي المُقدَّس الذي تحضر فيه الآلهة كما لو أنه عمود السماء وحوله يتواجد الناس، وبالتالي أصبحنا أمام صيغة جديدة حيث ظهر الكهنة وزعماء القوم. 

غسان الشامي:ما دمنا هنا دعني أسألك سيّدي عن مكوِّنات ومُعتقدات الديانة السومرية.

خزعل الماجدي: بعد أوروك ظهرت أوروك الثانية وجمدة نصر، ظهرت الكتابة في عصر البروتوليتاريت، كتابة بسيطة جداً نُسمِّيها البكتوجراف أو الكتابة الصوَرية، ليس هناك حروف ولا أبجدية ولا تعبيرات، لم تكن تُسَتَعْمَل بالأصل بشكلٍ واسعٍ وإنما كانت تُسْتَخْدَم للتبادُل التجاري عبر جُمَلٍ بسيطة وصغيرة، كانت عبارة فقط عن صوَر، وكأن الكتابة نشأت من الفن التشكيلي، وبقي هذا الأمر لفترةٍ طويلةٍ لأن الكتابة انتشرت من سَوْمًر إلى مصر وإلى عيلام والهند وهذه التفاصيل كلّها موجودة في الكتاب كما تعلم، ثم مع السومريين مع ظهور أوّل حضارة وهي أوّل ديانة أيضاً أصبحنا أمام المُكوِّنات الرئيسية والثانوية للدين بشكلٍ معقولٍ ولا أقول بشكلٍ مُتكاملٍ جداً لكن بشكلٍ أوّلي صحيح، في المُكوِّنات الرئيسية للدين هناك المُعتقدات والأساطير والطقوس وهناك الأخرويات أي الأفكارالأُخروية، ولأن هناك مجتمعاً هذه المُكوِّنات الرئيسية انعكست داخل المجتمع فتكوَّنت مُكوِّنات ثانوية التي هي القوانين والشرائع والأخلاق، هذه وحدة كاملة تؤخَذ ثم السرديات الدينية مقابل الأسطورة ثم الجماعة الدينية التي سُمّيت عند المسيحيين بالكنيسة، ثم الباطنيات، كل دين له باطنيات شئنا أمْ أبينا، نعم الدين الرسمي يستنكر التشكيلات الباطنية في الدين لكنها موجودة ولا نستطيع إنكارها، وهي ما أورثها السِحر والتنجيم والأحلام.

غسان الشامي: بمعنى سرّانيات الدين، أسراره التي لا تُعطى إلا لخاصّة.

خزعل الماجدي: بالضبط، هذا كلام دقيق جداً والتي أخذت أيضاً منحىً آخر في ما بعد، هذه السرديات لعبت دوراً كبيراً في تاريخ الأديان.

غسان الشامي: حتى أستكمل معك في هذا المحور أين يأتي الطوفان في ديانات ما قبل التوحيد؟ 

خزعل الماجدي: الطوفان هو ابتكار سَوْمَري إذا صحَّ التعبير، هو كان أولاً حادثة وأصبح شيئاً آخر سأتحدَّث عنه. في الحقيقة ملوك ما قبل الطوفان كانوا موجودين في قائمة سَوْمَرية تبدأ من ملك إريدو الأول وإسمه ألوليم وتنتهي بزيوسيدرا وهو آخر ملك تقريباً حَكَم في مدينة شروباك وكان حكيماً وملكاً في الآن نفسه، وهذا الملك كان مُقرَّباً من الإله إنكي إله الماء، يبدو أن الآلهة غضبت على الإنسان بسبب تكاثُره وإزعاجه للآلهة وعدم أداء الواجب، فقرَّرت أن تُحْدِث الطوفان في هذه المرحلة، وطلبت من مجلس الأديان ألا يُفشي سرّ الطوفان إلى الإنسان حتى يهلك لكن إنكي بحسب الأساطير السَوْمَرية هو الذي خلق الإنسان، فلم يشأ أن يخالف الآلهة في هذا الموضوع لكنّه ظهر في ما يشبه الحُلم لزيوسيدرا وقال له جهِّز مركبك هناك شيء سيحصل، هناك مطر وفيضان، فَهِمَ زيوسيدرا أن هناك شيئاً سيحصل وبالفعل جهَّز مركباً كبيراً وأدخل به الناس وأدخل من كل كائنٍ حيّ زوجين، الأنثى والذكر، وأغلق المركب في لحظة موعد الطوفان وبدأ الطوفان واستمرّ لأيام.

