"فاشينيستا" السياسة والإعلام: الرئيس الذي سيشعل أميركا!

أتقن ترامب لعبة مخاطبة وعي الرأي العام بأدوات السخرية والتضليل والكذب والتشكيك، وعلى الرغم من أنَّ هذه الأدوات كانت مكشوفة في أحيانٍ كثيرة، لكن خطورتها تكمن في أنها تنبع من الشخص الأكثر نفوذاً في العالم.

  • لقد نجح ترامب منذ اليوم الأول لدخوله المعترك السياسي قبل الانتخابات الأولى، في أن يثبت صورة
    لقد نجح ترامب منذ اليوم الأول لدخوله المعترك السياسي قبل الانتخابات الأولى، في أن يثبت صورة "الفاشينيستا" السياسية بامتياز

إشارات الصراع في الولايات المتحدة هذه المرة مختلفة عن كلّ مرة. الاستقطاب السياسي حادّ. عمليات بيع السلاح بلغت مستويات غير مسبوقة. جماعات متطرفة مسلَّحة تفرض سطوتها في المدن تحت مرأى الأجهزة الحكومية. جرائم موصوفة باتت أسيرة التنافس الانتخابي بين الديموقراطيين والجمهوريين. الانقسام حول إجراءات التعامل مع كورونا يتخذ أشكالاً غير سلمية. عمليات قتل الأميركيين الأفارقة باتت مألوفة. أنصار دونالد ترامب مستعدون لارتكاب أعمال عنف دفاعاً عن سياساته. كل هذه الإشارات تُمهّد لمرحلة جديدة في الولايات المتحدة الأميركية.

يناقش البعض في أنَّ هذه الظواهر ليست جديدة في التاريخ الأميركي الحديث. هذا صحيح، لكنها لم تجتمع يوماً في عهد رئيس كترامب. في الواقع، يناقش علماء في السياسة في أنَّ انتخاب الملياردير القادم من برامج الاستعراض التلفزيوني كان يعني تلقائياً انقسام المجتمع الأميركي بين فئات شعبية فوضوية وتيارات أخرى مشتتة ترى فيه انتهاكاً للسلطة. يمكن ملاحظة طبيعة هذه التيارات في الشرائح الداعمة لجو بايدن. أغلب الداعمين للمرشح الديموقراطي يدعمونه، لا إيماناً بقدراته، بل ببساطة رغبةً في عدم بقاء ترامب في البيت الأبيض لولاية ثانية.

هل تعني المعطيات أننا أمام حرب أهلية أميركية، كما يذهب بعض المحللين الأميركيين؟ ما يمكن الجزم به أنّ حكم ترامب أرسى جرأة شعبية في التطاول على النظام والتشكيك في "الدولة العميقة". أتقن ترامب لعبة مخاطبة وعي الرأي العام بأدوات السخرية والتضليل والكذب والتشكيك. وعلى الرغم من أنَّ هذه الأدوات كانت مكشوفة في أحيانٍ كثيرة، لكن خطورتها تكمن في أنها تنبع من الشخص الأكثر نفوذاً في العالم، وأنها أعطت الجماهير "النائمة" ما تحتاجه لتستيقظ وتعبّر عن رأيها، متخذة من رمزها الأعلى قدوة في التعبير، بغض النظر عن مضمون الرأي وعقلانيّته.

هذا الرمز أرسى أيضاً فكرة شديدة الخطورة عن القيمة التي لطالما نادت بها الديموقراطية الأميركية: تداول السلطة. كرّر ترامب مرات عديدة رفضه نتائج الانتخابات منذ عام من الاستحقاق الرئاسي. لم يكن هذا الموقف وليد انفعال أو إضعافاً للديموقراطيين فقط، بل إنّ تداعياته تركت عميق الأثر في الوعي الجمعي للأميركيين، حتى بات النقاش في الإعلام يجري حول الإجراءات التي يمكن أن يتّخذها الجيش والشرطة في حال رفض الرئيس نتائج الانتخابات!

لكنَّ هذه الإجراءات ستصطدم بأنصار ترامب المجهّزين للقبول بفكرة تزوير الانتخابات وعدم نزاهتها. وللتذكير، فإنّ هؤلاء الأنصار ليسوا علماء اجتماع ولا ذرّة، بل هم الشرائح الشعبيّة الّتي تدغدغ كلمات ترامب وحركات جسده وعيها.

بالنّسبة إلى المراقبين في الخارج، يمكنهم توجيه الانتقاد بقدر ما يشاؤون إلى الرئيس الأميركي الحالي، بل والسخرية من تغريداته وسلوكه أثناء العديد من الخطابات والإطلالات الإعلامية، فأيّ رئيس دولة عظمى يمدّ لسانه، ويرفع يديه، ويمشي خطوات صغيرة بعيدة من المنبر، ويبدّل صوته ليسخر من خصمه ويُضحك الجمهور؟!

قد يبدو ذلك فعل تفاهة معيباً بالنسبة إلى غير الأميركيين، ولكنه فعل حداثة بالنسبة إلى نصف الأميركيين على أقل تقدير، فأعظم شخصية سياسية في العالم لا تتوانى عن التحدث والتصرف من دون اعتبارات دبلوماسية أو أخلاقية. ترامب هو المواطن الأميركي المتجرّد من كل قيود، وهو أيضاً ضحية وجوده على رأس إدارة يسعى "الأشرار" للسَّيطرة عليها. والأشرار هنا ليسوا ديموقراطيين فقط، بل هم كل من يعارض ترامب والشعب.

لقد نجح ترامب منذ اليوم الأول لدخوله المعترك السياسي قبل الانتخابات الأولى، في أن يثبت صورة "الفاشينيستا" السياسية بامتياز. لم يتوقّع الكثيرون فوز الملياردير المهووس بالنساء والأضواء برئاسة الولايات المتحدة. قلة من السياسيين في العالم التقطوا إشارات ما يفعله ترامب وحجم تأثيره الشّعبي. كان المرشد الأعلى الإيراني واحداً من هؤلاء يومها.

في أفضل السيناريوهات، قد تمرّ نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية هذه المرة من دون ضحايا، بحسب ما ستفضي إليه، وبحسب ما تخفيه ديناميات الحكم التي نعلمها، لكن الانتخابات المقبلة سيخوضها الأميركيون بالدم والسلاح. هذا ليس تحليلاً ولا تقديراً. إنه السياق النفسي للجمهور الأميركي.