أهلاً بكم في عالم ترامب  

عام على تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة. عام كسر فيه المرشح الجمهوري الذي لم يكن يتوقع الفوز كل القواعد التي حكمت السياسة الأميركية لا سيما الخارجية. حاول ترامب فرض أجندته وعمل على هذا الأساس، نجح أحياناً واصطدم أحياناً كثيرة بالدولة العميقة التي عملت على ضبط خطابه.

في العشرين من كانون الثاني/ يناير 2017، وأمام مبنى الكابيتول حيث سار 44 رئيساً للولايات المتحدة كان المرشح الجمهوري الشعبوي دونالد ترامب يخطو خطواته الأولى نحو البيت الأبيض فيما وقف العالم كلّه يتفرج متفاجئاً بنتيجة لم تستشرفها استطلاعات الرأي ولا توقعها هو نفسه. في كتابه "نار وغضب" ينقل مايكل وولف عن مقربين من ترامب كيف أن الأخير كان يحرص على طمأنة زوجته ميلانيا بأن كل شيء سينتهي مساء التاسع من تشرين الثاني/ نوفمبر. لكن ما حصل هو أن كل شيء بدأ في ذلك المساء. أهلاً بكم في عالم ترامب حيث قواعد اللعب ستكون مختلفة هذه المرة.  
لا يشبه ترامب أيّاً من الرؤساء الذين تعاقبوا على البيت الأبيض. حتى محاولات تشبيهه في البداية بريتشارد نيكسون استناداً لنظرية "الرجل المجنون" جافت الواقع. إذ إن نيكسون كان يمتلك خبرة سياسية طويلة، خدم في الجيش الأميركي، كان له موقعه داخل الحزب الجمهوري وشغل منصب نائب الرئيس الأميركي لثماني سنوات. والأهم أنه كان لديه وزير خارجية من طراز هنري كيسنجر. ترامب لا يملك أيّاً من هذا. 
لدى وصوله إلى البيت الأبيض كان محاطاً بمجموعة الأشخاص الذين ساهموا في إدارة حملته الانتخابية بشكل مباشر. معظم هذا الفريق لم يكن يمتلك الخبرة التي تؤهله لإدارة دولة. كانت الأشهر الأولى حافلة بالتناقضات والتخبط والتنافس كما كان الحال على سبيل المثال بين ستيف بانون ورينس بريبوس قبل أن تتم الإطاحة بكلاهما وقبل أن ينفرط عقد هذا الفريق الذي يواجه أفراده اليوم تحقيقات بشأن علاقاتهم بروسيا وتدخل الأخيرة في الانتخابات الرئاسية.
رحيل هذا الفريق عن البيت الأبيض لم يغيّر الأجندة التي يرغب ترامب بإنجازها لكن ما يعبّر عنه بالدولة العميقة التي تضم المجتمع العسكري الصناعي وأجهزة الاستخبارات ومجلس الأمن القومي تمكنت من ترويض نزعاته، وفق قراءة أمين عام المؤتمر القومي العربي د.زياد الحافظ. وليس أدل على ذلك من تغريدات الليل التي كان سرعان ما يمحوها النهار.
لا يختلف الحافظ مع الذين يصفون تصرفات ترامب بـ"الطفولية" لكن ذلك كما يقول لا يعني أن كل قراراته عشوائية ومتخبطة بل إنّ هناك أجندة يحاول تنفيذها وثمة من يجهز هذه الأجندات. الثلاثي المؤلف من جاريد كوشنر وجايسون غرينبلات ومايكل فريدمان والذي يمثل اللوبي الصهيوني في البيت الأبيض يلعب دوراً كبيراً في هذا المجال. "هؤلاء تمكنوا من جلب ترامب إلى مواقف قد لا تكون منسجمة مع توجهات الدولة العميقة". لكن في المقابل ثمة ثلاثي آخر يمثل ما يمكن اعتباره الصوت العاقل داخل إدارة ترامب. الجنرالات الثلاث هيربرت ماكمستر وجيمس ماتيس وجون كيلي تمكنوا من ضبط إيقاع البيت الأبيض لكن حتى وجود هؤلاء رأى فيه المراقبون دليلاً أكبر على تآكل النظام الأميركي في ظل الإدارة الحالية حيث يعرب المحافظون والليبراليون على حدّ سواء عن إعجابهم بأن هؤلاء الجنرالات يديرون الأمور.  
في الملف الخارجي يقول الحافظ لم ينجح ترامب في فرض القطيعة الكاملة مع سياسة أسلافه حيث لم يختلف المشهد كثيراً عما كان عليه في إدارة أوباما أو جورج بوش الابن. الأمر ليس مرتبطاً كما يقول بترامب نفسه بل بمأزق التناقض الذي تعيشه الولايات المتحدة بين الرغبات العالية والقدرات الموضوعية لتنفيذ هذه الرغبات.
مأزق لن ينتهي بانتهاء العام الأول من ولاية ترامب المتأرجحة على وقع الملفات التي يثيرها الإعلام الأميركي ضدّ الواحد تلو الآخر. يتوقع الحافظ أن يكون عام ترامب الثاني في البيت الأبيض شبيهاً بالعام الأول باستثناء حصول تطورات على الأرض.
مرّ عام على رئاسة ترامب لم يكد يمر يوم منها من دون أن تتسبب بضرر ما وفق "واشنطن بوست". ضرر لم يطل الحزب الجمهوري أو التيار المحافظ فقط بل النظام الدستوري للحكم. تقول الصحيفة الأميركية لمناسبة مرور عام على تنصيب ترامب إن الأخير كسر القواعد غير المكتوبة التي قامت عليها البنية التحتية السياسية والقانونية في الولايات المتحدة أما في السياسة الخارجية فقد تسبب بتراجع مكانة البلاد وتعريض أمنها للخطر.
يقال إن الرئيس الأميركي يستطيع أن ينجز ما يريد خلال العامين الأولين من ولايته لأنه في النصف الثاني تدخل اعتبارات استحقاق الولاية الثانية. مرّ عام وبقي عام إذاً. أمّا الخلاصة التي لا لبس فيها هي أنه مع ترامب يمكن توقع أي شيء وكل شيء. 
الميادين نت تخصص مساحة للإضاءة على ما طبع عام ترامب الأول في البيت الأبيض من مواقف وقرارات كان يفرض في كل منها شخصيته المثيرة للجدل.  
"عام على ترامب" استعراض للأداء وقراءة من قبل باحثين ومتخصصين في الشأن الأميركي، تقييم للأضرار لا سيما ما هو مرتبط بمنطقة الشرق الأوسط، واستشراف للمستقبل ضمن تقارير تنشر على مدى أسبوع تتناول السياسة الأميركية الخارجية بملفاتها المختلفة والعلاقة بين ترامب والإعلام الأميركي والتحليل النفسي لهذه الشخصية التي أطلق بحقها الكثير من الأوصاف ليس أقلها وصف ترامب بـ"المتهور والأحمق".     

إقرأ أيضاً

غسان كنفاني.. كلمة السر في أدب المقاومة