غسان الشامي: نعم معروفٌ ما بعد ذلك.

خزعل الماجدي: هذه الحادثة عندما بحث عنها الآثاريون وجدوا أنها موجودة في منطقة شروباك وفي منطقة أور أيضاً، وعرفوا أن هناك فيضاناً كان قد حصل في دجلة والفرات في ذلك الزمن وأغرق هذه المدينة. الأسطورة كانت تقول الأرض بمعنى الأرض التي هم عليها لكن هذه الأسطورة سُرعان ما انتقلت وأصبحت حادثاً مفصلياً عند كل الشعوب. 

غسان الشامي: في الحضارات التالية.

خزعل الماجدي: نعم في الحضارات الأخرى البابلية والهندية وغيرها.

غسان الشامي: في هذا الجزء في الموضوع الديني الحضاري لا يمكن إلا أن نتكلَّم عن علاقة الديانة المصرية، عن مُرتكزاتها وعلاقاتها بديانة الرافدين أولاً. 

خزعل الماجدي: بالتأكيدالديانة المصرية ديانة مُهمَّة جداً وهي حضارة كبيرة مُستقرِّة نسبياً لأنها استمرَّت بحدود ثلاثة آلاف سنة، والحقيقة أنها أتت بعد الحضارة السَوْمَرية والدين السَوْمَري أيضاً.الديانة المصرية ديانة غلبت عليها فكرة الآخرة، فكرة عالم ما بعد الموت. 

غسان الشامي: ما وراء الطبيعة.

خزعل الماجدي: كلا ما بعد الموت، ما وراء الطبيعة هو الميتافيزيقا، ما بعد الموت نُسمِّيه أيضاً إسكاتولوجيات، رسموا خارطةً مُفصَّلة جداً لما بعد الموت، هم أصلاً كانوا يعتبرون أن الفاصل بين الحياة والموت هو عبارة عن غشاءٍ رقيقٍ جداً وهذا الغشاء سُرعان ما يخترقه الإنسان، اعتبروا الموت والحياة متّصلين ببعضهما. فكرة التحنيط كانت شائِعة جداً عندهم لأنهم يعتقدون أن الإنسان يجب أن يحتفظ بجسده للآخرة لأنه سيحيا هذه الحياة بعد أن يُحاسَب، وهكذا أظهروا للمرة الأولى فكرة الحساب، هذه لم تكن في المُعتقدات الرافدينية، لم يكن يوجد ما يُسمَّى حساب. ابتكروا فكرة الميزان، أن السيّئات والحسنات توزَن في ميزان وأن الإنسان الذي يحوز على حسناتٍ أكثر يذهب إلى حقول أوزوريس التي تُشبه الجنَّة، أما المُخطئ فيُرمى إلى مخلوقٍ يُشبه الكلب في منطقة الحساب، وهناك أيضاً رأي يقول إنه يذهب إلى مناطق النار والأفاعي. هذه التصوّرات سُرعان ما انتقلت إلى الديانة التوحيدية في ما بعد وأصبحنا أمام صورة مُفصَّلة تُدار من قِبَل الآلهة والملائكة إلى آخره في الديانات السابقة، وأصبحنا أمام صورة مُفصَّلة لما بعد الموت. مع هذا الديانة المصرية أيضاً احتفت بالإنسان احتفاءً جيّداً أثناء الحياة ولكن أثقلته بالتعاليم الأخلاقية العالية جداً لأن موازين الأخلاق كانت عالية جداً في الحضارة المصرية بوجود الإلهة ماعت التي كانت تمثّل الحق والعدالة، كذلك الملك الذي كان بمثابة الإله على الأرض. 

