"كورونا" يبدّل تقاليد العراقيين مع التلامس الجسدي

الرجال يمتنعون عن لثم خدود بعضهم البعض والنساء توقّفن عن التعانُق.

  • "كورونا" يبدّل تقاليد العراقيين مع التلامس الجسدي
    عرس عراقي 

أسفر انتشار فيروس "كورونا" عن تبدّل في عادات وتقاليد العراقيين، وأهمّها التلامُس الجسدي، الذي يُعبّرون به عن مودّتهم الشخصية تجاه بعضهم البعض، كما أسفر عن منع التجمّعات الاجتماعية سواء للمشاركة بالأفراح أو حتى بالتعازي.

فالتحيّة بين العراقيين تتضمّن ثلاث قبلات تُطبَع على الخدّين كتعبيرٍ عن المودّة أو الشوق، لكن في ظلّ الوباء، لم تعد هذه الممارسة مقبولة.

يعيش العديد من العراقيين الآن التباعُد الاجتماعي حتى مع أعزّ الناس إليهم، وذلك خوفاً من انتقال الفيروس. حيث يمتنع الرجال عن لثم خدود بعضهم البعض، وكذلك النساء اللاتي توقّفن عن التعانُق، كأن ما يجري، يُنهي تقاليد اجتماعية خالِدة، ولو مؤقتاً.

في 13 آذار/مارس فرضت السلطات العراقية إجراءات صارِمة بسبب ارتفاع حالات الإصابة بفيروس "كورونا"، حيث حظّرت التجمّعات والزيارات الدينية وخدمات الدفن وحفلات الزفاف. لكن بعض العراقيين لا يلتزمون بهذه الإجراءات.

مدير إدارة وزارة الصحة في منطقة الكرخ في بغداد، جاسب لطيف، أفاد بأن شخصاً مُصاباً بالفيروس التاجي نظَّم مأدبة لحوالى 80 شخصاً احتفالاً بعودته من إيران.

يشكّ لطيف في أن السلطات تستطيع تعقّب جميع مَن حضر تلك المأدبة وكانوا على اتصالٍ وثيقٍ مع الشخص المُصاب، حاثّاً العراقيين على عزل أنفسهم بعد عودتهم من السفر.

حتى نهاية شباط/فبراير سمحت السلطات العراقية بتشييع الجنازات وإقامة حفلات الزفاف. غير أن بعض القبائل قرَّرت مَنْع التقبيل والمُصافحة، وأمرت أولئك الذين يحضرون الاحتفالات بالحفاظ على مسافة آمِنة بين بعضهم البعض.

في الثقافة العراقية، ولا سيما في المحافظات الوسطى والجنوبية، تنصب أُسَر المتوفين خياماً لاستقبال المُعزّين.

خلال هذه المناسبة، عادة ما يتمّ تقديم القهوة العربية ووجبتي طعام. والعشرات ممَّن يشاركون في التشييع عادة ما يشربون القهوة من الكوب نفسها من دون غسلها. لكن القبائل التي تتمتَّّع بنفوذٍ اجتماعي واسع، حظّرت هذا التقليد، ولجأت إلى خيارٍ بديلٍ هو استخدام أكواب بلاستيكية يمكن التخلّص منها، وهناك قبائل امتنعت كلياً عن تقديم القهوة.

في هذه الأثناء، يرى بعض العراقيين أنه من العار عدم إقامة مراسم تشييع لأحبائهم المُتوفّين. يقول حمزة يحيى، الذي توفّى جدّه في بغداد في نهاية مارس/آذار: "هذا مُهين للمُتوفّى وعائلته".

ولم تسمح السلطات الأمنية في منطقة الشعلة في حيّ الكرخ في بغداد لعائلة يحيى بنصب خيمة تعزية في ناصية الشارع. هكذا استقبلت أسرة المُتوفّى المُشيّعين في منزلها، حيث وُضعِت كراس مُتباعِدة وتمّ تنظيف وتعقيم الأبواب وقدّمت للمعزّين عبوات مياه فقط.

ويصف يحيى ما جرى قائلاً: "كان الوضع مُحزناً. جدّي كان معروفا جداً، ولكن لم يحضر الكثير من الناس جنازته بسبب حَظْر التجوّل. حضر الجيران فحسب. لكن صحة الناس أكثر أهمية. لا نريد أن تتحوَّل جنازة جدّي إلى بؤرة للوباء. لم نقدّم للمُشيّعين سوى الماء وحاولنا تعقيم كل شيء".

لدفن الموتى في العراق طقوس مُقدَّسة. أمثال عراقية عديدة تؤكّد على قدّسية دفن الموتى. وكثيراً ما يُكرّر العراقيون المثل العربي الذي يؤكّد أنه لا ينبغي ترك أيّ شخص مُتوفّى من دون دفن (إكرام الميت دفنه). لكن يبدو أن انتشار الفيروس التاجي يضع حداً لهذه الطقوس الراسخة.

وتجد عائلات الأشخاص المُتوفّين بفيروس "كورونا" نفسها حائِرة ولا تعرف تتصرّف مع جثامين أحبائها. فعمّال المقبرة يرفضون استقبال هذه الجثامين خشية الإصابة بالفيروس. أضف إلى ذلك، أن سكان المنازل المجاورة للمقابر يرفضون دفن أيّ شخص توفّى بكورونا.

هذه الأزمة دفعت وزارة الصحة والمرجع الديني آية الله السيّد علي السيستاني إلى التدخّل للسماح لعائلات المُتوفّين بتوفير مقابر وطُرُق جديدة لدفن موتاها.

كما هي الحال مع الجنازات، يحضر حفلات الزفاف في العراق عدد كبير من المُهنئين. وتقام هذه الحفلات بشكلٍ رئيسي في الشوارع وفي قاعات الأفراح، التي تصاحبها فرق تعزف موسيقى شعبية إيقاعية عالية، لكن منذ نهاية شباط/فبراير، نادراً ما عدنا نسمع هذه الموسيقى.

عمار الكعبي، الذي يعيش في الطالبية، شرق بغداد، حدّد 10 نيسان/أبريل تاريخاً للاحتفال بزفافه. لكنه أخبر جميع أصدقائه ومعارفه الذين دعاهم في وقت سابق، أنه الغى زفافه حتى إشعار آخر.

وقال الكعبي "لكم تمنيت أن تكون الظروف أفضل لأتمكّن من إقامة حفل زفافي، لكن خطر الإصابة بالفيروس أصبح جدياً جداً. لا أريد أن أقيم زفافاً في جو من الخوف".

منذ 22 آذار/مارس، شدّدت قوات الأمن حَظْر التجوّل المفروض على السكان وفرضت عقوبات على مَن خالفوه، وأحياناً كانت تصادر السيارات أو الدراجات النارية.

لكن في حالات معينة، ساعدت هذه القوات نفسها زوجين من محافظة الديوانية أرادا الزواج رغم الظروف السائدة. حيث سمحت لهما بقيادة سيارتهما المُزيّنة في الشوارع، وصولاً إلى الفندق حيث قضيا ليلة زفافهما.

رفض الكعبي عقد زفافه في ظل هذه الظروف، وقال: "أريد أن يحضر الجميع"، وأضاف، "سيكون زفافي بعد كورونا حفلاً كبيراً، لأنني سأحتفل بزفافي وبخلاصنا من فيروس "كورونا" في الوقت نفسه. سأقبّل الجميع".

أما في جنوب العراق، فقد علّق العديد من شيوخ القبائل وزعمائهم اجتماعاتهم ومجالسهم، ووضع الآخرون الذين عقدوا مجالسهم إجراءات للحد من انتشار الفيروس والإصابة به، بما فيها إلزام الزوّار بوضع الأقنعة ومنعهم من المُصافحة والتقبيل. كما منعوا أيّ شخص يشعر بالمرض من حضور الاجتماعات أو الاتصال بأعضاء القبيلة الآخرين.

وبينما بدّل الوباء الكثير من التقاليد والطقوس العراقية، لا يزال العراقيون على استعداد لاستئناف هذه التقاليد فوراً، بمجرَّد هزيمة الفيروس التاجي، وذلك في البلد الذي سجّل حتى تاريخ  13 نيسان/أبريل 76 حالة وفاة و 1352 حالة مصابة بكوفيد 19. 

ترجمة الميادين الثقافية