"مناهضة التعذيب": الداخلية التونسية تمارس سياسات تعسفية في إطار "مكافحة الإرهاب"

"المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب" تدق ناقوس الخطر بعد تعرض تونسيين خاضعين لتدابير وزارة الداخلية في إطار سياسة مكافحة الإرهاب، لسياسات وصفتها بـ"التعسفية والقمعية"، والميادين تنقل شهاداتٍ حيّة من تونسيين مرّوا بتجارب مماثلة.

  • "مناهضة التعذيب": الداخلية التونسية تمارس سياسات تعسفية في إطار "مكافحة الإرهاب"
    عرضت شهادات تروي تعرّض عشرات الآلاف من التونسيين إلى سياسة وصفوها بـ"القمعية" (أرشيف)

 

دقت "المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب"، ناقوس الخطر حول مصير العديد من التونسيين المصنفين والخاضعين لتدابير المراقبة الإدارية التابعة لوزارة الداخلية، والتي وصفتها بـ"الضاربة للحريات"، وذلك في إطار سياسة مكافحة الإرهاب. 

وكشفت المنظمة خلال ندوة صحفية اليوم الجمعة، عن تقريرها الصادر الأربعاء الماضي، حول "الإجراءات المقيدة للحرية وتعسف تطبيق تدابير المراقبة الإدارية في البلاد"، بعد اعتمادها على تجارب عشرين منتفعاً من برنامج "سند" للمساعدة القانونية والاجتماعية والنفسية والطبية لضحايا التعذيب وسوء المعاملة، والتابع للمنظمة "العالمية لمناهضة التعذيب" في تونس.

اعتداءات تعسفية

وعُرضت خلال الندوة شهادات حية وقصص تروي تعرّض عشرات الآلاف من التونسيين إلى سياسة وصفوها بـ"القمعية"، واعتداءات على حقوقهم الأساسية لسنوات باسم مكافحة الإرهاب، اعتبروها "تعسفية". 

ويقول طالب كلية الطب، اختصاص طب أسنان، "ن"، إن حكايته انطلقت عام 2014، عندما أراد استخراج جواز سفره لاستكمال دراسته في الخارج، وتفاجأ حينها بأنه ممنوع من السفر لارتباطه بشبكات تسفير إلى بؤر التوتر.

ولم ينفِ الطالب "ن" في تصريح لـ "الميادين نت"، أنه كانت لديه نشاطات سياسية قبل الثورة، لكنه أكد أن "القضاء برّأه من تهمة الإرهاب وشمله العفو التشريعي العام"، كما أن "هيئة الحقيقة والكرامة" أنصفته.  ورغم ذلك يؤكد أنه لا يزال إلى اليوم يخضع إلى تدابير المراقبة، ما عطل حصوله على جواز سفر واستكمال دراسته الجامعية بالخارج.

ويضيف أن القيود التي يتعرض إليها بسبب الإجراءات الأمنية والرقابة، انعكست على وضعه الصحي فهو يعاني اليوم مرض الوسواس القهري إلى جانب تعرضه لتشنجات عصبية.

ويذكر أن الطالب "ن" مصنف"S17" وهو إجراء وقائيّ إداريّ يتمّ اتّخاذه عند وجود معلومات أو شبهات بخصوص إمكانية انتقال أشخاص إلى الأقطار المصنّفة بؤر توتّر مثل سوريا وليبيا، أو من سبق لهم زيارة تلك البلدان أو ثبتت مشاركتهم في الأماكن التي تشهد صراعات.

الشاب "م" يخضع أيضاً لتدابير تحد من حريته، ويؤكد في تصريحٍ لـ "الميادين نت" أن "حريته مقيدة بمعالم غير واضحة ودون أسس قانونية ودون دوافع أو حدود زمنية".

"م" يشير إلى أنه اكتشف بالصدفة خضوعه للرقابة الإدارية عام 2016، عندما أراد استخراج بطاقة عدد 3 باعتبارها وثيقة أساسية وجب أن يتضمنها ملفه لكي يتمكن من الالتحاق بوظيفته الجديدة.

" منذ تلك اللحظة وأنا أعيش كابوساً"، يقول "م"، مشيراً إلى أنه لم يعد قادراً على العمل كما أنه يرفض الخروج مع العائلة في نزهة حتى لا يضعها في إحراج، بحال تم إيقافه بالشارع، ويحاول دائماً التخفي عند تنقله من مكانٍ إلى آخر.

وضعيات هشة وإحساس بعدم الإنسانية

من جانبها، اعتبرت الأخصائية النفسية ريم بن إسماعيل، أن "هذه التدابير تمثل فقداناً لكل المقاييس على المستوى النفسي والاجتماعي".

وتضيف بن إسماعيل، في تصريح لـ "الميادين نت"، أن التدابير "تولّد تهميشاً حقيقياً يفضي في أغلب الحالات إلى فظائع اجتماعية توصف بالخطيرة بالنسبة للأشخاص المصنفين وبالنسبة للمجتمع ككل".

الأخصائية التي ترافق منتفعي برنامج "سند"، تؤكد أن "الذين يخضعون إلى تدابير إدارية، يجدون أنفسهم في وضعيات هشة، ما يجعلهم يشعرون بعدم مواطنتهم وتمتعهم بحقوقهم".

وتتابع: "بل ويبلغ إحساسهم إلى عدم إنسانيتهم وأحقية وجودهم في المجتمع، لأنهم تعرضوا إلى فقدان الوظيفة والطلاق والعزلة والصدمات المتكررة للوالدين والأبناء والقلق والاكتئاب".

قيود اعتباطية تتعارض مع الدستور

 نائب رئيس منظمة "مناهضة التعذيب" مختار الطريفي، دعا من جهته وزارة الداخلية إلى "تنفيذ الأحكام الصادرة المتعلقة بقضايا التعذيب".

الطريفي طالب المحكمة الإدارية بـ"التسريع  في النظر في الشكايات والقضايا  المقدمة من ضحايا التعذيب".

واعتبر أن "عدم تطبيق الأحكام هي من أوجه الفساد"، مشدداً على "ضرورة تطبيقها ووضع الإجراءات القانونية التي تضمن لكل مواطن حريته".

ووصف القيود بأنها "اعتباطية تتعارض مع الدستور والقانون الدولي"، داعياً الحكومة التونسية ومجلس نواب الشعب إلى "إصلاح الإطار القانوني المحيط بتدابير المراقبة الإدارية احتراماً للحقوق الأساسية للتونسيين".