غسان الشامي: إسمح لنا أن نذهب إلى فاصل دكتور خزعل الماجدي، أعزائي انتظرونا، سنتابع مناقشة أديان المشرق بعد الفاصل. 

المحور الثاني:

غسان الشامي:أُحيّيكم مُجدَّداً من أجراس المشرق، دكتور خزعل الماجدي سأتابع مع حضرتك في قراءة سياقات التاريخ الروحي في المشرق، هل نتحدَّث عن الدين البابلي؟ 

خزعل الماجدي: نعم يمكننا الحديث عن الدين البابلي وهو أحد الأديان المُهمَّة جداً في تاريخ الأديان، في الحقيقة هذا الدين أخذ الكثير من الديانة السَوْمَرية لكنّه طوَّرها تطويراً واضحاً جداً، على سبيل المِثال ما يُسمَّى بأسطورة الخليقة البابلية "إنوماإليش" وهي مكوَّنة من سبعة ألواح، الحقيقة عندما تقرأها تلمس بثقافتك أن الكثير جداً من أديان العالم قد أخذت منها في ذلك الزمن على الأقل الديانة القديمة، وأنها أثَّرت إلى حدٍّ كبير أيضاً على الأديان التوحيدية لكن بحَذَر، هذا التأثير أخذه الموحِّدون أو بُناة الديانات التوحيدية أخذوها بحَذَر، على سبيل المِثال هذه الإنوماإليش ومعناها عندما في العلا أو في الأعالي تبدأ بذِكر الإلهة الأمّ الأولى وهذه الإلهة تؤسِّس جيلاً من الآلهة الصغيرة وهذه الآلهة المعروفة في ما بعد عند البابليين تبدأ بثورةٍ عليها، وكأن الأسطورة تريد أن تقول إن هناك جيلاً قديماً قد ذهب وظهر الإله مردوخ الذي هو الإله القومي أو الرئيسي للبابليين وأنشأ عالماً جديداً، أنشأ مدينة بابل، أولاً أنشأ السماء والأرض من جسد تيامة التي قتلها وأنشأ أيضاً النجوم والكواكب ووضع ميقاتاً للقمر وظهوره وكل هذه المسائل التفصيلية، ثم أنشأ مدينة وأنشأ في وسطها الإيساجيل الذي هو عبد مردوخ، ثم وزَّع المهام على الآلهة وأصبح هو الرئيس، أنا أقصد من كلامي هذا أن هناك تنظيماً دقيقاً تمّ من خلال هذه الملحمة الأسطورية، هي في الحقيقة أسطورة لكن بسبب سعتها تُسمَّى ملحمة أسطورية أو أسطورة ملحمية. الحقيقة عندما نفحص تفاصيل مُكوِّنات وعناصر الدين البابلي كما ذكرتها في كتاب "أديان المشرق" وكما فصَّلتها في كتاب الحضارة البابلية بالتفصيل...

غسان الشامي: دكتور خزعل أنا أعرف أنه من الصعوبة بمكان أن نذهب معاً في قراءةٍ واسعةٍ لما كتبته لأن هناك عشرات الكُتُب، أنا أريد أن أقدِّم للسادة المشاهدين خُلاصات تدلّهم على أنهم يجب أن يذهبوا إلى القراءة الموسَّعة. سيّدي إذا انتقلنا من بابل إلى الدين الكنعاني، أنت أسميته "دين شام" وهذا ما لفت نظري، ما هي مُرتكزاته؟ وما علاقة الدين الكنعاني بالديانات الرافدينية؟  

خزعل الماجدي: كلمة كنعاني غير موجودة في الألواح والمُدوِّنات إنما هذا الشعب إسمه الحقيقي من وجهة نظري وقد تحدَّثت عن هذا تفصيلياً في كُتُبي إسمه "شعب شام" وكلمة شام ليس المقصود منها شام الحديثة أي الأربع دول أو التي ظهرت قبل قرن أو إثنين، في الحقيقة كلمة شام تعني الإله شام إله السماء عند الكنعانيين وكان لونه أحمر، وحتى كلمة الشمس لها علاقة بالشام، هيسمس أوشمش. 

