تركيا 2020.. تفاوض على الحافة أم أزمات حاسمة مع الغرب؟

عرفت تركيا في السنوات الأخيرة انخراطاً أكبر في أزمات دول الإقليم، وسعت لأن تحجز لنفسها مكانةً في ظل الانكفاء المتزايد لواشنطن عن الشرق الأوسط، لكنها اصطدمت بحلفائها التقليديين.

  • تركيا 2020.. ملء فراغ الأزمات أم تحول للشرق؟
    روسيا ترحب بالتحالف مع تركيا العضو الأساسي في حلف شمال الأطلسي

شهد العام المنصرم، توسعاً في النشاط التركي الخارجي وانخراطاً متزايداً في الصراعات الإقليمية،  من ليبيا المنقسمة على نفسها، إلى سوريا التي تعيش جموداً في الحسم العسكري والسياسي، وحتى القوقاز الذي لا تزال مشاكله التاريخية تتجدد من وقت لآخر، وليس انتهاءً بالصراع مع اليونان على مصادر الطاقة في شرق البحر المتوسط.

ما كان لافتاً هذا العام، ليس استخدام القوات التركية في أكثر من بقعة ساخنة في الشرق الأوسط، فمثل هذه التدخلات تعود لفترة سابقة، ليس أولها دخول تركيا مباشرةً في الحرب السورية عام 2016، وقبل ذلك بشكل غير مباشر، إنما في تنوع مثل هذه التدخلات، وفي سياقها الدولي الذي لم يكن دائماً لصالح أنقرة، والأهم في التبعات التي خلفتها مثل هذه الأنشطة العسكرية على الشأن التركي.

وأمام هذا "الجموح" التركي والتقدّم للعب دور مستقل في المنطقة، برزت الخلافات مع شركاء الأمس أي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. واتخذت هذه الخلافات طابعاً ثقافياً أحياناً (آيا صوفيا، الإساءة للإسلام)، وسيادياً أو سياسياً في حين آخر (قبرص التركية، الحدود البحرية، خطوط الغاز، ليبيا، حلف الناتو).

ووصلت التوترات حدّ إعلان واشنطن وبروكسل نهاية العام الجاري، عن عقوبات على شخصيات وجهات تركية، وإن كانت عقوبات تحذيرية بشكل عام، أي بعيدة كل البعد عن إغلاق أبواب التفاوض والشراكة مع أنقرة، حيث يكمن خوف الشركاء الأطلسيين في أن تأتي العقوبات والضغوط المتزايدة على تركيا بنتائج معاكسة، وأن تكون سبباً في دفع إردوغان أكثر نحو الحضن الروسي، ولهذا يبدو الأوروبيون أكثر تريثاً في إقرار عقوبات شاملة.

استدارة نحو موسكو، أم تمسّكٌ بالحبل الأوروبي؟

أمام ذلك، جرى الحديث خلال الأشهر الماضية، عن نوع من الاستدارة التركية نحو روسيا، لا سيما وأن البلدين باتت تجمعهما ملفات كثيرة، كتنفيذ اتفاق وقف النار في ناغورنو كاراباخ والتهدئة في شمال سوريا والإمداد الآسيوي لأوروبا بالغاز.

روسيا بدورها ترى في الحلف مع تركيا مكسباً مهماً، أولاً بسبب انتماء الأخيرة لحلف "الناتو" ووقوعها تاريخياً في الحلف الغربي، وثانياً لقيمة التحالف في معالجة الملفات المشتركة. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كان قد دعا في تشرين الثاني/نوفمبر، إلى تحالف عسكري بين البلدين على غرار التحالف بين فرنسا وألمانيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وقال: "لماذا لا تفعل روسيا وتركيا أمراً مثيلاً، في منطقة البحر الأسود؟"، مضيفاً أن موسكو وأنقرة لديهما "تجربة جيدة" في العمليات المشتركة في الحرب السورية.  

لكن حسابات إردوغان ليست حسابات عسكرية بالدرجة الأولى، فالضرورات الاقتصادية تملي عليه التمسك بالشراكة مع جيرانه الأوروبيين، خاصةً مع الانحدار المتزايد في اقتصاد البلاد بفعل هروب الاستثمارات الأجنبية وارتفاع أسعار الفائدة نتيجة التضخم وتدهور العملة وخسارتها أكثر من 30% من قيمتها أمام الدولار في هذا العام، كل ذلك بالتزامن مع جمود حركة السياحة والتجارة جراء موجتين من وباء كورونا. 

ولهذا فإن التحالف الذي تطمح إليه روسيا، لا يبدو ملائماً لإردوغان الذي لن يجد في اقتصاد روسيا المتوسط والمعتمد أساساً على الثروات الطبيعية وبعض الصناعات خاصةً العسكرية، معتمداً لنقل اتجاه تركيا التي عاشت منذ قمة هلسنكي عام 1999، آمالاً بأن تكون عضواً في الاتحاد الأوروبي وأن تقبل في مجموعة "الديموقراطيات الحديثة". 

