ديمغرافيا المشرق

توصيف وتحليل لديمغرافيا المشرق منذ تأسيس دوله الحديثة وحتى اليوم. تفاصيل ديمغرافيا الأردن وسوريا ولبنان والعراق وفلسطين، والتحولات والوقائع والانزياحات والإشكاليات.

 

المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم، نادراً ما تطرَّق الباحثون إلى موضوع الديموغرافيا في بلدان المشرق إلا لِماماً، ما يعني بعض الحكومات فعلاً هو الإحصاء، طبعاً عدا لبنان بسبب حساسيّته الطائفية، والإحصاء هو للتعداد غالباً إلا أننا نادراً ما شهدنا خططاً تنموية مبنيّة على الشأن السكاني. الدكتور شوقي عطية تنطّح لعملٍ نادرٍ وفريدٍ فأصدر كتاب "ديموغرافيا المشرق" بتكليفٍ من مركز المشرق للأبحاث والدراسات مُتناولاً أخطر موقعٍ في العالم الحديث والمُعاصر والأكثر سخونة، مُتخطّياً الصعوبات التي اعترضته واعتمد على العِلم والإحصاءات والجداول مُتحدّثاً عن ديموغرافيا لبنان وسوريا والعراق والأردن وفلسطين. إنه جهدٌ مَعْرِفي من باحثٍ وأكاديمي رصين مقتنعٌ بحسب قوله أن لا خلاص لهذا المشرق إلا إذا عرف أبناؤه أن انتماءهم هو لأرضهم، وهذا منطلقٌ عِلمي يُبعد التذرير الذي حصل منذ سايكس بيكو، سنحاور الدكتور عطية في كتابه "ديموغرافيا المشرق" بعد تقريرٍ عن الكتاب.

تقرير:

نادرةٌ هي الدراسات الديموغرافية في العالم العربي، ولا يشذّ المشرق عن هذه القاعدة، وربّما تخوّف الحُكَّام والدارسون معاً من شدَّة التنوّع الإثني والديني فيه، مع أن هذا سببٌ وجيهٌ لدراسة سكانه وأحوالهم، لكن الدكتور شوقي عطية لم يتهيَّب فُسيفساء المشرق وحروبه واحتراباته وقلّة الدراسات السكانية فيه، بل خاض بعمليةٍ مُلفتةٍ تجربة كتابة ديموغرافيا المشرق بناءً على اقتراح مركز المشرق للأبحاث والدراسات انطلاقاً من أن عِلم السكان وهو وَصفي وتحليلي يهتمّ بمكوِّنات السكان وبديناميّاتهم.

قسَّم عطية الكتاب إلى إثني عشر فصلاً وهي بالطبع غير متساوية لأن دول المشرق لا تتساوى في الأحداث التي عصفت بها، ولعدم توافُر مُعطياتٍ ديموغرافية تاريخية في بعض بلدانه، فالعراق هو الأقل مُعطياتٍ وسوريا أكثرها.

عرض الفصل الأوّل عِلم الديموغرافيا ومُركّباته وأثر المُتغّيرات الاجتماعية، وتناول الفصلان الثاني والثالث مسار الديموغرافيا الأردنية منذ تأسيس إمارة شرق الأردن، وأفرد الفصول الرابع والخامس والسادس لسوريا شارحاً بالتفصيل ما مرّ بها منذ الانتداب الفرنسي وحتى الأحداث الراهنة. واستعرض في الفصلين السابع والثامن الديموغرافيا اللبنانية الشائكة، وتناول في الفصلين التاسع والعاشر الوضع السكاني في العراق على ضوء محاولات تمزيقه، وترك الفصلين الأخيرين للديموغرافيا الفلسطينية عبر السياق التاريخي لاغتصابها وتهجير سكانها.

مركّبٌ وَعِرٌ تنكّبه شوقي عطية لكنه أنجز كتاباً مرجعياً ووحيداً يُدعى "ديموغرافيا المشرق".

غسان الشامي: تحيّةً لكم من أجراس المشرق، دكتور شوقي عطية أرحِّب بك مُجدَّداً، تكلّمنا عن نُذُر هذا الموضوع لكن لأبدأ معك من الكتاب حتى نحاول أن نفيه حقّه، ما هو توصيف ديموغرافيا المشرق؟

شوقي عطية: مساء الخير مرة ثانية، كتاب ديموغرافيا المشرق يتناول سكان المشرق ولكن لا يتناولهم بطريقةٍ إحصائية فقط، فأنا أرفض هذا المنطق في الديموغرافيا، يمكن  أن نأخذ الموضوع عادةً من ناحية الديموغرافيا الإحصائية التي تكتفي فقط بعرض الأرقام والِنسَب والمعدّلات وإلى آخره، لكن أنا شخصياً لا أقارِب هذا الموضوع، أنا أقارِب هذه الإحصاءات من ناحية علاقتها في المجتمع وتأثير المجتمع بها، إذاً لا يمكن أن أفصل ديمغرافية أي بلد من البلدان عن سياقه التاريخي أولاً والاجتماعي وعن التحوّلات التي تطرأ عليه بشكلٍ دائم، لذلك كان كتاب ديموغرافيا المشرق تحدٍّ فعلي لعدَّة أسباب، أولاً لتعلّقي بالموضوع جغرافياً وعلمياً، فأنا أعتقد أنه كما حدث وتفضّلت أن هناك مشكلة كبيرة في هذا المشرق وهي عدم وعي أبنائه لأهميّة مكان إقامتهم وولادتهم. ثانياً هذه الدول التي تكوِّن المشرق هي على فوّهة بركان منذ أكثر من قرن، وهذا البركان ينفجر حيناً ويخبو أحياناً لكنّه سينفجر من جديد لسببٍ بسيط.  

غسان الشامي: بشَّرك الله بالخير.