غسان الشامي: سيُسرّ منك الشوام.

خزعل الماجدي: ببساطةٍ الكنعانيون هم الذين ظهروا في كل بلاد الشام وليس في سوريا مثلاً أو في دمشق، ظهروا في كل بلاد الشام، الكنعانيون هم أصلاً سَكَنَة فلسطين الأوائل وهم موجودون أيضاً في لبنان الذين أُسموا في العصر الحديدي بالفينيقيين، وكلمة فينيقيا تساوي كلمة كنعان بالمناسبة، نفس التسمية تقريباً ونفس المعنى، وفي الأردن ظهرت أيضاً مناطق شامية كثيرة في نفس الفترة لسببٍ بسيطٍ أن الدين الكنعاني هو الدين الرئيسي الذي ظهر في بلاد الشام، نعم هناك شيء من الأموريّة ظهرت ثم الديانة الآرامية قبل ظهور التوحيد، نعم شملت بلاد الشام وبلاد الرافدين لكن المصدر الرئيسي لكل المُعتقدات الموجودة في بلاد الشام جاء من الديانة الكنعانية أو الديانة الشامية أو ديانة شام.  

غسان الشامي: وهذه ما علاقتها دكتور ماجدي بمَن أتى بعدها وأقصد تحديداً الآراميين؟ 

خزعل الماجدي: هناك اتصال كبير جداً بين الآراميين والكنعانيين لأن الآراميين ورثوا هذه المُعتقدات مع مُعتقدات أخرى ظهرت هنا وهناك في المنطقة، لكن الآراميين شكَّلوا في ما بعد ديانة عظيمة جداً والتي لم تكن توحيدية في البداية هي الديانة الآرامية، وهذه انتشرت في المنطقة انتشاراً هائلاً، طبعاً لم تتشكَّل عند الكنعانيين ولا عند الآراميين دولة واحدة بل بقيت ما تُشبه الدويلات المُدن، لم تكن هناك مملكة كنعانية واحدة ولا مملكة آرامية واحدة بل دويلات مدن أو ممالك صغيرة مُتجانِسة في عبادتها وتسيطر عليها لغة وعبادة وتاريخ مُشترك. في كل الأحوال الكنعانية والآرامية مُتّحدتان جداً مع بعضهما لكن الآرامية بالطبع أكثر تطوّراً، بدأت الديانة الآرامية تميل إلى التفريد أكثر، الإله حدد على سبيل المثال أصبح هو الإله الرئيسي والبقيّة آلهة ثانويين جداً بالنسبة إليه ولكنهم موجودون، نُسمّيه نحن في اللغة "التفريد"، ومهَّدت الديانة الآرامية قبل التوحيد والتي هي قبل السريانية، قبل المسيحية، مهَّدت إلى التوحيد بشكلٍ واضحٍ جداً، وهذه مُفارَقة لا يعرفها الكثيرون أن أغلب الكُتُب المُقدَّسة الموحِّدة كُتِبَت باللغة الآرامية لأن هذه اللغة وتفريعاتها كانت سائِدة، حتى الزردشتية كُتِبَت باللغة الفارسية وبالخط الآرامي وأيضاً التوراة والأناجيل.  

غسان الشامي: إنجيل متّى تحديداً.

خزعل الماجدي: بالضبط، حتى أناجيل ماني الذي يُعتبر مسيحياً غنوصياً بابلياً كُتِبَت بالآرامية أيضاً. إذا ذهبنا أبعد من ذلك نقول إن العربية هي بِنْت الآرامية وعندما كُتِب القرآن بها كان هناك أصل آرامي للموضوع، أقصد أن كل الكُتُب المُقدَّسة في هذه المنطقة كانت بالآرامية. بالمناسبة الحضارة الآرامية ليست حضارة جغرافيا إنما هي حضارة ثقافة ولهذا السبب استمرَّت ما يُقارِب من 1500 سنة، هي رائِدة المنطقة في الثقافة، رغم أن المنطقة كانت مُحتلَّة من قِبَل الفُرس والإغريق والرومان لكن الوسيلة الدفاعية عند أهل المنطقة كانت عبر الثقافة الآرامية التي سُرعان ما انفجرت عن دينين كبيرين أولاً هما اليهودية والمسيحية ثم استمرّت مع العربية التي هي امتداد للآرامية في الإسلام، يعني هي حاضنة للأديان التوحيدية. ولهذا كما تتكلَّم حضرتك هذا المشرق هو رَحْم واحد، هذه العقائد كلّها كانت تبدو أنها مُتباعِدة لكن في حقيقة الأمر هي كأنها أجنَّة لرَحمٍ واحدٍ ظهرت ثم أعطتنا الديانات التوحيدية الثلاث. 

