رسالة فلسطينية إلى العالم: إليكم نصائحنا حول العزل المنزلي

كونوا مرحين، ولا تأخذوا الحياة على محمل الجد.. ما هي النصائح التي جاءت في الرسالة أيضاً؟

  • رسالة فلسطينية إلى العالم: إليكم نصائحنا حول العزل المنزلي
    صورة الكاتب في مخيم اللاجئين في غزة 

في هذا النص يُقدّم رمزي بارود، الصحافي الفلسطيني ورئيس تحرير "فلسطين كرونيكل"، مجموعة من "النصائح" لشعوب العالم وقد أجبرت على الدخول في الحَجْر الصحي والعَزْل المنزلي بسبب فيروس "كورونا". "نصائح" تستند إلى تجربة الكاتب الشخصية المريرة مع "حَظْر التجوّل" و"العَزْل المنزلي" الإجباري. نص يعكس تاريخ الفلسطينيين الطويل وحياتهم اليومية في ظل الاحتلال. إليكم ما كتبه! 

"سمّوه "حجر صحي" أو "إغلاق" أو "حَظْر تجوّل"، لكننا نحن الفلسطينيون جرّبنا كل ما ذُكر، ولم نفعل ذلك بشكلٍ طوعي على الإطلاق.

فأنا عشت السنوات الثلاث والعشرين الأولى من حياتي في "عَزْل" افتراضي. والدي جرّب هذا الحَجْر أو "العَزْل الإلزامي" من قبلي بوقتٍ طويل، وكذلك جدّي من قبله. ماتا ودُفنا في مقابر غزَّة، من دون أن يختبرا الحرية الحقيقية خارج مخيم اللاجئين في القطاع.

اليوم، للحَجْر الصحي إسم مختلف في غزّة. نحن نسمّيه حصاراً.

في الواقع، كانت كل فلسطين في ظل حالٍ من "حَظْر التجوّل" منذ أواخر الأربعينيات عندما أصبحت "إسرائيل" دولة، وتم محو الوطن الفلسطيني من قِبَل المُستعمرين الصهاينة بدعمٍ من "المُحسنين" الغربيين.

وقد تكثّف هذا الوضع في العام 1967 عندما احتلّت "إسرائيل"، الأجزاء المُتبقية من فلسطين.

في ظل هذا "الإغلاق"، تم تقييد حرية حركة الفلسطينيين إلى الحد الذي يحتاجون معه إلى الحصول على تصاريح من الجيش "الإسرائيلي" لمُغادرة الأراضي المحتلة، أو العودة إلى ديارهم، أو الانتقال من بلدةٍ إلى أخرى، وفي بعض الأحيان حتى لعبور نقطة تفتيش عسكرية واحدة أو جدار مُحصَّن.

في فلسطين، نحن لا نُسمّي سجننا "حجراً". إنه "احتلال عسكري" و"فصل عنصري".

أما بالنسبة إلى "حَظْر التجوّل" ففي فلسطين نُطلِق عليه إسماً مختلفاً. نحن نُسمّيه "حَظْر التجوّل العسكري".

فمنذ طفولتي تعلّمت الإصغاء باهتمامٍ لما كان يصدر عن ضباط جيش الاحتلال أثناء اجتياحهم لمخيم اللاجئين في غزَّة، مُعلنين حَظْر التجوّل. غالباً ما كانت تجري هذه الطقوس في وقتٍ متأخّرٍ من الليل.

"يا شعب النصيرات، بناء على أوامر الجيش الإسرائيلي، أنتم الآن تحت حَظْر التجوّل. كل مَن يخالف الأوامر سيُطلَق عليه الرصاص فوراً"، هذه الكلمات المُرعبة كانت تصلنا دائماً عبر مُكبّرات الصوت، وبلغةٍ عربيةٍ مُكسَّرة، خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى.

خلال السنوات الممتدة من 1987 إلى 1993 كنا في ظل "حَظْر تجوّل" شبه دائم، حيث استشهد آلاف الفلسطينيين، معظمهم من الأطفال، لعدم احترام قواعد هذا السجن الجماعي.

في غزَّة، ولو لم يكن هناك حَظْر تجوّل عسكري كامل، نادراً ما كنا نغادر أحياءنا الصغيرة والمُزدحمة، وكذلك مخيماتنا. كنا نشعر بالخوف من أننا قد لا نتمكَّن من العودة إلى بيوتنا بحلول الساعة الثامنة مساءً، وهو الوقت الذي حدَّده لنا جيش الاحتلال للعودة إلى ديارنا.

