إعلانات في "زمن كورونا".. أفكار طريفة ولفتات "إنسانية" وجَدَل؟

يُرخي فيروس "كورونا" بظلاله على كل تفاصيل حياتنا، لكن يبدو أن حضوره في عالم الإعلانات يأتي في شكل مختلف. فكيف تعاطى المعلنون معه؟

  • إعلانات في "زمن كورونا".. أفكار طريفة ولفتات "إنسانية" وجَدَل؟
    إعلانات في "زمن كورونا".. أفكار طريفة ولفتات "إنسانية" وجَدَل؟

في حين يُرخي فيروس "كورونا" المُستجد بظلاله على كل نواحي وتفاصيل حياتنا، يبدو أن حضوره في عالم الإعلانات يأتي في سياقٍ مختلفٍ تقريباً عمّا نعرفه ونشاهده يومياً. وبينما تسعى بعض الشركات العالمية إلى الاستفادة من حضور الوباء على مُحرِّك البحث غوغل، فإن المطاعم والشركات الصغيرة تسير على الخُطى نفسها. 

هكذا يظهر بشكلٍ مُلفتٍ للنظر وطريفٍ اعتماد بعض المُعلنين على صِيَغٍ مُبْتَكَرة من حيث الأفكار، إذ استغلّوا طُغيان الحديث عن "كورونا" حتى يحوّلوا إعلانهم إلى مادةٍ للسُخرية من مُنتجاتهم ذاتها، فيما عَمَد آخرون إلى الترويج لمُنتجاتٍ تخصّ شركاتٍ مُنافسة إلى جانب مُنتجات شركاتهم في نفس الإعلان!

مطعم "حاحا".. يبيع الكوميديا ومعها شطائر الكبدة 

  • إعلانات في "زمن كورونا".. أفكار طريفة ولفتات "إنسانية" وجَدَل؟
    إعلانات في "زمن كورونا".. أفكار طريفة ولفتات "إنسانية" وجَدَل؟

"لو النهارده والأيام الجاية طلبتم الأكل دليفري وحسيّتم إن طعم السندوتشات مُتغيّر.. ما تقلقوش، ده نتيجة إننا بقينا بنغسل إيدينا". هذه الصيغة لإعلان مطعم "حاحا" للكبدة في مدينة أسيوط المصرية، أحدثت في الأيام الأولى لانتشار كورونا في البلاد، ردّ فعل كبير على مواقع التواصُل الاجتماعي، فباتت صفحة المطعم على فيسبوك مثلاً محلَ مُتابعة أكبر مما كانت عليه. 

واكتشف المُتابعون لصفحة المطعم أن السُخرية التي يضجّ بها الإعلان ليست مُصادَفة، بل هي سياسته في التسويق لنفسه. إذ تبيَّن أن هذه هي حال معظم منشوراته، والتي تحثّ على الابتسامة بطبيعة الحال، كالمنشور الذي يُشير إلى رَفْعِ مستوى قائمة الطعام (المنيو). لكن الناظِر إلى الصورة سيقع على قائمة الطعام وقد رُفِعَت لتصبح قريبة من سقف المطعم، وليس كما يفهم للوهلة الأولى وهو رَفْع جودة الطعام. 

لم تتوقّف السُخرية عند هذه الحدود، حيث وصلت إلى درجة التمليح بأن المطعم ربما يُقدِّم لحوم كلاب وقطط عبر العديد من الكوميكسات.  

تُسيطر الكوميديا على صفحة المطعم الذي يتّضح من خلال الردود على المُتابعين أنه مملوك لشابٍ مصري بسيط، وأنه هو نفسه مَن يقوم بكتابة مُحتوى الإعلانات والمنشورات والردّ على التعليقات. إذ يمكنك أن تقرأ مثلاً "بوست" لأحد زبائن المطعم بعد فرض حَظْر التجوّل يقول فيه: "كان نفسي آكل كبدة وسجق عند حاحا قبل نهاية العالم"، ليأتي رد الصفحة: "الحمد لله ربّنا نجدك". 

"لايف بوي".. الإعلان لصالح المُنافسين؟ 

بعد أسابيع من الإعلان عن انتشار "كورونا" كوباءٍ عالمي تداول روَّاد مواقع التواصُل فيديو لإعلانٍ غريبٍ في المضمون لم نعتده أبداً في عالم الدعاية. حيث نشرت شركة صابون "لايف بوي"، مقطعاً يختتم بتوجيه الناس إلى استخدام أي نوع من أنواع الصابون الذي يواجه الجراثيم بشكلٍ فعَّال. 

وتقول العبارة التي ختم فيها الإعلان بشكلٍ واضحٍ وصادِم،  "يُرجى استخدام أقرب صابون إليك مثل لايف بوي أو ديتول أو جونسون أو لوكس". 

حَظِيَ الإعلان بانتشارٍ واسعٍ وتفاعُلٍ جيّدٍ على اعتبار أن هذا " ليس مُجرّد إعلان للايف بوي وإنما دليل بسيط لمُحاربة فيروس كورونا".

لكن البعض رأى أن الدعاية وفق هذه الصيغة، مُجرَّد دهاءٍ تسويقي من "لايف بوي" عبر طبع وتثبيت صورة إيجابية عن مدى إنسانية الشركة، وتالياً دفع الزبائن إلى مُكافأتها عبر شراء مُنتجاتها، والإيهام بأنها نحَّت مبدأ التنافُسية جانباً لصالح الغاية المُثلى وهي الحد من انتشار "كورونا".

"يوتيوب" وجدل حول الأرباح 

أما منصّة "يوتيوب" فقد أثارت جَدَلاً واسعاً حول سياساتها تجاه وضع أرباح الإعلانات على المواد التي تتناول معلومات خاصة بـ "كوفيد 19". حيث منعت في البداية مُنشئي المحتوى من تحقيقِ أرباحٍ من المواد المُرتبطة بكورونا، ثم تراجعت عن قرارها بشكلٍ جزئي، فسمحت بتحقيق الربح بشكلٍ خاصٍ لصالح ما أطلقت عليه (القنوات الموثوقة)، للحد من نشر معلومات خاطئة عن الفيروس. 

لكن يبدو أن تلك القواعد لم تُطبَّق بِقَدْرٍ كافٍ من الحيادية والصَرامة على جميع القنوات بما يُحقِّق المُساواة بينها، فنجمت أزمة تتعلَّق بمدى مصداقية المنصَّة الأولى عالمياً لمواد الفيديو. لأنها في الوقت الذي منعت فيه تحقيق أرباح من الإعلانات على فيديوهات "كورونا"؛ قامت بتفعيل الربح من الإعلانات في بعض مقاطع الفيديو الخاصة بعلاج الفيروس بالموسيقى التأمّلية والأعشاب وغيرها، حيث ظهرت فيها إعلانات حملة إعادة انتخاب ترامب لفترةٍ رئاسيةٍ جديدةٍ، وكذلك احتوت المقاطع ذاتها على إعلاناتٍ لفيسبوك، رغم أن "غوغل" وفيسبوك ومنصَّات إعلامية تقنية شهيرة كانت تعمل وقتئذٍ على إزالة الأخبار المُزيَّفة حول الأمر.

وفي تحقيقٍ أجرته "ديلي ميل" مؤخّراً هاجمت فيه "يوتيوب" قالت إن الأخير "قدَّم حوافز اقتصادية للناس (أي عن طريق السماح بتفعيل ربح الإعلانات) لإنشاء وتوزيع معلومات كاذِبة ومُضلّلة حول الوباء على منصَّته، والتي لها نطاق لا مثيل له تقريباً حول العالم"، إضافة إلى ظهور إعلاناتٍ تخصّ "ليبرتي موتشوال إنشورانس" وشركة Quibi الناشِئة، و"ماستركلاس كوم"، وهو ما ورد أيضاً في تحقيقٍ لصحيفة "الغارديان". 

وفي ردّ فعل منه قام "يوتيوب" بإزالة أربعة  من مقاطع الفيديو المعنية لانتهاك سياساتها ضد المعلومات الخاطئة عن "كوفيد-19". ووفقاً لمُتحدّثٍ رسمي باسم يوتيوب أن ما تبقّى ثلاثة مقاطع فيديو لأنها لا تروِّج للمعلومات الخاطئة بشكلٍ مباشر بل تقدِّم نصائح صحيّة، وأوضح وقتها أن يوتيوب مُلتزِمة تقديم معلومات مُفيدة في هذا الوقت الحَرِج. 

"نتفليكس".. أرباح طائلة؟

  • إعلانات في "زمن كورونا".. أفكار طريفة ولفتات "إنسانية" وجَدَل؟
    إعلانات في "زمن كورونا".. أفكار طريفة ولفتات "إنسانية" وجَدَل؟

أما شركة نتفليكس فيبدو أنها نجحت في تحقيق أرباح كبيرة من توافُد طلبات الإعلانات عليها بكثرة، وذلك نتيجة إجراءات الحَجْر الصحّي وتوقّف الأنشطة الترفيهية للكثير من الناس واضطرارهم للبقاء في بيوتهم فترات طويلة، ما دعم بقوَّة زيادة أسهمها في البورصة العالمية بنسبةٍ تخطَّت 15%، نتيجة لازدياد طلبات المُعلنين للإعلان عبر المنصَّة الترفيهية الأوسع انتشاراً. 

وكانت المنصَّة الترفيهية الرائِجة قد قرَّرت خَفْض جودة الصورة في موادها، لتستطيع تلبية زيادة طلبات المُشاهدة على ما تقدّمه من أفلامٍ وبرامج ومسلسلات، ضمن قرارات عدَّة كانت قد اتخذتها بعد إعلانها الذي تضمَّن توجيهها بمقاومة التوتّر والقلق من "كورونا" عبر مُشاهدة موادها الترفيهية. 

عمرو العزالي

كاتب وشاعر من مصر، حائز على (جائزة أحمد فؤاد نجم) لشعر العامية