غسان الشامي: نعم هي فعلاً بالتعبير التاريخي "بؤرة روحية ثقافية واحدة" ولكن كما ذلك الكتاب الجميل هي بيت بمنازل كثيرة. سيّدي هل أسألك عن الأديان المشرقية المُتأخِّرة، هل نأخذ أديان الشام كنموذجٍ أو الدين التدمري وصفاته وأنت تعرف أن الحضارة التدمرية لغتها امتداد للآرامية؟

خزعل الماجدي: نعم هذا كلام صحيح جداً، الساميون المُتأخّرون، ظهرت الشعوب السامية الكُبرى وهي البابلية والآشورية والآرامية والكنعانية، الشعوب الكُبرى الأساسية، ظهرت شعوب هنا وهناك هي خليط من كل هذا، من الآرامية والكنعانية والبابلية والآشورية لكنها شعوب لها تسميات باعتبار أن الشعوب الكُبرى هذه بدأت تنحسر فظهر في شرق الأردن على سبيل المثال العمّونيون والمؤابيون والآدوميون والأنباط، وظهرت أيضاً مجموعات كما تفضَّلت الآن تدمر والحضر في العراق. هذه الشعوب في الحقيقة لم تتوحَّد بسبب الهيمنة الأجنبية على المنطقة، نحن في هذه المنطقة أو في هذا الزمن كان الفُرس من جهة الشرق والإغريق ثم الرومان ثم البيزنطيين قد هيمنوا على المنطقة واحتلّوها عسكرياً تقريباً. بالنسبة إلى الديانات فقد ظهرت ديانة الأنباط وديانة تدمر، تدمر كانت تعبد إلهاً ذَكراً رئيسياً وهو بعل شمين إله السماء وهو إله شمسي، وكان هناك إله للقمر للمرة الأولى وهو يرحبول، وبعد ذلك استقرَّت هذه الآلهة على إلهين ذَكَري وأُنَثوي وهو بعل شمش وبعلتي التي هي اللات، لات هي إلهة شمسية، وظهر بعد ذلك طاقم من الآلهة الأبناء وهم عزيزو وهو العزيز وراحم وهو الرحيم، وحدد إله الطقس ونبو إله الحكمة وشدرافا إله الطب.

غسان الشامي: على سبيل المِثال نبو مرتبط بالإله نبو في الحضارة البابلية أيضاً والآشورية.

خزعل الماجدي: الآشورية والبابلية، نبو واحد هو إله المعرفة والثقافة. 

غسان الشامي: هذا يدفعني إلى سؤالك عن أديان الرافدين المُتأخِّرة وعلاقة أديان الشام بأديان الرافدين المُتأخِّرة. 

خزعل الماجدي: ظهرت في الرافدين أيضاً ديانات قبل التوحيدية وهي الأخيرة ما قبل التوحيد التي ظهرت في آمد في الرها وفي طيسفون وفي حدياب وفي الحضر وفي ميشان وفي الحيرة. الديانات التي كانت موجودة لم تكن توحيدية لكن في ما بعد جاءت الأديان التوحيدية وأصبحت هذه الأماكن مراكز مهمَّة للديانات التوحيدية وخصوصاً المسيحية، هذه الأديان على سبيل المِثال نأخذ الحضر ظهرت فيها ديانة الآلهة التي يُسمّونها مدينة الشمس، وكما تفضَّلت طغت الديانات الشمسية في هذه المرحلة بشكلٍ واضحٍ جداً وظهرت في الحضر ديانة ثالوثية، مرن ومرتن وبرمرين وهم الأب والأمّ والإبن ظهروا في الحضر في جنوب الموصل، وأصبحنا أمام فُسيفساء أفول، الديانات الشمسية في طريقها إلى الأفول وبدأنا نستقبل أدياناً جديدة، والحقيقة حصل هذا مع المرحلة الهلّنستية عندما بدأنا بموجةٍ جديدة من الديانات والتي هي الديانات الباطنية الغنوصية والهرمسية.