يومياً، بعد عشر أو خمس عشرة دقيقة من دخول حَظْر التجوّل الليلي، كنا نسمع أزيز الرصاص في الهواء من مسافاتٍ مختلفة. تلقائياً، كنا نخلص إلى أن بعض أصحاب الحظ العاثر - عامِلة أو معلّم أو مُراهق - أضاع فرصته بتأخّره عن موعد حَظْر التجوّل ببضعة دقائق ودفع الثمن.

الآن وبما أن ما يقرب من نصف سكان العالم يواجهون شكلاً من أشكال "حَظْر التجوّل"، أودّ أن أشاركهم بعض الاقتراحات حول كيفيّة البقاء على قَيْد الحياة لفترةٍ طويلة، ووفقاً للطريقة الفلسطينية.

فكّروا في المستقبل 

بما أننا كنا نعلم أنه سيكون هناك إما إغلاق كامل أو حَظْر تجوّل عسكري، كنا نحاول أن نتوقّع حجم ومدّة ما سيحصل ونتحضّر له.

على سبيل المِثال، عندما كان الاحتلال يقتل فلسطينياً أو أكثر، كنا نعلم مُسبقاً أن هذا الاعتداء ستتبعه احتجاجات جماهيرية وتالياً المزيد من عمليات القتل. في هذه الحالات، كنا نعرف أن حَظْر التجوّل سيكون وشيكاً.

هكذا، كان على رأس أولوياتنا التأكّد من أن جميع أفراد الأسرة موجودون في البيت، أو في أماكن قريبة تسمح لهم بالعودة السريعة، وتحديداً، عندما تكون الآليات العسكرية الإسرائيلية قد بدأت بفتح النار على أيّ شخصٍ أو أيّ شيء في مرمى البصر.

الدرس الأول: تحضّر مسبقاً لفترة حَجْر أطول من المدة التي تُعلنها السلطات

ابقوا هادئين

رغم أن والدي صاحب مزاج سيّىء لكنه كان طيّب القلب للغاية. حين يعلم بحَظْر تجوّل وشيك كان يدخل في حال من الذُعر. هذا الرجل الذي يُدخّن بشراهة، كان يخاف علينا إلى حد الهَوَس، لكن في النهاية يبقى خوفه منطقياً، فهو يخشى فُقدان أحد أولاده الخمسة. في تلك الأثناء كان يتجوّل مُسرعاً في كل أرجاء المنزل، وهو يعلم ألا فائدة من ذلك، ولا يعرف ماذا يفعل.

كعادتها، كانت أمّي هي الشخص العملي والمنطقي في الأسرة. تدخل إلى المطبخ وتتفقّد ما ينقصنا من مواد غذائية أساسية بدءاً بالطحين وصولاً إلى السكر وزيت الزيتون. ولعِلمها بأن القمع الإسرائيلي سيترتّب عليه انقطاعاً في الكهرباء ونقصاً في المياه، كانت تعمد إلى ملء الغالونات البلاستيكية بالماء، فتخصّص بعضها لإعداد الشاي والقهوة والطهي، والبعض الآخر لتنظيف الأطباق والملابس.

بناء على أوامرها، كنا نُسارع إلى المتاجر القريبة لابتياع الضروري - بطاريات للمصباح اليدوي والراديو وسجائر لوالدي، وبعض أشرطة الفيديو VHS التي سنشاهدها مراراً وتكراراً، سواء استمر حَظْر التجوّل أياماً أو أسابيع.

الدرس الثاني: حاولوا السيطرة على الموقف - لا داعي للذُعر – حدِّدوا مسؤولية كل فرد من أفراد الأسرة. فهذا يُعزِّز وحدتها ويمهّد الطريق للتضامن الجماعي المطلوب في هكذا ظروف

حافظوا على مخزونكم من المياه 

لا أستطيع أن أؤكّد على هذه النقطة بأكثر مما يلي. حتى لو كنت تعتقد أن أزمة المياه ليست وشيكة، فلا تغامر.

من السهل أن تشعر بأنك مُحتاط تماماً ومُستعد بالكامل في بداية "الحَجْر الصحي" - أو حَظْر التجّول العسكري. لكن في كثيرٍ من الأحيان، كان يتملّكنا النَدَم من شعورنا الزائِف بأننا كنا مُستعدين له بالفعل، فكنا نشرب الكثير من الشاي ونهدر ما لدينا من مياه بسرعةٍ كبيرة.