فوز بايدن.. آخر أحزان إردوغان!

وما يضاعف الضغوط على إردوغان وحزبه، خسارة ترامب للانتخابات وفوز من لا يرغب بفوزه؛ جو بايدن. لقد استفاد الرئيس التركي خلال السنوات الـ4 الماضية من انكفاء أميركا النسبي عن الاهتمام بشؤون الحلف الأطلسي وبرود العلاقات الأميركية – الأوروبية، في محاولاته للاستفادة من الصراع الليبي من أجل البحث لتركيا عن مكانة مناسبة في أي مشروع لنقل الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا، ولو بما يخالف مصلحة بعض دول الاتحاد بل بما يستفزها كالتنقيب في المياه اليونانية الأمر الذي رفع احتمال نشوب نزاع عسكري بين البلدين. وفي عهد ترامب أيضاً نجح إردوغان في إحكام سيطرته على المؤسسات التركية عقب الانقلاب الفاشل عام 2016، وتحويل نظام الحكم إلى نظام رئاسي عام 2018، بما ساعده لاحقاً في تذليل العقبات أمام استخدام قواته في الإقليم بشكل أوسع. 

لا شك أن إردوغان الذي أبطأ في تهنئة بايدن ليس مرتاحاً كما روسيا لفوز الأخير، لكن مع ذلك لا يمكن الجزم بمسار الأمور في علاقات البلدين، قبل تسلم الرئيس الجديد للحكم وإعلانه عن سياساته تجاه الشرق الأوسط بشكل واضح. إردوغان يقول إن التشاؤم بشأن العلاقات التركية الأميركية بعد فوز نائب الرئيس السابق هو مجرد "كلام في الإعلام"، وأن الخلافات يمكن أن تناقش "تماماً كما جلسنا وتحدثنا في الولايات المتحدة أو تركيا من قبل"، وهذا ما لا يريده الرئيس التركي وحده – على الأرجح- بل سيكون هدفاً للإدارة الجديدة التي ترغب في ترميم التصدعات بين حلفائها المتوسطيين.  

كما يوضح مايكل سينغ وسنان أولجن في "فورين بوليسي"، فإن تركيا وبموقعها الحيوي وبناتج محلي إجمالي يبلغ 750 مليار دولار، تستطيع أن تلعب دوراً أساسياً في ملء الفجوة التي سيتركها اتجاه أميركا لتركيز قوتها واهتمامها في شرق آسيا لمواجهة "الخطر الصيني" الصاعد. لكن وفق الكاتبين ما يجعل تركيا على قدر من الأهمية لأميركا، هو نفسه ما يثير شهية الصين وروسيا، ما يبقي الخيارات مفتوحة أمام تركيا. 

عقب فرض عقوبات أوروبية على أتراك على صلة بـ"تصعيد الاستفزازات التركية في شرق المتوسط"، سارع إردوغان لدعوة الأوروبيين إلى "فتح صفحة جديدة" وتعزيز العلاقات بين الطرفين. وبعيد فرض واشنطن عقوبات على مسؤولين في التصنيع العسكري التركي، بسبب شراء منظومة  "إس 400" من روسيا، جرى الحديث عن وساطة أذربيجانية بين "إسرائيل" وتركيا من أجل إعادة إحياء العلاقات إلى ما كانت عليه قبل عام 2012، الأمر الذي عكسه أيضاً تصريح إردوغان قبل أيام بأن بلاده تود "إقامة علاقات أفضل مع إسرائيل". 

الواضح أن تركيا استطاعت هذا العام، أن تحول بعض النزاعات العسكرية لصالحها (ليبيا، ناغورنو كاراباخ)، وأن تحافظ على احتلالها لجزء من الشمال السوري، لكن يبدو أن تنقيبها عن الغاز في شرق المتوسط اصطدم بجدار أوروبي سيكون مدعماً في السنوات المقبلة بخطوط حمراء أميركية، وأن قدرتها على الانسلاخ أكثر عن حلفائها التاريخيين والاستدارة شرقاً دونها تهشيم الاقتصاد المحلي، الذي لا يزال معتمداً إلى حد كبير على التجارة مع الاتحاد الأوروبي (بلغ حجم التجارة بين تركيا والاتحاد عام 2019 حوالي 138 مليار يورو).

السنة المقبلة ستوضح أكثر إن كانت الندوب الراهنة في العلاقة بين تركيا وحلفائها التقليديين ستتوسع إلى شقاق بعيد الغور، أم أن تركيا الطامحة لأن تكون مؤثرة في الإقليم، ستظل مجرد دولة في قائمة الانتظار الطويلة لعضوية الاتحاد.