غسان الشامي: لنتحدَّث عن أديان المشرق الغنوصيّة، شكلها، هدفها ولنأخذ مثلاً عنها المندائية أو غيرها إذا سمحت.

خزعل الماجدي: في الحقيقة أستاذ غسان هذا الموضوع يطول ويعرض.

غسان الشامي: طويل وعريض وجميل.

خزعل الماجدي: جميل جداً، أنا في كتابٍ آخر مع كتاب "أديان المشرق" وهو كتاب "كشف الحلقة المفقودة بين أديان التعدُّد والتوحيد"كرَّسته فقط لهذه المرحلة، طبعاً ذكرته في "أديان المشرق" كفصلٍ لكنّه واسع جداً والحقيقة لو كان بإمكاني لكتبتُ ستّة كتبٍ عن هذا الموضوع لأنه طيلة الزمن كان هذا الموضوع مُخفياً، لا أحد يتحدَّث عنه بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ لكنّه موضوع في غاية الأهميّة، وهو أن هذه المرحلة عندما جمع الإسكندر المقدوني المشرق مع المغرب أو الشرق مع الغرب في إمبراطوريةٍ واحدة ظهرت فكرة الإمبراطور الواحد للعالم وظهرت معها أفكار في الدين تريد أن تُنشئ أو تضع إلهاً واحداً لكل البشرية، هذا لم يأتِ مباشرةً في الأديان التوحيدية إنما ظهرت الأديان الباطنية وهي الهرمسية والغنوصيّة والمسارية، فالهرمسية بِنت المنطقة مئة بالمئة لأنها بدأت مما كان يُعرَف بهرمسالهرامسة الذي يُسمَّى مُثلَّث العَظَمَة وكان يُقْصَد به الإله النبي والحكيم معاً. عندما نبحث عن أفكار الهرمسية نجد أنها ليست ديانة فقط إنما هي نظرة شاملة لعالمٍ جديدٍ كان يتجدَّد دائماً مع الزمن، والحقيقة أن ميزة الهرمسية أنها تتجدَّد في كل زمن وتطرأ عليها تغييرات هامة جداً تنقلها إلى مرحلةٍ أخرى.

غسان الشامي: دكتور الماجدي صار وقتي على الحافّة ولا يمكننا إلا أن نختم بالأديان التوحيدية.

خزعل الماجدي: من الصعب جداً. 

غسان الشامي: نعم في ساعةٍ تلفزيونيةٍ بالطبع، كتاب يُعادِل الثمانمائة صفحة، أنا في الحقيقة استمتعت به وأعطاني الكثير وأقول إنه سيكون على الشبكة.

خزعل الماجدي: هي اقتصرت على جماعاتٍ سرّيةٍ وعلى تجمّعاتٍ صغيرةٍ جداً كانت تختفي عن عيون الناس وجاءت المرحلة الهلّنستية لتضع كل هذه الأمور في سلَّةٍ واحدة.

غسان الشامي: دكتور خزعل الماجدي لا يمكن أن نُنهي هذه الحلقة، وأنا أقول لك أن هذا الكتاب مرجعي كبير ويمكن أن يفيد الكثيرين وسيكون على الشبكة العنكبوتية قريباً، الأديان التوحيدية: اليهودية والمسيحية والإسلام أين تلتقي مع بعضها توحيدياً وأين تتقاطع مع أديان ما قبل التوحيد؟ 

خزعل الماجدي: الأديان التوحيدية من وجهة نظري المُتواضِعة هي امتداد نوعي للأديان التي سبقتها، بمعنى أن الديانات أو التيّارات الباطنية الثلاثة التي تحدّثتُ عنها وهي الغنوصية والهرمسية والمسارية كانت قد مهَّدت الطريق لهذا الموضوع ولكن لم تكن هذه الديانات ديانات شعبية، لم تكن ديانات مُعْلَنة إنما كانت تقتصر على جماعاتٍ تبتّلية وناسِكة ومُختبئة في الجبال والصحاري والأماكن البعيدة. عندما جاءت الديانات التوحيدية أصبح التوحيد شعبياً، أصبح للجميع ولم تعد هناك هياكل تفصيلية دقيقة جداً ترسم خارطة تلك الأشكال التوحيدية كما كانت في الغنوصية وغيرها. أصبحنا أمام فكرة بسيطة جداً أن هناك خالقاً واحداً للكون وللإنسان وأن هناك بشراً يعبدون هذا الخالق عبر مجموعةٍ من الطقوس، وهكذا استمرَّت المسألة في المسيحية وكذلك مع الإسلام، ولكن هناك تفصيلات تخصُّ الظرف التاريخي لكل ديانةٍ من هذه الديانات، على سبيل المِثال الديانة اليهودية بدأت من فكرة التضحية ثم استمرَّت بفكرة الإله القومي وهو إله بني إسرائيل حَصْراً "يهوه"، ولذلك ترى أن المسيحية جاءت ثورةً على هذه الديانة عندما قالت إن إله الكون ليس إلهاً لشعبٍ واحدٍ إنما هو إله الأرض بأكملها، هو إله الكون بأكمله وهو إله الشعوب كلّها، ولذلك جاءت المسيحية لتُكْمِل ما بدأته اليهودية فجعلت من التوحيد شاملاً لكل البشر وإله التوحيد هو إله كل البشر. واستمرَّت بفكرة الماشيح المُنْتًظر لكن اليهودية لم تعتبر بأن هذا الإله هو نفسه المُخلّص. على كل حال هذه تعقيدات بسيطة استغرقتها فترة من الصراع بين هذه الديانات ثم جاءت المسيحية ونشرت هذه الديانة التوحيدية عبر المُخلِّص يسوع. الديانة الإسلامية قبلت بكل هذه الأفكار وأثنت على كلٍّ من اليهودية والمسيحية ودورهما، واعتبرت أن الله مُطْلَق وبعيد ونحن عبيده، البشر يعبدون الله وهناك رُسُل، حتى أنها فسَّرت جميع الأنبياء والرُسُل السابقين بطريقةٍ واحدةٍ أن هناك مبعوثين من الإله الواحد الأحد الذين تُرسَل إليهم رسالةً للتبشير بوجود الله وهَدْي الناس إلى التوحيد، وهكذا فإن درجات التوحيد وأنماطه مختلفة نسبياً لكنَّها كانت واحدة في الجوهر. في الحقيقة كل هذه الديانات إنما تُعبِّر عن أزمانها وظروفها وشعوبها ومذاقاتها وتكوينها وثقافاتها، وبالتالي لو عدنا إلى عصور ما قبل التاريخ إلى اليوم سنجد إن الإنسان في جوهره واحد يريد أن يتشبَّث بالخلق.

غسان الشامي: انتهى الوقت ونحن نأمل أن يبقى جوهر الإنسان واحداً، شكراً سيّدي. ليس سهلاً أن ترى التاريخ والحضارات في سياقٍ تطوّري واحدٍ، وأن تجهد بحثاً في لَمْلَمة شظايا الاختلافات لتوضيح الصورة التاريخية لأن هذا السياق خضع عملياً لاحتراباتٍ طاحنةٍ ولرؤىً فردية. مشكورٌ جهدك دكتور خزعل الماجدي ومشكورٌ حضورك في أجراس المشرق، الشكر أيضاً لزملائي في البرنامج والميادين، أيامكم معرفة، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم. 

البرنامج

إعداد
غسان الشامي
تقديم
غسان الشامي
المنتج
هشام الهاشم
الايميل