في هذه الحال، ستكون أمام مشكلة خطيرة، خاصة خلال أشهر الصيف، أي في الوقت الذي لا يمكنك فيه الاعتماد على مياه الأمطار لتعويض العجز.

بعد سنوات من انتهاء الانتفاضة، اعترف لنا والدي بأنه كثيراً ما استخدم وأمّي مياه الأمطار التي كانت تتسرّب من الأسطح ليأمّنوا لنا مياه الشفة. فكانوا يجمعونها في دلاء ينشرونها في جميع أنحاء المنزل، ولم يستطيعوا تسخينها (لتنقيتها من الجراثيم) لعدم توافر الكهرباء والغاز. 

ولعلّ هذا ما يُفسّر أسباب نوبات الإسهال التي كنا نعاني منها، رغم إصرار والدينا أنهما كان يتكبّدان مشقّة كبيرة وهما يُزيلان جميع فضلات الطيور من المياه التي تم جمعها.

الدرس الثالث: استخدموا المياه بحكمة أثناء الحَجْر الصحي، ولا تشربوا مياه الأمطار أبداً وتحت أيّ ظرف، أو أقلّه احتفظوا بحبوب مُضادّة للإسهال

اقتصدوا في طعامكم

المنطق الذي ينطبق على الماء يسري نفسه على الطعام. غني عن القول إن أيّ طعام تبتاعه يجب أن يغطّي حاجاتك الأساسية أولاً. على سبيل المثال، يأتي الطحين الذي كنا نستخدمه في صنع الخبز في المرتبة الأولى قبل الموز، ثم السكر الذي استخدمناه بكثرة في إعداد الشاي، والذي يأتي بدوره في مرتبة مُتقدّمة على الحلوى.

لقد ارتكبت هذا الخطأ مراراً، ليس بسبب حبّي للحلوى الهولندية المُستورَدة التي ابتعناها من متجرٍ وسط المخيم. لكن الحقيقة هي أنني وإخوتي كنا نلعب لعبة مقامرة خطيرة على حلوى البوكر ترفّه عنا لساعات. كنت أخشى فقدان مخزوني الثمين من الحلوى قبل انتهاء حَظْر التجوّل، وهكذا كنت أخضع نفسي للإذلال المُحتَمل المُتمثّل في إضطراري إلى بيع كل شيء آخر امتلكه - بما في ذلك الراديو الصغير – لقاء البقاء في اللعبة.

والدتي المسكينة أبدت امتعاضعها غير مرة من خياراتنا المروّعة بابتياع الحلوى بدلاً من شراء الأساسيات.

الدرس الرابع: اتفقوا مُسبقاً على ما يُصنّف على أنه "طعام أساسي"، واستهلكوا طعامكم بحكمة. وكذلك، إذا كنتم محظوظين بما يكفي لتحديد مكان الحلوى الهولندية في أي فرع من متاجر أبو سعداد في مدينتكم، فلا تقامروا بذلك كله في يوم واحد

 

إبحثوا عن مصادر الترفيه

إذا كان التيار الكهرباء متاحاً، فإنه لا يزال لديكم خيار مشاهدة التلفزيون. بالنسبة إلينا، كانت الأفلام الهندية، وخاصة تلك التي من بطولة أميتاب باتشان، خيارنا الأول. تخيّلوا خيبة أملي عندما تمّ تصوير نجمنا المحبوب، الذي ساعدنا على تخطّي الكثير من سنوات حَظْر التجوّل العسكري في غزَّة، وهو يبتسم مع رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو خلال زيارة الأخير إلى الهند في العام 2018.

أما إذا انقطع التيار الكهربائي، فعليكم أن تكونوا جاهزين لخيارات بديلة: الكتب، المصارعة الحرّة، كرة القدم في غرفة المعيشة (يفضّل أن تكون الكرة من الجوارب المحشوة التي يسهم جميع أفراد العائلة في صناعتها)، وبالطبع حلوى البوكر.

الدرس الخامس: المفتاح هو الحصول على أكثر من شكل من أشكال الترفيه والاستعداد لكل احتمال، بما في ذلك انقطاع التيار الكهربائي كشكلٍ من أشكال العِقاب الجماعي

الفُكاهة في الأوقات الكئيبة

لا تُركّزوا على السلبيات، فلا ضرورة لها وليس هناك حكمة خلف هذا الموضوع. الإصرار على سوء الحال التي أنتم فيها يفاقم الشعور بالهزيمة والعجز الناتج من "الحَجْر". سيكون أمامكم مُتّسع كبير من الوقت لتتذكّروا فيه الماضي، وتتأمّلوه، وتتحسّروا عليه.

وعليه فإن فترة حَظْر التجوّل هي أكثر الأوقات التي تكونوا فيها بحاجة إلى روح الفُكاهة. تعاطوا مع الواقع بسلاسة – واسخروا من وضعكم البائس، إذا لزم الأمر. 

سامحوا أنفسكم لعدم قُدرتكم على أن تكونوا مثاليين في الأوقات الصعبة، أو عندما يتملّككم الذعر حين يتوجّب عليكم أن تكون مُتماسكين، أو عند إجباركم لأشقائكم الأصغر سناً على المقامرة بملابسهم الداخلية عندما تنفد حصّتهم من الحلوى الهولندية.

ذلك أن المواقف الصعبة تقدّم لكم نوعين من السيناريوهات: المأساوي للغاية أو المُضحِك للغاية. فاختاروا أن تكون فَكِهين وسعداء. طالما أنكم تضحكون فهذا يعني أن أرواحكم لم تنكسر، وأن إنسانيّتكم ستبقى سليمة.

الدرس السادس: كونوا مرحين، ولا تأخذوا الحياة على محمل الجد. شاركوا مرحكم مع الآخرين، ودعوا الدعابة تضفي الأمل في كل ساعة وكل يوم خلال حَجْركم الصحي.

تمسّكوا بإيمانكم

سواء كنتم مسلمين أو مسيحيين أو يهوداً أو من أيّ دين آخر، سواء كنتم ملحدين أو لا أدريين، أو تمارسون أي شكل من أشكال الروحانية أو الفلسفة أو الاعتقاد، ابحثوا عن الراحة في إيمانكم ومعتقداتكم. 

فمنذ أغلقت جميع المساجد في مخيمنا، هذا إن لم تتعرّض للغارات خلال حَظْر التجوّل العسكري، فإن الأذان الذي كنا نسمعه خمس مرات في اليوم تم إسكاته بشكل دائم.

وبغية الحفاظ على استمرار الدعوة للصلاة، كنا نتسلّل إلى أسطح منازلنا، ونتفحّص المنطقة بعناية بحثاً عن أيّ جنود "إسرائيليين"، ونشرع بإقامة الأذان بشكل جماعي عندما يلزم الأمر. كان من بين المتطوّعين أستاذي للغة الإنكليزية، الذي كان شيوعياً ويدّعي أنه لا يؤمن بالله، وأنا، ونبيل، إبن جيراننا صاحب الرأس الكبير والصوت المزعج.

خلال حَظْر التجوّل، طوّرنا علاقة مختلفة مع الله: لقد أصبح أشبه برفيق شخصي وأكثر قُرباً لكل فرد منا، عندما كنا نصلّي غالباً في جوٍ من الظلام الدامِس، ونهمس الآيات بحذر شديد بحيث لا يسمعها الجنود. حتى أولئك الذين بالكاد كانوا يصلّون قبل حَظْر التجوّل، صاروا يؤدّون الصلوات الخمس خلال تلك الفترة.

الدرس السابع: دع قِيَمك ترشدك خلال ساعات وحدتك. وإذا تطوّعت لإقامة الأذان (أو تلاوة ترانيمك الدينية) فيُرجى أن تكون صادقاً مع نفسك: إذا لم يكن لديك إحساس بالإيقاع أو إذا كان صوتك ناشزاً كقطةٍ غاضبة، فبالله عليك أترك هذه المهمة لشخص آخر.

ختاماً

آمل ألا تسمعوا هذه الكلمات المشؤومة تحت أيّ ظرف: "أنت الآن تحت حَظْر التجوّل. كل مَن يخالف الأوامر سيُطلّق عليه الرصاص فوراً". آمل أيضاً أن يجعلنا الحَجْر الصحي بسبب "كوفيد 19" أكثر لطفًا مع بعضنا بعضاً، وأن يُخرجنا من بيوتنا أناساً أفضل مستعدين لمواجهة التحديات العالمية، متضامنين في إيمان وحزن جماعي مشترك وشعور مُتجدّد بحب البيئة.

وعندما ينتهي كل شيء، فكّروا في فلسطين، لأن شعبها "محجور" منذ 71 عاماً وهو ما زال يعدّ السنوات.

ترجمة الميادين الثقافية