شوقي عطية: نعم، وهو أصلاً في حال تفجُّر إن كان في لبنان أو في العراق أو في سوريا، وما يُفجِّر هذا البركان هو اللعب إن كان داخلياً أو خارجياً وخاصة خارجياً على أوتار التفرقة الموجودة في هذا المشرق. في كل دول العالم يمكنك أن تفرِّق الناس بناءً على عدَّة بنى، مثلاً يمكن أن تفرِّقهم في جنوب أفريقيا بناءً على اللون، يمكن أن تفرِّقهم في إيرلندا بناءً على الطائفة بين بروتستانت وكاثوليك، يمكن أن تفرِّقهم اليوم في الولايات المتحدة كما يحصل بناءً على العرق والانتماء الاقتصادي والاجتماعي. أما في المشرق فتمَّت تَفْرِقة السكان بناءً على مُعطيين: أولاً الطائفة وثانياً العرق، وللمُصادفة أن هذه الدول الخمس تحتوي على كل ما يمكن أن تتخيَّله وتتصوَّره من مُكوِّنات إثنية وطائفية، وبالتالي اللعب على هذه المُكوِّنات كان للأسف من أبسط ما يكون. إذاً هذا كان التحدّي، جابه هذا التحدّي بعض الصعوبات وخاصة في غياب المُعطيات في بعض الدول ولبنان من أكثر الأمثلة، تخيَّل أن فلسطين المحتلة فيها مُعطيات سكانية ديموغرافية أكثر من لبنان، لبنان كما يُقال "بالحيلة والفتيلة" كي تجد بعض المُعطيات وعليك أن تُحلِّل هذه المُعطيات إذا كانت برأيك صحيحة أو غير صحيحة، فهذا كان التحدّي الأساسي.  

غسان الشامي: كيف تُحلّل هذا التوصيف دكتور عطية؟

شوقي عطية: إذا أردت أن أحلِّل هذا التوصيف هناك أهمية للبحث في ديموغرافيا المشرق والديموغرافيا بشكل عام وخاصة في علاقتها بالسياسة من أجل فكّ هذا الارتباط إذا أمكن، أنا أطمح لأن أصبح في مكان جغرافي وأن أعيش في منطقتي من دون أن يكون هناك ارتباط بين السياسة والديموغرافيا. للأسف السياسة تحرِّك أو تستخدم الديموغرافيا كمطيّة لها تستخدمها حينما تشاء، تحرِّك الانتماء العَدَدي والانتماء الطائفي العصبي المبني على العصبية من أجل مصالحها بينما الديموغرافيا في الأصل يجب أن تكون موجودة من أجل خدمة المجتمع وتنميته، ولا يجب أن تكون محرَّمة كما هو الوضع في لبنان منذ 80 أو 85 عاماً وحالياً في العراق.


 

غسان الشامي: لنبدأ من الأردن، سأنطلق من كتابك. 

شوقي عطية: إبني السادس.

غسان الشامي: نعم إبنك السادس، أنت بدأت في الأردن، ما هو تشكيل سكان الأردن قبل الإمارة؟ 

شوقي عطية: في البداية سأعتمد على طريقة بسيطة في الحديث، سنتحدَّث أولاً عن المُعطيات الديموغرافية الخام وفي ما بعد يمكن أن نربط هذه المُعطيات بالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي إذا أمكن، فسكان الأردن قبل الإمارة أي قبل 1921 كانوا عبارة عن بضعة عشرات الألوف من الأشخاص وفي مكانٍ جغرافي لم يكن أصلاً دولة. الدولة التي نعرفها اليوم بالمملكة الأردنية الهاشمية تشكَّلت بدايةً في العام 1921 وخضعت لعدَّة تحوّلات آخرها كان عام 1965 كحدود جغرافية وصولاً إلى اليوم. قبل 1921 لم يكن يبلغ سكان الأردن أكثر من ربع مليون أي أكثر من 250 ألف نسمة مُكوّنين بأكثريّتهم من البدو وطائفياً من العرب السُنّة وبعض القبائل الشركس والشيشان، وهناك أيضاً وجود مسيحي في بعض المحافظات في الأردن، هذا الأمرتطوَّر تدريجاً وصولاً إلى العام 1948 عند النكبة. يقول علي محافظة وهو من أهم المؤرِّخين في الأردن أن هناك خمسة أسباب أدّت إلى نشوء الأردن أذكر واحداً منها فقط وهو كان لاستقبال الفلسطينيين مستقبلاً، هذا الحديث قبل النكبة، الفلسطينيون الذين سوف يُهجَّرون من فلسطين.

غسان الشامي: هذا مفهوم الوطن البديل، عملية إنزياحات ديموغرافية كاملة.

شوقي عطية: بالتأكيد، بالنسبة إلى البريطانيين هذا الموضوع كان مُخطّطاً له منذ عقود وهذا ما حصل في ما بعد لأنه ابتداءً من 1948. 

غسان الشامي: نحن الآن بدأنا بالحديث عن الأردن؟

شوقي عطية: نعم الديموغرافيا في الأردن منذ 1921، لا يُعتبر الحديث لأن هناك عدّة تحوّلات طرأت على الأردن قبل أن يُعرَف بالحديث آخرها كان ديموغرافية 1988. 

غسان الشامي: إذا عدنا إلى فترة 1948.

