تكتيكات سعودية

قادة السعودية لم يعترفوا أبداً بإسرائيل، حتى المبادرة السعودية لعام 2002 التي صاغها ولي العهد آنذاك الأمير عبد الله، والتي أنهت التعنت العربي المطلق، جعلت تطبيع العلاقات متوقفاً على انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي العربية المحتلة، بما فيها مرتفعات الجولان السورية، "حل عادل" لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وإقامة "فلسطين مستقلة وذات سيادة" في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية.

إسرائيل والسعودية تتشاركان أعداءاً وينظران إلى إيران على أنها تهديد كبير
إسرائيل والسعودية تتشاركان أعداءاً وينظران إلى إيران على أنها تهديد كبير

في هذا السياق من الرفض، كان منعشاً لزعيم سعودي يبدو وكأنه يكسر التقاليد. في مقابلة مع جيفري غولدبرغ، رئيس تحرير مجلة "ذي أتلانتيك"، بدا ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مؤكداً على حق إسرائيل الأساسي في الوجود.

هل كان هذا تأكيداً كاملاً للصهيونية السياسية؟ أبداً.. لكن يبدو أنه يشير إلى استعداد من جانب السعوديين للسماح باستشعار المصلحة السعودية - الإسرائيلية المشتركة في الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة في التصريحات العامة والتلميحات. وإذا أخذنا في الاعتبار التطورات الإضافية، فإن تصريحات MBS لغولدبرغ تبدو وكأنها علامة على عهد جديد وأكثر براغماتية في العلاقات الإسرائيلية - السعودية.

في الشهر الماضي، سمحت الرياض لشركة طيران الهند بالتحليق فوق المجال الجوي السعودي من وإلى إسرائيل.

في بداية شهر مارس/ آذار، أُفيد عن عقد مسؤولين كبار إسرائيليين وسعوديين سلسلة من الاجتماعات السرية في القاهرة، مع توقع كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب النقاب عن خطته للسلام في الشرق الأوسط التي طال انتظارها. ويقال إن السعوديين يضغطون على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لقبول شروط مبادرة ترامب للسلام.

في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، عرض رئيس أركان الجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت مشاركة المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية حول إيران مع السعودية، في مقابلة نادرة مع "إيلاف"، وهي صحيفة سعودية على الإنترنت تصدر في لندن.

وفي مقابلة أخرى مع "إيلاف"، حتى ان وزير النقل الإسرائيلي يسرائيل كاتس تحدث عن بناء سكة حديد تربط بين إسرائيل والسعودية عبر الأردن.

كل هذه التطورات وغيرها إيجابية، لكن ينبغي النظر إليها في سياق أوسع. وكما قلنا في الماضي، فإن إسرائيل والسعودية ليس لديهما قيم مشتركة. فمع كل ما يروّج له محمد بن سلمان من إصلاحات ضد الفساد وإصلاحات لصالح المرأة، قائد هذا البلد البالغ من العمر 32 عاماً لا يترك مجالاً للمعارضة، ويسجن نشطاء حقوق الإنسان، ويضطهد النساء والأقليات الدينية، ويبقى فاسداً.

موقف MBS كقائد السعودية ليس آمناً على الإطلاق. المملكة تمزّقها مجموعات متناقضة أيديولوجياً، والأمير صنع العديد من الأعداء خلال صعوده إلى السلطة. إذا كان ينظر إليه على أنه مؤيد لإسرائيل بشكل مفرط، فيمكن استخدام هذا ضده في الصراع الداخلي على السلطة.

ومع ذلك، على المستوى التكتيكي، إسرائيل والسعودية تتشاركان أعداءاً. البلدان ينظران إلى إيران على أنها تهديد كبير، ويعترف السعوديون بأن إسرائيل، بعيداً عن عنصر زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، يمكن أن تكون حليفاً هاماً في حملة احتواء الجمهورية الإسلامية وإحباط محاولاتها لتوسيع نفوذها والحصول على أسلحة نووية. 

وتنظر كل من إسرائيل والسعودية إلى حماس وغيرها من الحركات الجهادية المستوحاة من الإخوان المسلمين كقوة مدمرة في المنطقة.

يجب على إسرائيل الاستفادة من هذا التحالف التكتيكي مع السعوديين لتعزيز نفوذها الدبلوماسي في قضايا مثل الاتفاق النووي الإيراني وسياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا. وفي الوقت نفسه، يجب على إسرائيل العمل مع السعوديين من أجل إحداث تحول أكبر في المنطقة، والذي يبدو فيه MBS شريكاً لديه مقومات البقاء.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً