من مصلحة واشنطن عدم السماح بانهيار لبنان

"إسرائيل" المتضررة الأولى من استقرار الأوضاع في لبنان، ومن أيّ انسحاب أميركي من المنطقة، تعيد ترتيب تحالفاتها بناء على الواقع الأميركي الجديد.

  • أطفال يلعبون وسط الدمار في حي الجميزة بالعاصمة اللبنانية بيروت (أ ف ب).
    أطفال يلعبون وسط الدمار في حي الجميزة بالعاصمة اللبنانية بيروت (أ ف ب).

يسير الاقتصاد اللبناني سريعاً نحو التلاشي، بعد أن بدأ الانهيار المعلن منذ أشهر. ومع هذا الانهيار، يرسم أمين عام حزب الله، السيد حسن نصر الله، في خطاباته الأخيرة منحى تصاعدياً إزاء ما يعتبره الحزب مؤامرة لحصار لبنان.

أشار نصر الله أخيراً إلى أنه قادر على الحفاظ على بيئته، في حال ذهب الأميركيون حتى النهاية في خيار تجويع اللبنانيين، ثم رفع السقف بالتلميح إلى أنَّ اللاعب القوي هو من يسيطر على الأرض في حال حدوث الفراغ والفوضى.

منذ بداية هذه المرحلة، تراوحت الضغوط الأميركية بين دبلوماسية دايفيد هيل وحقد دايفيد شينكر؛ الصديق الشخصي للكثير من الشخصيات اللبنانية المعادية لحزب الله. نجح شينكر في فرض رؤيته، بسبب عدم اكتراث الإدارة الأميركية الحالية بالملف اللبناني عامة، ورغبة دونالد ترامب المتزايدة في سحب القوات العسكرية من الشرق الأوسط، حتى إنّ معظم التحليلات في الصحف الإقليمية والغربية اتفقت منذ بداية الأزمة اللبنانية الراهنة على أنّ واشنطن غير مهتمة هذه المرة بانهيار لبنان كلياً.

بالتزامن مع هذه "اللامبالاة" الأميركية، تراجعت السعودية إلى حدود ترتيب العرش لمحمد بن سلمان قبل نهاية ولاية ترامب، ومواجهة الآثار الاقتصادية الداخلية لتراجع أسعار النفط وحرب اليمن ووباء كورونا، لكن "إسرائيل" المتضررة الأولى من استقرار الأوضاع في لبنان، ومن أيّ انسحاب أميركي من المنطقة، تعيد ترتيب تحالفاتها بناء على الواقع الأميركي الجديد. يتوج ترامب اتفاقيات التطبيع المعلنة كخيار بديل لجعل "إسرائيل" جزءاً طبيعيا في الشرق الأوسط، قبل أن يطلب من جميع الحلفاء الدفاع عن أنفسهم. لا تنفصل المساعي الفرنسية في لبنان والتدخل التركي المباشر عن العامل الأميركي المنسحب، والذي أعطى حلفاءه مهلة لترتيب أمورهم.

لكن مسارعة جميع اللاعبين الإقليميين والدوليين إلى حجز مساحة لمصالحهم السياسية والاقتصادية في الساحل الشرقي للمتوسط، أفضت عملياً إلى حشر لبنان في الزاوية. وبما أن مظاهر الدولة باتت شبه غائبة، نظراً إلى حدة الاستقطاب السياسي، فقد حلَّت علاقات الطوائف الخارجية بديلاً من الأمن القومي الموحد.

وهكذا، بدلاً من أن يبحث اللبنانيون عن دول تساعدهم على الالتفاف على الحصار الأميركي، قرَّرت كل طائفة الاستنجاد مرة جديدة بالخارج، مكرّرة خطيئة الأعوام التي سبقت نشوب الحرب الأهلية في العام 1975، مع فارق جوهري يكمن في أن اللاعب الأقوى على الساحة اللبنانية، أي حزب الله، لا يريد الحرب الداخلية.

بعد انفجار مخزن "نيترات الأمونيوم" في مرفأ بيروت، توقّع البعض انفتاحاً دولياً ورفعاً جزئياً للحصار، لكن المسار البطيء للمفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وعدم تحقيق أي اختراق لبناني يُذكر على صعيد التوجه شرقاً، فضلاً عن أداء مصرف لبنان، كلّها عناصر تؤكد أنّ أفق الانفراج لا يزال بعيداً.

ورغم أن حيزاً واسعاً من الأزمة اللبنانية الراهنة سببه التجاذبات السياسية الدولية والمناكفات الداخلية، فإنّ تدويل المسألة عاد ليرسم مصير لبنان مرة أخرى، لكن الدول حين تجتمع لتتفق على التسويات، تستند إلى أوراق قوتها على الأرض. وفي موازاة الضغط المستمر على اللبنانيين، فإنَّ الأقوى هو من يمتلك التنظيم الأكثر خبرة، بغضّ النظر عن مسألة امتلاكه القوة العسكرية الأمضى أيضاً.

إنَّ خروج لبنان عن السيطرة بسبب الفوضى في الشارع لن يؤدي إلا إلى تقوية التنظيم اللبناني الأقوى على الأرض، وسيكون ضحيتُه المستقلين بدايةً، ومن ثم خصوم حزب الله، الذين يجاهرون بالدعم الخارجي لخنقه.

قد تسجّل واشنطن وحلفاؤها نقاطاً متفرقة في المشهد خلال الأسابيع القادمة، لكنّها نقاط لا تغيّر في الميزان الاستراتيجي كثيراً. مرة أخرى، قد يجد اللبنانيون أنفسهم أمام تكرار خطأ سبق أن ارتكبوه ودفعوا ثمنه غالياً، ولكن الفارق هذه المرة هو أنّ الشريحة الأوسع من اللبنانيين التي تمتلك المقدرات للصمود، تمتلك أيضاً عمقاً إقليمياً ودولياً وازناً.