شوقي عطية: في العام 1948 تمّ ضمّ الضفّتين فأصبح سكان الضفة الشرقية- الأردن والضفة الغربية في فلسطين يُعتبرون دولة واحدة، ولكن هنا كان السكان الفلسطينيون في هذه الدولة هم أكثر عدداً من الأردنيين، وهذا الأمر كان واضحاً في التعدادات، حتى في الضفة الشرقية التي هي الأردن كان 25% من سكانها هم أصلاً من الفلسطينيين بالإضافة إلى كل سكان الضفة الغربية كانوا فلسطينيين، فحوالى مليون و 300 ألف نسمة في 1948 وصولاً إلى 1952 كان معظمهم من الفلسطينيين وبقي هذا المُكوِّن إلى عقودٍ من الزمن. من المُفارقات أن الانتخابات تمّت في بداية الخمسينات، انتخابات المجلس النيابي وكان مُناصفةً بين الفلسطينيين والأردنيين عِلماً أن الفلسطينيين كانوا أكثر عدداً. الأردن تميَّز بأنه تمكَّن من إجراء تعدادات تقريباً كل عشر سنوات، المهم هنا أن الأردن كان يتميّز مثل كل دول المشرق بنموّ سكاني مرتفع، ولادات مرتفعة، وهذا الأمر كان موجوداً عند الفلسطينيين وعند الأردنيين الذين أصبحوا في مكانٍ ما وكأنهم واحد. أيضاً ازدادت نسبة الفلسطينيين من بعد النكسة عام 1967 بعد لجوء عشرات ومئات الآلاف من الفلسطينيين من الأراضي المحتلة إلى الأردن. بقي الوضع على ما هو عليه وصولاً إلى 1970 حيث بدأت المشاكل بين القيادة الأردنية والمنظمات الفلسطينية وصولاً إلى الأمر الخطير الذي حصل في العام 1988 وهو فكّ الارتباط ونزع الجنسية من عشرات الألوف من الفلسطينيين، ولكي تعلم كم كانوا مُصرّين على الأمر، إذا عدتَ إلى إحصاءات أو تعداد 1970 تجد أن عدد السكان هو 1.5 مليون عِلماً أنه كان 1.3 في العام 1948، هذا الأمر يدلّ على أنهم أزالوا الفلسطينيين الذين كانوا معدودين في هذا التعداد وتخلّوا عنهم. في العام 1988 بدأنا نرى تحوّلات أخرى في الأردن، بقي الأردن على ما هو عليه بالنسبة إلى زيادة معدلات السكان لكن هناك بعض الملاحظات التي يجب سوقها حول ديموغرافية الأردن وأوّلها أن نسبة الذكورة في الأردن أعلى من بقيّة الدول، لنوضح، نسبة الذكورة هي حين تقسم عدد الذكور على عدد الإناث وتضرب بمئة، في دول المشرق هي أقل من مئة لأن الذكور يهاجرون بحثاً عن العمل، في الأردن هم أكثر من مئة وهذا يؤشّر إلى أن الأردن يستقبل المهاجرين الذكور بغية العمل وخاصة من ثلاث جنسيات، بدايةً كان هناك الفلسطينيون بالتأكيد والمصريون وحالياً هناك اللاجئون السوريون. نقطة أخيرة فقط لأختتم الحديث عن الأردن، حالياً الأردن يضمّ أكثر من 10.5 مليون إنسان وهناك نسبة لا بأس بها حوالى ثلاثة ملايين شخص هم غير أردنيين والأردن يُعدّ لأنني سوف أتحدّث عن هذا الموضوع في لبنان يعتبر أن كل ساكن لأكثر من ستة أشهر هو مقيم في الأردن وبالتالي يتمّ عدّه.   

غسان الشامي: كيف قرأت الديموغرافيا السورية قبل الانتداب؟

شوقي عطية: الديموغرافيا السورية أكثر تنوّعاً وغنىً من الديموغرافيا الأردنية والعراقية، حين تتحدَّث عن سوريا فأنت تتحدَّث عن سوريا ولبنان في كل الأدبيات، حين يتمّ عدّ السكان في سوريا كان لبنان يُعتبر جزءاً من هذا العدد، بالإضافة إلى أجزاء أخرى سُلِخت عن سوريا التي نعرفها اليوم. ما يميِّز الديموغرافيا السورية في بداية القرن وصولاً إلى الانتداب في العام 1921 التعداد الأول أن عدد السكان تناقص مليوني إنسان خلال 20 سنة، هذا التناقص حصل بسبب الهجرة الكثيفة جداً للسوريين واللبنانيين إلى الخارج، في معدّل بعض السنوات كان أكثر من 22 ألفاً فقط إلى الولايات المتحدة سنوياً، بالإضافة إلى الحرب والمجاعة والحصار الذي حصد أيضاً عشرات بل مئات الآلاف من الأشخاص خلال هذه الفترة. تكوّنت سوريا في العام 1921، كان حوالى 2 مليون شخص من عدد كبير جداً من المكوّنات الإثنية والطائفية وهذا ما أعطاها الغنى حتى أكثر من لبنان، وهذا الأمر ليس مُستغرباً فالمشرق منذ البداية وهنا جماله أنه كان ملجأً لجميع الجماعات التي كانت محيطة بنا أو حتى بعيدة قليلاً عن مكاننا الجغرافي، فبدايةً إذاً في العام 1921 كان هذا هو الوضع والتعدّد. في الانتداب تبيّن أن الفرنسيين والإنكليز يُخطّطون لأمورٍ لم نكتشفها إلا بعد عقودٍ من الزمن ولا زلنا نكتشفها حتى اليوم. أولاً بالنسبة إلى سوريا وفرنسا، فرنسا كانت تخطّط لعزل السلطنة العثمانية أو تركيا في ما بعد عن البحر، وهذا العزل يتمّ بإنشاء مناطق عزل لإبعاد النفوذ التركي اتصالاً بالوجود السنّي في سوريا عن البحر، فتمّ إنشاء أربع دويلات في سوريا إثنان منها ذات طابع سنّي وهما حلب ودمشق بالإضافة إلى دولة العلويين والدروز، ولا تنسى إنشاء لبنان الذي كان جزءاً من سوريا الذي أخذ طابعاً مسيحياً أو مارونياً أو كاثوليكياً، فتمّ إبعاد هذا المُكوّن السني الذي يُعتبر الأكثرية في سوريا عن هذه المناطق، حتى أنهم خطّطوا لإقامة مناطق عزل في حلب تُبعِد السنّة عن تركيا من خلال استقدام الأرمن وجعلهم يقيمون في مناطق حلب. سوريا لم تكن هادئة بل كانت هناك اضطرابات دائماً بسبب التحسّس والوعي الجيّد لدى السوريين لما ينتظرهم في ما بعد، وكان أوّلها وأخطرها أمر خطير وليس بالسهلوهو سلخ لواء الإسكندرون عن سوريا الذي تمّ في نهاية الثلاثينات، وهذا الأمر أدى إلى إفقاد سوريا عشرات الآلاف من الأهل السوريين وأدى إلى هجرة ثانية للأرمن، الهجرة الأولى إلى سوريا كانت في العشرينات والهجرة الثانية كانت في نهاية الثلاثينات. في العام 1946 عند الاستقلال كان عدد سكان سوريا يتجاوز 3 ملايين ونصف مليون تقريباً وهنا سوريا كانت في أزمة، في إشكالية دائمة، هي في مقارنة نفسها بالدولتين الكُبريين العربيّتين وهما العراق ومصر في ذلك الحين، وهذه الأزمة تتمثّل في عدد سكانها المنخفض مقارنةً بالمساحة، هذا الأمر أدى إلى خلق سياسة سكانية خاطئة جداً لأنه حين تريد أن تقارن الكثافة السكانية لا تقارنها بالمساحة الكلية وإنما بالمساحة القابلة للاستثمار وليس البادية أو الصحراء، فلم يدركوا هذا الموضوع إلا بعد حوالى 40 عاماً، فكانت السياسة السكانية في سوريا أدّت إلى تزايد هائل في السكان، انتقلنا من 3 ملايين ونصف مليون إلى 24 مليون خلال 75 عاماً أي حوالى 8 أضعاف بينما لبنان لم يحدث فيه هذا الأمر، لبنان في هذه الفترة تضاعف أقل من 4 أضعاف، سأتحدَّث تدريجاً عن هذا الموضوع.

غسان الشامي:الآن ديموغرافيا سوريا المعاصرة كيف تراها؟

شوقي عطية: في سوريا بدأت التعدادات الأصيلة الحديثة والجيّدة في العام 1960 وخاصة في العام 1970، تعداد 1960 وقع في مشكلة ولكن لماذا أعتبره جيّداً؟ لأنه اعتمد مبادئ التعداد الأصيلة أي الشمولية، يشمل الجميع، والدورية أنه يتمّ كل عشر سنوات، العدّ في مكان الوجود لكنه أنقص من العدد بسبب عدم وجود البدو حيث لم يكن البدو في هذا التاريخ في سوريا، تعرف أن البدو هم رُحَّل. شابت الكثير من الشوائب هذا التعداد وخاصة عدم تسجيل الإناث لأن التفكير التقليدي يقول ألا علاقة لك بالأنثى وهذا عِرض فلم يتّمّ تسجيل الإناث. في العام 1970 بدأت سوريا تنتبه إلى أن هناك مشكلة في العدد لأن العدد أصبح أكثر دقّةً من العدد في العام 1960، وهذا العدد بيَّن أن عدد سكان سوريا ليس بقليل لا بل هو لناحية النمو كان الأعلى في العالم في العام 1970، وكانت سوريا في أكثر من 50% من سكانها دون ال 15 عاماً أي هم من الفتيان، فتنبّهت إلى هذا الموضوع لكن لم تتّخذ إجراءات جدّية إلا بعد عشر سنوات أي في الثمانينات. إذا أردت أن أتحدّّث عن بعض الخصائص في السبعينات، كانت هناك وفيات مرتفعة للإناث والسبب في ذلك يعود إلى تفضيل وخاصة عند الأطفال يعود إلى ممارسة تقليدية كانت موجودة في بعض قرى لبنان وهي تفضيل الذكر على الأنثى، مثلاً إذا كان هناك رغيف من الخبز كانت الأولوية هي للذكر وليس للأنثى، إذا أصاب الأنثى مرض فلا داعي لتطبيبها، فهذا أدى إلى ارتفاع ملحوظ في نِسَب الوفيات عند الإناث، أضف إلى ذلك نِسَب الوفيات عند النساء بسبب الولادات حيث لم يكن هناك تقديم للخدمات الصحية. في العام 1980 وصاعداً انتبهت سوريا إلى أن عدد السكان يتضاعف كل 20 سنة وهذا سبقوا به مالتوس أب الديموغرافيا الذي اعتبر أن الكارثة التي عُرفت بالكارثة المالتوسية تحدث حين يتضاعف عدد السكان مرّة كل 25 عاماً، سوريا سبقت التضاعف عند مالتوس فكانوا يتضاعفون بمعدّل مرة كل 20 سنة، فألغت العديد من الإجراءات وأحد هذه الإجراءات هو إلغاء مسألة وسام أو نيشان الأسرة الذي كانت تحصل عليه المرأة السورية إذا أنجبت أكثر من خمسة أو عشرة، هناك عدّة درجات من هذا الوسام، فألغوا بعض هذه الممارسات وجرَّبوا تشجيع تنظيم الأسرة ولكن لم يستطيعوا ذلك.

غسان الشامي: الآن بدقيقة هل قرأتَ كيف تغيَّرت الديموغرافيا السورية خلال الأزمة الحالية؟ 

شوقي عطية: بالتأكيد، هناك تغيُّر لا يمكننا إلا أن نربطه بالسياسة، هناك تغيُّرجذري في سوريا حالياً، صحيح أن 6 ملايين سوري هم خارج سوريا و6 ملايين سوري آخرين هم داخل سوريا ولكن خارج مناطقهم، وغير صحيح أن كل هؤلاء السوريين هم من السنّة، صحيح أن الأكثرية العظمى هي من السنّة لكن هناك أيضاً طوائف أخرى، فالذين خرجوا من سوريا جزء منهم لن يعود ونتحدّث بالضبط عن المسيحيين وبالضبط أكثر عن الأرمن، ذهبوا إلى أرمينيا وخاصة مع التسهيلات التي حصلوا عليها في أرمينيا. حصل هناك تغيّر ديموغرافي حالياً في سوريا في المناطق التابعة لسيطرة الدولة السورية، فتجد أن هناك ازدياداً للأقليات، نحن نرفض ذلك ولكن هكذا يتمّ التعامل معهم، وللعلويين وانخفاض للسنّة وهنا نتحدّث عن نقطتين أو ثلاث مئوية ليس أكثر، بالنهاية هم المُكوِّن الأكثر نسبةً في سوريا، إذا تحدَّثنا حالياً عن النِسَب فهناك حوالى 85% كمُكوّن سنّي في سوريا.   

غسان الشامي: لنتوقّف مع فاصل، سأتابع في هذا الموضوع، أعزائي فاصل ونعود إلى الحوار عن ديموغرافيا المشرق مع الدكتور شوقي عطية.

المحور الثاني: 

غسان الشامي: أحيّيكم مُجدّداً من أجرس المشرق، حوارنا مع الدكتور شوقي عطية في كتابه "ديموغرافيا المشرق". دكتور شوقي ذكرتَ في المحور الأول نسبة يمكن أن تكون عالية جداً أن السنّة في سوريا هم 85%، إحصاءات أخرى لا تعطي هذه النسبة، على ماذا بنيتَ ذلك؟ 

شوقي عطية: أنا حين أقول السنّة لم أفرِّق بين العرب والكرد، فهذا مجموع العرب والكرد، بين 80 و85% هم مجموع العرب والكرد والكرد هم سنّة، النسبة الباقية بين 10 و 15 وإذا تنتبه إلى ما أقول، في البداية لم يكن هناك بين وبين، حالياً لا توجد إحصاءات دقيقة تبيّن الطائفة، هناك فئة ما بين 10 و 15% من العلويين وأقل من 3 أو 5% حالياً من المسيحيين.  

غسان الشامي: لنتابع إذا سمحت ولكن لنأتي إلى المركز الإشكالي الذي هو لبنان، لنسأل كيف تشكّل وتداخل سكان ما قبل لبنان الكبير وليس ما قبل التبولة وما بعدها؟  

شوقي عطية: أنت تعرفني أنني حذر بعض الأحيان في الكلام، ولكن من المقابلة الأخيرة منذ سنة ونصف السنة حتى اليوم تبيّن أنه لا مجال مطلقاً، هذا البلد وكأن هناك نية لإلغائه، لا أدري. دعني أتكلّم بوضوح، في بداية تأسيس لبنان الكبير كانت هناك نيّة لدى الفرنسيين لإقامة دولة مسيحية كما ذكرت الأسباب سابقاً بالنسبة إلى سوريا، وكان هناك نيّة الموارنة خاصة والمسيحيين بشكلٍ عام بإقامة دولة قابلة للحياة لأنهم ذاقوا المر في حصار الجبل الذي لم يكن يمتلك مقوّمات الحياة، فبالتالي ما كان ينقص هذا الجبل هو المرفأ التجاري الجيّد والأراضي الزراعية الخصبة، فكان إنشاء دولة لبنان الكبير ولكن هذه الدولة لم تأتِ على قدر طموحات أحد لأن الموارنة وجدوا أنفسم قد تحوّلوا فجأة من الأكثرية المُطلقة الواضحة في المتصرّفية إلى واحدٍ من المُكوّنات الكبرى ولكن وضعهم العددي الإحصائي مُهدَّد في أية لحظة، وهذا ما توضّح أكثر في تعداد 1921 وهو التعداد الأول، تبيّن أن نسبة المسيحيين هي 55% ونسبة المسلمين 45%، الأكثرية عند المسيحيين هي للموارنة. في بعض الأحيان في الفترة من 1921 وصولاً إلى الاستقلال كان هناك دفع جدّي إلى إعادة النظر بهذه الحدود وكأنّ هناك نوعاً من الندم، في بعض الأحيان طلب لبنان من الفرنسيين تحويل بعض المناطق إلى مقاطعة دولية، منطقة ذات حكم دولي. في العام 1932 تمّ إجراء التعداد الثاني وهو التعداد الأخير، هذا التعداد أوضح أن نسبة المسيحيين انخفضت من 55% إلى حوالى 51%، لكن ما أودّ أن ألفت الانتباه إليه هنا هو أن مسألة عدّ مُكوّنات جديدة في لبنان لم تكن موجودة سابقاً، هي أتت إلى لبنان بفعل الهجرة وهي المُكوّنات الأرمنية والآشورية والسريانية، وهذه المُكوّنات التي شكَّلت حوالى 5% من سكان لبنان في تلك الفترة كانت رافِعة لعدد المسيحيين على عدد المسلمين. أيقن القيّمون على هذا الأمر أنه في المستقبل غير البعيد سوف تتغيَّر موازين الأعداد وموازين النِسَب، ولذلك توقّفت التعدادات وأقصد هنا التعدادات الشاملة من هذا الوقت، وكلما تمًّت المُناداة بتعداد أو حتى إحصاء دخلت مسألة إشراك المُغتربين في العدّ، وهذا أمر لا تقوم به أية دولة لأن التعداد يشمل فقط المقيم في هذا البلد لحظة التعداد لمدة تزيد عن نصف السنة، ولا زلنا حتى الآن نعاني من هذه المشكلة، هذا بالإضافة إلى المقولة الشهيرة"أوقفنا العدّ"، فلا يوجد عدّ حالياً في لبنان.

غسان الشامي: وهذا مرشّح للاستمرار.

شوقي عطية: هذا الحديث قبل 1943، منذ العام 1943 حتى 1975 جرت بعض الإحصاءات التي لم تكن تعداداً شاملاً، في بعض الإحصاءات كانت هناك زيادة لنِسَبٍ معيّنة ونقصان في البعض الآخر حسب المنهج، لذلك فأكثرية هذه الإحصاءات لم تكن دقيقة، إذا أردنا الدخول في فترة الحرب. 

غسان الشامي: يعني هناك ديموغرافيا الحرب.

شوقي عطية: نعم.

غسان الشامي: لنتحدَّث عنها تفضّل.

شوقي عطية: كانت أسباب الدخول في الحرب واضحة، كان هناك صراع طائفي حتى ولو لم نرد الاعتراف، وبالتالي في أي صراعٍ طائفي أو حرب يسعى كل طرف إلى تبيان أو إلى إثبات وجوده أو غَلَبَته على الآخر، وأكثر وسيلة مناسبة لهذا الإثبات هي العدد، فمَن يمتلك الأغلبية العددية من المفترض أن يكون الأقوى لذلك تجد أنه في فترة الحرب كلٌّ فتح على حسابه، وأصبح كل طرف لبناني وكل حزب يجري تعدادت أو إحصاءات خاصة به تبيّن أن الأغلبية السكانية له وفي بعض الأحيان بفوارق هائلة، وبالتالي ديموغرافية الحرب كانت من أقل الإحصاءات ومن أقل الأبحاث دقّةً في تاريخ لبنان.  

غسان الشامي:ولكن واقعياً ما هي انزياحاتها؟

شوقي عطية: أدّت إلى هجرة ملحوظة وواضحة للمسيحيين من لبنان، هل هي مُفتعلة أم منظمة لا أعلم، أدّت إلى نزوح وهذا الأمر يحدث في كل الحالات الساخنة في لبنان، أنا أعتبر أن لبنان يعيش في فترة هدنة وليس سِلم، وكلّما سخنت هذه الهدنة يتمّ نزوح عكسي من المدن إلى الأرياف، أذكر مثلاً طرابلس التي كانت فيها نسبة مرتفعة جداً من المسيحيين قبل الحرب، هذه النسبة حالياً تكاد تختفي بعد كل هذه الفترة لأنه عند وقت الشدَّة ينزح إبن الريف ويعود إلى منطقته، وإذا لم يعد إلى منطقته يفضّل أن يعيش مع أبناء مِلّته وطائفته.  

غسان الشامي: والديموغرافيا الحالية بعد كل هذه الأزمات التي مرّ بها لبنان وهو يهوي الآن، لم يستقر على أيّ قاع أو في أيّ قاع، كيف تقرأها؟ 

شوقي عطية: بصراحة هناك مشكلة كبيرة حالياً هي مشكلة التعريفات أو التوصيفات، لا يوجد اتفاق على توصيف مُحدَّد لأيّ شيء، لا مَن هو الساكِن ولا مَن هو النازِح ولا مَن هو اللاجئ ولا مَن هو إبن البلد ولا ما هو الرقم، لا شيء، إذا تطّلع على أيّ إحصاء غربي يرى أن سكان لبنان حالياً هم 5.6 ملايين حسب المرجع، إذا اطّلعت على هذا الموضوع منذ سنتين كان 6.2 ملايين، حالياً في أحدث دراسة لإدارة الإحصاء المركزي يقولون إن عدد السكان في لبنان هو 4.82 أو 4.85 مليون نسمة، هذا يعني أن هناك مشكلة في لبنان هي بعدم عدّ مَن لا نريد عدَّه، وأقصد بهم بالضبط السوريين في لبنان وخاصة في المخيمات والفلسطينيين في المخيمات. على ذِكر الفلسطينيين في لبنان تمّ إجراء مسح شامل للفلسطينيين في المخيمات منذ بضعة سنوات، وهلّلوا وصفّقوا للرقم الذي حصلوا عليه لأن الرقم كان 237 ألف شخص في المخيمات منهم 174 ألفاً فقط فلسطينيون، هلّلوا لأنهم أرداوا أن يقولوا إنه لا يوجد تهويل في عدد الفلسطينيين، وأنا لا أرى أن هناك تهويلاً بعدد الفلسطينيين في لبنان لأنهم أقل مما تتوقّعون، ولكن فاتهم أمر بالغ الأهمية وهو أن معظم الفلسطينيين في لبنان حالياً لا يقيمون في المخيمات بل دخلوا في بنية المجتمع اللبناني ويقيمون في لبنان. المشكلة اليوم أننا إذا لم نتّفق على توحيد هذه المُصطلحات فكيف يمكن لنا أن نقدِّم خطة تنموية؟ كيف يمكن لنا أن نقدّم خطة اقتصادية؟ كيف يمكن لنا أن نختبئ وراء إصبعنا ونعتبر أن هناك مليون إنسان على الأقل غير موجودين في لبنان، لا يستهلكون الكهرباء، لا يسلكون الطرقات، لا تخرج عنهم نفايات، لا شيء، كيف يمكن القيام بهذا الموضوع؟ 

غسان الشامي: سأذهب وإياك إلى ديموغرافيا العراق والتحوّلات التي حصلت فيه.  

شوقي عطية: العراق قبل الاحتلال الإنكليزي كان مكوّناً أيضاً وهنا الاختلاف الذي نراه بين العراق ولبنان أولاً هو وجود الكرد، وجود الكرد منذ البداية كان عرضةً للاستغلال من كل الأطراف، فمع بداية الوجود الإنكليزي أراد الإنكليز استغلال مسألة الكرد كورقة مفاوضات في وجه الأتراك، وفي حينها أجروا إحصاءات بناءً على منهجٍ خاص بهم، لا أعرف ما هذا المنهج الذي لا يرتكز على العِلم بشيء، أبرز أن عدد الكرد بشكل عام هو حوالى 5 ملايين،وذلك لمفاوضة مصطفى كمال بشأن إقامة دولة كردية، وكان المقصود أصلاً بضمّ الموصل هو إقامة هذه الدولة الكردية على أراضيها. مصطفى كمال رفض الموضوع نهائياً وفي ما بعد أخلف البريطانيون بجميع وعودهم بالنسبة للكرد، هذه مسألة. المسألة الثانية أن سكان العراق كانوا في بداية الاحتلال الإنكليزي في الأصل شيعة وسنّة، الشيعة وكانت نسبتهم مرتفعة واجهوا صعوبة في الحصول على الجنسية العراقية لأنه فُرِضت عليهم أموراً معيّنة منها مثلاً إثبات أصولهم التركية وهم ليسوا من أصولٍ تركية، فبالتالي قسم كبير منهم حُرِم أولاً من الجنسية العراقية لفترة طويلة من الزمن، وثانياً بسبب حرمانهممن الجنسية العراقية تمّ حرمانهم من الوظائف العمومية، هذا بالنسبة للشيعة. أيضاً كانت هناك مكوّنات مسيحية من عدّة طوائف ويهود أيضاً، وكانت نسبة المسيحيين واليهود في العراق مُتقاربة جداً، اليهود في العراق اختفوا تدريجاً بعد 1948 ولم يعد لهم أي وجود، وفي تعداد 1967 لم يكن لهم أي وجود. بالإضافة إلى ذلك بدأ الوجود المسيحي في العراق بالتناقص، أذكر مثالاً على ذلك ما حصل مع الآشوريين في بداية الثلاثينات حيث دخلوا في أزمة طويلة مع العراق وتمّ طردهم إلى سوريا لأنهم رفضوا اعتبار المسؤول الروحي مسؤولاً روحياً ودينياً عنهم وأنهم شعب مستقل وإلى آخره فتمّ نفيهم وطردهم إلى الجزيرة السورية، هذا في مرحلة قبل الاستقلال. 

غسان الشامي: ولكن في مرحلة حُكم البعث للعراق؟

شوقي عطية: في مرحلة حُكم البعث المشكلة الأساسية كانت هي مع الكرد، وهذه المشكلة ليست فقط في العراق بل كانت أيضاً في سوريا. هناك مشكلة مع الكرد أنهم ليسوا عرباً فكيف يمكن لهم أن يقبلوا بتعريبهم بالقوّة، أرداوا اعتبارهم عراقيين كرداً والتعامل معهم على هذا الأساس، وبناءً على هذا الأمر دخلوا في صراع طويل مع السلطة العراقية ومع الدولة العراقية. هذا الصراع كان يسخن في كثير من الأحيان ويدخل في حربٍ فعلية ويذهب عدد كبير من الضحايا وخاصة مع صدَّام حسين حيث وقع في عهده عدد كبير من القتلى الكرد في المواجهات التي حصلت قبل الحرب الإيرانية، وفي ما بعد اتهامهم بأنهم يميلون إلى إيران ونفي حوالى 400 ألف شخص منهم إلى إيران. هذه الحركة لم تتوقّف هنا حيث تمّ نفي مئات الآلاف بين الثمانينات ومنتصف التسعينات إلى عدة دول وخاصة إيران، الكثير منهم عادوا في ما بعد إلى العراق ولكن كان مكانهم هناك عرب، والأمر نفسه حصل في سوريا في الجزيرة السورية حيث تمّ إحلال العرب مكان الكرد.    

غسان الشامي: وأيضاً جاء الكرد من تركيا وحلّوا مكان السريان والآشوريين، القامشلي مثلاً كانت بأغلبيّتها سريانية والآن بأغلبيّتها كردية. 

شوقي عطية: هناك مشكلة بين الكرد والأنظمة وهذه مشكلة قديمة ويجب أن يتمّ إيجاد حل لها لأنها مستمرة، هناك مَن سيبقى على خلاف مع الآخر إلى أن يتم إيجاد حل لهذا الموضوع. 

غسان الشامي: لا حلّ إلا بالمواطنة.

شوقي عطية: وهذا ما كنت أريد أن أقوله في الخاتمة، إذا كان كل شخص في هذا المشرق يريد أن ينظر إلى نفسه بأنه ماروني لبناني أو بأنه كردي عراقي أو بأنه علوي سوري سنبقى في نفس الدوّامة ولن نخرج منها. 

غسان الشامي: الديموغرافيا العراقية الحالية، الطائفية والمناطقية والهجرات. 

شوقي عطية: الديموغرافيا العراقية الحالية أصبحت تواجه مشكلات مثل لبنان وأصبحت من المُحرَّمات، لا نعرف الأرقام والنِسَب المئوية بالضبط، ولكن من المميزات التي حصلت في العراق منذ التسعينات إلى اليوم أذكر الوفيات الهائلة للأطفال بسبب الحصار، أذكر الانخفاض التدريجي للخصوبة ولكن الخصوبة لا تزال مرتفعة، قبل 2003 وحتى قبل 2010 كان هناك اتجاه جيّد إلى ارتفاع متوسّط عُمر الزواج عند المرأة حيث أصبحت تتزوج في سنٍّ متأخرة، حالياً هذا الأمر بدأ بالتراجع وعادت الفتاة العراقية إلى الزواج بعُمرٍ أقل وهو مؤّشّر على ثلاثة أمور: أولاً الخوف على الفتاة، ثانياً الوضع الاقتصادي السيّىء بحيث يريد الأب أن يتخلّص من هذا العبء، وثالثاً عودة العادات والتقاليد أو لنقُل القِيَم الدينية التقليدية التي تفضّل الزواج الباكر لأن هذه وظيفة الأنثى. حالياً في العراق المُكوّنات موجودة ولا توجد أرقام دقيقة، فمثلاً الشيعة هم الأكثرية بنسبة تترواح بين 50 و 55%، وتوجد نسبة للكرد وهم أيضاً من السنّة بين 15 و 20% وتترواح هذه النِسَب حسب مراكز الدراسات، النِسَب الباقية هي للسنّة العرب مع وجود حوالى 3% لإثنيات مختلفة مثل التركمان والشركس وإلى آخره.

غسان الشامي: سنختمها بفلسطين، ديموغرافيا فلسطين قبل النكبة وأثنائها.

شوقي عطية: قبل النكبة إذا قرأتَ الواقع الديموغرافي الفلسطيني فهو مُبكٍ لأنك تكتشف كيف ركّبوا لك هذه المسرحية على مدى عقودٍ من الزمن، بدأ النزوح اليهودي المُنظّم إلى فلسطين في 1869 تقريباً مع الحركة الصهيونية علماً أن هناك بعض الأفرع في الحركة الصهيونية لم تكن مُتمسّكة أصلاً بفلسطين كوطنٍ لليهود، ولكن أيضاً لأسباب موجودة عند البريطانيين كان هناك أحد الأسباب في وعد بلفور هو الرغبة في طرد اليهود من بريطانيا والتخلّص منهم. مع وعد بلفور ازدادت نسبة اليهود بشكل واضح، أصبحت نسبة اليهود بحدود 11% في العام 1920 في حين أنها كانت 8% قبل ذلك، إذاً كان النمو ملحوظاً وهذا النمو ليس لسبب طبيعي وإنما بسبب الهجرة. في العام 1932 أصبحت هذه النسبة 16%، في العام 1948 عشيّة النكبة بلغت هذه النسبة 33% أي أنها تضاعفت خلال 16 عاماً بسبب سياسات الاستيطان التي تقوم أولاً على الاستيطان في الأماكن الزراعية فأقاموا المزارع لأنهم كانوا يعلمون أن هذا المشروع طويل. المدن الفلسطينية بمعظمها لم يكن الوجود اليهودي فيها إلا بشكل بسيط باستثناء بعض المدن.

غسان الشامي: بدأ الوقت يضيق بنا.  

شوقي عطية: أقاموا تجمّعاتٍ كبيرة في القدس بلغت أكثر من 40% في تلك الفترة وفي تل أبيب التي أنشأوها وفي حيفا وطبريا، وضعوا قدمهم بشكلٍ واضح وصولاً إلى العام 1948 حين أقاموا الدولة وطردوا ما يقارب من1.3 مليون فلسطيني من منازلهم ذهب نصفهم إلى الضفة الشرقية والنصف الآخر إلى الضفة الغربية.

غسان الشامي: كيف تقرأ الديموغرافيا الفلسطينية الحالية بين الشتات وفلسطين وأنت مُصرّ على انتصار الديموغرافيا الفلسطينية؟ 

شوقي عطية: حالياً يوجد أكثر من 12 مليون فلسطيني في العالم، جزء من الفلسطينيين ما يزال في الأراضي المحتلة، في غزَّة، في الضفة، وفي أراضي 48، و66% منهم هم في الدول العربية خاصة الأردن وهناك 9% في العالم، فهذا الشتات موجود في العالم ككل لكن ما يهمّني من هذا الشتات هو الموجود داخل الأراضي المحتلة إن كان في أراضي 48 أو في الضفة أو في غزَّة. ما هو ملاحَظ وهو من أكثر الأمور التي عنت لي وأنا أحضِّر الكتاب هو ديموغرافيا المرأة الفلسطينية المقاتلة التي لا تقاتل بالحجر والمقلاع وإنما التي قاتلت برحمها، حيث ارتفعت الخصوبة في فلسطين وهذا أمر غريب لأنه في الحروب عادةً تنخفض الخصوبة، في فلسطين ارتفعت الخصوبة بشكل هائل، 9 أولاد تقريباً للمرأة الواحدة بين أعوام 1987 و1991 -1992 أثناء الانتفاضة الأولى، وهذا لا يُفسَّر إلا برغبة فعلية في زياة عدد السكان وهو ما حصل. في العام 2010 بناءً على معطيات وجدول وضعته في الكتاب باعتراف العدو الصهيوني أن عدد العرب في فلسطين أصبح يوازي أو أكثر بقليل من عدد اليهود وهذا ما أتحدَّث عنه. 

غسان الشامي: يمكن أن نسمّيها قنبلة الرَحم الفلسطيني الديموغرافية؟

شوقي عطية: بالتأكيد لأنهم يحاولون بجهدهم إبطال هذه القنبلة أو سحب فتيل هذه القنبلة ولم يتمكّنوا من ذلك مع أنهم شجّعوا الولادات خاصة عند اليهود الشرقيين وجرَّبوا إقامة جدار فصل، وغزَّة أكثر مكان محاصَر في البحر بحراً وجواً وبراً ومع ذلك أكبر معدّل نمّو سكاني في العالم هو في غزَّة. 

غسان الشامي: أنا أريد أن أشكرك كالعادة وأقول إن هذا كتابٌ مفتاحي ويمكن أن يكون منطلقاً لدراساتٍ أخرى. يفتتح الدكتور عطية كتابه باقتناعه ألا خلاص لهذا المشرق إلا في معرفة أبنائه أن انتماءهم هو لأرضهم وليس لأقليات وُلِدوا فيها، وهذا اتّكاءٌ جمعيٌ أشعرنا بمفتاحيّة وجديّة الكتاب. شكري للدكتور شوقي عطية على كتابه أولاً وحضوره في أجراس المشرق، شكري دائماً لزملائي في البرنامج والميادين، فائق الشكر لكم على ما تقدّمونه، أيامكم معرفة، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.